← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

الفرع الثالث إذا نسي السجود وتذكره بعد خروجه من المسجد المدخل إلى المسألة: • الصلاة عبادة واحدة، والموالاة بين أبعاضها شرط في صحة الصلاة، ومنه سجود السهو. • القول باشتراط الموالاة بين الصلاة وبين سجود السهو القبلي هو قول الأئمة الأربعة على خلاف بينهم فيما يقطع الموالاة، أهو مقدر بالزمن كطول الفصل، أم مقدر بالمكان كالخروج من المسجد، أم اعتبار كل من الطول والخروج قاطعًا للموالاة. • الصواب أن خروج المصلي من المسجد لا يقطع الموالاة إذا تذكر ذلك عن قرب. • سها النبي ﷺ فدخل منزله، ثم أخبر، فخرج، وبنى على ما صلى، كما في حديث عمران بن حصين. • الفاصل في حديث ذي اليدين وفي حديث عمران بن الحصين فاصل قصير، حيث لم يغادر مكان الصلاة إلا السرعان، إشارة إلى قرب الفاصل، لهذا أمكن البناء. • لم يحفظ في النصوص أن النبي ﷺ سها، ثم تدارك ذلك في وقت يجمع الناس على أن مثله فاصل طويل، لا يبنى عليه أفعال الصلاة. • إذا صح البناء على أفعال الصلاة وهي عبادة واحدة يبنى بعضها على بعض ولا يجوز التفريق بين ركعاتها، صح بناء سجود السهو عليها من باب أولى. • ما قطع البناء في أفعال الصلاة قطع بناء سجود السهو عليها، باعتبار سجود السهو من أبعاض الصلاة، مرتبط بها ارتباط المسبب بسببه. [م- ٨٥٢] إذا سلم الرجل ناسيًا سجود السهو، فلم يذكره حتى خرج من المسجد، فهل يفوت السجود بالخروج من المسجد؟

стр. 7177

هذه المسألة راجعة لاشتراط الموالاة بين سجود السهو وبين الصلاة، فمن الفقهاء من اعتبر الزمن، فإذا طال الفصل انقطعت الموالاة، ومن الفقهاء من اعتبر المكان، فإذا خرج من المسجد انقطعت الموالاة، ومن الفقهاء من اعتبر الشرطين، فإذا طال الفصل أو خرج من المسجد انقطعت الموالاة، وقد فصلت قطع الموالاة بطول الفصل في بحث مستقل، والبحث هنا في قطع الموالاة بالخروج من المسجد. فقيل: إذا خرج من المسجد فات السجود، وهو مذهب الحنفية، والمعتمد عند الحنابلة، وبه قال أشهب من المالكية في السجود القبلي (١). وقيل: يسجد، ولو خرج من المسجد ما لم يطل الفصل، وهو المعتمد في

стр. 7178

مذهب المالكية، ومذهب الشافعية (١). وقيل: يسجد وإن خرج من المسجد وطال الفصل، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن تيمية، وبه قال الأوزاعي في رواية (٢).

стр. 7179

وفي قول آخر للأوزاعي والليث: يبني ما لم ينتقض وضؤوه (١). فلما جعلوا السجود مع الفصل من البناء، واشترطوا بقاء الطهارة للبناء، فلم يحكموا بخروجه من الصلاة بالسلام حتى تنقطع الموالاة. وقيل: إذا نسي سجود السهو حتى سلم فات السجود، خرج من المسجد أو لم يخرج، وهو رواية عن أحمد (٢). فصارت الأقوال أربعة: الأول: يفوت إن خرج، فإن لم يخرج تداركه. الثاني: يفوت السجود، سواء خرج أو لم يخرج. وهذان متقابلان. الثالث: لا يفوت، ولو خرج من المسجد، على خلاف بينهم في اشتراط القرب؛ لتدارك السجود. الرابع: يفوت السجود القبلي دون السجود البعدي. • وجه من قال: الخروج من المسجد يفوت به السجود: الوجه الأول: سجود السهو تابع للصلاة مبني عليها مرتبط بها ارتباط المسبب بسببه، فإذا سلم ناسيًا سجود السهو اشترط قرب الفصل حتى يمكن بناؤه على أفعال الصلاة، فإذا انفصل عن الصلاة انفصالًا لا يمكن بناؤه على ما صلى فات السجود، ولما كان طول الفصل لا ضابط له بالزمن جعل الخروج من المسجد علامة على طول

стр. 7180

الفصل المانع من البناء. • ونوقش: بأن الضابط في طول الفصل هو الوقت، وليس المكان؛ بدليل أن النبي ﷺ في حديث عمران بن حصين دخل منزله، ثم خرج، وبنى على ما صلى، ثم سجد للسهو. ولأن المساجد قد تتفاوت، فهناك الجامع الكبير الذي قد يستغرق الخروج منه زمنًا طويلًا، كالمسجد الحرام، والحرم النبوي، وبعض الجوامع الكبيرة في حواضر البلاد الإسلامية، وهناك مساجد ذات مساحة صغيرة، قد لا تستوعب أكثر من صف واحد أو صفين، وقد يصلي الرجل قريبًا من الباب، فلا يجعل مجرد الخروج قاطعًا من البناء، لهذا كان التحديد بالوقت في طول الفصل وقربه أظهر، وأضبط. الوجه الثاني: الخروج من المسجد فيه إعراض عن الصلاة، والإعراض يفوت به السجود، سواء قلنا: فواته يسقطه، وتصح الصلاة، أو قلنا: فواته يوجب إعادة الصلاة. • ويناقش: بأنه إنما خرج من المسجد لاعتقاده تمام صلاته، فلا تأثير للإعراض، كما أنه حين سلم من صلاته قصد الانصراف منها، والإعراض عنها، ولم يقطع مثل ذلك الموالاة، فكذلك الخروج من المسجد. الوجه الثالث: مكان الصلاة معتبر في الشرع، لهذا اعتبر المكان في بقاء خيار المجلس، فلا يلزم البيع ما دام البائع والمشتري في مكان واحد، ولو طال المقام، فإذا فارق أحدهما المجلس لزم البيع، وانقطع الخيار، فكذلك لا يقطع الموالاة والبناء على أفعال الصلاة ما دام المصلي في المسجد؛ لأنه محل الصلاة، فاعتبرت فيه المدة، كخيار المجلس. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن القياس على خيار المجلس من قياس الشبه، وليس من قياس العلة، وكثير

стр. 7181

من أهل العلم على عدم اعتبار مثل هذا القياس، ولهذا أخطأ بعض العلماء حين قاس المذي على المني لوجود الشبه بينهما، وارتباط كل واحد منهما باللذة، سواء من قال بنجاسة المني أو من قال بطهارة المذي لشبه كل واحد منهما بالآخر. الوجه الثاني: لا نسلم أن المقصود بخيار المجلس هو المكان، فالمجلس بكسر اللام: ترد في اللغة مصدرًا ميميًا، واسمًا للزمان، واسما للمكان، من مادة (جلس). فإن أريد به اسم المكان، صار المراد به موضع الجلوس أي مجلس العقد خاصة، وإن أريد به اسم الزمان وهو الأظهر: فالمراد به الفترة الزمنية التي تعقب عملية التعاقد، فالمراد بمجلس العقد حينئذ: هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد، فحقيقة الجلوس ليست مقصودة في هذا الخيار المسمى (بخيار المجلس)، بل المراد بالمجلس ما هو أعم من الجلوس، فقد يحصل اتحاد المجلس مع الوقوف، ومع تغير المكان كما لو انتقلا معًا، فمجلس العقد: هو وحدة زمنية أقرب من كونه وحدة مكانية، وزمنه يبدأ من وقت صدور الإيجاب ولحاق القبول به من المشتري مطابقًا له، وتستمر طوال المدة التي يظل فيها العاقدان منصرفين إلى التعاقد، دون ظهور إعراض من أحدهما عن التعاقد، وتنتهي بتفرق الأبدان، سواء أكانا في مكان التعاقد، أم انتقلا إلى مكان آخر، ومقصد الشارع من مشروعية خيار المجلس ليس احترام مكان الجلوس، وإنما إعطاء حق التروي لكل واحد من المتعاقدين خشية أن يكون هناك اندفاع متسرع لقبول العقد دون تقليب نظر، والله أعلم. • دليل من قال: يسجد ولو خرج من المسجد إن لم يطل الفاصل: الدليل الأول: المسجد ليس شرطًا في صحة الصلاة حتى يكون الخروج منه قاطعًا للبناء، وإذا كان سلامه من الصلاة بنية التحلل لم يمنع من البناء لوقوعه سهوًا فكذلك الخروج من المسجد. الدليل الثاني: استدلوا بحديث عمران بن حصين في مسلم، انظر لفظه في أدلة القول التالي.

стр. 7182

• دليل من قال: يسجدهما متى ذكرهما ولو خرج من المسجد وطال الفاصل: (ح-٢٥٦٧) روى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (١). وجه الاستدلال: أن التحديد بالمكان أو بالزمان لا أصل له في الشرع، وليس ذلك مضبوطًا، وليس له حد معروف في عادات الناس ليرجع إليه، ولم يدل على ذلك دليل شرعي، ولم يفرق الدليل الشرعي في السجود والبناء بين طول الفصل وقصره، ولا بين الخروج من المسجد والمكث فيه، فمن فرق فعليه الدليل. • ويناقش من وجوه: الوجه الأول: أن هذا الحديث نص في أن الخروج من المسجد لا يقطع الموالاة، ولكنه ليس نصًا في أن طول الفصل لا يقطع الموالاة، فالمخالف يرى أن هذا الفاصل ليس طويلًا عرفًا كما سأبين ذلك إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: إذا صح البناء على أفعال الصلاة وهي عبادة واحدة يبنى بعضها على بعض، ولا يجوز التفريق بين ركعاتها، صح بناء سجود السهو عليها من باب أولى، فإذا لم تفت الموالاة بين أفعال الصلاة مع أن اشتراط الموالاة فيها أظهر من اشتراط الموالاة بين الصلاة وسجود السهو، فمن باب أولى أن الموالاة لم تفت في سجود السهو، ولم يحفظ في النصوص أن النبي ﷺ سها، ثم تدارك ذلك في وقت يجمع

стр. 7183

الناس على أن مثله فاصل طويل، وكل ما قطع البناء في أفعال الصلاة فإنه يقطع بناء سجود السهو عليها، وبالتالي يفوت السجود. وأما وجوب إعادة الصلاة فهو مبني على حكم سجود السهو، فمن قال: إنه سنة، أو قال: واجب، ويسقط بالسهو صحت الصلاة، ومن قال: واجب، ولا يسقط بالسهو أوجب إعادة الصلاة، والله أعلم. الوجه الثالث: لا يشترط أن يأتي في الشرع تحديد للمقدار، ولا يمتنع شرعًا أن يترك الشارع تقدير ذلك إلى عرف الناس، كما هو حال كثير من أحكام الشريعة ترك تقديرها إلى عرف الناس. قال السيوطي: «كل ما ورد به الشرع مطلقًا، ولا ضابط له فيه، ولا في اللغة، يرجع فيه إلى العرف» (١). • واعترض على التحديد بالعرف باعتراضين: الاعتراض الأول: أن التحديد بالعرف معيار غير منضبط؛ إذ ليس له حد معروف بيِّن يمكن أن يتفق الناس عليه. وإذا كان الشرع لا يعلل الأحكام بالحكمة؛ لكونها غير منضبطة، فلم يجعل علة القصر والإفطار في السفر حصول المشقة؛ لاختلاف الناس في تقديرها، فأحرى ألا يعلق الحكم على وصف غير منضبط، والله أعلم. • ويجاب من وجهين: الوجه الأول: بأن التفريق بين الزمن اليسير والطويل ليس أمرًا يصعب ضبطه، ولا يختلف عليه كثير من الناس، وإذا كان ابن تيمية ﵀ يرى الرجوع إلى عرف الناس في تحديد مسافة السفر بين البلاد والمدن المختلفة والمتفرقة، وله علاقة في ركنين من

стр. 7184

أركان الإسلام القصر والفطر، فكيف يتصور أن الناس لا ينضبطون في التفريق بين الزمن الطويل والقصير، وإن حصل اختلاف مع ندرته فيمكن الأخذ بالاحتياط، فالأصل أنه قصير ما دام الناس لم يتفرقوا من مكان الصلاة؛ لأن مكث الناس في مصلاهم بعد الصلاة لا يطول عادة، فهناك السرعان ممن يبادر بالخروج بمجرد السلام، وهؤلاء لا يعتبر خروجهم فاصلًا قطعًا، وهناك الأكثر ممن ينتظر قليلًا بمقدار الأذكار، وهذا المقدار يسير، والقليل من الناس من يطول مكثه في مصلاه بعد الصلاة، فما دام الناس ما زالوا في مصلاهم فهو أمارة على قصر الفاصل، وليس هذا تحديدًا بالمكان، فالخروج نفسه من المسجد غير مؤثر على الصحيح إذا قرب الفاصل، ولكن تفرق جماعة المصلين عادة يكون علامة على طول الفصل، ولهذا لم يتفرق الناس في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، ولا في حديث عمران مما يدل على قرب الفاصل، ولهذا بنى النبي ﷺ على صلاته، فالحوار الذي دار بين النبي ﷺ وأصحابه في حديث أبي هريرة لا يخرج عن جملتين أو ثلاث (أحقًا ما يقول ذو اليدين، قالوا: نعم) فهو ليس يسيرًا بل يسير جدًّا، وفي حديث عمران بن الحصين كان الفاصل أطول، ولكن بيت النبي ﷺ كان مجاورًا للمسجد وكان المسجد ليس بالكبير، فالذي يظهر أن النبي ﷺ كان قد بادر بالخروج من الصلاة، لأنه لو مكث مكانه لاستوثق الصحابة من سهو النبي ﷺ قبل أن يقوم، ولكن حال دون ذلك والله أعلم مبادرة النبي ﷺ بالخروج من صلاته قبل أن يتوثق الصحابة من وقوع السهو من النبي ﷺ حتى إذا استوثقوا من حصول السهو بمراجعة بعضهم لبعض طرقوا على النبي ﷺ بابه فأخبروه، فمثله لا يخرج عن حد اليسير، والله أعلم. الوجه الثاني: أن الاعتراض على التحديد بالطول إن كان المقصود منه القول بالبناء مطلقًا، وأن الموالاة بين أفعال الصلاة ليست شرطًا، أو هي شرط يسقط بالعذر، فهذا القول ضعيف جدًّا، فالصلاة عبادة واحدة، يبنى بعضها على بعض، والتفريق

стр. 7185

الطويل يضر بها، ولا يمكن أن يتصور أن المصلي يصلي من الظهر ركعتين ثم يتذكر ذلك بعد شهر، فيتم صلاته، والقول باشتراط الموالاة بين أفعال الصلاة هو قول الأئمة الأربعة على خلاف بينهم فيما يقطع الموالاة، أهو مقدر بالزمن كطول الفصل وهو قول المالكية والشافعية والحنابلة، أم هو مقدر بالمكان كالخروج من المسجد وهو قول الحنفية، أم يعتبر كل من الطول والخروج قاطعًا للموالاة. وإن كان المقصود من الاعتراض التحديد بالعرف، وأن الفاصل الطويل يضر بالبناء، ولكن يقدر بغير العرف، كالتحديد بالركعة مثلًا، أو بغيره من الأقوال التي قيلت في المسألة، فالأمر خفيف، والتحديد بالعرف هو قول الأكثر، وهو المتفق مع القواعد الفقهية. الاعتراض الثاني: قد استحسن بعضهم بأن العرف لا مرجع له في العبادات المحضة، وإنما يرجع فيه إلى أمور الناس في معاشهم، وأحوال دنياهم. قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. [النساء: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. فهذه كلها أمور دنيوية. • ويجاب: التحديد بالعرف هو قول أكثر أهل العلم، كالمالكية والشافعية والحنابلة من غير فرق بين الأمور التعبدية والدنيوية في هذه المسألة وفي غيرها من المسائل. فإذا انكشف يسير العورة في الصلاة، فقال الحنفية والحنابلة: الانكشاف اليسير في الزمن الكثير لا يبطل الصلاة، وكذا الكثير في الزمن اليسير، واليسير عند الحنابلة: هو الذي لا يفحش في النظر عرفًا، والكثير عكسه؛ لأن كل ما لم يحدد في الشرع، فالمرجع فيه إلى العرف. والعفو عن يسير النجاسة، والعفو عن الحركة اليسيرة في الصلاة، وكل ذلك لم يأت تحديده في الشرع، فمرده إلى العرف، وهو متعلق بالعبادات.

стр. 7186

واختار ابن تيمية في تقدير المسافة في السفر التحديد بالعرف، وهو يتعلق بإباحة بالقصر والفطر، وهما متعلقان بركنين من أركان الإسلام. وقال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وليس هناك ضابط لمعرفة المتوسط إلا بالعرف والعادة، والكفارات من جنس العبادات. • دليل من قال: إذا سلم فات السجود مطلقًا خرج من المسجد أو لم يخرج: هذا فرع عن القول بأن سجود السهو محله قبل السلام، فإذا سلم ناسيًا فات محله، وسقط السجود، سواء قلنا: إن سجود السهو سنة، فإذا سلم أخذ حكم السنن إذا فات محلها، والأصل فيها عدم القضاء إلا بدليل، والاستدلال على القضاء بحديث أبي هريرة وحديث عمران فذلك لأن الصلاة ما تمت، فجاز تبعًا، وليس كل ما جاز تبعًا يجوز استقلالًا. أو قلنا: إن سجود السهو واجب، والواجب يسقط بالسهو إذا فارق محله، بدليل أن التشهد الأول يسقط بالسهو، وإذا صح تعويضه بسجود السهو؛ فإن سجود السهو نفسه لا يتصور تعويضه فسقط إلى غير بدل، كما أنه لو سها في سجود السهو لم يشرع له تعويضه، وإن كان السهو من موجبات السجود، والله أعلم. • دليل من قال: الخروج من المسجد يفوت به السجود القبلي فقط: التفريق بين السجود القبلي والبعدي باعتبار أن السجود القَبْلي جزء من الصلاة، فكان الخروج مانعًا من البناء، بخلاف البعدي، فإنه منفك عن الصلاة، وسبق مناقشة التفريق بين القبلي والبعدي عند الكلام على قطع الموالاة بطول الفاصل، فارجع إليه إن شئت، والله أعلم. • الراجح: أن الخروج من المسجد لا يقطع الموالاة، وإن العبرة بقرب الفاصل، فإذا تذكره عن قرب سجد، سواء أكان بالمسجد أم كان خارجه، وأما القول بأنه يسجد متى

стр. 7187

ذكره، ولو بعد شهر أو عام فهذا قول ضعيف، ولا دليل عليه من النصوص، وحديث ذي اليدين أو حديث عمران بن الحصين لا دلالة فيهما كما بينت، والله أعلم.

стр. 7188

الفرع الرابع إذا نسي السجود وتذكره بعد أن تكلم المدخل إلى المسألة: • تحريم الكلام في الصلاة معلوم من الدين بالضرورة. • كل ما يسمى كلامًا في اللغة فهو منهي عنه؛ لحديث: (ونهينا عن الكلام). • ارتكاب المنهيات، ومنها الكلام إذا وقعت سهوًا لا توجب الإعادة بخلاف ترك المأمورات، والأصل فيها حديث أبي سعيد الخدري في صلاة النبي ﷺ بالنعل، وفيها الأذى، حيث خلعهما، وبنى على صلاته. • عموم النهي عن الكلام مخصوص بالأحاديث التي دلت على إباحة الكلام حال السهو والجهل، كحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث معاوية بن الحكم في تشميت العاطس. • تكلم معاوية بن الحكم في صلاته جاهلًا ولم يؤمر بالإعادة، وما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان. • الأكل مناف للصيام، وإذا أكل ناسيًا لم يفسد صومه على الصحيح، وهو مذهب الجمهور خلافًا للمالكية، فكذلك إذا تكلم ساهيًا. [م- ٨٥٣] إذا سلم الرجل ناسيًا سجود السهو فلم يذكره حتى تكلم، فهل الكلام يفوت به سجود السهو، وهل يوجب استئناف الصلاة؟ هذه المسألة راجعة لاشتراط الموالاة بين سجود السهو وبين الصلاة، فالكلام بالاتفاق من محظورات الصلاة، كما في حديث (فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام). فمن الفقهاء من اعتبر مطلق الكلام قاطعًا للموالاة، لا فرق فيه بين العامد والساهي. ومنهم من قيد البطلان بالكلام الكثير، واغتفر اليسير: إما بشرط أن يكون

стр. 7189

ذلك لمصلحة الصلاة، ولو لم يسلم منها إذا احتاج إلى إفهام الإمام وتعذر ذلك بالتسبيح، وإما بشرط أن يكون قد سلم متوهمًا تمام صلاته. ومنهم من لم يعتبر الكلام قاطعًا للموالاة مطلقًا ولو كان كثيرًا إذا كان يعتقد تمام صلاته. وقد تكلمت في المجلد السابق عن حكم الكلام عامدًا لمصلحة الصلاة، فارجع إليه إن شئت. إذا عرفنا ذلك نأتي إلى أقوال الفقهاء وحكمهم في الكلام إذا وقع سهوًا بعد أن سلم من صلاته يظن إتمامها، أيقطع الموالاة، أم لا؟ فقيل: إذا تكلم فات سجود السهو مطلقًا، وصحت صلاته، من غير فرق بين اليسير والكثير، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (١). وقيل: الكلام لا يقطع الموالاة، وهو مذهب الحنابلة، ووجه في مقابل الأصح في مذهب الشافعية (٢).

стр. 7190

قال في الإقناع: «وإن نسيه قبل السلام أم بعده أتى به ما لم يطل الفصل عرفًا، ولو انحرف عن القبلة، أو تكلم» (١). وظاهره من غير فرق بين القليل والكثير. وقيل: إذا تكلم بكلام كثير فات السجود، وصحت الصلاة، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٢). وقال المالكية: الكلام لا يقطع السجود البعدي، فإذا نسي سجود السهو بعد السلام قضاه متى شاء، ولو بعد عام. وإن نسي القَبْلي، وترتب عن ترك ثلاث سنن قولية كانت أم فعلية، سجد للسهو إن قرب، فإن طال الفصل بطلت صلاته، ومثل الطول ما إذا حصل مانع من فعله كالحدث، وكذا إذا تكلم عمدًا .... قاله ابن هارون (٣).

стр. 7191

والمقصود بالعمد أن يتكلم، وهو يعلم أنه قد بقي عليه من صلاته سجود السهو. قال خليل في التوضيح: «لو تكلم، أو لمس نجاسة، أو استدبر القبلة عامدًا كان حكم ذلك حكم الطول» (١). يعني أن هذه الأشياء في حكم الفاصل الطويل في قطع البناء. وقيل في التفريق بين الإمام والمأموم، فإذا تكلم الإمام، وهو يعتقد أن صلاته قد تمت لم تبطل صلاته، ولا عذر للمأموم، ولا حجة له في كلام ذي اليدين لأنه كان يعتقد أن الصلاة قد قصرت، واليوم قد استقرت الشريعة، فلا يشبه حال ذي اليدين، وهذا رواية عن الإمام أحمد (٢). وقيل: يسجد إن تكلم لمصلحة الصلاة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). فصارت الأقوال ستة: يقطع مطلقًا. لا يقطع مطلقًا. يقطع الكثير دون القليل. يقطع سجود السهو القبلي إذا تكلم عامدًا، وقد ترتب السجود عن ترك ثلاث سنن دون السجود البعدي. يقطع إن تكلم لغير مصلحة الصلاة. يقطع إن تكلم المأموم دون الإمام إذا تكلم، وهو يعتقد تمام صلاته. • دليل من قال: يقطع الكلام مطلقًا ويسقط به سجود السهو: الدليل الأول: (ث-٦١٦) روى البخاري من طريق يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني،

стр. 7192

عن زيد بن أرقم، قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت. ورواه مسلم من طريق هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد به، وزاد: ونهينا عن الكلام (١). الدليل الثاني: (ح-٢٥٦٨) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث، والحديث فيه قصة (٢). وجه الاستدلال: هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة تدل على تحريم الكلام في الصلاة، وقد تنوعت فيها الدلالة: فمنها ما جاء بصيغة الأمر والنهي، كحديث زيد بن أرقم في مسلم، (فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام). ومنها ما جاء بلفظ: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) كحديث معاوية بن الحكم في مسلم. ومنها ما أرشد الشارع الرجال إلى التسبيح، والنساء إلى التصفيق، إذا احتاجوا إلى الكلام؛ لتنبيه إمامهم لإصلاح صلاته كحديث سهل بن سعد في الصحيحين (٣). وكلها تدل على أن الكلام محرم، وتفسد به الصلاة. وعموم هذه الأحاديث لا تفرق بين العالم بالتحريم والجاهل به، ولا بين

стр. 7193

الساهي والعامد، ولا بين الكلام في صلب الصلاة، أو الكلام لمن سلم ساهيًا يظن إتمامها، فالكلام كله ينافي الصلاة. ولأن قوله: (لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) ف (شيء) نكرة في سياق النفي، فتعم كل كلام أجنبي، والأصوليون يقولون: العام جارٍ على عمومه، فاستثناء بعض الكلام دون بعض مخالف لدلالة العموم. وقد أفادت هذه الأحاديث حكمين: الحكم الأول: تحريم الكلام في الصلاة؛ للنهي عن الكلام، والأمر بالسكوت، وهذا من حيث الحكم التكليفي حتى سقط عن المصلي رد السلام الواجب. الحكم الثاني: دل حديث معاوية بن الحكم على أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، فقوله: (لا يصلح): الصلاح خلاف الفساد، فالكلام الأجنبي لا يصلح في الصلاة، وهذا من حيث الحكم الوضعي، فإذا وجد فيها أفسدها من حيث هو كلام غير مشروع في الصلاة، وإنما يختلف العالم عن الجاهل في المأثم، وليس في الصحة، فالحديث يخبر بأن الكلام (لا يصلح في الصلاة) فلو صحت الصلاة مع الكلام لكان قد صح الكلام فيها من وجه، فثبت بذلك أن ما وقع فيه كلام الناس فليس بصلاة، كالحدث يفسد الصلاة، سواء أتعمد خروجه أم لا، وسواء أجهل حكمه أم لا، إلا أن يكون مريضًا، وكذلك الأكل والشرب يفسدها مطلقًا، ولهذا أرشد الشارع المأموم إلى التسبيح إذا احتاج إلى الكلام؛ لتنبيه إمامه لإصلاح صلاته، ولم يأذن له بالكلام مع قيام الحاجة، كل ذلك يدل على أن الكلام الأجنبي يخرج به المصلي عن حكم الصلاة (١). وإذا تقرر ذلك وكان سجود السهو تابعًا للصلاة مرتبطًا بها، فإذا تكلم لا يمكن بناؤه على الصلاة، فيسقط سجود السهو كما يسقط لو خرج من المسجد، والصلاة صحيحة باعتبار أن فوات الواجب لا يفسد الصلاة، ولو كان ذلك عمدًا على قواعد الحنفية، ويسقط سهوًا على قواعد الحنابلة.

стр. 7194

• ونوقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: هذه الأحاديث عامة، خرج منها ما وقع على وجه السهو بدليل خاص، كما في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران بن الحصين، والخاص مقدم على العام. الوجه الثاني: دلَّ حديث معاوية بن الحكم أن المتكلم جاهلًا لا تبطل صلاته، حيث لم يأمر النبي ﷺ معاوية بن الحكم بإعادة الصلاة، وما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان، وقياسًا على الصيام، فإن الأكل مناف للصيام، وإذا أكل الصائم ناسيًا لم يفسد صومه على الصحيح، وهو مذهب الجمهور بما فيهم الحنفية والحنابلة خلافًا للمالكية، فكذلك إذا تكلم ساهيًا لم تبطل صلاته. الوجه الثالث: السلام من الصلاة يتحلل به المصلي من صلاته، كما قال النبي ﷺ (وتحليلها التسليم) فإذا وقع في حال السهو لم يتحلل من الصلاة، فكذلك الكلام إذا وقع سهوًا. • دليل من قال: الكلام لا يقطع الموالاة مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢٥٦٩) ما رواه البخاري من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين، فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم … الحديث.

стр. 7195

ورواه مسلم بنحوه من طريق أيوب، عن ابن سيرين (١). الدليل الثاني: (ح-٢٥٧٠) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٢). الدليل الثالث: (ح- ٢٥٧١) ما رواه الإمام مسلم من طريق عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عبد الله، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فقلنا: يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمسًا، قال: إنما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، ثم سجد سجدتي السهو (٣). ورواه أحمد، حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ، فإما زاد وإما نقص -قال إبراهيم: وإنما جاء نسيان ذلك من قبلي- فقلنا: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قلنا: صليت قبل كذا وكذا، قال: إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين، ثم تحول، فسجد سجدتين (٤). ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، وحفص، كلاهما عن الأعمش، عن علقمة، عن عبد الله أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام (٥).

стр. 7196

وجه الاستدلال: ليس الاحتجاج بقول النبي ﷺ (وما ذاك؟) قبل علمه بالسهو، فإن دلالته على جواز الكلام من الإمام إذا اعتقد تمام صلاته كدلالة حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران بن الحصين، وإنما الاحتجاج بكلام النبي ﷺ في صلاته بعد أن علم وتيقن أنه قد سها في صلاته، وأنه قد بقي عليه سجدتا السهو، وذلك حين قال له أصحابه: صليت خمسًا، فقال: إنما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، ثم سجد سجدتي السهو، فدل على أن الكلام لا يقطع الموالاة مطلقًا. • ونوقش: [اختلف الرواة في حديث ابن مسعود في قوله ﷺ : (إنما أنا بشر مثلكم … ) متى قال ذلك، أقاله قبل سجود السهو أم بعده؟ والمحفوظ أنه قال ذلك بعد سجود السهو، والله أعلم] (١).

стр. 7197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7199

• دليل من قال: الكلام اليسير لا يقطع الموالاة: (ح-٢٥٧٢) استدلوا بما رواه البخاري ومسلم، واللفظ للأول من طريق أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ أصدق ذو اليدين فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى اثنتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، فسجد مثل سجوده أو أطول (١). • ويناقش: بأن الحديث ليس فيه اشتراط أن يكون الكلام يسيرًا، فالعلة في البناء كونه سلم ساهيًا، ولهذا لم يؤثر انصرافه عن القبلة، والسلام بنية التحلل، وكلامه للمأمومين، ودخول المنزل وخروجه منه كما في حديث عمران بن الحصين، فإذا تكلم يظن أن صلاته قد تمت أبيح الكلام مطلقًا ولم يؤثر ذلك في صلاته يسيرًا كان الكلام أم كثيرًا، ولهذا لم يفرق الشارع في الأكل في الصيام ناسيًا بين القلة والكثرة، مع أن الأكل أشد منافاة للصيام من الكلام؛ لعلة النسيان. • ورد: إذا كنا نشترط ألا يطول الفصل إذا سلم ساهيًا، فإن من لازم ذلك أن يكون الكلام يسيرًا لأنه يقع في حدود هذا الفاصل اليسير، وكثرة الكلام يلزم منها طول الفاصل، وطول الفاصل يمنع من البناء، فكذلك كثرة الكلام.

стр. 7200

• ويناقش: قد لا يُسَلَّم هذا التلازم؛ لأن الكلام جنس، والفاصل بالسكوت جنس آخر، وتقدير الكثير فيهما قد يختلف عرفًا، فلا يلزم من اشتراط قرب الفاصل أن يكون الكلام فيه يسيرًا؛ فيغتفر في السكوت مع الفاصل ما لا يغتفر في الكلام إذا شغل الفاصل كله أو أكثره بالكلام، ولهذا كثير من الفقهاء لا يغتفر الأكل إذا سلم ناسيًا، فلا يبني، ولو عاد عن قرب، كما أن المصلي لو مشى خطوات متعددة في الصلاة قد تدخل في حدِّ اليسير، والوثبة الواحدة في الصلاة قد تكون فاحشة مؤثرة، والغرض من كل هذا أن الأكل والمشي والكلام يختلف تقدير الكثير والقليل منها، ولا تلازم بينها وبين الفاصل في الطول والقصر. • دليل من قال: الكلام إذا كان لمصلحة الصلاة لا يقطع الموالاة: ومستند هذه المسألة: كلام النبي ﷺ بعد أن سلم النبي ﷺ من صلاته في قصة ذي اليدين، فقيل: إنما جاز لأنه لمصلحة الصلاة. • دليل من قال: الكلام يفوت به السجود القبلي دون السجود البعدي: التفريق بين السجود القبلي والبعدي باعتبار أن القبلي جزء من الصلاة، فكان الكلام قبل السجود القبلي مانعًا من البناء، بخلاف البعدي، فإنه منفك عن الصلاة. وسبق مناقشة التفريق بين القبلي والبعدي عند الكلام على قطع الموالاة بطول الفاصل، فارجع إليه إن شئت، والله أعلم. • دليل من فرق بين الإمام والمأموم: إذا تكلم الإمام معتقدًا تمام صلاته فهو معذور، فلا تبطل صلاته بنحو ما تكلم به النبي ﷺ في قصة ذي اليدين، وأما المأموم إذا تكلم، وهو يعلم أن الإمام قد بقي عليه شيء من صلاته، أو بقي عليه سجود السهو، فقد تكلم في صلاته عالمًا ذاكرًا، فبطلت صلاته، ولا حجة له في كلام ذي اليدين؛ لأنه كان يعتقد أن الصلاة قد قصرت، واليوم قد استقرت الشريعة، فلا يشبه حال ذي اليدين. وليس للمأموم أن يتكلم محتجًا بكلام أبي بكر وعمر؛ لأنهما تكلما مجيبين

стр. 7201

للنبي ﷺ وإجابته واجبة عليهما (١). • ويناقش: أما القول بأن أبا بكر وعمر تكلما مجيبين للنبي ﷺ وإجابته واجبة عليهما. فالجواب: بأن إجابة النبي ﷺ لا تتعين بالقول، فيكفي فيها الإيماء خاصة بعد تيقنهم أن النبي ﷺ قد حصل له السهو حين قال: لم أنس، ولم تقصر. وعلى تقدير أن الجواب عليهم كان واجبًا فلا يلزم منه الحكم بصحة صلاتهما، كما لو وجب الكلام على المصلي لإنقاذ أعمى من السقوط في حفرة، فإنه يجب عليه أن يكلمه، ويستأنف صلاته. ولا يصح القول بأن ذا اليدين كان يعتقد أن الصلاة قد قصرت، فلم تبطل صلاته بالكلام؛ لأن ذا اليدين قد تكلم أيضًا بعد قول النبي ﷺ : لم أنس ولم تقصر، فقال له كما في البخاري: بلى قد نسيت. وفي مسلم: قال النبي ﷺ : كل ذلك لم يكن، فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله. فقد كلمه بعد علمه بعدم النسخ، وكلمه الصحابة، وبنوا معه (٢). • الراجح: أن الكلام من المصلي إذا سلم يظن تمام صلاته لا يبطل صلاته مطلقًا، ولا يمنع من البناء إذا قرب الفاصل سواء أكان الكلام كثيرًا أم قليلًا، والله أعلم.

стр. 7202

الفرع الخامس إذا نسي سجود السهو وتذكره بعد انحرافه عن القبلة المدخل إلى المسألة: • كل فعل منافٍ للصلاة، إذا فعله المصلي ظانًا تمام صلاته، فإنه لا يمنع من الرجوع إلى الصلاة، والبناء ما لم يمنع مانع من حدث، أو طول فصل. • إذا سلم ساهيًا بنية التحلل من الصلاة لم يضره استدباره للقبلة، ولا كلامه ولا خروجه من المسجد؛ لحديث عمران بن الحصين في مسلم، وهو نص في محل النزاع. • إذا صحت صلاة المخطئ في القبلة، صحت صلاة المنحرف عنها سهوًا؛ لأن النسيان قرين الخطأ في الأحكام. • قياس نسيان القبلة على نسيان الحدث؛ بجامع أن كلًّا منهما من المأمورات لا يصح؛ لأن من ظن بقاء طهارته، فصلى محدثًا وجبت عليه إعادة الصلاة، ومن تحرى القبلة، فصلى، فتبين أنه مخطئ لم يُعِدْ. • الأركان لا تسقط بالنسيان قولًا واحدًا، وكذا الشروط المجمع على شرطيتها، إن كان من جنس المأمورات، كالطهارة من الحدث. • ما تنازع الناس في سقوطه بالنسيان من الشروط المأمور بها راجع إلى ضعف مأخذ الشرطية كالاستقبال، وستر العورة. • قد يقال: الانحراف عن القبلة معدود في المنهيات، والمحظورات تسقط بالنسيان، كالصلاة بالنجاسة ناسيًا على الصحيح. • لو كان التوجه للقبلة من المأمورات لاشترطت النية لفعله. • أمر القبلة مبني على التخفيف؛ لسقوطها عن الراكب في نافلة السفر، بخلاف الطهارة. • أكثر العلماء على أن استقبال القبلة شرط، وحكي إجماعًا، وقيل: ركن، وقيل: واجب مع الذكر، والقول الأخير أقربها.

стр. 7203

[م- ٨٥٤] أكثر العلماء على أن التوجه إلى القبلة شرط من شروط الصلاة إلا المسافر الراكب، والصلاة نافلة، فلا يشترط التوجه، والراجح أن التوجه للقبلة ملحق بالواجبات، وليس بالشروط، وقد بحثت هذه المسألة في شروط الصلاة. فإذا سلم من صلاته، وتذكر أن عليه سجود سهو، وقد انحرف عن القبلة، فهل انصرافه عن القبلة يقطع الموالاة، ويوجب عليه استئناف الصلاة، أو يسجد، وصلاته صحيحة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة: فقيل: إذا تذكر بعد انحرافه عن القبلة امتنع البناء، وسقط سجود السهو، وهو مذهب الحنفية (١). وقيل: يسجد، ولو انحرف عن القبلة، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٢). وقال المالكية: إذا نسي السجود الْبَعْدِيَّ قضاه متى شاء، ولو انحرف عن القبلة، وإن نسي سجود السهو الْقَبْلِيِّ، وترتب عن ترك ثلاث سنن قولية كانت أم فعلية ولم يسجد حتى انحرف عن القبلة عامدًا بطلت صلاته. وإن ترتب عن ترك سنتين حتى انحرف عن القبلة فات السجود وصحت الصلاة؛ ولم يقضه؛ لأن الْقَبْلِيَّ سنة مرتبطة بالصلاة، فإذا انحرف عن القبلة لم

стр. 7204

يلحق بها، وهذا مذهب المدونة والرسالة (١). قال ابن الحاجب في جامع الأمهات: «فإن سها عن القبلة سجد متى ذكر ما لم يطل أو يحدث» (٢). علق خليل في التوضيح قائلًا: «تخصيصه الحدث بهذا الحكم من بين سائر الموانع لا معنى له؛ لأنه لو تكلم أو لمس نجاسة، أو استدبر القبلة عامدًا كان حكم ذلك حكم الطول» (٣). أطلق خليل الحكم في الكلام ولمس النجاسة، وقيد الاستدبار بالعمد، بحيث يكون انحرافه عن غير سهو، والله أعلم. فصار الانحراف عن القبلة فيه ثلاثة أقوال: يقطع الموالاة مطلقًا، ويسقط به سجود السهو. وهذا مذهب الحنفية. لا يقطع الموالاة مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. إذا انحرف عن القبلة عامدًا، قطع الموالاة، وبه قال المالكية. • دليل من قال: الانحراف يقطع الموالاة مطلقًا: الدليل الأول: هذا القول بناه أصحابه على أن التوجه للقبلة شرط من شروط الصلاة، والشروط عندهم لا تسقط بالنسيان.

стр. 7205

• ويناقش: أكثر العلماء على أن استقبال القبلة شرط، وحكي إجماعًا، وقيل: ركن، وقيل: واجب مع الذكر، والقول الأخير أقربها، وهو ما رجحه ابن الرفعة في كفاية النبيه (١). وسبق بحث المسألة في المجلد الخامس. الدليل الثاني: يمكن الاستدلال للقول بأن استقبال القبلة من جنس المأمورات، والمأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر لم يعذر فيها بالنسيان كحديث من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، وقياسًا على صلاة المحدث ناسيًا تجب عليه الإعادة. بخلاف المنهيات، فيعذر فيها بالنسيان، كحديث أبي سعيد في خلع النبي ﷺ نعليه، وهو في الصلاة حين أخبره جبريل أن بهما أذىً، وبنى على صلاته (٢). ولأن المقصود من المأمورات: إقامة مصالحها، وذلك لا يحصل إلا بفعلها. والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلَّفِ بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه (٣). هذا الدليل سقته ولا يجري على أصول استدلال الحنفية، ذلك أنهم يرون الشروط لا تسقط بالنسيان مطلقًا، سواء أكان من جنس المأمورات أم كان من جنس المنهيات، فنسيان الطهارة كنسيان استقبال القبلة، كالصلاة في الثوب النجس، لا يسقط شيء منها بالنسيان، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، ولكني سقته دليلًا للقول، وإن لم يجر على قواعد القائل. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: هذا نظر في مقابل النص، فعندنا أدلة شرعية مقطوع بصحتها، لم تعتبر

стр. 7206

الانصراف عن القبلة مانعًا من البناء على الصلاة، كحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وهو في الصحيحين، وحديث عمران بن الحصين، وهو في مسلم، والقواعد ترد إلى النصوص، ولا تتقدم عليها. الوجه الثاني: سلمنا أن التوجه إلى القبلة من المأمورات، لكن الانحراف عنها معدود في المنهيات، ككشف العورة في الصلاة. ولا يقاس ترك القبلة على ترك الحدث؛ ذلك أن أمر القبلة مبني على التخفيف، بدليل سقوطها عن الراكب في نافلة السفر، بخلاف الطهارة. • دليل من قال: الانحراف ساهيًا لا يضر. الدليل الأول: مستند هذه المسألة: حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وحديث عمران بن الحصين في قصة الخرباق فقد استدبر القبلة النبي ﷺ ، ومع ذلك بنى على صلاته؛ وهو نص في محل النزاع، لكونه وقع سهوًا، وهو عذر، وكان الفاصل ليس طويلًا فلم يمتنع البناء. قال ابن رجب: «دخول الحجرة يلزم منه الانحراف عن القبلة بالكلية؛ لأن الحجرة كانت عن يساره» (١). وترجم البخاري لحديث سهو النبي ﷺ من مسند ابن مسعود، فقال في صحيحه: باب ما جاء في القبلة، ومن لم ير الإعادة على من سها، فصلى إلى غير القبلة. قال ابن رجب: «مقصود البخاري: أن استدبار القبلة والانحراف عنها في الصلاة سهوًا عن غير تعمد، لا تبطل به الصلاة، كما دل عليه حديث سجود السهو، وقد نص عليه أحمد وغيره، فيستدل بذلك على أن من صلى إلى غير القبلة، عن غير تعمد، أنه لا تبطل صلاته بذلك، ولا إعادة عليه» (٢).

стр. 7207

الدليل الثاني: القياس على الكلام في الصلاة ساهيًا، كما في حديث سهو النبي ﷺ ، وكلام ذي اليدين للرسول ﷺ ، وجواب الرسول ﷺ . قال ابن رجب: «وقصة ذي اليدين يستدل بها على أن كلام الناسي لا يبطل؛ كما هو قول الشافعي، وأحمد في إحدى الروايات عنه. وعلى أن العمل الكثير في الصلاة نسيانًا يعفى عنه، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي» (١). • دليل من قال: إذا انحرف عمدًا امتنع البناء: هذا القول اعتبر السهو عذرًا، قياسًا على السلام والكلام، فقد سجد النبي ﷺ بعد السلام والكلام، والأصل في السلام أنه يتحلل به المرء من صلاته، فإذا سلم ساهيًا لم يتحلل، فكذلك الانحراف ساهيًا، بخلاف العمد، والله أعلم. • ويناقش: ما ذا تقصدون بقيد العمد المانع من البناء، أتقصدون أن يتعمد الانحراف بعد أن علم أنه لم يفرغ من صلاته، فهذا مُسَلَّم، فقد ارتكب المحظور عالمًا ذاكرًا مع قدرته على الاستقبال، فيكون هذا مبطلًا. أم تقصدون بقيد العمد أن ينحرف عن القبلة عامدًا لاعتقاده تمام صلاته، فإذا كان هذا هو المقصود بقيد العمد، فهو قول ضعيف؛ فإذا لم يؤثر الكلام والسلام والمشي في قطع البناء على الصحيح لم يؤثر الانحراف عن القبلة، والله أعلم. • الراجح: أن الانحراف عن القبلة لا يضر إذا كان يعتقد تمام صلاته، سواء انحرف عامدًا أو ساهيًا، وأما إذا علم أنه قد بقي عليه شيء من صلاته، أو بقي عليه سجود السهو، فلا يجوز له الانحراف عن القبلة، والله أعلم.

стр. 7208

الفرع السادس إذا نسي سجود السهو وتذكره بعد شروعه في النافلة المدخل إلى المسألة: • الشروع في النافلة ليس فواتًا لسجود السهو ما لم يطل الفصل. • بناء سجود السهو على الصلاة التي سلم منها ناسيًا لسجود السهو محكوم بالفاصل، إن طال فات السجود وإلا سجد. • فوات السجود بطول الفصل، أهو دليل على ضعف منزع القول بوجوبه؛ إذ الواجبات من جنس المأمورات لا تسقط إلا بأدائها، أم هو دليل على أن فوات الواجب سهوًا لا يبطل الصلاة خلافًا للأركان والشروط؟ الأول أقوى من حيث التأصيل. • السجود القبلي والبعدي يشتركان بأن المقتضي لهما واحد وهو السهو، والواجب واحد، وهو السجدتان، ولم توجبهما التحريمة حتى يكونا جزءًا من الصلاة، فإذا صح أن البعدي ليس جزءًا من الصلاة، صح أن القبلي ليس جزءًا منها، وإن وقع فيها، كسجود التلاوة، وإن كان تابعًا مرتبطًا بها ارتباط المسبب بسببه. • إذا جاز تأخير القبلي إلى بعد السلام في قول الأئمة الأربعة، كان ذلك إشارة إلى أن سجود السهو ليس بواجب؛ لأنه لو كان واجبًا وجابرًا للنقص لكان جزءًا من الصلاة، لا يستقل بنفسه. • إذا صح توصيف السجود القبلي بأنه واجب فيها، والبعدي واجب لها، وكان ترك الثاني لا يبطل الصلاة كترك الأذان على القول بوجوبه، فإذا صح نقل محل القبلي إلى بعدي صار الجميع واجبًا لها، لا فيها، ولا تبطل الصلاة بتركه. [م- ٨٥٥] اختلف العلماء في الرجل ينسى سجود السهو فلم يذكره حتى

стр. 7209

شرع في صلاة أخرى: فقيل: إن سجد في صلاة النافلة امتنع الرجوع، وصح فرضه وسقط عنه سجود السهو؛ لفواته، وإلا رجع وسجد للسهو وهو مذهب الحنفية. • والدليل على رجوعه إذا لم يصل ركعة: أن السلام سهوًا لا يخرج به من الصلاة كما سلم النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وبنى على صلاته. فإذا كان ما صلاه دون الركعة رجع إلى صلاته وسجد للسهو. وجه هذا القول: أن ما دون الركعة ليس له حكم الصلاة، بدليل أنه لو حلف ألا يصلي فصلى ما دون الركعة لم يحنث في يمينه، فيقبل الرفض، بخلاف ما إذا صلى ركعة كاملة، والركعة تتقيد بسجدة، والثانية تكرار، فالركعة صلاة حقيقية لا تقبل الرفض، فيمتنع معها الرجوع إلى الصلاة؛ فكانت الركعة قاطعة لتحريمة الصلاة الأولى. قال في البدائع «لأن سجدتي السهو يؤتى بهما في تحريمة الصلاة؛ لأنهما شرعتا لجبر النقصان، وإنما ينجبران لو حصلتا في تحريمة الصلاة» (١). فأفاد الكاساني أنه لا تحريمة مستقلة لسجود السهو، وأنه يقع في تحريمة الصلاة، وأن كل فعل يقطع التحريمة قبل سجود السهو يفوت به السجود، كما لو تكلم، أو انحرف عن القبلة، أو خرج من المسجد، ومثله لو صلى ركعة كاملة. ولأن كل ما يمنع البناء إذا وجد بعد السلام يسقط السهو عند الحنفية (٢). جاء في بدائع الصنائع: «إذا سلم وهو ذاكر له، أو ساه عنه ومن نيته أن يسجد له أو لا يسجد حتى لا يسقط عنه في الأحوال كلها؛ لأن محله بعد السلام إلا إذا فعل فعلًا يمنعه من البناء بأن تكلم أو قهقه أو أحدث متعمدًا أو خرج عن المسجد

стр. 7210

أو صرف وجهه عن القبلة، وهو ذاكر له؛ لأنه فات محله» (١). ومثل هذه الأفعال إذا صلى ركعة، فإنها تمنع البناء، لأن الركعة صلاة حقيقية لا تقبل الرفض، بخلاف ما دون الركعة، فإنه ليس بصلاة. وأما الدليل على أن سجود السهو إذا فات لا يبطل الصلاة: فلأن سجود السهو لم يجب بسبب التحريمة، فلم يكن تركه نقصًا في الصلاة. ولأنه شَرَع في النافلة بعد إكمال الفريضة فصح فرضه. قال محمد بن الحسن: «ألا ترى لو أنه تكلم، وقد قعد قدر التشهد كانت صلاته تامة، فإن كانت الصلاة لم يفسدها الكلام لم يفسدها صلاة أخرى؛ لأن الصلاة لا تكون أشد من الكلام» (٢). ولأن الواجبات تسقط بالسهو، كما لو قام عن التشهد الأول ناسيًا، لم يرجع إليه، فكذلك إذا نسي سجود السهو حتى امتنع الرجوع إلى الصلاة صحت الصلاة وفات سجود السهو. • ويناقش: امتناع الرجوع بالسجدة ولو قرب الفاصل تحكم لا دليل عليه، فالمُحَكَّم في الرجوع وعدمه: هو طول الفصل وقصره، وليس كونه صلى ركعة أو أقل منها، خاصة مع قول الحنفية بوجوب سجود السهو. وقيل: إذا ترك سجود السهو البعدي فذكره وهو في فريضة أو تطوع لم يفسد عليه شيء، وإذا فرغ مما هو فيه سجد للسهو الذي كان عليه. وإن ترك السجود القبلي الواجب، وهو ما ترتب عن ترك ثلاث سنن، فإن تركه من فريضة، فذكر ذلك في صلاة أخرى فريضة كانت أو نافلة، فإن كان لم يسلم من الأولى رجع مطلقًا لإصلاحها، وإن سلم من الأولى أو ظنه فإن تذكر عن قرب رجع لإصلاح صلاته الأولى بلا سلام من الثانية، ولو كان مأمومًا، وسجد بعد السلام، وإن أطال القراءة أو ركع، ولو لم يقرأ، كمسبوق وأمي بطلت الأولى. وطول القراءة

стр. 7211

مقدر بالفراغ من الفاتحة، وقيل: بالزيادة عليها، وهو المعتمد. فإن كانت الثانية نافلة أتمها، وإن كانت فريضة قطعها إن كان إمامًا أو فذًّا لمراعاة الترتيب، وإن كان مأمومًا تمادى ثم أعادهما، إلا أن يعقد منها ركعة فيشفعها استحبابًا، ثم يصلي الأولى، ثم الثانية. وإن ترك السجود القبلي الواجب من نافلة، فذكره بعد شروعه في فريضة، فإنه يتمادى مطلقًا عقد ركعة أم لا، أطال القراءة أم لا؛ لقوة الفرض على النفل، وهذا مذهب المالكية (١). وملخص مذهب المالكية: إن تذكر ذلك عن قرب رجع لإصلاح صلاته إن كانت فرضًا، وإن أطال القراءة أو ركع امتنع الرجوع لإصلاح الأولى، ووجب استئناف الفريضة. • وجه قول المالكية: أما الدليل على وجوب الرجوع إن تذكر ذلك عن قرب: أن سجود السهو القبلي تابع للصلاة وجزء منها، ومرتبط بها ارتباط المسبب بسببه، فإذا سلم ناسيًا سجود السهو اشترط قرب الفصل حتى يمكن بناؤه على أفعال الصلاة، فإذا انفصل عن الصلاة انفصالًا لا يمكن بناؤه على ما صلى فات تدارك السجود، بخلاف الفاصل القصير فإن الاحتراز منه يعسر، فاغتفر، فكان وجوده لا يمنع من العود إلى سجود السهو، باعتبار أن السجود القبلي جزء من الصلاة، ونقصه مؤثر في صحتها. وأما الدليل على اعتبار طول القراءة مانعًا من الرجوع لإصلاح صلاته: الأصل أن طول الفاصل عند المالكية مقدر بالعرف خلافًا لأشهب حيث قدره بالخروج من المسجد في بناء السهو خاصة، إلا أن هذه المسألة كان الطول فيها مقدر

стр. 7212

بالقراءة أو بعقد الركوع، ولعل المالكية اعتبروا هذا التقدير خاصًا بمثل هذه المسألة، والسبب أنهم اعتبروا السلام من الصلاة، والشروع في النافلة، والتحريمة لها، وقراءة الفاتحة والفراغ منها، والشروع بما تيسر كل هذه الإضافات، في هذا المحل يجعلها بمنزلة الإعراض عن الصلاة الأولى، فكانت هذه الأفعال حائلاً بينه وبين إصلاح الأولى، والله أعلم. ونحن في معرض التماس دليل المذهب بعيدًا عن كونه راجحًا أو مرجوحًا، فهذا أمر نسبي، ولم أقف على كلام للمالكية، فكنت أستدل لهم وفقًا لما أعرفه من قواعد المذهب، كما اعتبر المالكية الخروج من المسجد في البناء على أفعال الصلاة مع السلام من الصلاة مانعًا من البناء؛ لأن فيه إعراضًا عن الصلاة، ولم يقدروه بالعرف، والله أعلم. وأما الدليل على أن الركوع مانع من الرجوع لإصلاح صلاته: فلأن إدراك الركوع يحصل به إدراك الركعة، وتفوت الركعة بفواته، وإذا لم يدرك ركعة من الصلاة مع الإمام لم يدرك فضل الجماعة ولا الجمعة، ويعتبر في حكم المنفرد في الأولى ويصلي أربعًا في الثانية، وإذا صلى ركعة قبل خروج الوقت فقد أدرك الوقت وكانت صلاته أداء، فكان إدراك الركعة من النافلة دركًا للنافلة ومانعًا من الرجوع لإصلاح صلاته، والله أعلم. وقيل: إذا سلم من الفريضة فات سجود السهو، سواء قصر الفصل أو طال، وهو قول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١). • وجه هذا القول: هذا القول مبني على أن سجود السهو ليس بواجب. وأن محل السجود قبل السلام، فإذا فات محله سقط السجود، باعتباره سنة فات محلها، ولهذا لو تذكره بعد السلام، وقبل شروعه في النافلة، وأراد ألا يسجد لم يلزمه السجود. ولأن السلام ركن وقع في محله، فلا يعود إلى سنة شرعت قبله.

стр. 7213

ولأن القضاء يفتقر إلى دليل مستقل كالأداء، والاستدلال على القضاء بحديث أبي هريرة أو بحديث عمران فذلك لأن الصلاة ما تمت، فجاز تبعًا، وقد يجوز الشيء تبعًا ما لا يجوز استقلالًا. • ويناقش: كل وجه ذكر مستندًا لهذا القول يمكن الجواب عنه. فالقول بأن سجود السهو سنة: هذا الحكم محل نزاع بين الفقهاء، فلا يلزم من قال بالوجوب. والقول بفوات السجود لفوات محله: محل السجود قضية خلافية أيضًا، أهو قبل السلام مطلقًا، أم بعده مطلقًا، أم يختلف باختلاف نوع السهو، ومورد النزاع لا يحتج به على المخالف. والقول بأن القضاء يحتاج إلى دليل مستقل كالأداء: يرده حديث ابن مسعود المتفق عليه بأن النبي ﷺ صلى خمسًا فسجد للسهو على وجه الاستقلال، وقد تمت صلاته، والزيادة لم يتعمدها، ولم ينوها، فكان وجودها كعدمها، والله أعلم. وقيل: يقضيه إذا سلَّم من النافلة إن قرب الفصل، ولم يحدث، ولم يخرج من المسجد، فإن طال الفصل عرفًا أو أحدث، أو خرج من المسجد لم يقضه؛ لفوات محله، وصحت صلاته كسائر الواجبات إذا تركت سهوًا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١). • وجه قول الحنابلة: أما كونه يقضي السجود إذا سلَّم منها: فالحنابلة لم يوجبوا قطع النافلة علمًا أنهم لا يوجبون النافلة بالشروع خلافًا للحنفية، وسجود السهو واجب عندهم، فلماذا كانت المراعاة للنافلة على حساب الواجب؟

стр. 7214

قد يقال: إن هذا دليل على ضعف منزع القول بوجوب سجود السهو، فالفقهاء إذا قالوا بوجوب عبادة، ثم لم يرتبوا مقتضى القول بالوجوب في بعض تفريعاتهم كان ذلك أمارة على ضعف منزع القول بالوجوب، ومثله التعامل مع بعض الأحاديث الضعيفة، والتي ظاهرها يقتضي الشرطية، فإذا أخذ الفقهاء بهذه الأحاديث لم يرتبوا عليها مقتضاها من الشرطية، كأحاديث التسمية في الوضوء، فإن ألفاظها جاءت بلفظ: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) فظاهره اشتراط التسمية، ولم يقل أحد من الفقهاء بمقتضاه: فالجمهور ذهبوا إلى استحباب التسمية. والحنابلة قالوا بالوجوب في أحد القولين، ومع ذلك قالوا: تسقط التسمية بالنسيان، مع أن المأمورات لا تسقط بالنسيان كما لو صلى ناسيًا حدثه، والأمثلة كثيرة، ولو جمعت لجاءت مصنفًا. وقد يقال: لعل ذلك راجع إلى أن هذا السجود محله بعد السلام إما اضطرارًا لكونه سها عنه، ولم يتذكره حتى سلَّم، أو لأنه من سجود السهو الوارد بعد السلام، فصار سجود السهو في حكم الواجب للعبادة، وليس من الواجب فيها، والواجب للعبادة لا تبطل الصلاة بتركه، كما لو صلى بلا أذان وإقامة، فلم يستدع ذلك إلى إبطال النافلة، ووقت سجود السهو البعدي من الواجب الموسع، والجواب الأول عندي أقوى، والله أعلم. لأن هذا التخريج يصلح لمذهب المالكية القائلين يسجد ولو تذكر بعد شهر، وأما الحنابلة فهم يشترطون الموالاة للسجود البعدي، فإذا لم يتذكره حتى طال الفصل سقط سجود السهو وصحت الصلاة، والاشتغال بالنافلة قد يترتب عليه طول الفصل. والحنابلة وإن اشترطوا قصر الفاصل بين الصلاة وقضاء سجود السهو لم يعتبروا سجود السهو يعني عودته إلى حكم الصلاة خلافًا للشافعية. فالحنابلة قالوا: إن التحلل من الصلاة حصل بالسلام؛ فلا يجب عليه نية العود إلى الصلاة، ولا تبطل الصلاة بارتكابه مفسدًا من حدث أو غيره، وإن سقط به سجود السهو، ولا يجب الإتمام على من يجوز له القصر إذا نواه، ولا يصح دخول

стр. 7215

مسبوق معه فيه، فإذا فصلت حكم السجود عن حكم الصلاة فلماذا تشترط الموالاة بينه وبين الصلاة، ولماذا نشترط بقاء الطهارة، ولماذا يحكم بفواته بالحدث ما دام مستقلًا عن الصلاة فيمكنه إذا أحدث يتطهر، ويعود لسجود السهو، فقول الشافعية بأنه إذا عاد إلى سجود السهو عاد إلى حكم الصلاة أقوى من قول الحنابلة، والسلام الذي فعله لا يتحلل به من الصلاة، وهو قد فعله سهوًا كما لا يتحلل بالسلام من الصلاة لو سلم سهوًا قبل إتمام صلاته، ثم عاد إلى الصلاة مع قرب الفاصل، والله أعلم. وأما وجه اشتراط الحنابلة أن يكون الفاصل قصيرًا للرجوع للسجود: فلأن سجود السهو ملحق بالصلاة، وتبع لها، فيعطى حكم أفعال الصلاة وأفعال الصلاة يشترط فيها الموالاة؛ لارتباط بعضها ببعض، لكونها عبادة واحدة لا يجوز تفريقها، فكل ما يشترط الولاء بين أفعاله فالفاصل الطويل يقطعه، لأن ذلك يقطع نظم الصلاة، وإنما اغتفر ذلك بالفاصل القصير؛ للعذر؛ ولأن الاحتراز منه يعسر، فما جاز فيه البناء على أفعال الصلاة جاز معه تدارك سجود السهو، وما امتنع فيه البناء على أفعال الصلاة امتنع إلحاق سجود السهو؛ ولأن السهو مرتبط بالصلاة ارتباط المسبب بالسبب، فالسهو وهو موجب السجود حدث في الصلاة، فلا يفصل المسبب عن سببه، فكل زمن تفوت به الموالاة الواجبة بين أفعال الصلاة فإنه يفوت به سجود السهو، والعكس صحيح، فإذا لم تفت الموالاة، وأمكن البناء على أفعال الصلاة صح تدارك سجود السهو. وحديث أبي هريرة وعمران جاز فيهما البناء على أفعال الصلاة، واعتبرت كل الأفعال المنافية للصلاة في حكم العدم، فجاز إلحاق سجود السهو؛ لأنه تبع لأفعال الصلاة، فليس في هذين الحديثين دليل على أنه يجوز تدارك سجود السهو ولو امتنع البناء على أفعال الصلاة، وأنه متى ذكر سجود السهو ولو بعد شهر فعليه أن يسجد، هذا لا يستفاد من الحديثين، والله أعلم. وأما وجه صحة الصلاة وسقوط السجود إذا طال الفصل: فلأن الواجبات تسقط بالسهو، كما لو قام عن التشهد الأول ناسيًا، لم يرجع إليه، فكذلك إذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل سقط السجود وصحت الصلاة،
следующие страницы →