← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

مقدر بالفراغ من الفاتحة، وقيل: بالزيادة عليها، وهو المعتمد. فإن كانت الثانية نافلة أتمها، وإن كانت فريضة قطعها إن كان إمامًا أو فذًّا لمراعاة الترتيب، وإن كان مأمومًا تمادى ثم أعادهما، إلا أن يعقد منها ركعة فيشفعها استحبابًا، ثم يصلي الأولى، ثم الثانية. وإن ترك السجود القبلي الواجب من نافلة، فذكره بعد شروعه في فريضة، فإنه يتمادى مطلقًا عقد ركعة أم لا، أطال القراءة أم لا؛ لقوة الفرض على النفل، وهذا مذهب المالكية (١). وملخص مذهب المالكية: إن تذكر ذلك عن قرب رجع لإصلاح صلاته إن كانت فرضًا، وإن أطال القراءة أو ركع امتنع الرجوع لإصلاح الأولى، ووجب استئناف الفريضة. • وجه قول المالكية: أما الدليل على وجوب الرجوع إن تذكر ذلك عن قرب: أن سجود السهو القبلي تابع للصلاة وجزء منها، ومرتبط بها ارتباط المسبب بسببه، فإذا سلم ناسيًا سجود السهو اشترط قرب الفصل حتى يمكن بناؤه على أفعال الصلاة، فإذا انفصل عن الصلاة انفصالًا لا يمكن بناؤه على ما صلى فات تدارك السجود، بخلاف الفاصل القصير فإن الاحتراز منه يعسر، فاغتفر، فكان وجوده لا يمنع من العود إلى سجود السهو، باعتبار أن السجود القبلي جزء من الصلاة، ونقصه مؤثر في صحتها. وأما الدليل على اعتبار طول القراءة مانعًا من الرجوع لإصلاح صلاته: الأصل أن طول الفاصل عند المالكية مقدر بالعرف خلافًا لأشهب حيث قدره بالخروج من المسجد في بناء السهو خاصة، إلا أن هذه المسألة كان الطول فيها مقدر

стр. 7212

بالقراءة أو بعقد الركوع، ولعل المالكية اعتبروا هذا التقدير خاصًا بمثل هذه المسألة، والسبب أنهم اعتبروا السلام من الصلاة، والشروع في النافلة، والتحريمة لها، وقراءة الفاتحة والفراغ منها، والشروع بما تيسر كل هذه الإضافات، في هذا المحل يجعلها بمنزلة الإعراض عن الصلاة الأولى، فكانت هذه الأفعال حائلاً بينه وبين إصلاح الأولى، والله أعلم. ونحن في معرض التماس دليل المذهب بعيدًا عن كونه راجحًا أو مرجوحًا، فهذا أمر نسبي، ولم أقف على كلام للمالكية، فكنت أستدل لهم وفقًا لما أعرفه من قواعد المذهب، كما اعتبر المالكية الخروج من المسجد في البناء على أفعال الصلاة مع السلام من الصلاة مانعًا من البناء؛ لأن فيه إعراضًا عن الصلاة، ولم يقدروه بالعرف، والله أعلم. وأما الدليل على أن الركوع مانع من الرجوع لإصلاح صلاته: فلأن إدراك الركوع يحصل به إدراك الركعة، وتفوت الركعة بفواته، وإذا لم يدرك ركعة من الصلاة مع الإمام لم يدرك فضل الجماعة ولا الجمعة، ويعتبر في حكم المنفرد في الأولى ويصلي أربعًا في الثانية، وإذا صلى ركعة قبل خروج الوقت فقد أدرك الوقت وكانت صلاته أداء، فكان إدراك الركعة من النافلة دركًا للنافلة ومانعًا من الرجوع لإصلاح صلاته، والله أعلم. وقيل: إذا سلم من الفريضة فات سجود السهو، سواء قصر الفصل أو طال، وهو قول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١). • وجه هذا القول: هذا القول مبني على أن سجود السهو ليس بواجب. وأن محل السجود قبل السلام، فإذا فات محله سقط السجود، باعتباره سنة فات محلها، ولهذا لو تذكره بعد السلام، وقبل شروعه في النافلة، وأراد ألا يسجد لم يلزمه السجود. ولأن السلام ركن وقع في محله، فلا يعود إلى سنة شرعت قبله.

стр. 7213

ولأن القضاء يفتقر إلى دليل مستقل كالأداء، والاستدلال على القضاء بحديث أبي هريرة أو بحديث عمران فذلك لأن الصلاة ما تمت، فجاز تبعًا، وقد يجوز الشيء تبعًا ما لا يجوز استقلالًا. • ويناقش: كل وجه ذكر مستندًا لهذا القول يمكن الجواب عنه. فالقول بأن سجود السهو سنة: هذا الحكم محل نزاع بين الفقهاء، فلا يلزم من قال بالوجوب. والقول بفوات السجود لفوات محله: محل السجود قضية خلافية أيضًا، أهو قبل السلام مطلقًا، أم بعده مطلقًا، أم يختلف باختلاف نوع السهو، ومورد النزاع لا يحتج به على المخالف. والقول بأن القضاء يحتاج إلى دليل مستقل كالأداء: يرده حديث ابن مسعود المتفق عليه بأن النبي ﷺ صلى خمسًا فسجد للسهو على وجه الاستقلال، وقد تمت صلاته، والزيادة لم يتعمدها، ولم ينوها، فكان وجودها كعدمها، والله أعلم. وقيل: يقضيه إذا سلَّم من النافلة إن قرب الفصل، ولم يحدث، ولم يخرج من المسجد، فإن طال الفصل عرفًا أو أحدث، أو خرج من المسجد لم يقضه؛ لفوات محله، وصحت صلاته كسائر الواجبات إذا تركت سهوًا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (١). • وجه قول الحنابلة: أما كونه يقضي السجود إذا سلَّم منها: فالحنابلة لم يوجبوا قطع النافلة علمًا أنهم لا يوجبون النافلة بالشروع خلافًا للحنفية، وسجود السهو واجب عندهم، فلماذا كانت المراعاة للنافلة على حساب الواجب؟

стр. 7214

قد يقال: إن هذا دليل على ضعف منزع القول بوجوب سجود السهو، فالفقهاء إذا قالوا بوجوب عبادة، ثم لم يرتبوا مقتضى القول بالوجوب في بعض تفريعاتهم كان ذلك أمارة على ضعف منزع القول بالوجوب، ومثله التعامل مع بعض الأحاديث الضعيفة، والتي ظاهرها يقتضي الشرطية، فإذا أخذ الفقهاء بهذه الأحاديث لم يرتبوا عليها مقتضاها من الشرطية، كأحاديث التسمية في الوضوء، فإن ألفاظها جاءت بلفظ: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) فظاهره اشتراط التسمية، ولم يقل أحد من الفقهاء بمقتضاه: فالجمهور ذهبوا إلى استحباب التسمية. والحنابلة قالوا بالوجوب في أحد القولين، ومع ذلك قالوا: تسقط التسمية بالنسيان، مع أن المأمورات لا تسقط بالنسيان كما لو صلى ناسيًا حدثه، والأمثلة كثيرة، ولو جمعت لجاءت مصنفًا. وقد يقال: لعل ذلك راجع إلى أن هذا السجود محله بعد السلام إما اضطرارًا لكونه سها عنه، ولم يتذكره حتى سلَّم، أو لأنه من سجود السهو الوارد بعد السلام، فصار سجود السهو في حكم الواجب للعبادة، وليس من الواجب فيها، والواجب للعبادة لا تبطل الصلاة بتركه، كما لو صلى بلا أذان وإقامة، فلم يستدع ذلك إلى إبطال النافلة، ووقت سجود السهو البعدي من الواجب الموسع، والجواب الأول عندي أقوى، والله أعلم. لأن هذا التخريج يصلح لمذهب المالكية القائلين يسجد ولو تذكر بعد شهر، وأما الحنابلة فهم يشترطون الموالاة للسجود البعدي، فإذا لم يتذكره حتى طال الفصل سقط سجود السهو وصحت الصلاة، والاشتغال بالنافلة قد يترتب عليه طول الفصل. والحنابلة وإن اشترطوا قصر الفاصل بين الصلاة وقضاء سجود السهو لم يعتبروا سجود السهو يعني عودته إلى حكم الصلاة خلافًا للشافعية. فالحنابلة قالوا: إن التحلل من الصلاة حصل بالسلام؛ فلا يجب عليه نية العود إلى الصلاة، ولا تبطل الصلاة بارتكابه مفسدًا من حدث أو غيره، وإن سقط به سجود السهو، ولا يجب الإتمام على من يجوز له القصر إذا نواه، ولا يصح دخول

стр. 7215

مسبوق معه فيه، فإذا فصلت حكم السجود عن حكم الصلاة فلماذا تشترط الموالاة بينه وبين الصلاة، ولماذا نشترط بقاء الطهارة، ولماذا يحكم بفواته بالحدث ما دام مستقلًا عن الصلاة فيمكنه إذا أحدث يتطهر، ويعود لسجود السهو، فقول الشافعية بأنه إذا عاد إلى سجود السهو عاد إلى حكم الصلاة أقوى من قول الحنابلة، والسلام الذي فعله لا يتحلل به من الصلاة، وهو قد فعله سهوًا كما لا يتحلل بالسلام من الصلاة لو سلم سهوًا قبل إتمام صلاته، ثم عاد إلى الصلاة مع قرب الفاصل، والله أعلم. وأما وجه اشتراط الحنابلة أن يكون الفاصل قصيرًا للرجوع للسجود: فلأن سجود السهو ملحق بالصلاة، وتبع لها، فيعطى حكم أفعال الصلاة وأفعال الصلاة يشترط فيها الموالاة؛ لارتباط بعضها ببعض، لكونها عبادة واحدة لا يجوز تفريقها، فكل ما يشترط الولاء بين أفعاله فالفاصل الطويل يقطعه، لأن ذلك يقطع نظم الصلاة، وإنما اغتفر ذلك بالفاصل القصير؛ للعذر؛ ولأن الاحتراز منه يعسر، فما جاز فيه البناء على أفعال الصلاة جاز معه تدارك سجود السهو، وما امتنع فيه البناء على أفعال الصلاة امتنع إلحاق سجود السهو؛ ولأن السهو مرتبط بالصلاة ارتباط المسبب بالسبب، فالسهو وهو موجب السجود حدث في الصلاة، فلا يفصل المسبب عن سببه، فكل زمن تفوت به الموالاة الواجبة بين أفعال الصلاة فإنه يفوت به سجود السهو، والعكس صحيح، فإذا لم تفت الموالاة، وأمكن البناء على أفعال الصلاة صح تدارك سجود السهو. وحديث أبي هريرة وعمران جاز فيهما البناء على أفعال الصلاة، واعتبرت كل الأفعال المنافية للصلاة في حكم العدم، فجاز إلحاق سجود السهو؛ لأنه تبع لأفعال الصلاة، فليس في هذين الحديثين دليل على أنه يجوز تدارك سجود السهو ولو امتنع البناء على أفعال الصلاة، وأنه متى ذكر سجود السهو ولو بعد شهر فعليه أن يسجد، هذا لا يستفاد من الحديثين، والله أعلم. وأما وجه صحة الصلاة وسقوط السجود إذا طال الفصل: فلأن الواجبات تسقط بالسهو، كما لو قام عن التشهد الأول ناسيًا، لم يرجع إليه، فكذلك إذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل سقط السجود وصحت الصلاة،

стр. 7216

وإذا صح تعويض التشهد الأول بسجود السهو؛ فإن سجود السهو نفسه لا يتصور تعويضه، فسقط إلى غير بدل، كما أنه لو سها في سجود السهو لم يشرع له تعويضه. وأما فوات السجود بالخروج من المسجد: فلأن المسجد مكان الصلاة فبقاؤه فيه كبقائه في الصلاة، ولهذا صح الاقتداء بالإمام في المسجد لمن هو في المسجد مهما كانت المسافة بينه وبين الإمام، فاعتبرت مفارقة المسجد فوات للسجود؛ لفوات محله. • ونوقش: أن النبي ﷺ في حديث عمران بن حصين دخل منزله، ثم خرج، وبنى على ما صلى، ثم سجد للسهو. ولأن المساجد قد تتفاوت، فهناك الجامع الكبير الذي قد يستغرق الخروج منه زمنًا طويلًا، كالمسجد الحرام، والحرم النبوي، وبعض الجوامع الكبيرة في حواضر البلاد الإسلامية، وهناك مساجد ذات مساحة صغيرة، قد لا تستوعب أكثر من صف واحد أو صفين، وقد يصلي الرجل قريبًا من الباب، فلا يجعل مجرد الخروج قاطعًا من البناء، لهذا كان التحديد بالوقت في طول الفصل وقربه أظهر وأضبط. والمسجد ليس شرطًا في صحة الصلاة حتى يكون الخروج منه قاطعًا للبناء، وإذا كان سلامه من الصلاة بنية التحلل لم يمنع من البناء لوقوعه سهوًا فكذلك الخروج من المسجد. وإذا اعتبرنا مكان الصلاة شرطًا في البناء فليعتبر المكان الذي صلى فيه، فإذا فارقه وإن لم يخرج من المسجد فات السجود، والله أعلم. وقيل: يسجد إذا سلم، ولو طال الفصل، قدمه المرداوي في الإنصاف، وقال: أطلقه بعض الأصحاب. اه وهو القديم من قولي الشافعي (١). استدل أصحاب هذا القول بحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين في

стр. 7217

الصحيحين (١)، وبحديث عمران بن الحصين في مسلم (٢)، وقد تقدم ذكرهما. وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قام بأفعال كثيرة ليست من جنس الصلاة، حيث انصرف النبي ﷺ من صلاته ظانًا إتمامها، ومشى خطوات -وفي رواية عمران: أنه دخل منزله، وخرج يجر رداءه- وتكلم، فكل هذه الأفعال لم تمنع من البناء على الصلاة، ولم يسقط بها سجود السهو، فدل على أن المصلي مطالب بسجود السهو ولو طال الفصل فالتحديد بالزمان بين الطول والقصر أو بالمكان بين المسجد وخارجه لا أصل له في الشرع، وليس ذلك مضبوطًا، ولا حد له معروف في عادات الناس ليرجع إليه، فيجب عليه أن يسجد وإن طال الفصل، وحتى لو فصل ذلك صلوات مفروضة، فمتى تذكر فعليه سجود السهو. وقد أمر النبي ﷺ بسجود السهو قبل السلام كما في حديث أبي سعيد الخدري، إذا لم يدر كما صلى، وهو في مسلم. وأمر بالسجود بعد السلام كما في حديث ابن مسعود، والأصل في الأمر الوجوب، فلا تبرأ ذمة العبد إلا به، والتفريق بين السجود القبلي والبعدي لا دليل عليه من النصوص. وقد أجبت عن هذا الدليل عند البحث في كلام العلماء إذا نسي سجود السهو وتذكر بعد طول الفصل، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. • الراجح: سجود السهو عندي متردد بين الوجوب والاستحباب، فإن رجحنا القول بالوجوب فإن تذكر عن قرب، وكان في نافلة، وجب عليه الخروج منها؛ لأنه لا يحسن الاشتغال بالنافلة قبل إتمام الفريضة، وإن طال الفصل فات السجود؛ لأن الواجبات تسقط بالسهو إذا لم يمكن تداركها. وإن رجحنا القول بالاستحباب، فشروعه في النافلة إن كان يمكنه أن يتمها

стр. 7218

خفيفة، وقد تذكر سجود السهو عن قرب فالأفضل له أن يتمها، وإن كان لا يمكنه أن يتمها إلا بطول الفصل، فهو موضع اجتهاد: أيهما يقدم، سجود السهو أم إتمام النافلة، وكلاهما سنة؟ أيقدم سنة مرتبطة بالفريضة ارتباط المسبب بسببه، أم يقدم النافلة لكونه ترك السجود بعذر السهو. ونفسي تميل إلى تفضيل الخروج من النافلة؛ لأن مراعاة سجود السهو مع الخلاف القوي في وجوبه أولى من مراعاة النافلة، والصحيح أن النافلة لا تجب بالشروع حتى يقال: يحرم الخروج منها خلافا للحنفية. وإن كان قد شرع في فريضة، فأرى أن يمضي فيها، فإذا سلم نظر: إن طال الفصل سقط سجود السهو وصح فرضه، وإن قصر الفصل سجد؛ لأن البناء على الصلاة محكوم بطول الفصل، فما لم يطل الفصل يمكنه البناء على الصلاة، لأن الموالاة بين سجود السهو وبين الصلاة شرط، حتى ولو كان السجود محله بعد السلام؛ لأن سجود السهو تابع للصلاة، ملحق بها، ولأن السهو سبب السجود، قد حدث في الصلاة، فلا يفصل بين السجود وسببه بفاصل طويل، والله أعلم.

стр. 7219

الفرع السابع إذا نسي سجود السهو وتذكره بعد أن أحدث المدخل إلى المسألة: • قال ﷺ : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. • لو سبقه الحدث، وهو في الصلاة بطلت صلاته، وامتنع البناء على الصحيح، فكذلك إذا سلم ساهيًا قبل تمام صلاته، فأحدث. • مَنْ سلم ساهيًا قبل تمام صلاته لم يتحلل بسلامه من الصلاة، فيمكنه البناء على صلاته ما لم يطل الفصل، فإذا أحدث خرج عن حكم الصلاة، سواء أسبقه الحدث، أم فعله متعمدًا لاعتقاده تمام صلاته .. • الحدث كما أبطل الطهارة بالإجماع فهو يقطع البناء على الصلاة، فلا يتصور حدث يتخلل الصلاة. • كل ما قطع البناء في أفعال الصلاة فإنه يقطع بناء سجود السهو عليها، والعكس صحيح. [م- ٨٥٦] إذا سلم المصلي ناسيًا أن عليه سجود السهو، ولم يتذكر إلا بعد أن أحدث، وانتقضت طهارته، فهل يفوت السجود بالحدث وتصح صلاته، أم يجب عليه الوضوء، والبناء على ما صلى، أم يجب عليه استئناف الصلاة؟ في هذا خلاف بين أهل العلم: فمن قال: إن الطهارة ليست شرطًا لسجود السهو لا يرى فوات السجود بالحدث، فيسجد، ولو كان محدثًا، وهذا قول ابن حزم (١). ومن قال: إن الطهارة شرط فقد اختلفوا في فوات السجود بالحدث:

стр. 7220

فقيل: يمتنع البناء، ويفوت السجود، وصلاته صحيحة، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١). قال في الإقناع في مذهب الإمام أحمد: «وإن طال الفصل أو خرج من المسجد أو أحدث لم يسجد وصحت» (٢). وقيل: لا يفوت السجود بالحدث، فيجب عليه إذا تطهر: إما السجود، وإما إعادة الصلاة، وهذا قول ابن تيمية من الحنابلة (٣). وهذان قولان متقابلان. وقال الشافعية: إن أحدث قبل الشروع في السجود فاته السجود، وصحت صلاته، وإن أحدث في السجود بطلت صلاته، ومثله لو أحدث حال الهوي؛ لأنه

стр. 7221

عاد إلى حكم الصلاة، والحدث يبطل الصلاة (١). وقال المالكية: الحدث يمنع من البناء في ترك السجود القبلي دون السجود البعدي، وأما بطلان الصلاة، فإن ترتب السهو عن ترك سنتين فات السجود، وصحت الصلاة، وإن ترتب عن ترك ثلاث سنن بطلت الصلاة (٢). وقيل: الحدث لا يمنع من البناء مطلقًا، لا في السجود القبلي، ولا في السجود البعدي، ويجب عليه إذا تطهر إما السجود وإما إعادة الصلاة، وهذا قول ابن تيمية من الحنابلة (٣). وقد سبق ذكر أدلة هذه المسألة عند الكلام على اشتراط الطهارة لسجود السهو، فارجع إليه إن شئت، والله أعلم.

стр. 7222

الباب الخامس في أسباب سجود السهو تمهيد [م- ٨٥٧] شرع الله الصلاة على تقدير معين وهيئة معينة، فمن أوقع الصلاة على ما شرع الله لعباده فقد امتثل الأمر، وسقط الطلب. ومن زاد في صلاته عن المشروع أو نقص منها يقينًا أو شكًا فقد وجب عليه تصحيح صلاته، ومنه سجود السهو. فموجب سجود السهو يرجع إلى أمرين: سهو متيقن، أو شك. والسهو المتيقن: إما بزيادة مخصوصة في الصلاة قولية كانت أو فعلية. أو بنقص منها مخصوص كما لو سلم قبل إتمام صلاته، أو نسي القراءة فيها. وقد يجتمع النقص والزيادة كما لو ترك التشهد الأول وزاد ركعة في صلاته. وهذان الأمران قد وقعا للنبي ﷺ في صلاته، فعرض للنبي ﷺ سهو الزيادة في الصلاة. (ح-٢٥٧٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم (١). كما عرض للنبي ﷺ سهو النقص: (ح- ٢٥٧٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام، فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا

стр. 7223

تسليمه، كبر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس، ثم سلم (١). كما اجتمع للنبي ﷺ أن نقص وزاد في صلاة واحدة. (ح- ٢٥٧٥) فقد روى البخاري ومسلم، من طريق مالك، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع (٢). فالنقص كونه انصرف من اثنتين، والزيادة كونه زاد سلامًا في صلاته حيث سلم من صلاته مرتين. هذا فيما يتعلق بالنقص والزيادة. وأما الشك فإنه يرجع إلى تردد في حصول أحدهما من زيادة أو نقص. واعلم أن الشك لم يعرض للنبي ﷺ في صلاته، وإنما ثبت اعتباره سببًا من السنة القولية في حديثي ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وقد سبق ذكرهما. يقول ابن رشد في المقدمات: «والسهو في الصلاة ينقسم على قسمين: سهو يوقن به، وسهو يشك فيه. فالسهو الذي يوقن به ينقسم على قسمين: زيادة ونقصان. وكذلك السهو الذي يشك فيه ينقسم أيضا على قسمين: زيادة ونقصان … » (٣). وجاء في التلقين: «السهو يقع على وجهين: بنقصان وزيادة» (٤). اه وقال ابن الحاجب في جامع الأمهات: «سببه زيادة أو نقصان في فرض أو نفل» (٥). فلم يذكرا الشك موجبًا لسجود السهو.

стр. 7224

(ح- ٢٥٧٦) وقد روى البخاري من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد، حدثنا منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود في قصة سهو النبي ﷺ ، وفيه: قيل: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فسجد بهم سجدتين، ثم قال: هاتان السجدتان لمن لا يدري: زاد في صلاته أم نقص … (١). ولعل من اقتصر على الزيادة والنقص باعتبار الزيادة والنقص متعلقان في أفعال الصلاة، وهما سبب سجود السهو، سواء تيقن حصول أحدهما، أو شك في حصوله، والشك واليقين متعلقان باعتقاد المصلي، فسبب السجود المتعلق بالصلاة مرده إلى النقص أو الزيادة سواء أتيقن ذلك المصلي أم شك فيه. وهذا النقص أو الزيادة يقينًا أو شكًا قد يقعان في أركان الصلاة، وقد يقعان في واجباتها وقد يقعان في سننها، وقد يكون ذلك عن سهو وقد يكون ذلك عن عمد من المصلي، وقد يقع ذلك في الفرض، وقد يقع في النفل، ونريد أن نقف على ما يوجبه إذا وقع مثل ذلك في صلاة المكلف. هذا ما سوف أعقد له المباحث التالية في هذا الباب إن شاء الله تعالى، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.

стр. 7225

الفصل الأول النقص في الصلاة المبحث الأول النقص في الأركان الفرع الأول بيان الأركان المتفق عليها والمختلف فيها [م-٨٥٨] قبل أن نتكلم عن جبر الخلل إذا وقع في الأركان سهوًا نتكلم عن بيان الأركان المتفق عليها والمختلف فيها عند فقهائنا عليهم رحمة الله، فالفقهاء قد اختلفوا في تحديد أركان الصلاة، والمتفق على ركنيتها عندهم سبعة. قراءة القرآن. والقيام بقدر القراءة. والركوع. والسجود. والرفع منه بقدر ما يتحقق الفصل بين السجدتين. والجلوس للسلام. وترتيب أركانها في الجملة. وباقي الأركان مختلف في ركنيته، وقد عقدت في المجلد الحادي عشر فصلًا في بيان الأركان المتفق عليها والمختلف فيها، فارجع إليه. كما أنني وأثناء عرض أحكام صفة الصلاة كنت أذكر أدلة الأقوال ومناقشتها، وبيان الراجح منها، فارجع إليه إن رمت الأدلة على ركنية فعل من أفعال الصلاة. والعمل في باب السهو فيما اختلف في ركنيته، كقراءة الفاتحة والتشهد الأخير، والطمأنينة ونحوها:

стр. 7226

فمن قال بركنيتها أعطاها حكم الأركان، فيجب تدارك الركن إن أمكن، فإن فات ولم يمكن تداركه بطلت الركعة التي وقع فيها الخلل، وقامت الركعة التي تليها مكانها. والفقهاء مختلفون متى يحكم بفوات الركن، وسيأتي مزيد تفصيل عند عرض بعض الفروع في هذا الباب إن شاء الله تعالى، وإنما البحث الآن في التقعيد. ومن ألحق المختلف في ركنيته بالواجبات أو بالسنن أعطاهما حكمه، وسيأتي تفصيل حكمهما إن شاء الله تعالى في المباحث التالية.

стр. 7227

الفرع الثاني في وجوب تدارك الركن قبل فواته المدخل إلى المسألة: • الأركان لا تسقط بحال لا سهوًا، ولا عمدًا. • كل فعل إذا ترك سهوًا، أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته. • أمر النبي ﷺ الأعرابي الذي لم يحسن صلاته، بقوله: ارجع فصل فإنك لم تصل، فلو كانت الأركان تسقط بالسهو لسقطت عن الأعرابي؛ لكونه جاهلًا بها، والجاهل كالناسي. • من ترك ركنًا غير النية وتكبيرة الإحرام وأمكن تداركه وجب ذلك شرطًا لصحة الركعة، ولا يكفي جبره بسجود السهو. • قال ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه)، والأصل في الأمر الوجوب. • أمر النبي ﷺ في حديث أبي سعيد بطرح الشك والبناء على ما استيقن، والأصل في الأمر الوجوب. • إذا فات الركن بطلت الركعة التي وقع فيها الخلل، وقامت الركعة التي تليها بدلًا منها. [م- ٨٥٩] أركان الصلاة لا تسقط مطلقًا، ولا يجبر تركها بالسجود وحده؛ بل لا بد من الإتيان بها إن أمكن؛ وإن لم يمكن بطلت الركعة وأتى ببدل عنها؛ لأن الصلاة لا تقوم إلا بأركانها، ثم يسجد للسهو قيل: وجوبًا، وقيل: استحبابًا؛ لأن الجبر قد تم بالاستدراك، وليس بالسجود. قال في مطالب أولي النهى: «تنقسم أفعال الصلاة وأقوالها إلى ثلاثة أقسام:

стр. 7228

الأول: ما لا يسقط عمدًا، ولا سهوًا، ولا جهلًا، وهي الأركان؛ لأن الصلاة لا تتم إلا بها، فشبهت بركن البيت الذي لا يقوم إلا به .... » (١). • الدليل على أن أركان الصلاة يجب تداركها،: الدليل الأول: (ح-٢٥٧٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك، قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه، قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين (٢). فأمره النبي ﷺ بإتمام صلاته قبل أمره بسجود السهو، والأصل في الأمر الوجوب. الدليل الثاني: (ح- ٢٥٧٨) ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم .... (٣). فأمر النبي ﷺ بالبناء على ما استيقن، والأصل في الأمر الوجوب. الدليل الثالث: (ح-٢٥٧٩) ما رواه البخاري ومسلم، من طريق مالك، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين:

стр. 7229

أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع (١). (ح- ٢٥٨٠) وما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٢). وهذان الحديثان وإن كانا من قبيل الفعل، إلا أنه تطبيق عملي للأمر المحفوظ في حديث ابن مسعود وحديث أبي سعيد الخدري. ولأن نقص الأركان تغيير لماهية الصلاة، فمن صلى الظهر أو العصر أو العشاء أقل من أربع ركعات، أو صلى المغرب أقل من ثلاث، أو صلى الفجر أقل من ركعتين فلم يصلِّ، وكذلك إذا زاد عليها متعمدًا. ومثل ذلك في الحكم لو أخلَّ بقراءة الفاتحة، أو الطمأنينة. وأما الدليل على أن فوات التدارك يبطل الصلاة: (ح- ٢٥٨١) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فصل فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فصل، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبَّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم

стр. 7230

ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (فإنك لم تصل) وأمره بالإعادة، ولما سأله أن يعلمه علمه هذه الأفعال مع قراءة ما تيسر، فدل على أنه لا يكون مصلِّيًا بدونها، ودل على أنها لا تسقط بالسهو، فإنها لو سقطت بالسهو لسقطت عن الأعرابي؛ لكونه جاهلًا بها، والجاهل كالناسي.

стр. 7231

الفرع الثالث إذا نقص المصلي من أركان الصلاة المطلب الأول إذا نقص من أركان الصلاة عمدًا [م- ٨٦٠] يتفق الفقهاء بأن السهو سبب للسجود، ولذلك أضيف السجود إلى السهو، فيقال: سجود السهو، فإذا تعمد المصلي أن ينقص من أركان الصلاة الفعلية فهذا الخلل في الصلاة هل يمكن جبره بالسجود مع العمد؟ فالفقهاء متفقون على أن المصلي إذا ترك فرضًا مجمعًا على فرضيته كالقيام في الفريضة، أو زاد فرضًا فعليًا لغير متابعة كزيادة ركوع، أو سجود، فإن صلاته باطلة؛ لأن الزيادة في الصلاة نقص في المعنى، ولأن ذلك ينطوي على تغيير المفروض، ولا يجبر بسجود السهو، وهكذا سائر الفروض (١). وقيدت الزيادة بالركن الفعلي للخلاف في بطلان الصلاة بتكرار الفاتحة، وهي من فروض الصلاة عند الجمهور، وسبق بحثها، قال الخرشي: «وخرج بتمثيله بالركن الفعلي: القولي كتكرير الفاتحة، والظاهر لا تبطل؛ لأنه من الذكر» (٢). وقولي: (لغير متابعة)؛ لأنه لو زاد جلوسًا لمتابعة الإمام لم تبطل صلاته. قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن الركوع والسجود والقيام والجلسة

стр. 7232

الأخيرة في الصلاة فرض كله، وأن من سها عن شيء منه، وذكره رجع إليه، فأتمه، وبنى عليه، ولم يتماد وهو ذاكره؛ لأنه لا يجبره سجود السهو» (١). وقال ابن قدامة: «ولا يشرع السجود لشيء فعله أو تركه عامدًا، وبهذا قال أبو حنيفة» (٢). وقال السرخسي: «السبب الموجب بالنص شرعًا هو السهو على ما قال ﵊: (لكل سهو سجدتان بعد السلام)، والسهو ينعدم إذا كان عامدًا» (٣). وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: «الفرض لا ينجبر بالسجود» (٤). وعمومه يشمل العمد والسهو. وقال ابن الملقن: «الفرائض لا ينوب عنها سجود، ولا غيره، ولابد من قضائها في العمد والسهو» (٥). وقال في كشاف القناع: « … ولأنه يشرع جبرانًا، والعامد لا يعذر، فلا ينجبر خلل صلاته بسجوده، بخلاف الساهي ولذلك أضيف السجود إلى السهو» (٦). ولأن الأركان لو تركت سهوًا لا يجبرها سجود السهو، فلا بد من الإتيان بها، وهو شرط لصحتها، فالعمد أولى ألا يجبره سجود السهو. (ح- ٢٥٨٢) لما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلَّم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فصل فإنك لم تُصَلِّ،

стр. 7233

فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فصل، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١). وجه الاستدلال: فهذا الصحابي ﵁ وقع الخلل منه في فروض الصلاة، فقال له النبي: ارجع فصل فإنك لم تصل، وأمره بالإعادة، مع كونه جاهلًا؛ لاعتذاره للنبي ﷺ بكونه لا يحسن غير هذا، وإذا كان هذا في حق الجاهل فالمتعمد غير المعذور من باب أولى ألا تسقط عنه، وهذه المسألة من الوضوح بمكان. وقد خصصت لمبطلات الصلاة مجلدًا مستقلًا، ولله الحمد، وبحثت في مبطلات الصلاة على وجه التفصيل: حكم ترك جملة من أركان الصلاة على وجه الاستقلال، ابتداء من ترك تكبيرة الإحرام، إلى ترك القيام في الفرض، وكذلك ترك القراءة، والركوع والسجود والطمأنينة وأثر ذلك على صحة الصلاة فارجع إليه إن رمت التفصيل والتوسع في الأدلة في المجلد الثاني عشر وفقك الله.

стр. 7234

المطلب الثاني إذا نقص من أركان الصلاة سهوًا المسألة الأولى النقص من أركان الصلاة القولية البند الأول إذا نسي تكبيرة الإحرام المدخل إلى المسألة: • النية وحدها لا تكفي للدخول في الصلاة. • جميع تكبيرات الصلاة لا تعد من أركانها عدا تكبيرة الإحرام. • من نسي تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، وعليه استئناف الصلاة، ولا سجود عليه؛ لأن هذا السهو خارج الصلاة. • قال ﷺ : (تحريمها التكبير)، وإذا لم يحرم لم يدخل في حرمات الصلاة. [م- ٨٦١] المصلي لا يدخل في الصلاة بمجرد النية، بل يدخل في الصلاة بتكبيرة الإحرام، سواء اعتبرناها ركنًا، وهو قول الجمهور، أو اعتبرناها شرطًا وهو قول الحنفية، وسبق بحث هذا، فإذا نسي تكبيرة الافتتاح فصلاته لم تنعقد، وعليه أن يستأنف الصلاة، ولا سجود عليه، وبه قال جمهور العلماء (١).

стр. 7235

قال حرب الكرماني: «سألت أحمد مرَّةً أُخرى قلت: مَنْ نسي تكبيرةً من الصلاة من الركوع، أو السجود؟ قال: يسجُد سجدتي السهو. قلتُ: فإنْ نسي تكبيرةَ الافتتاح؟ قال: هذا ليس في صلاة» (١). وقيل: تكبيرة الإحرام سنة، وله أن يدخل في الصلاة بالنية، ونسب هذا القول إلى سعيد بن المسيب، والزهري والحسن، والحكم، والأوزاعي (٢).

стр. 7236

وقال حماد بن أبي سليمان في رواية: «تجزيه تكبيرة الركوع» (١). وقيل: ركن في حق المنفرد والإمام، سنة في حق المأموم، وهو أحد القولين عن الإمام مالك، نص عليه في المدونة (٢). • دليل من قال: إذا نسي التكبيرة لم تنعقد صلاته: الدليل الأول: (ح-٢٥٨٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة

стр. 7237

فكبر … وذكر بقية الحديث (١). الدليل الثاني: (ح- ٢٥٨٤) ما رواه الترمذي من طريق سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن علي، عن النبي ﷺ قال: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (٢). [تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم، ومن حسنه فلعله حسنه لاستقامة متنه، وعدم الاختلاف فيه على ابن عقيل، وله شاهد ضعيف جدًّا من حديث أبي سعيد الخدري] (٣). وجه الاستدلال: قوله: (وتحريمها التكبير)، فإذا لم يحرم لم يدخل في حرمات الصلاة، فالحديث في قوة: لا تحريم إلا بتكبير، وسميت التكبيرة الأولى بتكبيرة الإحرام؛ لقوله في الحديث: (تحريمها التكبير) حيث يَحْرُم بها على المصلي ما كان حلالًا له قبلها من الكلام، والأكل، والشرب، فإذا نسي تكبيرة الإحرام لم يكن شارعًا في الصلاة. • ونوقش: دلالته على الركنية ليست صريحة، وكون تكبيرة الإحرام ركنًا في الصلاة ليست محل إجماع، فقد روي عن الزهري وابن المسيب، والحسن، والحكم، والأوزاعي، وقتادة في أن التكبير للإحرام سنة، ولو سُلِّم القول بالركنية في تكبيرة الإحرام، فإن دلالته ليست مستمدة من حديث (تحريمها التكبير)؛ إذ لو كانت مستمدة منه لم يختلف الفقهاء في حكم التسليم بين الركنية، والوجوب، والسنية، وقد ذهب طائفة من أهل الحديث إلى أن الرجل لو أحدث بعد التشهد، وقبل التسليم تمت صلاته، منهم سعيد بن المسيب، وعطاء، وإسحاق بن راهويه، والحسن البصري،

стр. 7238

وسفيان الثوري، وإبراهيم النخعي، ومكحول، وكثير من هؤلاء من أهل الحديث، أضف إلى ذلك أنه رأي لبعض الفقهاء كأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وحماد بن أبي سليمان، وقد خرجت أقوالهم في صفة الصلاة، ولم يذكر التسليم في حديث المسيء صلاته، وقد اعتبر النبي ﷺ التسليم من الصلاة سلامًا على أخيك المسلم، قال ﷺ كما في حديث جابر في صحيح مسلم: ( … إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه، وشماله) (١). وأرى أن الدليل القوي على ركنية تكبيرة الإحرام، ليس حديث عبد الله بن عقيل، بل حديث أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته، حيث لم يذكر له النبي ﷺ من التكبير سوى تكبيرة الإحرام، مما دل على ركنيتها، وسنية غيرها من التكبيرات، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-٢٥٨٥) ما رواه أبو داود من طريق هشام بن عبد الملك والحجاج بن منهال، قالا: حدثنا همام، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع، بمعناه، قال: فقال رسول الله ﷺ إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله تعالى، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويحمده ..... الحديث (٢). [التعبير بنفي التمام انفرد به إسحاق بن عبد الله، عن علي بن يحيى بن خلاد، ورواه غيره بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ) وهو المحفوظ، والحمل على عليِّ بن يحيى بن خلاد] (٣). وجه الاستدلال: المقصود بنفي التمام نفي الصحة، وليس نفي الكمال؛ لأنه لا يكون داخلًا

стр. 7239

في حرمات الصلاة إلا بالتحريمة ومن ادعى شروع المصلي بالصلاة بمجرد النية فعليه الدليل. • دليل من قال: تنعقد الصلاة بالنية: ذكرنا أدلتهم في صفة الصلاة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا (١). • الراجح: أن المصلي إذا نسي تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته.

стр. 7240

البند الثاني في نسيان القراءة جملة في الصلاة المدخل إلى المسألة: • الأصل في السهو أنه عذر، فلا تبطل به الصلاة مطلقًا قَلَّ أو كثر. • كل أركان الصلاة إذا تركت سهوًا لا تفسد الصلاة، إلا تكبيرة الإحرام وإلا النية على القول بأنها ركن؛ لأنهما شرط لانعقاد الصلاة. • فوات تدارك الركن إذا ترك سهوًا يفسد الركعة، ولا يفسد الصلاة. • بطلان ركعات الصلاة بالسهو لفوات التدارك لا يفسد التحريمة إذا صحت، ودخل بها إلى الصلاة. • إذا صح من المصلي جزء من الصلاة، ولو تكبيرة الإحرام صح البناء عليها؛ لأنها ركن من سائر أركان الصلاة. • لا يشترط في صحة البناء أن يصح له ركعة ليبني عليها إذا صحت له التحريمة. • إذا لم يبطل التحريمةَ سلامُ المصلي سهوًا، ولا كلامُه، وانحرافه عن القبلة، ومشيه، وهي أفعال أجنبية، فمن باب أولى أن تكون الركعات الباطلة سهوًا وهي من جنس أفعال الصلاة لا تمنع من البناء على التحريمة. [م- ٨٦٢] إذا صلى الرجل، وهو قادر على القراءة، ثم نسي أن يقرأ في صلاته، فما حكم صلاته؟ هذا يتوقف على حكم القراءة في الصلاة. فالأئمة الأربعة متفقون على أن القراءة في الصلاة فرض في الجملة (١)، فيكون حكم ترك القراءة داخل في حكم من ترك ركنًا في الصلاة، إلا أن القراءة لما كانت

стр. 7241

ركنًا متكررًا، فكان تركه بالكلية في حكم من ترك أركانًا كثيرة من الصلاة، من أجل هذا اختلف حكمها عند الجمهور عن حكم من ترك ركنًا واحدًا. فقال الجمهور: تبطل صلاته (١). قال مالك كما في المدونة: «أرى أن يعيد من فعل هذا» (٢). يعني من ترك القراءة. بل قال ابن رشد كما في البيان والتحصيل: «لم يختلف قول مالك في أن من لم يقرأ في ركعتين أعاد أبدًا» (٣). وقال الإمام أيضًا نقلًا من التاج والإكليل: «إذا صلى إمام بقوم، فترك القراءة، انتقضت صلاته وصلاتهم، وأعادوا أبدًا» (٤). وقال الشيرازي في التنبيه: «وإنْ تَرَكَ القراءة ناسيًا فقولان، أصحهما: أنها تبطل» (٥). وذكر النووي فروعًا فقهية وذكر منها أنه لو نسي القراءة في الصلاة، فقال:

стр. 7242

الأصح أنه لا يعذر في شيء منها» (١). وجاء في مسائل أبي داود: «سمعت أحمد سئل عمن صلى، فقرأ، ولم يقرأ بفاتحة الكتاب، قال: لا تجزئه صلاته» (٢). وفي مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج: «سئل -يعني أحمد- عمن نسي القراءة، قال: يعيد» (٣). فظاهر هذا الإطلاقات عن الإمام مالك وأحمد والشافعية أنه لا فرق بين كونه قد علم بذلك قبل السلام أو علم بعد أن سلَّم؛ لأنهم لو أرادوا أن يفرقوا في الحكم لاشترطوا في البطلان طول الفاصل. فلما أبطلوا الصلاة بترك القراءة مطلقًا علم أنه لا فرق؛ لأن مجرد السلام لا يمنع من البناء إلا مع طول الفصل. ونقل صاحب الإنصاف عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه: إنْ تَرَكَ القراءة في ثلاث، ثم ذكر في الرابعة، فسدت صلاته واستأنفها (٤). وهذا نص صريح في أن الإبطال لا يختص بالسلام. وخالف الحنفية، فقال أبو حنفية ومحمد بن الحسن: إن صلى أربع ركعات بغير قراءة فعليه قضاء ركعتين ويسجد للسهو، وهذا القول فرع عن قولهم: القراءة فرض في

стр. 7243

ركعتين من غير تعيين، وكونها في الأوليين واجبة وليست فرضًا، وسنة في الأخريين (١). وقيل: يبني على التحريمة، ويصلي أربعًا، وهو قول أبي يوسف من الحنفية (٢). جاء في المبسوط: فإن صلى أربع ركعات بغير قراءة فعليه قضاء ركعتين في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وفي قول أبي يوسف رحمه الله تعالى عليه قضاء الأربع، قال: لأن ترك القراءة لا يفسد التحريمة .... » (٣). وقيل: تصح صلاته، روي عن عمر وعلي بن أبي طالب، ولا يصح عنهما،

стр. 7244

وهو قول شاذ عن الإمام مالك، وبه قال الشافعي في القديم، والحسن بن صالح، وقال به من المعتزلة إبراهيم بن علية، وشيخه أبو بكر بن الأصم (١). قال ابن رشد: «اتفق العلماء على أنه لا تجوز صلاة بغير قراءة، لا عمدًا، ولا سهوًا إلا شيئًا روي عن عمر ﵁، أنه صلى، فنسي القراءة، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ فقيل: حسن، فقال: لا بأس إذًا، وهو حديث غريب عندهم، أدخله مالك في موطئه في بعض الروايات .... » (٢). وقال القاضي حسين في التعليقة: «فأما القراءة إذا تركها ناسيًا حكمه في الجديد حكم سائر الأركان الفعلية. وفي القديم تسقط بالنسيان، قلد فيه الشافعي عمر بن الخطاب ﵁» (٣). وقيل: تصح صلاته في السرية دون الجهرية، وهو أحد القولين عن ابن عباس (٤). فتلخص من الخلاف في حكم ترك القراءة بالكلية الأقوال التالية: الأول: بطلان الصلاة، وهو قول الجمهور. الثاني: صحة الصلاة، وهما قولان متقابلان. الثالث: إن ترك القراءة في أربع ركعات أو ثلاث وجب القضاء في ركعتين، وسجد للسهو. الرابع: لا يقرأ في السرية، ولا تشرع القراءة.

стр. 7245

• دليل من قال: القراءة غير واجبة: الدليل الأول: (ح-٢٥٨٦) ما رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ أنه قال لهم: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (١). فجعل الصلاة من الأشياء المرئية، والمرئي من الصلاة هو الأفعال دون الأقوال، فكانت الصلاة اسمًا للأفعال، ولهذا تسقط عن العاجز عن الأفعال، وإن كان قادرًا على الأقوال، ولا تسقط عن القادر على الأفعال، ولو عجز عن الأقوال (٢). وقد سبق مناقشة هذا المذهب عند الكلام على حكم تكبيرة الإحرام، وبينت اتفاق العلماء على أن الصلاة لا تصح إلا بنية، والنية غير مرئية، وأن الرؤية إذا كانت متعدية إلى مفعولين كانت بمعنى العلم، وقد يكون الإطلاق من باب التغليب، فلما كانت الصلاة تطلق على مجموع الأقوال والأفعال، فأطلق الرؤية تغليبًا للأفعال، ولا تعني اختصاصها بها، كما أنه قد يطلق الفعل على القول تغليبًا، وذكرت شاهده من حديث ابن عمر، فارجع إليه إن شئت. الدليل الثاني: (ث-٦١٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد الله بن نمير، عن عبيد الله ابن عمر، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: صلى عمر المغرب فلم يقرأ، فلما انصرف قال له الناس: إنك لم تقرأ؟ قال: فكيف كان الركوع والسجود، تام هو؟ قالوا: نعم، فقال: لا بأس، إني حدثت نفسي بعير جهزتها بأقتابها وحقائبها (٣). قال الشافعي: ولم يذكر أنه سجد للسهو، ولم يُعِدَ الصلاة، وإنما فعل ذلك

стр. 7246

بين ظهراني المهاجرين والأنصار. [منقطع أبو سلمة لم يدرك عمر، قاله ابن كثير في مسند الفاروق] (١). قال البيهقي: «وهو محمول عندنا على قراءة السورة، أو على الإسرار بالقراءة فيما كان ينبغي له أن يجهر به، ثم قد روي عن عمر أنه أعادها .... » (٢). يقول ابن عبد البر: «وهذا حديث منكر، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو عند بعض رواته ليس عند يحيى وطائفة معه؛ لأنه رماه مالك من كتابه بآخرة، وقال: ليس عليه العمل؛ لأن النبي ﵇ قال: (كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج) وقال أبو عمر: وقد رُوِيَ عن عمر أنه أعاد تلك الصلاة، وهو الصحيح عنه. وروى يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث، أن عمر نسي القراءة في المغرب، فأعاد الصلاة، وهو حديث متصل، وحديث مالك مرسل عن عمر، لا يصح، والإعادة عنه صحيحة، رواها عن عمر جماعة منهم همام، وعبد الله بن حنظلة، وزياد بن عياض، وكلهم لقي عمر، وسمع منه، وشهد القصة وروى الإعادة عن عمر أيضًا غيرهم .... إلخ» (٣). قال الإمام أحمد: «أذهب إلى أن عمر صلى، فلم يقرأ، فأعاد الصلاة» (٤). الدليل الثالث: أن الإمام يحمل قراءة الفاتحة عن المأموم، وهو لا يحمل ركنًا عن المأموم. • ويناقش: بأن القول بأن الإمام لا يحمل ركنًا عن المأموم غير مسلم، فالقيام ركن بالإجماع، ويسقط عن المسبوق، وإنما نعرف أن الإمام يحمل الركن أو لا يحمله

стр. 7247

من النصوص، والنصوص لا تمنع حمل الإمام الركن عن المأموم، والله أعلم. • دليل من قال: إذا ترك القراءة يصلي ركعتين، ويسجد للسهو: الدليل الأول: استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، وإنما أوجبنا في الثانية استدلالًا بالأولى؛ لأنهما يتشاكلان من كل وجه، فأما الأخريان فيفارقانهما في حق السقوط في السفر، وصفة القراءة وقدرها، فلا يلحقان بهما. ولأن الصلاة المصرح بها إذا أطلقت تنصرف إلى الصلاة الكاملة وهي الركعتان عرفًا؛ لعدم شرعية الواحدة عند الحنفية (١). الدليل الثاني: (ث-٦١٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن علي وعبد الله، أنهما قالا: اقرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين (٢). [إسناده ضعيف] (٣). • ويجاب بجوابين: الجواب الأول: أن قول الصحابي يحتج به بشرطين: الأول: ألا يخالف نصًّا مرفوعًا. والثاني: ألا يخالفه صحابيٌّ آخر، وأثر علي ﵁ قد خالف المرفوع من حديث أبي قتادة وسبق ذكره في أدلة الجمهور، وخالفه جابر ﵁. الجواب الثاني: أن عليًّا ﵁ قد اختلف القول عنه، قال ابن عبد البر في الاستذكار:

стр. 7248

رواه أهل الكوفة عن عليٍّ، وروى عنه أهل المدينة خلاف ذلك (١). وقول علي ﵁ الموافق للسنة أولى بالقبول من المخالف لها. • دليل من قال: لا يقرأ في الصلاة السرية. أن النبي ﷺ لم يكن يقرأ، هكذا ظن ابن عباس ﵁، وأنه لو كان يقرأ لعلم الناس بذلك. (ح-٢٥٨٧) روى أحمد وأصحاب السنن وغيرهم من طريق موسى بن سالم أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله، قال: دخلت على ابن عباس، في شباب من بني هاشم فقلنا لشاب منا: سَلِ ابن عباس أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، لا، فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه، فقال: خَمْشًا هذه شَرٌّ من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بَلَّغَ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس. [صحيح] (٢). فهذا الحديث عن ابن عباس فيه الجزم بأن النبي ﷺ لم يكن يقرأ في السرية، وأنه لو كان يقرأ لبلغ ذلك إلى الأمة. وقد تأوله الإسماعيلي وغيره على أنه لم يكن يجهر بالقراءة، بل يقرأ سرًّا، وهذا لا يصح؛ فإن قراءة السر لا تسمى سكوتًا، ثم إن ابن عباس قد دفع قول السائل: لعله كان يقرأ في نفسه، فدعا عليه بأن يخمش وجهه أو جلده. وجاء عن ابن عباس الشك، وأنه لا يدري أكان النبي ﷺ يقرأ أم لا. (ث-٦١٩) فقد روى أحمد، وأبو داود، من طريق هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قد حفظت السُّنَّةَ كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ ، يقرأ في الظهر والعصر، أم لا .... الحديث.

стр. 7249

[صحيح] (١). ومن علم حجة على من لم يعلم. ولابن عباس قول آخر، يرى القراءة في الصلاة السرية، ولعل هذا هو آخر الأمر عنه، وأنه قد تبين له أن النبي ﷺ كان يقرأ. (ث-٦٢٠) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس ﵄، قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر (٢). [صحيح] (٣). وما زلت كلما مررت بهذه المسألة أتعجب، ولا يكاد ينقضي عجبي، كيف خفيت القراءة على حبر الأمة ابن عباس، وهو من هو في إمامته وعلمه وحرصه على العلم من بواكير صباه إلى أن ترك الدنيا شيخًا كبيرًا، ثم تخفى عليه هذه المسألة الظاهرة، والنصوص فيها متكاثرة، حتى كدت أن أنكر ثبوت مثل هذا عن ابن عباس إجلالًا وتعظيمًا لقدر ابن عباس لولا صحة الإسناد، وتصحيح الأئمة، وكيف ذهل ابن عباس عن اللجوء إلى قياس النظير على النظير، فما الفرق بين صلاة الظهر والعشاء، إلا أن ما كان موضع جهر في العشاء هو موضع إسرار في الظهر، فلا عجبت بعد هذا من أحد خفي عليه قول أو عمل، أو أغرب في مسألة من المسائل، ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال المطلق، فما أضعف العقل لولا نور الوحي، وهمسة إلى الذين يشاغبون لأدنى وهم يقع فيه أقرانهم، أو يلزمون بعض رموز أهل العلم لإغرابه في بعض المسائل، فلا عصمة لأحد عدا الأنبياء فيما يبلغون عن ربهم. • دليل من قال: القراءة فرض: أما الدليل على أن القراءة فرض فقد أقمت دليلهم في صفة الصلاة، فأغنى

стр. 7250

ذلك عن إعادته هنا (١). وأما الدليل على أن ترك القراءة بالكلية لا يمكن تداركه، وأن فواته مفسد للصلاة دليل أثري ونظري. (ح-٢٥٨٨) أما الأثر فمنه ما رواه الإمام مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك … الحديث (٢). ورواه ابن خزيمة من طريق وهب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن به، بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، قلت: فإن كنت خلف الإمام، فأخذ بيدي، وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي (٣). [لفظ: (لا تجزئ) لفظ شاذ، وقد رواه أصحاب شعبة بلفظ: فهي خداج، وكذا رواه الثقات عن العلاء بن عبد الرحمن] (٤). وأما النظر، فلأن التدارك عند الفقهاء إذا فات يقوم على إلغاء ركعة الخلل وإحلال الركعة التالية مقامها، سواء قلنا: الفوات يكون بالشروع في قراءة الركعة التالية كالحنابلة، أو قلنا: الفوات يكون بعقد الركوع من الركعة التالية كما هو مذهب المالكية، أو قلنا يتحقق الفوات إذا بلغ محل الركن المتروك من الركعة التالية كما هو مذهب الشافعية، فعلى كل هذه التقديرات فإن الركعات الأربع كلها باطلة، فلا يصح تصحيح الركعة بإحلال ركعة صحيحة محلها. فما صح له من صلاته إلا التحريمة، فإذا أراد أن يبني على تكبيرة الإحرام فإن
следующие страницы →