← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

بين ظهراني المهاجرين والأنصار. [منقطع أبو سلمة لم يدرك عمر، قاله ابن كثير في مسند الفاروق] (١). قال البيهقي: «وهو محمول عندنا على قراءة السورة، أو على الإسرار بالقراءة فيما كان ينبغي له أن يجهر به، ثم قد روي عن عمر أنه أعادها .... » (٢). يقول ابن عبد البر: «وهذا حديث منكر، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو عند بعض رواته ليس عند يحيى وطائفة معه؛ لأنه رماه مالك من كتابه بآخرة، وقال: ليس عليه العمل؛ لأن النبي ﵇ قال: (كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج) وقال أبو عمر: وقد رُوِيَ عن عمر أنه أعاد تلك الصلاة، وهو الصحيح عنه. وروى يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي عن همام بن الحارث، أن عمر نسي القراءة في المغرب، فأعاد الصلاة، وهو حديث متصل، وحديث مالك مرسل عن عمر، لا يصح، والإعادة عنه صحيحة، رواها عن عمر جماعة منهم همام، وعبد الله بن حنظلة، وزياد بن عياض، وكلهم لقي عمر، وسمع منه، وشهد القصة وروى الإعادة عن عمر أيضًا غيرهم .... إلخ» (٣). قال الإمام أحمد: «أذهب إلى أن عمر صلى، فلم يقرأ، فأعاد الصلاة» (٤). الدليل الثالث: أن الإمام يحمل قراءة الفاتحة عن المأموم، وهو لا يحمل ركنًا عن المأموم. • ويناقش: بأن القول بأن الإمام لا يحمل ركنًا عن المأموم غير مسلم، فالقيام ركن بالإجماع، ويسقط عن المسبوق، وإنما نعرف أن الإمام يحمل الركن أو لا يحمله

стр. 7247

من النصوص، والنصوص لا تمنع حمل الإمام الركن عن المأموم، والله أعلم. • دليل من قال: إذا ترك القراءة يصلي ركعتين، ويسجد للسهو: الدليل الأول: استدلوا بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، وإنما أوجبنا في الثانية استدلالًا بالأولى؛ لأنهما يتشاكلان من كل وجه، فأما الأخريان فيفارقانهما في حق السقوط في السفر، وصفة القراءة وقدرها، فلا يلحقان بهما. ولأن الصلاة المصرح بها إذا أطلقت تنصرف إلى الصلاة الكاملة وهي الركعتان عرفًا؛ لعدم شرعية الواحدة عند الحنفية (١). الدليل الثاني: (ث-٦١٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا شريك، عن أبي إسحاق، عن علي وعبد الله، أنهما قالا: اقرأ في الأوليين، وسبح في الأخريين (٢). [إسناده ضعيف] (٣). • ويجاب بجوابين: الجواب الأول: أن قول الصحابي يحتج به بشرطين: الأول: ألا يخالف نصًّا مرفوعًا. والثاني: ألا يخالفه صحابيٌّ آخر، وأثر علي ﵁ قد خالف المرفوع من حديث أبي قتادة وسبق ذكره في أدلة الجمهور، وخالفه جابر ﵁. الجواب الثاني: أن عليًّا ﵁ قد اختلف القول عنه، قال ابن عبد البر في الاستذكار:

стр. 7248

رواه أهل الكوفة عن عليٍّ، وروى عنه أهل المدينة خلاف ذلك (١). وقول علي ﵁ الموافق للسنة أولى بالقبول من المخالف لها. • دليل من قال: لا يقرأ في الصلاة السرية. أن النبي ﷺ لم يكن يقرأ، هكذا ظن ابن عباس ﵁، وأنه لو كان يقرأ لعلم الناس بذلك. (ح-٢٥٨٧) روى أحمد وأصحاب السنن وغيرهم من طريق موسى بن سالم أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله، قال: دخلت على ابن عباس، في شباب من بني هاشم فقلنا لشاب منا: سَلِ ابن عباس أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا، لا، فقيل له: فلعله كان يقرأ في نفسه، فقال: خَمْشًا هذه شَرٌّ من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بَلَّغَ ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء إلا بثلاث خصال: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي الحمار على الفرس. [صحيح] (٢). فهذا الحديث عن ابن عباس فيه الجزم بأن النبي ﷺ لم يكن يقرأ في السرية، وأنه لو كان يقرأ لبلغ ذلك إلى الأمة. وقد تأوله الإسماعيلي وغيره على أنه لم يكن يجهر بالقراءة، بل يقرأ سرًّا، وهذا لا يصح؛ فإن قراءة السر لا تسمى سكوتًا، ثم إن ابن عباس قد دفع قول السائل: لعله كان يقرأ في نفسه، فدعا عليه بأن يخمش وجهه أو جلده. وجاء عن ابن عباس الشك، وأنه لا يدري أكان النبي ﷺ يقرأ أم لا. (ث-٦١٩) فقد روى أحمد، وأبو داود، من طريق هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قد حفظت السُّنَّةَ كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ ، يقرأ في الظهر والعصر، أم لا .... الحديث.

стр. 7249

[صحيح] (١). ومن علم حجة على من لم يعلم. ولابن عباس قول آخر، يرى القراءة في الصلاة السرية، ولعل هذا هو آخر الأمر عنه، وأنه قد تبين له أن النبي ﷺ كان يقرأ. (ث-٦٢٠) فقد روى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس ﵄، قال: اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر (٢). [صحيح] (٣). وما زلت كلما مررت بهذه المسألة أتعجب، ولا يكاد ينقضي عجبي، كيف خفيت القراءة على حبر الأمة ابن عباس، وهو من هو في إمامته وعلمه وحرصه على العلم من بواكير صباه إلى أن ترك الدنيا شيخًا كبيرًا، ثم تخفى عليه هذه المسألة الظاهرة، والنصوص فيها متكاثرة، حتى كدت أن أنكر ثبوت مثل هذا عن ابن عباس إجلالًا وتعظيمًا لقدر ابن عباس لولا صحة الإسناد، وتصحيح الأئمة، وكيف ذهل ابن عباس عن اللجوء إلى قياس النظير على النظير، فما الفرق بين صلاة الظهر والعشاء، إلا أن ما كان موضع جهر في العشاء هو موضع إسرار في الظهر، فلا عجبت بعد هذا من أحد خفي عليه قول أو عمل، أو أغرب في مسألة من المسائل، ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال المطلق، فما أضعف العقل لولا نور الوحي، وهمسة إلى الذين يشاغبون لأدنى وهم يقع فيه أقرانهم، أو يلزمون بعض رموز أهل العلم لإغرابه في بعض المسائل، فلا عصمة لأحد عدا الأنبياء فيما يبلغون عن ربهم. • دليل من قال: القراءة فرض: أما الدليل على أن القراءة فرض فقد أقمت دليلهم في صفة الصلاة، فأغنى

стр. 7250

ذلك عن إعادته هنا (١). وأما الدليل على أن ترك القراءة بالكلية لا يمكن تداركه، وأن فواته مفسد للصلاة دليل أثري ونظري. (ح-٢٥٨٨) أما الأثر فمنه ما رواه الإمام مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثًا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك … الحديث (٢). ورواه ابن خزيمة من طريق وهب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرحمن به، بلفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، قلت: فإن كنت خلف الإمام، فأخذ بيدي، وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي (٣). [لفظ: (لا تجزئ) لفظ شاذ، وقد رواه أصحاب شعبة بلفظ: فهي خداج، وكذا رواه الثقات عن العلاء بن عبد الرحمن] (٤). وأما النظر، فلأن التدارك عند الفقهاء إذا فات يقوم على إلغاء ركعة الخلل وإحلال الركعة التالية مقامها، سواء قلنا: الفوات يكون بالشروع في قراءة الركعة التالية كالحنابلة، أو قلنا: الفوات يكون بعقد الركوع من الركعة التالية كما هو مذهب المالكية، أو قلنا يتحقق الفوات إذا بلغ محل الركن المتروك من الركعة التالية كما هو مذهب الشافعية، فعلى كل هذه التقديرات فإن الركعات الأربع كلها باطلة، فلا يصح تصحيح الركعة بإحلال ركعة صحيحة محلها. فما صح له من صلاته إلا التحريمة، فإذا أراد أن يبني على تكبيرة الإحرام فإن

стр. 7251

ما بين تكبيرة الإحرام وبين الركعة الأولى التي يريد أن يعتد بها من صلاته أربع ركعات باطلة وهو عمل كثير. ولأن النسيان في أفعال الصلاة يكثر حدوثه فيعذر، بخلاف نسيان القراءة بالكلية في جميع ركعات الصلاة فإنه عذر نادر، فيكون صاحبه منسوبًا إلى نوع من التقصير. لهذا ذهب الجمهور إلى أن ترك القراءة وهي ركن متكرر لا يعذر فيه الإنسان، فيستوي عمده وسهوه. • الراجح: هذه المسألة هي مفروضة، ونادرة الحدوث، ولكني سأرجح فيها بحسب القواعد التي أراها بالنظر إلى غيرها من الخلل، فالذي أراه أن الأصل في السهو أنه عذر، فلا تبطل به الصلاة مطلقًا قل أو كثر، فكثرة السهو لا تعني الخروج عن أحكامه، وكل أركان الصلاة إذا تركت سهوًا لا تفسد الصلاة، إلا تكبيرة الإحرام وإلا النية على القول بأنها ركن؛ لأنهما شرط لانعقاد الصلاة، وفوات تدارك الركن إذا ترك سهوًا يفسد الركعة، ولا يفسد الصلاة. والخلل في الركعات لا يسري إلى تكبيرة الإحرام، فهي تكبيرة صحيحة، وإذا صح من المصلي جزء من الصلاة، ولو تكبيرة الإحرام صح البناء عليها؛ لأنها ركن من سائر أركان الصلاة، ولا يشترط في صحة البناء أن يصح له ركعة ليبني عليها إذا صحت له التحريمة، وكون الركعات الأربع الباطلة تفصل بين التحريمة وبين الركعة التي يريد أن يعتد بها، فهذا لا يبطل التحريمة؛ لأنه إذا لم يبطل التحريمةَ سلامُ المصلي إذا سلم معتقدًا تمام صلاته، وكلامُه، وانحرافه عن القبلة، ومشيه، وهي أفعال ليست من جنس أفعال الصلاة فمن باب أولى أن تكون الركعات الباطلة وهي من جنس أفعال الصلاة لا تمنع من البناء على ما صلى، هذا ما ظهر لي والله أعلم.

стр. 7252

البند الثالث في ترك القراءة سهوًا في بعض ركعات الصلاة المدخل إلى المسألة: • الأركان لا تسقط بحال لا سهوًا، ولا عمدًا. • كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو كان ذلك دليلًا على ركنيته. • إذا وقع خلل في تكبيرة الإحرام، أو في النية على القول بأنها ركن لم تنعقد صلاته. • من ترك ركنًا غير النية وتكبيرة الإحرام، وأمكن تداركه، وجب ذلك شرطًا لصحة الركعة، ولا يكفي في جبره سجود السهو. • إذا فات الركن بطلت الركعة التي وقع فيها الخلل، وقامت الركعة التي تليها بدلًا منها. • الحكم بفوات الركن موضع خلاف بين الفقهاء. [م-٨٦٣] بعد أن تكلمنا عن حكم نسيان القراءة في جميع الركعات، فهل يختلف الحكم لو أنه نسي القراءة في بعض الركعات؟ فمن قال: القراءة فرض في كل ركعة، وهو قول الشافعية والحنابلة والمشهور في مذهب المالكية، فهؤلاء يرون أنه لا يجزئ سجود السهو وحده، بل لا بد من الرجوع إلى الركن المتروك والإتيان به إن أمكن تداركه، فإن فات بطلت الركعة، ولزمه بدلها، فإن سلم، وطال الفصل، بطلت صلاته على خلاف بينهم متى يحكم للركن بالفوات على ما سبق بيانه في ترك الركن (١).

стр. 7253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7254

قال النووي: «من ترك الفاتحة ناسيًا حتى سلم، أو ركع قولان مشهوران: أصحهما باتفاق الأصحاب، وهو الجديد: لا تسقط عنه القراءة، بل إن تذكر في الركوع، أو بعده قبل القيام إلى الثانية، عاد إلى القيام وقرأ، وإن تذكر بعد قيامه إلى الثانية لغت الأولى، وصارت الثانية هي الأولى، وإن تذكر بعد السلام، والفصل قريب لزمه العود إلى الصلاة، ويبني على ما فعل، فيأتي بركعة أخرى، ويسجد للسهو، وإن طال الفصل يلزمه استئناف الصلاة» (١). ومن قال: إن القراءة فرض في بعض الركعات، فإذا قام بمقدار الفرض ونسي القراءة فيما زاد على ذلك صحت صلاته، وجبر ذلك بسجود السهو، على خلاف بينهم في مقدار الفرض: فقيل: إذا نسي القراءة في الأوليين قضاها في الأخريين، وسجد للسهو، وهذا مذهب الحنفية (٢)، وهو رواية عن أحمد، وبه قال الثوري وإسحاق، والأسود (٣). وقيل: الفرض قراءة الفاتحة في ركعة واحدة، والباقي سنة، وهو قول المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث وابن الماجشون من المالكية، والحسن البصري (٤).

стр. 7255

قال ابن بطال: «قال ابن الماجشون: من ترك القراءة من ركعة من الصبح، أو أي صلاة كانت تجزئه سجدتا السهو، وقال ابن أبي زيد: روي عن المغيرة فيمن لم يقرأ في الظهر إلا في ركعة منها تجزئه سجدتا السهو قبل السلام» (١). قال خليل في التوضيح: «إن بنينا على قول المغيرة، فقرأ في ركعة من أي صلاة صحت صلاته» (٢). وقيل: الفاتحة فرض في أكثر الركعات سنة في الأقل (٣)، فلو ترك القراءة في ركعة من الصبح، أو في ركعتين من الثلاثية أو الرباعية فقولان في مذهب المالكية: أحدهما: قال ابن عطاء الله: أشهرهما أنه يتمادى، ويسجد قبل السلام، ويعيدها، قال خليل: وهو مذهب المدونة. والثاني: يلغي ما ترك فيه القراءة، ويأتي بمثله، ويسجد بعد السلام، وبه قال أصبغ، وابن عبد الحكم (٤). وإن أخلَّ بقراءة الفاتحة في ركعة من الثلاثية أو الرباعية فقد أخل في الأقل، ففي مذهب المالكية ثلاثة أقوال:

стр. 7256

أحدها: أنه يلغي الركعة، ويأتي بركعة بدلها، وهو بناء على فرضية القراءة في كل ركعة. والثاني: أنه يسجد للسهو، وتصح صلاته، وهو بناء على أن فرضيتها في الجل، لا في كل ركعة. والثالث: أنه يسجد لسهوه قبل السلام ولا يأتي بركعة، ويعيد الصلاة احتياطًا، وهذا للتردد بين المذهبين، ورجحه القيرواني في الرسالة، واعتبره الدسوقي: ظاهر المذهب (١). وهذا التفصيل فيما إذا لم يمكن تلافيها، بأن ذكر بعد أن ركع، فإن أمكن تلافيها بأن تذكر قبل أن يركع تلافاها وجوبًا، فإن ترك التلافي مع إمكانه بطلت صلاته؛ على كلا القولين: من قال: تجب في كل ركعة، ومن قال: تجب في الجل دون الكل؛ لأنه تركها عمدًا (٢).

стр. 7257

وقال أحمد في رواية: «إن نسيها في الأوليين قرأ في الأخريين مرتين مرتين» (١). وقيل: قراءة الفاتحة سنة، وهو رواية شاذة عن الإمام مالك، لا يعرفها أصحابه، واختاره ابن شبلون من المالكية، وقال به الشافعي في القديم، وأحمد في رواية إلا أنه قال: يجزئ غير الفاتحة، قال في الفروع: ظاهره أن الفاتحة سنة، وبه قال الحسن البصري، والحسن بن صالح، وجماعة من التابعين، وقال أبو بكر الأصم وإبراهيم بن علية: القراءة كلها غير واجبة (٢). هذا مجمل الخلاف في المسألة. • دليل من قال: القراءة فرض في كل ركعة، يجب تداركها فإن فات لزمته ركعة: أما الدليل على وجوبها في كل ركعة: فقد سبق أن ذكرت ذلك في مسألة مستقلة عند الكلام على حكم قراءة الفاتحة في الصلاة، فأغنى ذلك عن إعادته، فارجع إليه (٣). وأما الأدلة على أن فوات الركن يجب تداركه، فمنها: (ح-٢٥٨٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن

стр. 7258

إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد الله صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك، قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه، قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين (١). فأمره بإتمام صلاته قبل أمره بسجود السهو، والأصل في الأمر الوجوب. (ح- ٢٥٩٠) ومنها: ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم .... (٢). فأمر النبي ﷺ بالبناء على ما استيقن، والأصل في الأمر الوجوب. (ح-٢٥٩١) ومنها: ما رواه البخاري ومسلم، من طريق مالك، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع (٣). (ح- ٢٥٩٢) ومنها: ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،

стр. 7259

عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (١). وهذان الحديثان وإن كانا من قبيل الفعل، فإنه تطبيق عملي للأمر المحفوظ في حديث ابن مسعود وحديث أبي سعيد الخدري، ولأن نقص الأركان تغيير في ماهية الصلاة. وأما الدليل على أن فوات التدارك يبطل الصلاة: (ح-٢٥٩٣) فلما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فصل فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فصل، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (٢). وجه الاستدلال: قوله: (فإنك لم تصلِّ) وأمره بالإعادة، ولما سأله أن يعلمه علمه هذه الأفعال، فدل على أنه لا يكون مصلِّيًا بدونها، ودل على أنها لا تسقط بالسهو، فإنها

стр. 7260

لو سقطت بالسهو لسقطت عن الأعرابي؛ لكونه جاهلًا بها، والجاهل كالناسي. فإذا كانت قراءة الفاتحة من أركان الصلاة، لحديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه. وكانت قراءتها فرضًا في كل ركعة لقول النبي ﷺ للمسيء (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها). فإذا تركها سهوًا، وأمكن تداركها أتى بها، وإن فات تدارك الركن لزمته ركعة، على التفصيل السابق في القول الأول، فإن سلم وطال الفصل استأنف الصلاة. • دليل من قال: الفاتحة سنة في كل ركعة وتجبر بسجود السهو: أما الأدلة على أن قراءة الفاتحة لست واجبة، فقد قدمت أدلتهم في المسألة السابقة، فارجع إليه إن شئت، دفعًا للتكرار. وأما الأدلة على أنها تجبر بسجود السهو: فهذا راجع إلى الخلاف في مشروعية سجود السهو لفوات السنن بالسهو، وهو محل خلاف بين الفقهاء: فالمالكية والشافعية يقصرون السجود على فوات بعض السنن المؤكدة عندهم، على اختلافهم بينهم في ثلاث مسائل: الأولى: اختلافهم في تحديد السنن التي يشرع سجود السهو لتركها، وقد عقدت فصلًا مستقلًا بينت فيه هذه السنن في كل مذهب. الثانية: إذا تركت عمدًا، فالمالكية: لا يشرع السجود على خلاف في إبطال الصلاة بتركها على قولين، وخالف الشافعية، فقالوا: يشرع السجود مع العمد كالسهو. الثالثة: قال المالكية: إذا ترتب السجود على ترك ثلاث سنن وجب السجود، خلافًا للشافعية والحنابلة، حيث قالوا: تعدد الموجب لا أثر له في اختلاف الحكم. وقسم الحنابلة السجود لترك السنن على قسمين مباح، ومسنون على ما سبق بيانه في فصل مستقل. وخالف الحنفية الجمهور، فقالوا: لا يشرع السجود لترك سنة مطلقًا؛ لعدم ثبوته، ولأن سجود السهو واجب عندهم، ولا يجبر المسنون بما هو أعلى منه،

стр. 7261

بخلاف السجود لترك الواجب؛ فالشيء يجبر بمثله. • واحتج الجمهور لمشروعية السجود لترك السنة: (ح-٢٥٩٤) بما رواه الشيخان من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك (١) وجه الاستدلال: ترجم له البخاري بقوله: باب من لم ير التشهد الأول واجبًا. اه وقالوا في وجه الاستدلال: لا يخلو إما أن يكون هذا الجلوس يسقط بالنسيان، أو لا. فإن قالوا: لا يسقط، خالفوا السنة الثابتة المتفق عليها. وإن قالوا: يسقط فنقول: كل ما سقط بالنسيان لا يكون واجبًا، قياسًا على سائر المسنونات، ولو تذكر الإمام أنه قام عنه، وأمكنه الرجوع إليه لم يرجع إلى التشهد. وهذا دليل على ضعف مأخذ الوجوب. فإن قيل: لو كان مسنونًا، فلماذا يجبر بسجود السهو؟ فالجبر لا يكون إلا لترك واجب قياسًا على ترك واجبات الحج، فإن تركه لا يبطل الحج، ويجب له الجبر على قول جمهور العلماء. فالجواب: الجبر إنما يكون دليلًا على الوجوب إن كان الشارع قد أمر بجبره، فيقال: الأصل في الأمر الوجوب، أو كان هناك إجماع على أن سجود السهو لا يصح فعله لترك السنن، فيكون سجود النبي ﷺ للسهو دليلًا على وجوب التشهد. ولا أعلم دليلًا يأمر المصلي بالسجود إذا ترك التشهد الأول، وفعل النبي ﷺ لا يدل على الوجوب، وإنما المحفوظ هو السجود للسهو تأسيًا بفعل النبي ﷺ ، وهذا وحده لا يكفي دليلًا على وجوب التشهد.

стр. 7262

وليس هناك إجماع بأن المصلي لا يسجد لترك السنن المؤكدة في الصلاة حتى يقال: إن سجود النبي ﷺ دليل على وجوب التشهد، والجمهور قالوا: يسجد للسهو لترك السنن على خلاف بينهم في هذه السنن خلافًا للحنفية. وأما القياس على جبر واجبات الحج، فالقياس لا مدخل له في هذا الباب؛ لاختلاف الموجب. فواجبات الحج لا تجبر بالسهو، وإنما تجبر بالعمد. وواجبات الصلاة لا تجبر بالعمد، وإنما تجبر بالسهو، هذا من وجه. ومن وجه آخر: فإن أفعال الحج بالإجماع تنقسم إلى أركان، وواجبات، وسنن، وأما أفعال الصلاة فالمالكية والشافعية يقسمونها إلى فروض وسنن، ولا دليل على قسم الواجب في أفعال هذه العبادة، كما قدمت ذلك في مبحث مستقل. وعليه فمن قال: إن التشهد الأول سنة، وهو مذهب المالكية والشافعية رأى أن حديث ابن بحينة هو الأصل في السجود لترك بعض السنن المؤكدة، وقاسوا على ترك التشهد غيرها من السنن. والقول بصحة السجود لترك التشهد الأول، وأنه سنة هو الصحيح، فلو صح القول بأن قراءة الفاتحة سنة لكان تركها سهوًا يشرع له سجود السهو بلا شك؛ لأن مقام الفاتحة في الصلاة أعظم من التشهد؛ إلا أن القول بأن قراءة الفاتحة سنة في الصلاة -سواء أقيل: سنةٌ في الأقل، فرضٌ في أكثر الركعات، أم قيل: سنة في كل ركعة- قول ضعيف جدًّا، وإن قال به الشافعي في القديم، ورواية عن الإمام أحمد، ورواية شاذة عن الإمام مالك، والصحيح أن قراءتها فرض في كل ركعة، وأن تركها عمدًا يبطل الصلاة، وسهوًا يوجب الرجوع والتصحيح إن أمكن تدارك الركن، وإلا بطلت الركعة، فإن سلم وطال الفصل بطلت الصلاة، وقد ذكرت أدلة فرضيتها في صفة الصلاة، فارجع إليه زادك الله فقهًا في دينه، والله أعلم. • دليل من قال: القراءة فرض في أكثر الركعات، سنة في الأقل: الدليل الأول: هذا القول من المالكية، وإن قالوا: بأنه سنة في الأقل من جهة اللفظ، لكن

стр. 7263

من جهة الدلالة أعطوه حكم الواجب، ومنزعهم في ذلك مراعاة لخلاف من قال بوجوب القراءة في كل ركعة، وهو أصلٌ أَكْثَر منه المالكية. فمن جهة اللفظ قالوا: قراءة الفاتحة سنة في الأقل بحسب هذه الرواية. وفي الدلالة: قالوا: لو ترك القراءة في الأقل عمدًا، أو ترك سجود السهو بطلت الصلاة، فأعطوها حكم الواجب. فلم يجعلوا حكمه حكم السنن إلا في جبره بسجود السهو. وهذه الطريقة فيها ما فيها، فهو يسلب وصف الدلالة الأصولية، فالسنة عندما تأخذ حكم الواجب لا تكون سنة إلا من جهة اللفظ، فكأنها مراعاة لفظية، ومحاولة التلفيق بين أصلين: الواجب والسنة، فلا هو واجب من كل وجه، ولا هو سنة من كل وجه، فخرج أصل مبتدعًا يطبق عليه حكم السنة في جزئية، وحكم الواجب في جزئية أخرى، فكان أصلًا هجينًا فاقد الدلالة، ومراعاة الخلاف القوي لا يكون بإحداث أصلٍ ملفقٍ بين أصلين، ونكون بهذا زدنا الخلاف في المسألة، فبدلًا من كون الخلاف سنة وواجبًا، أصبحت الأقوال: سنة وواجبًا وبينهما، وعلى كل حال إخواننا من أصحاب المذهب المالكي يعتبرون مراعاة الخلاف منقبة للمذهب، فهو يراعي الخلاف الحاصل داخل المذهب، كما يراعي الخلاف الحاصل بين الأئمة، وهو من هذه الحيثية صحيح، فهو يعالج التعصب وإلغاء اعتبار قول المخالف، إلا أنه في بعض المسائل قد يعترض عليه بما اعترضت به، إن كان اعتراضي وجيهًا، فليتأمل، والله أعلم. الدليل الثاني: قال إسحاق: «إذا قرأ في ثلاث ركعات بفاتحة الكتاب أجزأه، لا شك في ذلك؛ لإجماع الأمة أنه إذا أدرك الإمام راكعًا كبر، وقد أدرك الركعة وقراءتها» (١). • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: بأن الدليل أخص من المدلول، فإن سقوط القيام والقراءة عن المأموم إذا

стр. 7264

أدرك الإمام راكعًا لا يدل على سقوط القيام والقراءة عن الإمام والمنفرد، والمأموم في باب السهو تابع للإمام، وسهوه مغتفر، فكيف يُخَرَّج هذا على ذلك، والله أعلم. الوجه الثاني: أن البخاري وابن حزم قد أنكرا أن يكون في المسألة إجماع، والخلاف فيها محفوظ حتى بين الصحابة ﵃، وسوف يأتي بحث المسألة إن شاء الله تعالى في مظانها. دليل من قال: القراءة فرض في ركعتين، وفي الأوليين واجب: سبق أن ذكرنا أدلتهم في المسألة السابقة، وناقشت دلالتها، فارجع إليه غير مأمور. • دليل من قال: القراءة فرض في ركعة واحدة: (ح-٢٥٩٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ ، قال: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، ولم يقل: في كل ركعة، فهذا يقتضي فرضية القراءة مرة واحدة، لا تكرارها. ولأن النفي في قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) إن كان بمعنى الأمر بقراءة فاتحة الكتاب، فالأمر بالفعل يتحقق الامتثال بقراءتها مرة واحدة؛ لأن صيغة الأمر المطلق لا تقتضي التكرار، فكذلك ما كان بمعنى الأمر من باب أولى. • ونوقش: بأن هذا الاستدلال يمكن تسليمه لولا أن النبي ﷺ قال في حديث أبي هريرة: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، والأصل في الأمر الوجوب، فصار الأمر يحمل معنى التكرار

стр. 7265

• الراجح: أن قراءة الفاتحة فرض في كل ركعة، وأن تركها عمدًا يبطل الصلاة، وسهوًا يأتي بها، ويتم صلاته على ما رجحته في طريقة تدارك الركن في القول الأول، فإذا فات تدارك الركن بطلت الركعة، وإن سلم من الصلاة، وطال الفصل بطلت الصلاة، والله أعلم.

стр. 7266

البند الرابع في ترك بعض الفاتحة كالآية والحرف المدخل إلى المسألة: • الفاتحة ركن في الصلاة عند جمهور العلماء، وعند الحنفية: الركن القراءة، ولا تتعين في الفاتحة، فعلى الأول: إذا سَلِمَت الفاتحة من النقص صحت الصلاة، وعند الحنفية لا فرق في الحكم بين الفاتحة وغيرها. • إذا قلنا: الفاتحة ركن، فهل هو ركن واحد، أو كل حرف منها ركن، الصحيح الأول، ورجحه البهوتي في كشاف القناع وهو مذهب الحنفية والمالكية. • الطواف ركن في الحج، وقال الحنفية: إذا طاف أربعة من ثلاثة وفارق مكة جبره بدم، فأعطوا جزء الركن حكم الواجب، وليس حكم الركن. • إذا قلنا: الفاتحة ركن واحد، فمراعاة شداتها واجب لها، والإخلال به لا يُخِلُّ بالركن ما لم يغير المعنى، وسهوه مغتفر؛ لأن للأكثر حكم الكل. • ضابط الإخلال في قراءة الفاتحة بتخفيف المشدد إذا غير المعنى عند الحنفية، وهو الصواب، فإذا سَلِم المعنى لم يؤثر تخفيف المشدد. • بطلان العبادة مع سلامة المعنى قول شديد يحتاج إلى برهان، والأصل عدمه. • قال القاضي أبو يعلى: لا تبطل بترك شدة؛ لأنها غير ثابتة في خط المصحف، وهي صفة في الكلمة، يبقى معناها من دونه كالحركة، ويسمى تاركها قارئًا. [م- ٨٦٤] اختلف الفقهاء في المصلي يترك من الفاتحة آية أو أقل كشدة: فقال المالكية: إذا ترك الإمام، أو المنفرد من الفاتحة آية، أو أقل، أو أكثر، أو تركها كلها سهوًا، ولم يمكنه تلافي ذلك، بأن انحنى للركوع، فإنه لا يرجع، ويسجد للسهو قبل السلام، ولا يأتي بركعة، ويعيد الصلاة احتياطًا، هذا هو المشهور،

стр. 7267

ومقابله خلاف ذكرته في المسألة السابقة (١). وقيل: لا سجود عليه؛ لأن الأقل تبع للأكثر (٢). وقال الشافعية: لو ترك منها حرفًا واحدًا، كما لو خفف حرفًا مشددًا من الفاتحة متعمدًا، ولو كان مأمومًا، لم تَصِحَّ قراءته، ولا صلاته؛ فإن لم يتعمد بطلت قراءة تلك الكلمة (٣)، ولم تبطل صلاته، فإن ذكر، وهو في الركعة رجع إليها، وأعادها على الصواب، وأعاد ما بعدها؛ ليكون على الولاء. وإن تذكر بعد قيامه إلى الركعة الثانية، بطلت الأولى التي أخلَّ فيها في قراءة الفاتحة، وحلت الثانية مكانها؛ لأن ترك الفاتحة، أو بعضها ناسيًا كترك الركوع

стр. 7268

والسجود؛ ولأن كل حرف من الفاتحة ركن منها، وترك التشديدة كترك الحرف، ويسجد للسهو فيما إذا تغير المعنى بما سها به؛ لأن ما أبطل عمده سجد لسهوه، وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة وتطاول ذلك، أعاد الصلاة (١). وقال الحنابلة: إن ترك غير مأموم حرفًا واحدًا كما لو ترك واحدة من تشديداتها، فإن كان قريبًا منها، أعاد الكلمة التي ترك وصحت صلاته، كمن نطق بالكلمة على غير الصواب، ثم أتى بها على وجهها، فإن فات محلها، وبعد عنه، بحيث يخل بالموالاة، أو فارق القيام لزمه الرجوع إليه، واستئناف الفاتحة، لتركه حرفًا منها؛ لأن الحرف المشدد أقيم مقام حرفين، ما لم يشرع في قراءة الركعة الثانية، فإن شرع في قراءة الركعة الثانية بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها، فإن لينها، ولم يحققها على الكمال فلا إعادة قولًا واحدًا في المذهب (٢). وأما الحنفية فلا تتنزل هذه المسألة على مذهبهم؛ لأن الفرض عندهم لا يتعين في الفاتحة، فالركن عندهم قراءة ما تيسر من القرآن. فكان الخلاف بين الجمهور: هل الفاتحة ركن واحد، أو كل حرف منها يعتبر ركنًا؟ وهل هي ركن في جميع الصلاة، أو في أكثر الركعات، سنة في الأقل. فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنها ركن في كل ركعة، وأن ترك الحرف من الفاتحة، ولو كان شدة بمنزلة ترك الركن من الصلاة؛ لأن الفاتحة إذا كانت ركنًا من الصلاة فترك جزء من الركن كترك الركن، عمده يبطل الصلاة، وسهوه يوجب

стр. 7269

تداركه إن أمكن، وإلا بطلت الركعة، فإن سلم، وطال الفصل بطلت الصلاة. وأما المالكية فإنهم يرون أن ترك الآية والآيتين، بل وترك الفاتحة كلها في ركعة من ثلاثية أو رباعية عمده يبطل الصلاة، وسهوه يوجب أمرين: الأول: تداركه ما لم يركع، فإذا انحنى للركوع لم يرجع؛ لفوات التدارك، ولانشغاله بما هو أوجب منها، وهو الركوع، فلا يبطله برجوعه إلى السنة، كما ترك النبي ﷺ الرجوع إلى التشهد عندما قام إلى الركعة. الثاني: إذا فات تداركه جبره بسجود السهو، وصحت صلاته، وإذا ترك السجود بطلت صلاته، وقد ناقشت قولهم في المسألة السابقة. وانظر أدلة الجمهور على هذه المسألة في صفة الصلاة، فقد سبق لي بحثها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد (١).

стр. 7270

البند الخامس في ترك التشهد الثاني في الصلاة سهوًا المدخل إلى المسألة: • التشهد متردد بين الركنية، فيلحق بتكبيرة الإحرام، وبين السنية، فيلحق بأذكار الركوع والسجود، وبين التوسط وذلك بإلحاقه بالواجبات، وكلها قد قيل بها. • لا يصح التفريق في الحكم بين التشهد الأول والأخير، وقد سوَّى بينهما النبي ﷺ في عدم ذكرهما في حديث المسيء صلاته، وهو مذهب المالكية ورواية عن أحمد. • التفريق في الحكم بين التشهدين الأول والأخير إن كان ذلك يتعلق باللفظ فألفاظهما واحدة، أو كان ذلك يتعلق بالمحل فلا فرق، فالغالب أن التشهد يأتي بعد كل ركعتين إلا المغرب، فلا يوجد معنى يوجب التفريق بينهما. • أفعال الصلاة تنقسم إلى فرائض وسنن، ولا واجب فيها عند المالكية والشافعية، وزاد الحنفية والحنابلة قسم الواجب، وهو مرجوح. • الواجب عند الحنفية والحنابلة يسقط بالسهو، ويجبر بسجود السهو. • ترك الواجب عمدًا يبطل الصلاة عند الحنابلة، ولا يبطلها عند الحنفية، وتجب الإعادة عندهم جبرًا للفرض الأول، لا بدلًا عنه. • يشرع سجود السهو لترك بعض السنن المؤكدة، وهو قول الجمهور، خلافًا للحنفية، وإحدى الروايتين عن أحمد. [م- ٨٦٥] اختلف العلماء في ركنية التشهد الأخير، فقيل: التشهد واجب، على خلاف في حكم الجلوس له فقيل: فرض، وهو

стр. 7271

مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية (١)، وقيل: واجب، وهو رواية عن أحمد، قال في الرعاية كما في الإنصاف: وهو غريب بعيد (٢). وعليه فإن قعد، وترك التشهد سهوًا صحت صلاته، ووجب جبره بسجود السهو. جاء في تبيين الحقائق: «ومنها التشهد فإذا تركه في القعود الأول، أو الأخير وجب عليه سجود السهو» (٣). وقيل: التشهد الأخير سنة، والجلوس بمقدار السلام فرض، وهو مذهب المالكية، ورواية عن أحمد (٤). فإذا ترك التشهد سهوًا؛ وكان قد جلس بمقدار ما يسلم صحت صلاته عند

стр. 7272

المالكية، واستحب له سجود السهو؛ لأن التشهد من السنن المؤكدة، وإن تركه عمدًا، فهل تبطل صلاته؟ قولان في مذهب المالكية مبنيان على الخلاف في المذهب بإبطال الصلاة بترك السنن المؤكدة عمدًا. وقد ذهب المالكية إلى القول بمشروعية سجود السهو إذا ترك سنة مؤكدة، أو ترك سنتين خفيفتين، فإن ترك ثلاث سنن وجب السجود، وسبق الكلام على هذه المسألة، والراجح فيها، فلا داعي لإعادته. قال الدسوقي: «وإن أتى بالجلوس، وترك التشهد، فقولان بالسجود وعدمه، والمعتمد السجود؛ لأن التشهد المتروك سنة مؤكدة» (١). وقيل: التشهد ركن، وهو مذهب الشافعية والمشهور من مذهب الحنابلة، وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك، وأهل المدينة، وبه قال داود (٢). وإذا كان ركنًا وجب عليه إذا نسيه أن يأتي به إن تذكره عن قرب، ويسجد للسهو، ويسلم (٣). قال الماوردي: «وأما ما وجب لنقصان، فهو أن يترك ما أمر بفعله، وذلك على

стр. 7273

ثلاثة أضرب. أحدهما: ما كان ركنًا مفروضًا قراءة الفاتحة، والركوع، والسجود، والتشهد الأخير، فيلزمه الإتيان به على ما ذكرنا، ثم يسجد للسهو … » (١). فصار الخلاف في التشهد الأخير على ثلاثة أقوال: فقيل: فرض، وقيل: واجب، وقيل: سنة. فمن قال: إنه سنة فإذا تركه لم تبطل صلاته، ولا يجب جبره بسجود السهو على خلاف في مشروعية سجود السهو جبرًا لتركه: فذهب الجمهور إلى مشروعية سجود السهو إذا ترك بعض السنن في الجملة خلافًا للحنفية، ورواية عن أحمد. وانفرد المالكية بالقول ببطلان الصلاة إذا ترك سجود السهو وقد ترتب عن ترك ثلاث سنن، فإن كان عن ترك سنة مؤكدة، أو سنتين صحت الصلاة، وسجد للسهو، فإذا لم يسجد صحت الصلاة، وفات السجود، وسوف تأتينا هذه ا لمسألة إن شاء الله تعالى في فصل مستقل (٢). ومن قال: إن التشهد واجب، فإذا تركه ساهيًا وجب جبره بسجود السهو. فإن ترك سجود السهو نسيانًا فات السجود، وصحت الصلاة. وإن تركه عمدًا أساء الفعل وصحت صلاته عند الحنفية، وهو رواية عن أحمد. وقال الحنابلة في المعتمد: إذا ترك سجود السهو عمدًا بطلت صلاته. وسبق بحث هذه المسألة، وبيان الراجح، فلله الحمد (٣). وأما المالكية والشافعية فسيأتي إن شاء الله تعالى أنهم يقسمون أفعال الصلاة إلى فرائض وسنن، ولا واجب فيها، وهو الصحيح. ومن قال: التشهد فرض، فإن عليه أن يأتي به، ويسجد للسهو فإن طال الفصل استأنف الصلاة.

стр. 7274

ومسألة الخلاف في ركنية التشهد قد ذكرت أدلتها في مبحث مستقل في المجلد العاشر، فانظره هناك يا رعاك الله (١). وأما مسألة تدارك الركن إذا وقع سهوًا في الصلاة فقد ذكرت أدلتها في مسألة إذا ترك ركنًا من أركان الصلاة وتذكره وهو في الصلاة في هذا المجلد، فارجع إليه منعًا للتكرار، وفقت للهدى والرشاد. • الراجح من الخلاف: سبق أن رجحت أن التشهد سنة، لا فرق فيه بين الأول والأخير، وذكرت الأدلة على عدم وجوبه، وقد ثبت تعويض التشهد الأول بسجود السهو، فالتشهد الأخير مثله، فإذا ترك التشهد سهوًا شُرِعَ له سجود السهو. فإن ترك التشهد عمدًا، أو سهوًا، أو ترك سجو السهو عمدًا أو سهوًا فصلاته صحيحة؛ لأن السهو لا يمكن أن يكون واجبًا، وهو بدل عن مستحب، فالبدل له حكم المبدل، والله أعلم. وأَعْلمُ أن هذا القول مخالف لما عليه الفتوى في بلادي، وأتفهم استغراب بعض طلبة العلم من هذا الترجيح؛ لأن طالب العلم الذي تفقه على أصول وقواعد مذهب معين إذا حاول أن يفهم الأقوال الأخرى بحسب ما درسه وألفه من أصول وقواعد مذهبه كان موضع استغراب، ولا يَعْلمُ سبب دهشته واستغرابه، وربما حكم على القول الصحيح بالشذوذ والغرابة معتقدًا أنه يتبع القول الصحيح، ولا يمكن أن يدفع هذا الاستغراب حتى ينعتق من إلفه الذي نشأ عليه منذ طلبه للعلم، ولا يحاول فهم الأقوال في المذاهب الأخرى بمقتضى أصول وقواعد مذهب البقعة التي نشأ فيها، وما عليه الفتاوى في بلده، بل عليه أن يعرف أقوال وأدلة المذاهب الأخرى بحسب أصول تلك المذاهب، ليقارنها مع ما تعلمه من قواعد مذهبه، فيتحرر له الراجح منها، فإذا استطاع ذلك بتوفيق الله استطاع أن يدفع الاستغراب والدهشة،

стр. 7275

وأن ترتفع الغشاوة عن عينه في فهم المذاهب الأخرى، فكل مذهب له بعض أصوله وقواعده التي قد لا تتفق مع أصول مذهب النشأة والبقعة، ولقد اعترض علي بعض أقراني بعد أن قرأ صفة الصلاة، فطلب مني بمجلس مشهود أن أقول له ما هي واجبات الصلاة؟ معتقدًا أنني إذا قلت له: لا يوجد في أفعال الصلاة ما هو واجب كان ذلك وحده دليلًا على غرابة القول وضعفه؛ لأنه يريد أن يحاكمني إلى ما استقر عند الحضور وتعلموه. فقلت له: اختر أي مسألة اعتبرها الحنابلة أو الحنفية من واجبات الصلاة، ولننظر في أدلتها بإنصاف، فإن سلمت الأدلة القاضية بالوجوب فقد ثبت هذا التقسيم، وإلا فلا مانع أن توجد عبادة قائمة على فروض وسنن، ولا واجبات فيها كالوضوء، أما أن تأتي إلى مسائل كثيرة اعتبرها الحنابلة من الواجبات، وأدلتها مختلفة فلا يمكن الوصول معك إلى قناعة، وأعتقد أنه لم يكن الغرض من السؤال هو البحث العلمي، بقدر ما أراد السائل أن يلفت نظر الحضور إلى غرابة الترجيح، فإن كان الاعتراض فقط لكونه مذهب الحنابلة والحنفية، فالقول بعدم وجود قسم الواجب ليس قولًا شاذًا، بل هو مذهب المالكية والشافعية، فكان العبرة بالدليل، وكتابي بين يدي القارئ ليأخذ واجبات الصلاة مسألة مسألة، وليطلع على أدلة القائلين بالوجوب، فقد ذكرت حكم كل فعل من أفعال الصلاة في صفة الصلاة بحسب ترتيب هذا الواجب فعلًا أو قولًا من الصلاة، فإذا نظر إليه طالب العلم بتجرد وإنصاف فسيصل إن شاء الله تعالى إلى قناعة أن قسم الواجب لا يوجد في أفعال الصلاة، أو على الأقل ليعلم أن المالكية والشافعية لهم أدلة وجيهة في نفي هذا القسم، فيكفي أن تزول عنه الصدمة والدهشة والغرابة، ويكفي هذا مكسبًا لكسر ما ألفه بالتلقي. فإذا علمت أن الحنفية والحنابلة الذين يقولون بوجود قسم الواجب في أفعال الصلاة لا يتفقون في ذكرها إلا على واجب واحد، وهو التشهد، وكان معظم واجبات

стр. 7276

الصلاة هي أفراد: إما للحنابلة، وإما للحنفية، كانت الغرابة من القول الفرد أولى من الغرابة من قول الأكثر. وقد عقدت فصلًا خاصًا عند الكلام على النقص في واجبات الصلاة، بعنوان: خلاف الفقهاء في وجود قسم الواجب في أفعال الصلاة، فانظر مناقشة هذه المسألة هناك، فقهنا الله وإياك في دينه، والله أعلم.

стр. 7277

المسألة الثانية النقص من أركان الصلاة الفعلية سهوًا البند الأول إذا تركه وتذكر ذلك قبل السلام المدخل إلى المسألة: • الأركان لا تسقط بحال لا سهوًا، ولا عمدًا. • إذا ترك المصلي ركنًا من أركان الصلاة فما فعله بعد المتروك فهو لغو؛ لوقوعه في غير محله ما لم يصل إلى مثله من الركعة التالية، فإن وصل فلا حاجة فيه إلى الرجوع. • إذا فات الركن بطلت الركعة التي وقع فيها الخلل، وقامت الركعة التي تليها بدلًا منها. • الحكم في وقت فوات الركن موضع خلاف بين الفقهاء. [م- ٨٦٦] تكلمت في المباحث السابقة عن حكم النقص من أركان الصلاة القولية، ونتكلم في المباحث التالية عن حكم النقص من أركان الصلاة الفعلية. وقد اتفق العلماء على أن المصلي إذا ترك ركنًا فعليًّا، وهو في الصلاة، فلا بد من الإتيان به ما لم يفت (١)، على خلاف بينهم متى يحكم للركن المتروك بالفوات، وهل يقضي الركن وحده، أم يقضيه ويقضي ما بعده؛ لوقوعه في غير محله؟ (٢).

стр. 7278

وخلاف فقهائنا على النحو التالي: القول الأول: مذهب الحنفية: الترتيب بين أركان الصلاة عند الحنفية منه ما هو فرض، ومنه ما هو واجب، فإذا ترك ركنًا لا يكون الترتيب فيه فرضًا فإنه يأتي به وقت تذكره، وله تأخيره إلى آخر الصلاة فيقضيه، وإذا أخره لا يلزمه أن يأتي بما بعده. وإن ترك ركنًا يكون الترتيب فيه فرضًا، فهذا يلزمه إعادته مرتبًا على ما قبله، كما لو سجد قبل أن يركع، فهذا السجود لا يعتد به بالإجماع؛ لوقوعه في غير محله، فلو تذكر ذلك في السجود لزمه العود إلى الركوع؛ لأن الترتيب بين السجود والركوع فرض، وارْتَفَضَ ما هو فيه من السجود؛ لوقوعه في غير محله، وعليه سجود السهو، ومثله لو تذكر، وهو في القيام في الركعة التالية. ولو تذكر ذلك بعد أن ركع، وسجد في الركعة التالية تم له ركعة واحدة؛ وكان سجوده وقيامه لغوًا؛ لكونه في غير محله، وسجد للسهو. فالمقصود بالترتيب: وجود كل ركن في محله. والمقصود بفرضيته: توقف صحة الركن المؤدى على وقوعه مرتبًا مع الركن الذي قبله. والترتيب يكون فرضًا عند الحنفية فيما شرع غير مكرر من أفعال الصلاة، كالتحريمة، والقعدة الأخيرة، ومثله ما شرع غير مكرر في الركعة الواحدة كالقيام، والقراءة، والركوع، والسجود. ويكون الترتيب واجبًا وليس بفرض بين ما يتعدد في كل الصلاة، كالترتيب بين الركعات، أو يتعدد في كل ركعة كالترتيب بين السجدتين. فالترتيب بين الركعات ليس بفرض؛ لتكراره، فالمسبوق يصلي آخر الركعات قبل أولها على رواية (وما فاتكم فاقضوا)، على رأي أبي حنيفة وأبي يوسف. وكذا الترتيب بين السجدتين واجب، وليس بفرض، فالركعة تتقيد بسجدة واحدة، والثانية تكرار، فإذا ترك الترتيب بين السجدتين عمدًا أثم، وصلاته

стр. 7279

صحيحة، وإن تركه سهوًا سقط الترتيب، ويقضيها إذا تذكرها في الصلاة، ولو في غير محلها، فلو تذكر في الركوع الثاني أنه ترك سجدة من الركعة الأولى، فانحط من ركوعه فسجد، لا يلزمه إعادة الركوع، وله أن يؤخرها إلى آخر الصلاة فيقضيها، ويجبر فوات الترتيب الواجب بسجود السهو (١). ولو تذكر السجدة في القعدة الأخيرة، فسجدها، أعاد القعدة؛ لأنه بسجوده ارتفضت القعدة؛ لأنها ما شرعت إلا خاتمة لأفعال الصلاة. ولو تذكر، وهو راكع، أو ساجد، أن عليه سجدة، فانحط من ركوعه بلا رفع، فسجدها، أو رفع رأسه من سجوده فسجدها، فهل يعيد الركوع، أو السجود؛ لتقع أفعال الصلاة مرتبة؟ فيه ثلاثة أقوال في مذهب الحنفية: الأول: تستحب إعادة الركوع، أو السجود، ولا تجب، لتقع أفعال الصلاة مرتبة، فلو ترك الإعادة صحت صلاته؛ وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأحد القولين عن أبي يوسف. وعللوا الصحة: بأن الترتيب بين الركعات ليس بفرض، ويسقط بالنسيان، وينجبر بسجود السهو، فيصح الاعتداد به، ولهذا ما يدركه المسبوق مع الإمام آخر صلاته، ثم يقضي أولها، فكانت عودته إلى السجدة لم تَنْقُض ما صلاه بعده، لأن غايته أنه فوت عليه الترتيب بين الركعات، وهذا القول هو المعتمد عند الحنفية (٢).

стр. 7280

وعن أبي يوسف: أنه إذا تذكر الساهي السجدة المتروكة في ركوعه، فانحط من فوره مؤديًا لها، قبل أن يرفع رأسه من الركوع، فإنه يجب عليه إعادة الركوع، وهذا بناء على أصله: أن القومة التي بين الركوع والسجود فرض (١). وقال زفر: «يجب أن يعيد ما صلاه بعده، لأن مراعاة الترتيب في أفعال الصلاة ركن واجب، فالتحقت هذه السجدة بمحلها، وبطل ما أدى من القيام والقراءة والركوع؛ لترك الترتيب» (٢). وقال قاضي خان: «إذا عاد إلى الركن قبل أن يرفع رأسه من الركوع وجبت إعادة الركوع؛ لأن ذلك مما يقبل الارتفاض؛ إذ هو عند الحنفية دون الركعة، وما كان كذلك فهو يقبل الرفض، فجعل وجوب الإعادة ليس بناء على اشتراط الترتيب من عدمه، بل على أن الركن المتذكر فيه، هل يرتفض بالعود إلى ما قبله من الأركان أو لا؟ جاء في فتح القدير: فلو «تذكر في ركوع أنه لم يسجد في الركعة التي قبلها سجدها، وهل يعيد الركوع والسجود المتذكر فيه؟ ففي الهداية: أنه لا يجب إعادته، بل يستحب معللًا بأن الترتيب ليس بفرض بين ما يتكرر من الأفعال (يقصد: الترتيب بين الركعات). والذي في فتاوى قاضي خان وغيره: أنه يعيده معللًا بأنه ارتفض بالعود إلى ما قبله من الأركان؛ لأنه قبل الرفع منه يقبل الرفض، ولهذا ذكره فيما لو تذكر سجدة بعد ما رفع من الركوع، أنه يقضيها، ولا يعيد الركوع؛ لأنه بعد ما تم بالرفع لا يقبل الرفض، فعلم أن الاختلاف في إعادتها ليس بناء على اشتراط الترتيب وعدمه، بل على أن الركن المتذكر فيه، هل يرتفض بالعود إلى ما قبله من الأركان أو لا؟ [قال ابن عابدين: «والمعتمد ما في الهداية] (٣)، وفي كافي الحاكم الشهيد أبي الفضل الذي هو جمع كلام محمد ﵀: رجل افتتح الصلاة، وقرأ، وركع،

стр. 7281

ولم يسجد، ثم قام فقرأ، وسجد، ولم يركع، فهذا قد صلى ركعة، وكذلك إن ركع أولًا، ثم قرأ، وركع، وسجد فإنما صلى ركعة واحدة، وكذلك إن سجد أولًا سجدتين، ثم قام فقرأ في الثانية، وركع، ولم يسجد، ثم قام فقرأ، وسجد في الثالثة، ولم يركع فإنما صلى ركعة واحدة، وكذلك إن ركع في الأولى ولم يسجد، وركع في الثانية، ولم يسجد، ثم سجد في الثالثة، ولم يركع، فإنما صلى ركعة واحدة» (١). • حجة الحنفية على هذه الفروع: أن الرجل إذا ترك سجدة صلبية من ركعة، ثم تذكرها آخر الصلاة قضاها، وتمت صلاته؛ لأن الركعة الثانية صادفت محلها؛ لأن محلها بعد الركعة الأولى، وقد وجدت الركعة الأولى؛ لأن الركعة تتقيد بسجدة واحدة، وإنما الثانية تكرار، ألا ترى أنه ينطبق عليها اسم الصلاة؟ حتى لو حلف لا يصلي فقيد الركعة بالسجدة يحنث، فكان أداء الركعة الثانية معتبرًا معتدًا به، فلا يلزمه إلا قضاء المتروك، بخلاف ما إذا قدم السجود على الركوع؛ لأن السجود ما صادف محله؛ لأن محله بعد الركوع لتقييد الركعة، والركعة بدون الركوع لا تتحقق فلم يقع معتدًا به، فهذا هو الفرق. وعلى هذا الخلاف إذا تذكر سجدتين من ركعتين في آخر الصلاة قضاهما، وتمت صلاته عندنا، ويبدأ بالأولى منهما ثم بالثانية؛ لأن القضاء على حسب الأداء، ثم الثانية مرتبة على الأولى في الأداء، فكذا في القضاء. أما إذا كان المتروك ركوعًا فلا يتصور فيه القضاء، وكذا إذا ترك سجدتين من ركعة واحدة؛ لأنه لا يعتد بالسجود قبل الركوع؛ لعدم مصادفته محله، فلو قرأ،

стр. 7282

وسجد قبل أن يركع، ثم قام إلى الثانية، فقرأ، وركع وسجد، فهذا قد صلى ركعة واحدة ملفقة، ولا يكون هذا الركوع قضاء عن الأول؛ لأنه إذا لم يركع لا يعتد بالسجود؛ لعدم مصادفته محله؛ إذ محله بعد الركوع. وكذا إذا افتتح فقرأ، وركع، ولم يسجد، ثم رفع رأسه، فقرأ ولم يركع، وسجد فهذا قد صلى ركعة واحدة، ولا يكون هذا السجود قضاء عن الأول؛ لأن ركوعه معتبر لمصادفته محله، إلا أنه توقف على أن يقيد بسجدة، فقيامه، وقراءته بعد ذلك غير معتد به؛ لعدم مصادفته محله، وسجوده بعد في محله، وكذا إذا قرأ و ركع، ثم رفع رأسه، فقرأ، وركع، وسجد؛ فإنما صلى ركعة والمعتبر الركوع الأول؛ لكونه صادف محله ولأن مدركه مدرك للركعة، فوقع الركوع الثاني مكررًا فيلغو، ويلحق سجوده بالركوع الأول، فتصح له ركعة كاملة، وكذا لو قرأ، ولم يركع، وسجد، ثم قام، فقرأ، وركع، ولم يسجد، ثم قام فقرأ ولم يركع، وسجد فإنما صلى ركعة واحدة. ويسجد للسهو في هذه المواضع، ولا تفسد صلاته إلا في رواية عن محمد: أن زيادة السجدة الواحدة كزيادة الركعة بناء على أصله أن السجدة الواحدة قربة، وهي سجدة الشكر، وعندهما السجدة الواحدة ليست بقربة إلا سجدة التلاوة، بخلاف ما إذا زاد ركعة كاملة؛ لأنه فعل صلاة كاملة فانعقد نفلًا، فصار منتقلًا إليها فلا يبقى في الفرض ضرورة (١). • ويناقش: بأن دعوى أن الترتيب بين السجدتين واجب، والترتيب بين الركوع والسجود فرض، لا يقوم على دليل أثري يمكن التسليم له، ولا دليلٍ نظري مُطَّردٍ، فالصحيح أن كل ركن في الصلاة مستقل بنفسه، لا فرق بين ركن لا يتكرر، وبين ركن يتكرر في كل ركعة، وإذا كنتم لا تعتبرون الركوع يتكرر، مع أنه يتكرر في كل ركعة، فكذلك لا تأثير لتكرر السجود، والحنفية يعدون القعدة الأخيرة فرض لا يتكرر، مع وجود قعدة أولى في الصلاة من جنسها، فلا يصح في التفريق أثر يمكن الاحتجاج به،

стр. 7283

ولا نظر مطرد يمكن التسليم له. وأما احتجاجهم بأن الترتيب بين الركعات ليس من الفروض بحجة أن ما يدركه المسبوق فهو آخر صلاته، فهذه مسألة خلافية، والأصح فيها أن ما يقضيه هو آخر صلاته، لرواية الصحيحين: (وما فاتكم فأتموا)، وسوف تأتي هذه المسألة في مبحث خاص في أحكام الائتمام بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. القول الثاني: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى أن من ترك ركنًا من أركان الصلاة سهوًا، فإما أن يكون النقص من الركعة الأخيرة أو من غيرها. فإن كان النقص من الركعة الأخيرة، فإن كان المتروك هو الفاتحة انتصب قائمًا، فقرأها، ثم أتم ركعته، وإن كان الركوع رجع قائمًا لينحط له من قيام، وندب له ليقرأ شيئًا من غير الفاتحة؛ ليكون ركوعه عقب قراءة، ثم يركع، ويتم ركعته. وإن كان المتروك الرفعَ منه رجع مُحْدَوْدِبًا، فإذا وصل الركوع اطْمَأَنَّ، ثم رفع، وأتم ركعته، وقال ابن حبيب: يرجع قائمًا. وإن كان المتروك السجود، فإن كان سجودًا واحدًا، سجده، وهو جالس، وأعاد التشهد، وسلَّم. وإن كان المتروك سجدتين، أتى بهما من قيام؛ لينحط لهما من قيام، فلو فعلهما من جلوس عمدًا كُرِه، ولم تبطل صلاته، وسهوًا يسجد لتركه قبل السلام، فالانحطاط لهما غير واجب. وإن كان النقص من غير الركعة الأخيرة، فإنه يأتي به على التفصيل السابق ما لم يعقد ركوعًا. وَعَقْدُ الركعة عند ابن القاسم: يكون برفع رأسه من ركوع يلي ركعة النقص، فإذا رفع رأسه من الركوع معتدلًا مطمئنًا فات التدارك، وبطلت ركعة النقص، وانقلبت الثانية أولى. وقال أشهب: عَقْدُ الركعة يكون بوضع اليدين على الركبتين. هذا ملخص القول في مذهب المالكية (١).

стр. 7284

قال في إرشاد السالك: «أما الأركان فلا يجزئ إلا الإتيان بها، ما لم يفت محل التلافي، فإن فات بطلت الركعة» (١). وقال الدردير: «من ترك ركنًا فإنه يتداركه إنْ لم يسلم، ولم يعقد ركوعًا، وإلا فات التدارك» (٢). وفوات التدارك يبطل الركعة التي ترك فيها الركن، ولا يبطل الصلاة، إلا إذا سلم، وطال الفصل عرفًا. • دليل المالكية على أن فوات الركن المتروك يكون بعقد الركوع أو بالسلام: أما فوات التدارك بعقد الركوع: لأن إدراك الركوع يحصل به إدراك الركعة، وتفوت الركعة بفواته، فما لم يرفع من الركوع فإن عليه أن يرجع إلى الركن المتروك، ويلغي كل فعل فعله بعده. وأما فوات التدارك بالسلام: فلأن السلام ركن حصل بعد ركعة بها خلل، فأشبه عقد الركوع في غيرها، فيأتي بركعة كاملة إن قرب سلامه، ولم يخرج من المسجد، وإلا ابتدأ الصلاة؛ لعدم بناء الركعة على ما قبلها. القول الثالث: مذهب الشافعية ذهب الشافعية إلى أن ما فعله بعد المتروك لغو؛ لوقوعه في غير محله، فإن تذكر المتروك قبل بلوغ مثله من ركعة أخرى رجع إليه فورًا وجوبًا، فإن تأخر بطلت صلاته، فلو شك في سجوده هل ركع، رجع إلى القيام؛ ليركع منه. وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله تمت به ركعته؛ لوقوعه عن متروكه، ولغا ما بينهما، وتدارك الباقي من صلاته، وسجد في آخرها للسهو. ولو تذكر في قيام الركعة الثانية أنه ترك سجدة من الأولى، فلا بد من الإتيان

стр. 7285

بها عند تذكره، ثم إن لم يكن جلس عقب السجدة المفعولة، فهل يكفيه أن يسجد عن قيام، أم لا بد أن يجلس مطمئنًا، ثم يسجد؟ وجهان، أصحهما: الثاني. فإن كان جلس عقب السجدة المفعولة، وقصد به الجلسة بين السجدتين، ثم غفل، فالمذهب أنه يكفيه السجود عن قيام، وقيل: على الوجهين. وإن قصد بجلسته الاستراحة، فالأصح أنه يكفيه السجود عن قيام، ويجزئه جلسة الاستراحة عن الواجب، كما لو جلس في التشهد الأخير يظنه الأول، فإنه يجزئه عن الأخير. والثاني: يجب الجلوس مطمئنًا (١). • وجه قول الشافعية: أن المصلي إذا ترك ركنًا، وهو في الصلاة لم يعتد بما فعله بعد الركن المتروك؛ لأن الترتيب بين أركان الصلاة فرض، فإذا فات الترتيب وقع الخلل في أفعال الصلاة، كما لو تقدم السجود على الركوع. فإن تذكر الركن المتروك قبل أن يصل إلى مثله في الركعة التالية لزمه الرجوع إلى الركن المتروك؛ ليأتي به، وبما بعده، ولا يجوز الاستمرار في أفعال الصلاة، وهي أفعال في غير محلها. وإن لم يتذكر الركن المتروك حتى فعل مثله في ركعة أخرى أجزأه عن متروكه، وكان ما بينهما لغوًا؛ لوقوعها سهوًا في غير محلها، وتدارك الباقي. القول الرابع: مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: من ترك ركنًا، فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها وحدها، وجعل الأخرى مكانها، ويتم صلاته، ويسجد للسهو، فإن رجع عالمًا عامدًا بطلت صلاته. وإن ذكره قبله عاد وجوبًا، فأتى به، وبما بعده، فإن لم يعد عمدًا بطلت صلاته،
следующие страницы →