← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

وجه الاستدلال به كالاستدلال بالحديث السابق، والجواب عنه كالجواب عنه، فهو دليل على جواز سجود السهو قبل السلام، ولكن لا دلالة فيه أن ذلك على سبيل الوجوب؛ لأن الأصل في الأفعال الاستحباب والله أعلم. الدليل الرابع: (ح-٢٥٥٥) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثني محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، أنه قال له عمر: يا غلام هل سمعت من رسول الله ﷺ ، أو من أحد من أصحابه: إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع؟ قال: فبينا هو كذلك، إذ اقبل عبد الرحمن بن عوف، فقال: فيم أنتما؟ فقال عمر: سألت هذا الغلام: هل سمع من رسول الله ﷺ ، أو أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع؟ فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أواحدةً صلى أم ثنتين؟ فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثًا؟ فليجعلها ثنتين، وإذا لم يدر أثلاثًا صلى أم اربعا؟ فليجعلها ثلاثًا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته، وهو جالس قبل أن

стр. 7107

يسلم سجدتين (١). [وصله معلٌّ، والمحفوظ أنه عن مكحول عن النبي مرسلًا، ويغني عنه حديث أبي سعيد الخدري] (٢).

стр. 7108

الدليل الخامس: (ح-٢٥٥٦) روى أبو داود في سننه من طريق إبراهيم بن سعد، وابن ماجه من طريق يونس بن بكير، كلاهما عن ابن إسحاق قال: حدثني

стр. 7109

الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته، فيدخل بينه وبين نفسه حتى لا يدري زاد أو نقص، فإذا كان ذلك، فليسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم (١). ورواه أبو داود من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن أخي الزهري، عن الزهري به بنحوه، وقال: وهو جالس قبل التسليم (٢). [قوله: (قبل أن يسلم، أو قبل التسليم) حرف شاذ] (٣).

стр. 7110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7111

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7113

الدليل السادس: (ح-٢٥٥٧) ذكر البيهقي في السنن، والحازمي في الاعتبار: أن الشافعي روى في القديم، عن مطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري قال: سجد رسول الله ﷺ قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام (١). [مرسل بسند ضعيف]. قال البيهقي: قول الزهري منقطع … ومطرف بن مازن غير قوي (٢). • ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: قال البيهقي: قول الزهري منقطع … ومطرف بن مازن غير قوي (٣). الوجه الثاني: قول الزهري: (وآخر الأمرين قبل السلام) هذا الجزء من كلام الزهري مقطوع عليه، وليس جزءًا من المرسل، ورأي الزهري ليس بحجة لو ثبت عنه، فكيف إذا كان لا يثبت عنه، وإنما المشهور عنه أنه يرى سجود السهو قبل السلام كغيره من أهل المدينة ممن يرى السجود قبل السلام، وهو قول أكثر أهل المدينة كما أفاده الترمذي.

стр. 7114

الوجه الثالث: القول بالنسخ مرده إلى اعتقاد التعارض بين الأحاديث المرفوعة في سجود السهو، حيث وقع السجود في بعضها قبل السلام وفي بعضها بعده، وهو قول ضعيف جدًّا؛ ولا حاجة إلى افتراض التعارض مع اختلاف المحل. يقول الحافظ ابن رجب: «سجود النبي ﷺ قبل السلام وبعده، إن كان في صورتين، أمكن العمل بهما معًا، وإن كان في صورة واحدة، دل على جواز الأمرين، والعمل بهما جميعًا، والنسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع» (١). ويقول إمام الحرمين وهو شافعي: «لئن صح ما ذكره الزهري أنه سجد آخرًا، فهذا لا يعين ذلك، ولا ينفي جواز ما تقدم» (٢). الوجه الرابع: لو حدث تغيير في تشريع سجود السهو لنقل مثل ذلك عن النبي ﷺ تبليغًا لأمته للأخذ بالناسخ وترك المنسوخ، ولا يحفظ نص واحد يقول: كنا نسجد بعد السلام، فأمرنا بالسجود قبل السلام. قال ابن تيمية: «النسخ إنما يكون بما يناقض المنسوخ، والنبي ﷺ سجد بعد السلام، ولم ينقل مسلم أنه نهى عن ذلك، فبطل النسخ» (٣). الوجه الخامس: الصحابة ﵃ مع اختلافهم في المسألة لم يدَّعِ أحد منهم القول بالنسخ، ولو وقع لاحتج به من يقول بالسجود قبل السلام على من يقول بالسجود بعده، ولا أعلم أحدًا قال بالنسخ قبل الزهري، هذا على افتراض ثبوته عنه، والله أعلم. الدليل السابع: (ث-٦١٢) من الآثار ما رواه ابن المنذر من طريق جرير، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أبي سلمة،

стр. 7115

عن أبي هريرة، أنه كان يأمر بسجدتي السهو قبل أن يسلم (١). [انفرد به محمد بن إسحاق على اختلاف عليه في وقفه ورفعه، وكبار أصحاب الزهري يروونه مرفوعًا ولا يذكرون موضع السجدتين] (٢). الدليل الثامن: من النظر، أن السهو يحدث خللًا في الصلاة، فاحتاجت الصلاة إلى جبران، وجبرانها يكون قبل السلام، لأن الأصل أن الجابر يقع داخل المجبور وليس بعده كالحج. • ويجاب من وجوه: الوجه الأول: هذا نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا؛ لكونه يلزم منه رد النصوص التي ثبت أن النبي ﷺ سجد فيها بعد السلام. الوجه الثاني: لا نسلم بأن سجود السهو يكون جبرًا للصلاة، فالسجود قد يكون ترغيمًا للشيطان.

стр. 7116

الوجه الثالث: القياس على جبران الحج فيه نظر، فالدم في الحج يشترط لوجوبه أن يكون متعمدًا على الصحيح، بخلاف السهو، فلا يصح في حال العمد، ولو صح القياس فإن الجبران في الحج قد يقع خارج المجبور، فالدم قد يقع بعد التحلل من النسك، والصيام يقع بعد رجوعه إلى بلده، فبطل القياس. الوجه الرابع: لو كان الحكم لمطلق النظر، فالنظر لا يمنع من جواز الأمرين، فالقائلون بالسجود بعد السلام لهم دليل نظري أيضًا، حيث يقولون: إن سجود السهو ليس من الصلاة، فما كان زائدًا عليها تعين أن يكون محله بعد الفراغ منها، والفراغ لا يكون إلا بالتسليم. ولأنه قد يحصل منه سهو في السلام، فيحتاج إلى إعادة سجود السهو، فناسب أن يكون ذلك بعد الفراغ من الصلاة. فلما كان لكلا القولين دليل نظري دل ذلك على جواز الأمرين، والأمران ثابتان في السنة، فالقول بالتخيير هو الأقرب، والله أعلم. الدليل التاسع: سجود السهو قد وجد سببه في الصلاة، فكان محله في صلب الصلاة قياسًا على سجود التلاوة. يقول الماوردي: «لأنه سجود عن سبب وقع في صلاته، فوجب أن يكون محله في الصلاة قياسًا على سجود التلاوة» (١). • ويجاب: بأن سجود التلاوة سجود يفعل عقيب سببه، فناسب أن يكون في الصلاة، بخلاف سجود السهو؛ فإنه لما كان لا يفعل عقيب سببه دل على أن له تأخيره إلى بعد السلام. الدليل العاشر: لو كان محل السجود بعد السلام لوجب إذا فعله ناسيًا قبل السلام أن يسجد لأجله

стр. 7117

بعد السلام، وفي إجماعهم على ترك السجود له بعد السلام دليل على أن محله قبل السلام. • ويجاب: بأن هذا دليل على جواز الأمرين، وليس على وجوب كونه قبل السلام مع التذكير بأن كل نظر يلزم منه رد النصوص الصحيحة فهو رد على صاحبه. • دليل من قال بالتخيير: الدليل الأول: سجد النبي ﷺ قبل السلام في بعض صور السهو، وفي بعضها سجد بعد السلام، وإن كانت الصورة مختلفة فمرد ذلك إلى قلة حوادث السهو من النبي ﷺ ، وقد وجد آثار عن الصحابة بالسجود قبل السلام وبعده، وبعض هذه الصور تخالف في ظاهرها ما رود مرفوعًا، والذي يظهر أن مخالفتها للمرفوع مرده إلى السعة والتنوع، ولا يظهر لي أنها معارضة. (ث-٦١٣) فقد روى ابن المنذر من طريق يزيد بن زريع، قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس والحسن أنهما قالا في الرجل يشك في صلاته فلم يدر أزاد أو نقص فليسجد سجدتين بعدما يسلم. [صحيح موقوفًا، وسماع ابن زريع من سعيد قبل تغيره] (١). فسجد أنس ﵁ في الشك بعد السلام، وظاهره مخالف لحديث أبي سعيد الخدري. (ث-٦١٤) ومنها: ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق أبي داود، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، قال: صلى بنا ابن الزبير ﵄، فقام في الركعتين الأوليين، فسبحنا به، فقال: سبحان الله، ولم يلتفت إليهم فقضى ما عليه، ثم سجد سجدتين بعد ما سلم.

стр. 7118

[صحيح] (١). فقام ابن الزبير من اثنتين، وسجد بعد السلام، وظاهره مخالف لحديث ابن بحينة. (ث-٦١٥) ومنها: ما رواه ابن المنذر من طريق زهير، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: صلى سعد بن أبي وقاص، فسها في ركعتين، فقام في الثانية، فسبح به القوم من خلفه، فمضى حتى فرغ، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعدما سلم. [صحيح موقوفًا، وقد روي مرفوعًا، ولا يصح] (٢). تابع بيان أبو بشر إسماعيل بن أبي خالد: فقد رواه الطحاوي، قال: حدثنا سليمان، قال: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن بيان أبي بشر الأحمسي، قال: سمعت قيس بن أبي حازم، قال: صلى بنا سعد بن مالك، فقام في الركعتين الأوليين، فقالوا: سبحان الله، فقال: سبحان الله فمضى، فلما سلم، سجد سجدتي السهو (٣). [وسنده صحيح]. فهذا أنس وابن الزبير وسعد بن مالك ﵁ خالفوا ما ورد في السنة المرفوعة والذي يظهر أن مرد ذلك إلى السعة؛ لأنه يبعد جدًّا أن يخالف هؤلاء الصحابة السنة المرفوعة، ثم لا يوجد من المصلين من الصحابة والتابعين من ينكر عليهم، أو يراجعهم، فتقبل الناس ذلك منهم مرده إلى أحد احتمالين: إما أن يقال: إن الإمام وجماعة المأمومين يجهلون السنة، وهذا بعيد جدًّا في حق الصحابة والتابعين، خاصة مع تكرر هذا في جماعات مختلفة. وأما أن يقال: إنهم يرون أن محل السجود على التنوع والسعة، فمن سجد قبل السلام، أو سجد بعد السلام؛ فإن ذلك يجزئه، وإن كانت موافقة المرفوع أحب إليَّ، ويتأكد ذلك أنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة من فرق في محل

стр. 7119

السهو بين الزيادة النقص. الدليل الثاني: (ح-٢٥٥٨) روى البخاري من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد، حدثنا منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود في قصة سهو النبي ﷺ ، وفيه: قيل: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فسجد بهم سجدتين، ثم قال: هاتان السجدتان لمن لا يدري: زاد في صلاته أم نقص … (١). فأوجب السجدتين وسوَّى بين الزيادة والنقص، فإذا سها المصلي فعليه أن يسجد سجدتين، أما محلهما فآخر صلاته، سواء أفعل ذلك قبل السلام، أم فعل ذلك بعده، فالأمر واسع، ولأنه إذا فرغ من التشهد فقد قضى صلاته، ولم يبق عليه إلا التسليم حتى ذهب جماعة من أهل الحديث إلى القول بصحة صلاة من أحدث قبل السلام، كالإمام سعيد بن المسيب، وعطاء، والإمام الثوري، وإسحاق بن راهويه، وإبراهيم النخعي، ومكحول، واختاره بعض الفقهاء كأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهم، وقد وثقت ذلك عنهم في هذا المجلد، وفي صفة الصلاة عند الكلام على حكم التسليم، فلم يكن هناك فرق كبير بين أن يقع السجود قبل السلام أو يقع بعده. الدليل الثالث: قال مالك ﵁: ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل ولا بعد، وكان ذلك عندهم سهلًا (٢). والمقصود بالناس العلماء؛ لأن العوام لا حجة في أفعالهم، فإذا كان هذا عمل كثير من العلماء زمن الإمام مالك، ولم نجد نصًا مرفوعًا عن النبي ﷺ ، ولا أثرًا عن صحابي يرد سجود السهو قبل السلام وبعده إلى الزيادة والنقص، فالأصل أن ذلك كله واسع.

стр. 7120

الدليل الرابع: الحنفية يرون السجود كله بعد السلام، وقد نقلوا الإجماع على أنه لو سجد قبل السلام ناسيًا لا يعيد سجود السهو بعد السلام حتى لا يتكرر (١). ولو كان وقوعه قبل السلام في غير محله لم يفت به السجود؛ وكان مطالبًا إذا سلم أن يسجد، ولا يعتبر تكرارًا؛ لأن وقوعه في غير محله لغو، ولكن لما كان ذلك الأمر واسعًا اعتبر كأنه وقع في محله، والله أعلم. الدليل الخامس: الأصل في العبادات أنها توقيفية، ولا تقبل القياس، وإلا لأدى ذلك إلى إحداث عبادات غير مشروعة، وأظهر ما يكون التعبد في أفعال الصلاة، فالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، والفجر ركعتان، والمغرب ثلاث، كل ذلك لا يدرك بالاجتهاد، واختيار السجود ليكون جابرًا للسهو دون غيره، واختيار محله، الأصل فيه عدم التعليل، والتفريق بين الزيادة والنقص ذهاب إلى تعليل ذلك، وهو خلاف الأصل. وعندما نقول الأصل في العبادات عدم التعليل، لا يعني أنها لم تشرع لحكم ومصالح للعباد في الدنيا والآخرة، فالله حكيم، ولا يشرع شيئًا لعباده إلا لحكمة ومصلحة للعباد عاجلًا وآجلًا، ولكن التعليل الذي يراد منه قياس فرع على أصل لعلة جامعة، ليس هذا هو الأصل في العبادات. الدليل السادس: سجود السهو لا يعتبر جزءًا من ماهية الصلاة، سواء سجد قبل السلام أم سجد بعده، فسجوده داخل الصلاة لا يعني أنه بمنزلة السجدة التي في صلب الصلاة، بل هو أشبه بسجود التلاوة يقع خارج الصلاة وداخلها، ولا يعد جزءًا من الماهية، وإذا سجد بعد السلام لا يعني انفصاله عنها كانفصال سنة الصلاة البعدية والتي يشترط لدخول وقتها الفراغ من الصلاة المكتوبة إلا أنها مستقلة بنفسها، سواء أصلاها في المسجد أم في البيت، بل يشترط لسجود السهو البعدي موالاته للصلاة، بدليل أنه

стр. 7121

تشترط له الطهارة، وقرب الفاصل في الأصح، فإذا أحدث، أو طال الفصل فات السجود، وبناء عليه لم يكن هناك فرق، سواء سجد قبل السلام أم سجد بعده، فإذا أخره بعد السلام فإن السلام لا يباح إلا بشرط السجود للسهو، فإذا لم يسجد لم يكن سلامه من الصلاة مأمورًا به، ولم تبرأ ذمته، والله أعلم. • دليل الحنابلة على أن السجود كله بعد السلام إلا ما ورد بعد السلام: ذهب الحنابلة إلى أن الأصل في سجود السهو أن يكون قبل السلام؛ لأن سجود السهو من تمام الصلاة، فكان فعله قبل السلام كسائر أفعالها. قال أحمد: «لولا ما جاء عن النبي ﷺ لكان السجود كله قبل السلام؛ لأنه من تمام الصلاة» (١). ولأن السجود سببه السهو، وقد وجد داخل الصلاة، فلا ينفك المسبب عن سببه، كسجود التلاوة إذا وجد سببه في الصلاة لم يسجد له خارج الصلاة. ولأن السهو خلل في الصلاة، فكان الأصل أن يكون جبره داخل الصلاة، لا خارجها. لهذا اعتبرنا السجود قبل السلام في حديث ابن بحينة في الصحيحين، وحديث أبي سعيد الخدري في مسلم جاريًا على وفق الأصل. تُرِك هذا الأصل استحسانًا في المواضع التي سجد فيها رسول الله ﷺ بعد السلام؛ لحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران بن الحصين في قصة الخرباق، لورود النص، ومواضع الاستحسان لا يناقض بها، ولا يقاس عليها، هذا ملخص ما اعتمده الحنابلة دليلًا على التفريق. فالحنابلة رأوا أحاديث السجود بعد السلام على خلاف القياس، فاقتصروا فيها على ما ورد، ولم يقيسوا عليها، بخلاف الأحاديث التي ورد السجود فيها قبل السلام، فهي جارية على الأصل. • ويناقش من وجوه: الوجه الأول: بأنه لم يرد نص مرفوع ولا موقوف أن سجود السهو من تمام الصلاة، ولو جاء

стр. 7122

ذلك صريحًا لم يلزم منه أن يكون ذلك مقصورًا على ما قبل السلام، فتسوية الصفوف جاء النص فيها أنها من تمام الصلاة، وهي من أفعال ما قبل الصلاة، فسجوده بعد السلام لا ينافي ذلك كونه من تمام الصلاة. الوجه الثاني: وقوع السجود بعد السلام لا يعني انفكاك السجود عن سببه؛ لأننا نشترط موالاته للصلاة، ولأن كل ما يحرم على المصلي فعله يحرم على من عليه سجود سهو بعد السلام حتى يسجد للسهو ويتحلل منه بالسلام، كتعمد الحدث، والكلام الأجنبي، والانحراف عن القبلة والمشي، والقياس على سجود التلاوة قياس مع الفارق، فالسجود في التلاوة يعقب سببه، بخلاف سجود السهو فهو يتأخر عنه، سواء تأخر إلى ما قبل السلام، أو تأخر إلى ما بعده متصلًا به. الوجه الثالث: قال ابن تيمية: «قول من يقول: القياس يقتضي أنه كله قبله، لكن خولف القياس في مواضع للنص فبقي فيما عداه على القياس؛ يحتاج في هذا إلى شيئين: إلى أن يبين الدليل المقتضي لكونه كله قبله. ثم إلى بيان أن صورة الاستثناء اختصت بمعنى يوجب الفرق بينها وبين غيرها، وإلا فإذا كان المعنى الموجب للسجود قبل السلام شاملًا للجميع امتنع من الشارع أن يجعل بعض ذلك بعد السلام. وإن كان قد فرق لمعنى، فلا بد أن يكون المعنى مختصًا بصورة الاستثناء، فإذا لم يعرف الفرق بين ما استثنى، وبين ما استبقى كان تفريقًا بينهما بغير حجة. وإذا قال: علمت أن الموجب للسجود قبل السلام عام، لكن لما استثنى النص ما استثناه علمت وجود المعنى المعارض فيه. فيقال له: فما لم يرد فيه نص، جاز أن يكون فيه الموجب لما قبل السلام، وجاز أن يكون فيه الموجب لما بعد السلام، فإنك لا تعلم أن المعنى الذي أوجب كون تلك الصور بعد السلام منتفيًا عن غيرها، ومع كون نوع من السجود بعد السلام يمتنع أن يكون الموجب التام له قبل السلام عامًا، فما بقي معك معنى عام يعتمد

стр. 7123

عليه في الجزم بأن المشكوك قبل السلام، ولا بأن المقتضي له بعد السلام مختص بمورد النص، فنفي التفريق قول بلا دليل يوجب الفرق، وهو قول بتخصيص العلة من غير بيان فوات شرط، أو وجود مانع، وهو الاستحسان المحض الذي لم يتبين فيه الفرق بين صورة الاستحسان وغيرها» (١). • ونوقش هذا الوجه: بأن هذا الكلام مبني على أن اختلاف محل السجود في الأحاديث يرجع لمعنى أوجب التفريق، وإلا لكان السجود كله قبل السلام، أو كله بعد السلام. وإذا لم نعرف هذا المعنى فإننا لا نستطيع أن نجزم بالسهو الذي لم يرد فيه نص، هل حقه أن يسجد له قبل السلام أو بعده، بخلاف ما إذا قلنا: إن المعنى هو الزيادة والنقص، فإنه يمكن لنا القياس عليهما فيما لم يرد فيه نص هذا ملخص كلام ابن تيمية ﵀. وهذا الكلام سبق الجواب عنه، فلو كان اختلاف محل السجود يرجع إلى وجود معنى يوجب التفريق، فهل هذا المعنى عَلَّمه النبي ﷺ لأمته، أو اكتفى بالسجود، ولم يعلمهم هذا المعنى؟ فإذا ترك النبي ﷺ أمته دون أن يعلمهم ما يوجب التفريق عرَّض صلاتهم للخلل. وإذا فرضنا أن هذا تركه النبي ﷺ لاجتهاد العلماء ليستنبطوه، فهل عرفه الصحابة والتابعون، أو جهلوه؟ فإن كان هذا المعنى لا يعرف في أقوال الصحابة، وكان بعضهم يسجد للسهو قبل السلام، وبعضهم يسجد للسهو بعد السلام، ولم ينكر بعضهم على بعض، ولم ينقل عن أحد منهم أن مرد ذلك لوصف الزيادة والنقص، أصبح القول بأن ذلك هو العلة في التفريق قولًا ضعيفًا، وأن الاختلاف من قبيل التنوع، وهو لا يوجب فرقًا، بل أراد الشرع السعة والتيسير، فلو قدم السجود البعدي أو عكس لصحت صلاته، وهو قول الأئمة الأربعة في المشهور المعتمد في مذهبهم، وقد ذكرت هذا المعنى فيما سبق، والله أعلم.

стр. 7124

• دليل ابن حزم على أن السجود كله بعد السلام إلا في موضعين يخير بينهما: أحدهما: من سها فقام من ركعتين، ولم يجلس، ولم يتشهد، فهذا إن شاء سجد قبل السلام على حديث ابن بحينة، وهو في الصحيحين. وإن شاء سجد بعد السلام على حديث المغيرة بن شعبة، وسبق تخريجه. قال ابن حزم: «وكلا الخبرين صحيح، فكلاهما الأخذ به سنة» (١). وقد تبين لك من تخريج حديث المغيرة بن شعبة أنه ضعيف (٢). الثاني: إذا شك في صلاته، فلم يدر في الثنائية أصلى ركعة أم ركعتين؟ وفي الثلاثية أصلى ثلاثًا أم أقل؟ وفي الرباعية أصلى أربعًا أم أقل؟ فهذا يبني على الأقل، فإذا تشهد في آخر صلاته فهو مخير إن شاء سجد للسهو قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري في مسلم، وإن شاء سلم، ثم سجد للسهو على حديث ابن مسعود في الأمر بالتحري، والأمر بالسجود بعد السلام. • الراجح: إذا كان الأئمة الأربعة يتفقون على جواز تقديم السجود وتأخيره، ولا يتفقون على محل الندب، فبعضهم يستحبه كله قبل السلام، وبعضهم يستبحه كله بعد السلام، ومنهم من يرى التفريق بين الزيادة والنقص، ومنهم من يخص الندب بالسجود قبل السلام إلا ما ورد فيه النص فيسجد بعد السلام، ومنهم من يرى التخيير. فما اتفقوا عليه من الجواز أحب إلى نفسي مما اختلفوا فيه في محل الندب، إلا ما فعله النبي ﷺ فموافقته أحب إلي، فالأمر على السعة والاختيار كما نقل ذلك مالك عن عمل الناس، وأنهم لا يحتاطون لذلك سواء وقع قبل السلام أم بعده. قال ابن مفلح في الفروع: «محل سجود السهو ندبا (و) -أي وفاقًا للأئمة الأربعة- … وذكره بعض المالكية وبعض الشافعية (ع) -أي إجماعًا- وكذا قال القاضي: لا خلاف في جواز الأمرين، وإنما الكلام في الأولى والأفضل» (٣).

стр. 7125

فإنك لا تخرج عن محل اتفاقهم إلا لتنتقل إلى مخالفة جمهورهم في أي خيار اخترته من الأقوال السبعة الواردة في المسألة. وأضعف الأقوال من قال بوجوب محل سجود السهو، فإن السجود بعد السلام ثبت من السنة الفعلية، وهي لا يستفاد منها الوجوب. يليه في الضعف من علل محل السجود، فاستحب محل السجود قبل السلام للنقص، وبعد السلام للزيادة، لأن هذا القول عار من أقوال الصحابة والتابعين، يليهما في الضعف، من قال: كله قبلي، أو كله بعدي، فإن هذا القول وإن كان قد قال بكل قول بعض الصحابة، إلا أنه يخالف السنة المرفوعة. ويبقى الترجيح بين قولين: إما القول بأن كله قبل السلام إلا ما ورد. وإما القول بأنه على التخيير، وهو أقرب القولين للحق إن شاء الله تعالى، وأن الأمر كما حكى مالك بأن الناس كانوا يرون أنه على السعة، والله أعلم. وهناك مسائل لها علاقة بهذه المسألة يحسن مراجعتها لتكتمل الصورة، كمسألة حكم تأخير السجود القبلي وعكسه، ومسألة: الشك في عدد الركعات، فإن فيها أدلة لم تذكر في هذه المسألة، ولها علاقة قوية فيها فراجعها غير مأمور، والله أعلم.

стр. 7126

الفصل الرابع إذا اجتمع سهوان واختلف محل السجود المدخل إلى المسألة: • اختلاف محل السجود في أحاديث السهو لا يرجع لمعنى أوجب التفريق، بل هو من التنوع الذي مرده إلى السعة والتيسير. • لو كان اختلاف محل السجود يرجع إلى وجود معنى أوجب التفريق، لَعَلَّمه النبي ﷺ لأمته، حتى لا يُعرِّض صلاة أمته للخلل، في أعظم أركان الإسلام العملية. • لو فرض أن هذا الاختلاف يرجع لمعنى تركه النبي ﷺ لاجتهاد العلماء ليستنبطوه، لكان أولى الناس بمعرفته والقول به هم الصحابة، فلما لم ينقل عن أحد منهم أن مرد ذلك لوصف الزيادة والنقص علم أنه ليس وصفًا مؤثرًا. • الأصل في أفعال الصلاة عدم التعليل، ومنه اختيار السجود جابرًا دون غيره، واختيار محله. • يصح تقديم السجود البعدي وتأخير السجود القبلي، وهو المعتمد في مذاهب الأئمة الأربعة، وحكي إجماعًا، ولا يصح الإجماع. • قال مالك ﵁: ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل ولا بعد، وكان ذلك عندهم سهلًا (١). [م-٨٤٦] إذا اجتمع على المصلي سهوان قبل السجود، كفاه سجدتان وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد، وجمهور التابعين (٢).

стр. 7127

فمن قال: سجود السهو كله قبل السلام، وهو المعتمد في مذهب الشافعية، أو قال: كله بعد السلام كالحنفية، فلا تتنزل عنده هذه المسألة؛ لأنه لا يختلف عنده محل السجود لاختلاف سببه. وأما من قال: يختلف محل سجود السهو لاختلاف سببه، وهو مذهب المالكية، والحنابلة، وقول للشافعي خلاف المعتمد، فإذا اجتمع عليه سهوان أحدهما قبل السلام، والآخر بعد السلام، فاختلفوا في محل سجود السهو: فقيل: يسجد قبل السلام، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، والصحيح من مذهب الحنابلة، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية قال النووي: إذا قلنا: يسجد للزيادة بعد السلام، وللنقص قبله (١). جاء في التبصرة للخمي: «قال مالك: إذا اجتمع سهوان: زيادةٌ ونقصان سجد

стр. 7128

لهما قبل السلام» (١). قال ابن عبد البر: لا خلاف عنه في ذلك (٢). وقال النووي: «ولو سها سهوين، أحدهما بزيادة، والآخر بنقص، وقلنا: يسجد للزيادة بعد السلام، وللنقص قبله، سجد هنا قبله على الأصح. وبه قطع المتولي، والثاني بعده، وبه قطع الْبَنْدَنِيجِيُّ» (٣). وقيل: يسجد بعد السلام، رواه علي بن زياد عن مالك، وهو وجه عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (٤). وقيل: يراعي الأسبق منهما وقوعًا، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٥). وقيل: يقدم محل السهو الأقوى، فيقدم محل السهو المتيقن على محل السهو المشكوك فيه، فإن تيقن سهو النقص، وشك في سهو الزيادة سجد قبل السلام، وعكسه يسجد بعد السلام، اختاره محمد بن يحيى بن لبابة (٦). وقال ابن أبي حازم وعبد العزيز بن أبي سلمة: يأتي بسجودين للنقص قبل السلام، وللزيادة بعده (٧). وقيل: بالتخيير، وهو قول آخر قديم للشافعي، واختاره اللخمي من المالكية (٨). قال اللخمي: «أرى ذلك كله واسعًا في الزيادة والنقص، يوقعه إن شاء قبل،

стр. 7129

وإن شاء بعد؛ لأن السجود ليس يجبر به شيء على الصحيح من المذهب، وإنما هو ترغيم للشيطان» (١). فهذه ستة أقوال لفقهائنا في المسألة. • وجه القول بأنه يغلب ما قبل السلام: إذا اجتمع الزيادة والنقص قبل السلام؛ فلا يخلو من أحوال: إما ألا يسجد أصلًا، فذلك مخالف للسنة بالاتفاق. وإما أن يسجد أربع سجدات، وذلك مخالف للأصول. وإما أن يغلب أحدهما، فكان النقصان أولى بالتغليب؛ لأنه جبران، وسجود الزيادة شكر، وإرغام للشيطان، ولا يجوز أن يؤتى بسجود شكر على صلاة ناقصة، ولا أن يرغم الشيطان بترك الصلاة ناقصة (٢). وعلل الحنابلة تغليب ما قبل السلام بقولهم: لأنه أسبق، وآكد، وقد وجد سببه ولم يوجد قبله ما يقوم مقامه، فإذا سجد له سقط الثاني. ولأن ما قبل السلام جابر للنقص، وما بعد السلام ترغيم للشيطان، فكانت المبادرة بجبر الصَّلاة قبل إتمامها أولى. • وجه من قال: السجود بعد السلام: لعل هذا القول مبني على أن سجود السهو كله بعد السلام، وقد ذكرت أدلتهم في مسألة (محل السجود) وناقشتها، فارجع إليها إن شئت. • وجه من قال بالتخيير: هذا يعود إلى أن السجود قبل السلام وبعده من اختلاف التنوع والتيسير، فلو قدم السجود البعدي، أو أخر السجود القبلي لم يكن بذلك بأس، وقد ذكرت أدلتهم في فصل سابق عند الكلام على محل السجود، ورجحته، فانظر أدلته هناك يا رعاك الله. • وجه من قال: يراعى الأسبق: الأسبق قد شغل الذمة قبل ورود السهو الثاني، فيكون أحق في التقديم،

стр. 7130

ويتداخل الثاني مع الأسبق. • وجه من قال: يقدم الأقوى: فالسهو المتيقن مقدم على السهو إذا ترتب عن شك، فلا يقدم الأضعف على الأقوى. • دليل من قال: يأتي بسجودين قبل السلام وبعده: أن التداخل في سجود السهو إنما يصح إذا كان محله متحدًا، أو كان سببه متفقًا، فإذا اختلف محل سجود السهو، لاختلاف سببه لم يصح القول بالتداخل، والله أعلم. • الراجح: القول بالتخيير، كما رجحت في محل سجود السهو أن الأمر على السعة، فكذلك فيما إذا اجتمع سهوان فأكثر، فله أن يسجد قبل السلام، وله أن يسجد بعده. جاء في النوادر والزيادات: «قال مالك، في (المجموعة): ما كان الناس يحتاطون في سجود السهو قبل ولا بعد، وكان ذلك عندهم سهلًا» (١). والله أعلم.

стр. 7131

الفصل الخامس في حكم تقديم السجود البعدي وعكسه المدخل إلى المسألة: • سجود السهو حقيقته واحدة: سجدتان، وموجبه واحد، وهو السهو، سواء سجد قبل السلام أم بعده. • سجود السهو ليس جزءًا من ماهية الصلاة (١)، وإن وقع قبل السلام كسجود التلاوة. • ثبت السجود بعد السلام وقبله، وظاهره أنه للتنوع والسعة على سبيل التفضيل. • الأصل في أفعال الصلاة عدم التعليل، ومنه محل سجود السهو. • لم يثبت الأمر بالسجود، إلا في حال الشك، وفي حال الظن إن كان محفوظًا، ولم يأخذ الجمهور بحديث التحري، وباقي الأحاديث سنن فعلية. • صور السهو في السنة أكثرها ثبت من السنة الفعلية، و جاء الأمر بالسجود قبل السلام من السنة القولية في حديث أبي سعيد، فإما أن تكون الصور واحدة في الحكم والمحل، فيحمل بعضها على بعض، فيكون الاختلاف من باب التنوع والسعة، أو يقال: هما صور مختلفة في الحكم والمحل، فما ثبت أنه سجد بعد السلام من السنة الفعلية، لا يقال بوجوبه إعمالًا للدلالة اللفظية. • إنْ أثبتنا الاختلاف بين صور السهو الواردة في الأحاديث في محل السجود، لم نحمل بعضها على بعض في حكم السجود، فما ثبت من السنة الفعلية لا يفيد الوجوب. • حَمْلُ السنن الفعلية كحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين وحديث عمران على الوجوب استدلالًا بحديث أبي سعيد بالأمر بالسجود مع الحكم باختلاف صور السهو ليس مسلمًا.

стр. 7132

[م-٨٤٧] عرفنا اختلاف العلماء في محل سجود السهو في المسألة السابقة، فهل من قال: السجود كله قبل السلام، أو قال: كله بعد السلام، أو قال: بعضه بعد السلام، وبعضه قبل السلام إلى غيرها من الأقوال، أذلك على سبيل الوجوب أم ذلك على سبيل الاستحباب، فيجوز تأخير القبلي إلى بعد السلام وعكسه؟ وعلى القول بالوجوب، فإذا خالف، أتصح الصلاة مع الإثم، أم تبطل الصلاة، أم يعيد السجود إذا قدم البعدي؟ اختلف الفقهاء في ذلك: القول الأول: قالوا: تصح الصلاة، وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة على خلاف بينهم في حكم الفعل، أيكره تنزيهًا، وهو ظاهر الرواية في مذهب الحنفية (١)، أم يجوز، ويفوته السجود إن كان متعمدًا؛ لكونه سنة فات محلها، وهو مذهب الشافعية (٢)، أم أن محل السجود سنة، قدمه أو أخره، والسجود واجب، فلا يفوت السجود بفوات محله، وهو مذهب الحنابلة (٣)، أم أن الفعل لا يجوز،

стр. 7133

ويعيد السجود بعد السلام، اختاره بعض الحنفية في غير ظاهر الرواية (١)، واقتصر بعض المالكية على القول بأن الفعل لا يجوز (٢)، أم يحرم تقديم البعدي ويكره تأخير القبلي، وهو المعتمد في مذهب المالكية (٣).

стр. 7134

قال النووي: ففي محل سجود السهو طريقان: .... الثاني: يجزئ التقديم والتأخير، وإنما الأقوال في بيان الأفضل .... » (١). القول الثاني: يحرم الفعل، ولا تصح الصلاة إذا تعمده، وهو وجه عند الحنابلة، واختيار ابن تيمية (٢). • دليل من قال: محل سجود السهو على الوجوب: الدليل الأول: لم يأت في النصوص ما يدل على التخيير، والأصل عدمه. • ويناقش: هذا الدليل يمكن عكسه، فيقال: لا يوجد نص واحد مرفوع، ولا أثر موقوف يصرح أن محل سجود السهو إن كان عن نقص فقبل السلام، أو كان عن زيادة فبعد السلام، وإذا ثبت السجود بعد السلام وقبله، فظاهره أنه على التنوع والتيسير. الدليل الثاني: أمر الشارع بالسجود قبل السلام كما في حديث أبي سعيد الخدري في مسلم إذا شك في صلاته فلم يدر كم صلى. وأمر بالسجود بعد السلام إذا شك، فتحرى الصواب، فبنى عليه، كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين، وسبق تخريجهما في المسألة التي قبل هذه. والأصل في الأمر الوجوب، ولم ينقل عن النبي ﷺ في صورة واحدة أنه سجد تارة قبل السلام، وتارة بعد السلام، والشارع لا يفرق بين متماثلين، فلما فرق دل على وجود معنى اقتضى التفريق، ووجدنا المعنى المطرد في التفريق: هو النقص في حديث ابن بحينة، لهذا سجد له النبي ﷺ قبل السلام، والزيادة في حديث أبي هريرة وعمران بن حصين، ولهذا سجد فيهما بعد السلام، فيطرد الحكم في غيرها

стр. 7135

من الصور مما لم يرد، فكل نقص يجب أن يكون السجود فيه قبل السلام، وكل زيادة يجب أن يكون السجود فيه بعد السلام. • ويناقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: سجود السهو بعضه ثبت بمجرد الفعل، كما هو في حال تيقن السهو، سواء تيقن النقص كما في حديث ابن بحينة في الصحيحين، أو تيقن الزيادة كما في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران بن حصين في مسلم، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب. ولم يثبت الأمر بالسجود، سواء أكان قبل السلام أم بعده، إلا في حال الشك وفي حال الظن إن كان ذلك محفوظًا، فحمل السنن الفعلية على الوجوب استدلالًا بالأحاديث التي جاء فيها الأمر بالسجود مع اختلاف صور السهو ليس مسلمًا، بل يمكن للمستدل أن يعكس، فيحمل الأمر على الاستحباب، استدلالًا بالسنة الفعلية؛ لأن الاستحباب هو المتيقن، والوجوب مختلف فيه. وقد يقول آخر: يختص الوجوب بما ورد فيه الأمر بالسجود دون غيره من الصور وقوفًا على دلالات الألفاظ لكل صورة، فما ثبت فيه محل السجود بالسنة الفعلية لا يمكن القول بأنه يستفاد من الفعل الوجوب؛ لأننا إنْ أثبتنا الاختلاف بين صور السهو الواردة في الأحاديث لم تحمل بعضها على بعض في الحكم، فما ثبت من السنة الفعلية يختلف عن الصور التي ثبت فيها الأمر بمحل سجود السهو من السنة القولية. وإن قلنا: صورة السهو في الأحاديث واحدة، لا فرق فيها بين ما سجد فيه النبي ﷺ قبل السلام، ولا ما سجد فيه النبي ﷺ بعد السلام، كان اختلاف محل السجود فيها دليلًا على السعة والتنوع، لا دليلًا على الوجوب. أمَّا أن نأخذ بعض الصور الذي ورد فيها الأمر بالسجود، ونحمل بقية الصور عليها، ونقول كلها على الوجوب مع إقرارنا بأنها صور مختلفة، وليست صورة واحدة، فليس هذا القول وجيهًا في الاستدلال.

стр. 7136

الوجه الثاني: دعوى أن العلة في التفريق مرده إلى النقص والزيادة، فيسجد قبل السلام إن كان السهو عن نقص، وبعده إن كان عن زيادة، فقد ناقشت هذه الدعوى في المسألة السابقة فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ويشكل على هذا أمران: الأول: أن الظن لم يختلف فيه محل السجود سواء أظن المصلي النقص أم ظن الزيادة، ولو كانت العلة الزيادة والنقص لاختلف الحكم بين ظن النقص وبين ظن الزيادة؛ لأن ما يقابل الظن هو الوهم، وهو مطروح مع الأخذ بالتحري. الثاني: أن وصف الزيادة والنقص لو كان هذا هو المعنى الذي أوجب الفرق لكان هذا القول أولى الناس بالقول به وبمعرفته الصحابة؛ لأنهم أخذوا أحكام السهو من النبي ﷺ ، ولا يعرف هذا القول مأثورًا عنهم، ولا عن أحد من التابعين، حسب بحثي القاصر، والله أعلم. ولأنه إذا شك فلم يدر كم صلى أخذ بالمتيقن، وهو الأقل، وطرح ما شك فيه، فإذا بنى عليه فقد تمت صلاته يقينًا، فإذا سجد للسهو قبل السلام كان السجود زيادة في صلاته، فلماذا لا يجعل السجود بعد السلام حتى لا يكون سجود السهو زيادة على أفعال الصلاة، كما قلتم: إذا سلم من ركعتين سجد بعد السلام، وإن كان قد اجتمع في حقه النقص وزيادة التسليم، وألغيتم النقص باعتباره قد أكمل صلاته، فكذلك إذا طرح الشك فقد أكمل صلاته، فهذا يقدح في رد الأمر إلى وصف الزيادة والنقص، والله أعلم. الوجه الثالث: لم يأخذ المالكية والشافعية والحنابلة في المعتمد حديث ابن مسعود في التحري، وقد تفرد به منصور بن المعتمر عن شيخه إبراهيم النخعي، عن علقمة عن ابن مسعود، كما تفرد منصور أيضًا بالأمر بالسجود بعد السلام، وكل من روى الحديث عن إبراهيم النخعي، أو رواه عن علقمة من غير طريق إبراهيم، أو رواه عن ابن مسعود من غير طريق علقمة، لا يذكرون محل السجود، وهو المحفوظ، وأكثر هذه الطرق في الصحيحين أو في أحدهما، وقد سبق لك تخريج الحديث في المسألة السابقة، وتوهيم الواحد أولى من توهيم الجماعة، فلم يبق الأمر بالسجود إلا في

стр. 7137

حديث أبي سعيد الخدري في مسلم، والقليل محمول على الكثير، وليس العكس. • دليل الجمهور على صحة الصلاة إذا قدم السجود أو أخره: الدليل الأول: (ح-٢٥٥٩) لما رواه الشيخان من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين وهو جالس (١). وجه الاستدلال: أنه أمره بسجدتين، وأطلق من غير فرق بين أن تكونا قبل السلام أم بعده. • ونوقش هذا: بأن هذا الحديث مجمل، وظاهره أنه إذا شك فليس عليه إلا سجدتان تجزئه عن وهمه، وبه قال الحسن البصري، وجماعة من السلف (٢).

стр. 7138

وقال الشعبي والأوزاعي وسحنون وجماعة كثيرة من السلف: «إذا لم يدر كم صلى لزمه أن يعيد الصلاة مرة بعد أخرى أبدًا حتى يستيقن» (١). وقال الجمهور: هذا المجمل يرد إلى المبين من حديث أبي سعيد الخدري في مسلم، وأن عليه أن يطرح الشك، ويبني على ما استيقن، ويسجد سجدتين قبل السلام. وقال الحنفية: إن عرض له أول مرة استأنف، وإن تكرر تحرى، وسجد بعد السلام على ما يقتضيه حديث ابن مسعود في الصحيحين، وقد تفرد بالتحري، وبالأمر بالسجود بعد السلام منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي (٢). الدليل الثاني: (ح-٢٥٦٠) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا عارم، حدثنا سعيد بن زيد، قال: حدثنا علي بن الحكم، قال: حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد، ورفعه، إلى النبي ﷺ أنه قال: إذا أوهم الرجل في صلاته، فلم يدر أزاد أم نقص، فليسجد سجدتين، وهو جالس (٣). [إسناده حسن إن شاء الله تعالى] (٤).

стр. 7139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7140

وجه الاستدلال: أنه أمر بالسجدتين، وأطلق، من غير فرق بين الزيادة والنقص، فسواء سجد قبل السلام، أو سجد بعده فقد امتثل الأمر. • وأجيب: بأن سعيد بن زيد مختلف فيه، وروايته مختصرة، وفيها إجمال، وظاهر الحديث أنه إذا شك فليس عليه إلا سجدتان، وقال الجمهور: هذه الرواية محمولة على رواية عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري في مسلم، وهي رواية مفسرة، وقد أمر بالسجود قبل السلام. الدليل الثالث: قال الماوردي: «لا خلاف بين الفقهاء أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده، وإنما اختلفوا في المسنون والأولى، فمذهب الشافعي وما نص عليه في القديم والجديد أن الأولى فعله قبل السلام في الزيادة والنقصان» (١). وقال إمام الحرمين: «قال بعض أئمتنا: لا خلاف أنه يُجزئ التقديمُ والتأخير، وإنما التردد في بيان الأوْلى والأفضل» (٢). قوال القاضي أبو يعلى من الحنابلة: «لا خلاف في جواز الأمرين، أي السجود قبل السلام وبعده وإنما الكلام في الأولى والأفضل» (٣).

стр. 7141

وقال ابن عبد البر بعد أن حكى خلاف الفقهاء في محل السجود، قال: «وكل هؤلاء يقول: إن المصلي لو سجد بعد السلام فيما قالوا: إن السجود فيه قبل السلام، لم يضره شيء، ولو سجد قبل السلام فيما فيه السجود بعد السلام لم يكن عليه شيء» (١). وقال ابن مفلح: محل سجود السهو ندبًا … وذكره بعض المالكية وبعض الشافعية إجماعًا» (٢). وجاء في شرح الزكشي على الخرقي: «قال أبو البركات: الخلاف في محل السجود، وهل هو قبل السلام أو بعده في الاستحباب، أما الجواز فإنه لا خلاف فيه، ذكره القاضي وأبو الخطاب في خلافيهما، وظاهر كلام أبي محمد وأكثر الأصحاب خلاف هذا» (٣). • ونوقش: بأن الخلاف محفوظ، ومراجعة سريعة للأقوال في المسألة تدلك على وجود الخلاف، إلا أن حكاية الإجماع دليل على أنه قول أكثر أهل العلم، والله أعلم. الدليل الرابع: لو قدم السجود البعدي، فلا يشرع له إعادة السجود بعد السلام؛ ولم يقل أحد بتكرار سجود السهو، وحكي إجماعًا، وهذا دليل على أن التقديم والتأخير جائز. • ويجاب: بأن الإجماع لا يصح، وقد نقلت في الأقوال عن بعض شيوخ الحنفية خلافًا لظاهر الرواية أنه لو سجد قبل السلام لم يجزئه، وعليه إعادته بعد السلام.

стр. 7142

• الراجح: أن محل سجو السهو على سبيل الاستحباب، وإن كان ما سجد فيه النبي ﷺ بعد السلام أو قبله فالأفضل فعله كما فعله النبي ﷺ ، والله أعلم.

стр. 7143

الفصل السادس في صفة السجود البعدي المدخل إلى المسألة: • سجود السهو البعدي بعد الفراغ من التسليمتين. • التسليم في الصلاة عبادة واحدة حتى على القول بأن الثانية سنة، فلا يفرق بينهما بسجود السهو. • السلام المذكور في أحاديث سجود السهو البعدي ينصرف إلى السلام المعهود في الصلاة، أي بعد التسليمتين. • لو كان هناك ما يخالف المعهود لجاء النقل صريحًا في السنة دفعًا للخطأ ورفعًا للتوهم، فلما لم ينقل خلاف المعهود تعين حمله على التسليمتين. • ترك ظواهر النصوص وحملها على خلاف الظاهر نوع من التأويل لا يقبل إلا أن يمتنع حملها على الظاهر أو قام نص، أو إجماع على التأويل. • الاعتماد في صفة السجود في الصلاة على النقل، وليس على مجرد التعاليل العقلية، ولو بدا للناظر وجاهة التعليل. [م- ٨٤٨] السجود القبلي متفق عليه أنه في آخر التشهد وقبل السلام، وأما من قال في السجود البعدي إما مطلقًا كالحنفية، أو في بعض حالات السجود كالمالكية والحنابلة فاختلفوا في صفة السجود البعدي: فقال المالكية والحنابلة: يأتي بسجود السهو بعد التسليمتين واختاره من الحنفية السرخسي، وصاحب الهداية، والمرغيناني، وصححه الزيلعي في تبيين الحقائق، ونسبه الكاساني إلى عامة الحنفية (١).

стр. 7144

قال الكاساني: «وعامتهم على أنه يسلم تسليمتين عن يمينه وعن يساره» (١). وجحتهم في ذلك: (ح-٢٥٦١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله صلى النبي ﷺ -قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك، قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه، قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين (٢). وجه الاستدلال: قوله: (فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد): فالسلام المذكور في الحديث ينصرف إلى السلام المعهود، وهو تسليمتان. ولو كان هناك ما يخالف المعهود لجاء النقل صريحًا في السنة دفعًا للخطأ ورفعًا للتوهم، فلما لم ينقل خلاف المعهود تعين حمله على التسليمتين. وقيل: يأتي بسجود السهو بعد التسليمة اليمنى، اختاره فخر الإسلام (البزدوي)، وشيخ الإسلام (خواهر زاده) وصاحب الإيضاح من الحنفية قال في الاختيار لتعليل المختار: وهو الأحسن، ونسبه ابن الهمام في الفتح إلى الجمهور، وقال في المراقي: وهو الأعدل الأصح (٣).

стр. 7145

قال في الفتاوى الهندية: « … والصواب أن يسلم تسليمة واحدة، وعليه الجمهور، وإليه أشار في الأصل، كذا في الكافي، ويسلم عن يمينه، كذا في الزاهدي، وكيفيته أن يكبر بعد سلامه الأول ويخر ساجدًا، ويسبح في سجوده، ثم يفعل ثانيًا كذلك، ثم يتشهد ثانيًا، ثم يسلم، كذا في المحيط» (١). قال ابن نجيم: «تعارض النقل عن الجمهور» (٢). يقصد أن شيوخ الحنفية مختلفون في نسبة القول إلى الجمهور، فالكاساني نسب القول الأول إلى الجمهور، وابن الهمام وجماعة نسبوا القول الثاني لهم. وقال ابن نجيم: «اختلف التصحيح فيها، والذي ينبغي الاعتماد عليه تصحيح المجتبى، أنه يسلم عن يمينه فقط؛ لأن السلام عن اليمين معهود، وبه يحصل التحليل فلا حاجة إلى غيره» (٣). واختلفوا أصحاب هذا القول فيما لو سلم التسليمة الثانية قبل السجود، فقيل: التسليمة الثانية تقطع التحريمة باعتباره كلامًا قبل التحلل. وقال خواهر زاده: «لو سلم التسليمتين سقط عنه سجود السهو؛ لأنه بمنزلة الكلام». وحجتهم: لأن الأول للتحليل، والثاني للتحية، وهذا السلام للتحليل لا للتحية؛ لأن التحية ساقطة عن سلام السهو، فكان ضم الثاني إلى الأول عبثًا؛ لخلوه عن الفائدة المطلوبة منه. ورتب فخر الإسلام على بن محمد البزدوي على هذا التعليل أن تكون تلك التسليمة تلقاء وجهه؛ لأن السلام للتحليل لا للتحية، فلا ينحرف عن القبلة» (٤). • ويجاب: حمل التسليم في أحاديث سجود السهو على التسليمة اليمنى فقط خلاف
следующие страницы →