← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.

стр. 7281

ولم يسجد، ثم قام فقرأ، وسجد، ولم يركع، فهذا قد صلى ركعة، وكذلك إن ركع أولًا، ثم قرأ، وركع، وسجد فإنما صلى ركعة واحدة، وكذلك إن سجد أولًا سجدتين، ثم قام فقرأ في الثانية، وركع، ولم يسجد، ثم قام فقرأ، وسجد في الثالثة، ولم يركع فإنما صلى ركعة واحدة، وكذلك إن ركع في الأولى ولم يسجد، وركع في الثانية، ولم يسجد، ثم سجد في الثالثة، ولم يركع، فإنما صلى ركعة واحدة» (١). • حجة الحنفية على هذه الفروع: أن الرجل إذا ترك سجدة صلبية من ركعة، ثم تذكرها آخر الصلاة قضاها، وتمت صلاته؛ لأن الركعة الثانية صادفت محلها؛ لأن محلها بعد الركعة الأولى، وقد وجدت الركعة الأولى؛ لأن الركعة تتقيد بسجدة واحدة، وإنما الثانية تكرار، ألا ترى أنه ينطبق عليها اسم الصلاة؟ حتى لو حلف لا يصلي فقيد الركعة بالسجدة يحنث، فكان أداء الركعة الثانية معتبرًا معتدًا به، فلا يلزمه إلا قضاء المتروك، بخلاف ما إذا قدم السجود على الركوع؛ لأن السجود ما صادف محله؛ لأن محله بعد الركوع لتقييد الركعة، والركعة بدون الركوع لا تتحقق فلم يقع معتدًا به، فهذا هو الفرق. وعلى هذا الخلاف إذا تذكر سجدتين من ركعتين في آخر الصلاة قضاهما، وتمت صلاته عندنا، ويبدأ بالأولى منهما ثم بالثانية؛ لأن القضاء على حسب الأداء، ثم الثانية مرتبة على الأولى في الأداء، فكذا في القضاء. أما إذا كان المتروك ركوعًا فلا يتصور فيه القضاء، وكذا إذا ترك سجدتين من ركعة واحدة؛ لأنه لا يعتد بالسجود قبل الركوع؛ لعدم مصادفته محله، فلو قرأ،

стр. 7282

وسجد قبل أن يركع، ثم قام إلى الثانية، فقرأ، وركع وسجد، فهذا قد صلى ركعة واحدة ملفقة، ولا يكون هذا الركوع قضاء عن الأول؛ لأنه إذا لم يركع لا يعتد بالسجود؛ لعدم مصادفته محله؛ إذ محله بعد الركوع. وكذا إذا افتتح فقرأ، وركع، ولم يسجد، ثم رفع رأسه، فقرأ ولم يركع، وسجد فهذا قد صلى ركعة واحدة، ولا يكون هذا السجود قضاء عن الأول؛ لأن ركوعه معتبر لمصادفته محله، إلا أنه توقف على أن يقيد بسجدة، فقيامه، وقراءته بعد ذلك غير معتد به؛ لعدم مصادفته محله، وسجوده بعد في محله، وكذا إذا قرأ و ركع، ثم رفع رأسه، فقرأ، وركع، وسجد؛ فإنما صلى ركعة والمعتبر الركوع الأول؛ لكونه صادف محله ولأن مدركه مدرك للركعة، فوقع الركوع الثاني مكررًا فيلغو، ويلحق سجوده بالركوع الأول، فتصح له ركعة كاملة، وكذا لو قرأ، ولم يركع، وسجد، ثم قام، فقرأ، وركع، ولم يسجد، ثم قام فقرأ ولم يركع، وسجد فإنما صلى ركعة واحدة. ويسجد للسهو في هذه المواضع، ولا تفسد صلاته إلا في رواية عن محمد: أن زيادة السجدة الواحدة كزيادة الركعة بناء على أصله أن السجدة الواحدة قربة، وهي سجدة الشكر، وعندهما السجدة الواحدة ليست بقربة إلا سجدة التلاوة، بخلاف ما إذا زاد ركعة كاملة؛ لأنه فعل صلاة كاملة فانعقد نفلًا، فصار منتقلًا إليها فلا يبقى في الفرض ضرورة (١). • ويناقش: بأن دعوى أن الترتيب بين السجدتين واجب، والترتيب بين الركوع والسجود فرض، لا يقوم على دليل أثري يمكن التسليم له، ولا دليلٍ نظري مُطَّردٍ، فالصحيح أن كل ركن في الصلاة مستقل بنفسه، لا فرق بين ركن لا يتكرر، وبين ركن يتكرر في كل ركعة، وإذا كنتم لا تعتبرون الركوع يتكرر، مع أنه يتكرر في كل ركعة، فكذلك لا تأثير لتكرر السجود، والحنفية يعدون القعدة الأخيرة فرض لا يتكرر، مع وجود قعدة أولى في الصلاة من جنسها، فلا يصح في التفريق أثر يمكن الاحتجاج به،

стр. 7283

ولا نظر مطرد يمكن التسليم له. وأما احتجاجهم بأن الترتيب بين الركعات ليس من الفروض بحجة أن ما يدركه المسبوق فهو آخر صلاته، فهذه مسألة خلافية، والأصح فيها أن ما يقضيه هو آخر صلاته، لرواية الصحيحين: (وما فاتكم فأتموا)، وسوف تأتي هذه المسألة في مبحث خاص في أحكام الائتمام بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. القول الثاني: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى أن من ترك ركنًا من أركان الصلاة سهوًا، فإما أن يكون النقص من الركعة الأخيرة أو من غيرها. فإن كان النقص من الركعة الأخيرة، فإن كان المتروك هو الفاتحة انتصب قائمًا، فقرأها، ثم أتم ركعته، وإن كان الركوع رجع قائمًا لينحط له من قيام، وندب له ليقرأ شيئًا من غير الفاتحة؛ ليكون ركوعه عقب قراءة، ثم يركع، ويتم ركعته. وإن كان المتروك الرفعَ منه رجع مُحْدَوْدِبًا، فإذا وصل الركوع اطْمَأَنَّ، ثم رفع، وأتم ركعته، وقال ابن حبيب: يرجع قائمًا. وإن كان المتروك السجود، فإن كان سجودًا واحدًا، سجده، وهو جالس، وأعاد التشهد، وسلَّم. وإن كان المتروك سجدتين، أتى بهما من قيام؛ لينحط لهما من قيام، فلو فعلهما من جلوس عمدًا كُرِه، ولم تبطل صلاته، وسهوًا يسجد لتركه قبل السلام، فالانحطاط لهما غير واجب. وإن كان النقص من غير الركعة الأخيرة، فإنه يأتي به على التفصيل السابق ما لم يعقد ركوعًا. وَعَقْدُ الركعة عند ابن القاسم: يكون برفع رأسه من ركوع يلي ركعة النقص، فإذا رفع رأسه من الركوع معتدلًا مطمئنًا فات التدارك، وبطلت ركعة النقص، وانقلبت الثانية أولى. وقال أشهب: عَقْدُ الركعة يكون بوضع اليدين على الركبتين. هذا ملخص القول في مذهب المالكية (١).

стр. 7284

قال في إرشاد السالك: «أما الأركان فلا يجزئ إلا الإتيان بها، ما لم يفت محل التلافي، فإن فات بطلت الركعة» (١). وقال الدردير: «من ترك ركنًا فإنه يتداركه إنْ لم يسلم، ولم يعقد ركوعًا، وإلا فات التدارك» (٢). وفوات التدارك يبطل الركعة التي ترك فيها الركن، ولا يبطل الصلاة، إلا إذا سلم، وطال الفصل عرفًا. • دليل المالكية على أن فوات الركن المتروك يكون بعقد الركوع أو بالسلام: أما فوات التدارك بعقد الركوع: لأن إدراك الركوع يحصل به إدراك الركعة، وتفوت الركعة بفواته، فما لم يرفع من الركوع فإن عليه أن يرجع إلى الركن المتروك، ويلغي كل فعل فعله بعده. وأما فوات التدارك بالسلام: فلأن السلام ركن حصل بعد ركعة بها خلل، فأشبه عقد الركوع في غيرها، فيأتي بركعة كاملة إن قرب سلامه، ولم يخرج من المسجد، وإلا ابتدأ الصلاة؛ لعدم بناء الركعة على ما قبلها. القول الثالث: مذهب الشافعية ذهب الشافعية إلى أن ما فعله بعد المتروك لغو؛ لوقوعه في غير محله، فإن تذكر المتروك قبل بلوغ مثله من ركعة أخرى رجع إليه فورًا وجوبًا، فإن تأخر بطلت صلاته، فلو شك في سجوده هل ركع، رجع إلى القيام؛ ليركع منه. وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله تمت به ركعته؛ لوقوعه عن متروكه، ولغا ما بينهما، وتدارك الباقي من صلاته، وسجد في آخرها للسهو. ولو تذكر في قيام الركعة الثانية أنه ترك سجدة من الأولى، فلا بد من الإتيان

стр. 7285

بها عند تذكره، ثم إن لم يكن جلس عقب السجدة المفعولة، فهل يكفيه أن يسجد عن قيام، أم لا بد أن يجلس مطمئنًا، ثم يسجد؟ وجهان، أصحهما: الثاني. فإن كان جلس عقب السجدة المفعولة، وقصد به الجلسة بين السجدتين، ثم غفل، فالمذهب أنه يكفيه السجود عن قيام، وقيل: على الوجهين. وإن قصد بجلسته الاستراحة، فالأصح أنه يكفيه السجود عن قيام، ويجزئه جلسة الاستراحة عن الواجب، كما لو جلس في التشهد الأخير يظنه الأول، فإنه يجزئه عن الأخير. والثاني: يجب الجلوس مطمئنًا (١). • وجه قول الشافعية: أن المصلي إذا ترك ركنًا، وهو في الصلاة لم يعتد بما فعله بعد الركن المتروك؛ لأن الترتيب بين أركان الصلاة فرض، فإذا فات الترتيب وقع الخلل في أفعال الصلاة، كما لو تقدم السجود على الركوع. فإن تذكر الركن المتروك قبل أن يصل إلى مثله في الركعة التالية لزمه الرجوع إلى الركن المتروك؛ ليأتي به، وبما بعده، ولا يجوز الاستمرار في أفعال الصلاة، وهي أفعال في غير محلها. وإن لم يتذكر الركن المتروك حتى فعل مثله في ركعة أخرى أجزأه عن متروكه، وكان ما بينهما لغوًا؛ لوقوعها سهوًا في غير محلها، وتدارك الباقي. القول الرابع: مذهب الحنابلة: قال الحنابلة: من ترك ركنًا، فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها وحدها، وجعل الأخرى مكانها، ويتم صلاته، ويسجد للسهو، فإن رجع عالمًا عامدًا بطلت صلاته. وإن ذكره قبله عاد وجوبًا، فأتى به، وبما بعده، فإن لم يعد عمدًا بطلت صلاته،

стр. 7286

وسهوًا أو جهلًا بطلت الركعة فقط على الصحيح من المذهب (١). • وحجة الحنابلة: أن المصلي إذا ترك ركنًا فإنه يجب العود إليه إن كان يمكن تداركه لوجوب الترتيب بين أفعال الصلاة، فإذا شرع في قراءة ركعة أخرى فات الاستدراك؛ لتلبسه بالركعة التي بعدها، وإنما علق الفوات بالقراءة، لا بمجرد القيام؛ لأن القيام ركن غير مقصود في نفسه؛ لأنه إنما يلزم منه قدر القراءة الواجبة، فكانت القراءة هي المقصودة، وليس القيام. • وأجيب عن ذلك بأجوبة منها: الجواب الأول: القول بأن القيام مقصود للقراءة هذه مسألة خلافية. قال الخرشي: «فإن عجز عنها -أي عن الفاتحة- سقط القيام … وقيل: القيام واجب مستقل، فلا يسقط القيام عمن عجز عن قراءتها» (٢). وقال إمام الحرمين: «القيام في الصلاة المفروضة ركن مقصود عندنا» (٣). وجاء في كشاف القناع: «القيام ركن مقصود في نفسه؛ لأنه لو تركه مع القدرة عليه لم يجزئه، فمع القدرة تجب القراءة والقيام بقدرها، فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر؛ لقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)» (٤). فلو لم يكن القيام مقصودًا في نفسه لم يلزم الأخرس؛ لأنه لا قراءة عليه. ولأن القيام بعد الركوع ركن، ولا قراءة فيه. ولأن القيام في نفسه تعظيم لله كالركوع، والسجود قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ

стр. 7287

قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمر بالقيام في الصلاة. وأثنى على المؤمنين بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]. ولما كان القيام فيه من التعظيم الذي لا يصرف إلا لله، كان النبي ﷺ يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه (١). ونهى النبي ﷺ أصحابه أن يصلوا خلفه قيامًا حين صلى قاعدًا في مرضه، وقال: إن كدتم تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود. رواه مسلم (٢). وقال ﷺ : من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار (٣)، الجواب الثاني: لا يمتنع أن يكون القيام مقصودًا للقراءة، ومقصودًا لنفسه في الوقت نفسه، كالوضوء؛ فإنه وسيلة للصلاة، ومقصود بذاته، فلو توضأ لغير الصلاة صح منه، وأثيب عليه. يقول ابن رجب في القواعد: «العاجز عن القراءة يلزمه القيام؛ لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضًا مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة» (٤). ولأن الأصل في الصلاة الأفعال، والأذكار تبع لها. (ح- ٢٥٩٦) وقد روى البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،

стр. 7288

عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (١). فعلق الجواز قاعدًا بشرط العجز عن القيام، وليس بشرط العجز عن القراءة. الجواب الثالث: أن ما قبل المتروك قد وقع في محله صحيحًا، فإبطاله لا دليل عليه، فلا يلزم المصلي إعادته، بل إن إعادته مع صحته يعتبر زيادة في صلاته، ويرى الحنابلة أن الركن المتروك لوكان في الركعة الأولى وأبطلت؛ لشروعه في قراءة الركعة الثانية؛ فإنه لا يشرع له إعادة دعاء الاستفتاح، وهذا يلزم منه أحد أمرين: إما وجود صلاة لا يشرع لها دعاء الاستفتاح بلا دليل، وإما تصحيح دعاء الاستفتاح، وهو جزء من ركعة باطلة، وهذا غير مستقيم؛ لأن الحكم بإبطال الركعة إبطال لكل ما فعل فيها. • الراجح: واضح أن المسألة ليس فيها نص يمكن أن يحسم الخلاف، وأرى أن أقرب الأقوال إلى الحق هو مذهب الشافعية. ويسجد للسهو لترك الركن، سواء أمكن تداركه، أم حكم بفواته. وأما محل السجود، فأفضليته على الخلاف في محله، وسبق بحثه: فالجمهور على أن السجود في هذه الصورة قبل السلام على خلاف بينهم في التعليل: فتعليل المالكية؛ لترتبه عن نقص. وتعليل الشافعية؛ لأن سجود السهو كله قبل السلام. وتعليل الحنابلة لأن كل سجود للسهو مما لم يرد فيه نص فأفضليته قبل السلام. أما الحنفية: فيرون سجود السهو كله بعد السلام، ومنه هذه الصورة، والله أعلم.

стр. 7289

البند الثاني إذا ترك الرفع من الركوع سهوًا المدخل إلى المسألة: • جاء الأمر بالرفع من الركوع حتى الاعتدال قائمًا، ومن السجود حتى الاطمئنان جالسًا، كما في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته. • حديث المسيء في صلاته عند أكثر الفقهاء خُرِّجَ مخرج البيان لما هو فرض في الصلاة. • لا يصح أن يكون الرفع مستحبًّا والإخلال به يجعل المصلي في حكم من لم يُصَلِّ؛ لقوله ﷺ : ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ. • فوات الرفع من الركوع يحكمه حكم ترك الركن في الصلاة على الصحيح، فتركه عمدًا يبطل الصلاة، وسهوًا يوجب تداركه إن أمكن، فإن فات لزمه ركعة، وسجد للسهو. • لا يفوت تدارك الركن بالشروع في القراءة من الركعة التالية، ولا في عقد الركوع، بل بالرجوع إلى الركن المتروك، أو بلوغ محله من الركعة التالية. • تجبر الركعة إذا حصل فيها نقص من الركعة التي تليها. [م- ٨٦٧] أفردت الرفع من الركوع بالبحث وإن كان داخلًا تحت بحث (ترك الركن الفعلي) على الصحيح، وذلك للاختلاف في ركنيته: فمن العلماء من يراه سنة، ومنهم من يراه واجبًا، ومنهم من يراه ركنًا. والخلاف فيه يجري في الخلاف في الجلوس بين السجدتين، وقد سبق عرض الخلاف في صفة الصلاة.

стр. 7290

[م- ٨٦٨] وقد اختلف العلماء في الرجل ينسى الرفع من الركوع إلى أقوال: فقيل: الرفع من الركوع سنة، وهو قول في مذهب الحنفية، نص عليه صاحب كنز الدقائق، فلو انحط من ركوعه ساجدًا صحت صلاته، وهي رواية علي بن زياد عن الإمام مالك، وهو في مقابل المشهور من المذهب (١). فعلى القول بأنه سنة: لا يشرع السجود لتركه سهوًا عند الحنفية؛ لأن الموجب لسجود السهو عند الحنفية ترك الواجب سهوًا، لا ترك المسنون. وأما المالكية فقالوا: لو خَرَّ من ركعته ساجدًا فإن كان ساهيًا سجد قبل السلام؛ لتركه السنة، وإن كان متعمدًا استغفر الله، ولا إعادة عليه (٢). وقيل: الرفع من الركوع واجب، فإذا تركه سهوًا فإنه يجبر بسجود السهو، وهو

стр. 7291

قول في مذهب الحنفية، ورجحه ابن الهمام وابن نجيم (١). جاء في البحر الرائق نقلًا من فتاوى القاضي خان: «المصلي إذا ركع، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خَرَّ ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو» (٢). وقيل: الرفع من الركوع فرض، وهو المشهور من مذهب المالكية، وبه قال ابن القاسم، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٣). وعليه يكون تداركه إذا فات كغيره من الأركان، وقد اختلفوا في طريقة تداركه، ومتى يحكم بفواته على ما سبق بيانه في ترك الركن: فقال المالكية: إذا نسي الرجل الرفع من الركوع، فإما أن يكون من الركعة الأخيرة، أو من غيرها: فإن كان من الركعة الأخيرة، فقال محمد بن المواز: رجع محدودبًا، فإذا وصل إلى محل الركوع اطمأن ثم رفع بنيته، وأتم ركعته، وهذا هو المشهور في المذهب. وقال ابن حبيب: يرجع قائمًا كالرفع من الركوع. وكأن ابن حبيب رأى أن القصد بالرفع من الركوع أن ينحط إلى السجود من

стр. 7292

قيام، فإذا رجع إلى القيام، وانحط منه إلى السجود، فقد حصل المقصود. وإن كان المتروك من غير الركعة الأخيرة، فإنه يأتي به على التفصيل السابق ما لم يعقد ركوعًا، فإذا رفع من الركوع فات التدارك، وبطلت التي تركه منها وحدها، وجعل الأخرى مكانها (١). وقال الشافعية: إذا نسي الرفع من الركوع من الركعة الأخيرة فإنه يرجع إليه وجوبًا، وما فعله بعده فهو باطل؛ لوقوعه في غير محله. وإن كان تركه من غير الركعة الأخيرة، فإن ما فعله بعد المتروك لغو؛ فإن تذكر المتروك قبل بلوغ مثله من ركعة أخرى رجع إليه فورًا وجوبًا، فإن تأخر بطلت صلاته، وإن لم يتذكر حتى بلغ مثله من الركعة التالية تمت به ركعته؛ لوقوعه عن متروكه ولغا ما بينهما، وتدارك الباقي من صلاته، وسجد في آخرها للسهو. وقال الحنابلة إن تركه من الركعة الأخيرة رجع إليه، وأتى به وبما بعده وجوبًا، فإن لم يعد عالمًا بطلت صلاته، وسهوًا أو جهلًا بطلت الركعة فقط على الصحيح من المذهب، وإن تركه من غيرها فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه منها وحدها، وجعل الأخرى مكانها، ويتم صلاته، ويسجد للسهو، فإن رجع عالمًا عامدًا بطلت صلاته (٢). ومسألة ركنية الرفع من الركوع قد ذكرت أدلتها في مبحث مستقل في المجلد العاشر، فانظرها هناك يا رعاك الله (٣).

стр. 7293

وأما مسألة تدارك الركن إذا وقع سهوًا في الصلاة فقد ذكرت أدلتها في مسألة إذا ترك ركنًا من أركان الصلاة، وتذكره، وهو في الصلاة في هذا المجلد، فارجع إليه منعًا للتكرار، وفقت للهدى والرشاد. • الراجح: سبق أن رجحت في مسألة ترك الركن مذهب الشافعية، والله أعلم

стр. 7294

البند الثالث إذا نسي أربع سجدات من أربع ركعات المدخل إلى المسألة: • من ترك ركنًا غير النية وتكبيرة الإحرام وأمكن تداركه وجب ذلك شرطًا لصحة الركعة، بله لصحة الصلاة. • كل ركن وقع في غير ترتيبه من الصلاة لا يعتد به. • إذا ترك المصلي ركنًا فما فعله بعده لغو؛ لوقوعه في غير محله، وعليه الرجوع ما لم يصل إلى محله من الركعة التالية. • وصول المصلي إلى محل الركن المتروك من الركعة التالية بمنزلة الرجوع إلى المتروك؛ لإبطاله ما بينهما. • لا يفوت تدارك الركن بالشروع في القراءة من الركعة التالية، ولا في عقد الركوع، بل بالرجوع إلى الركن المتروك، أو بلوغ محله من الركعة التالية. • تجبر الركعة إذا حصل فيها نقص من الركعة التي تليها. [م- ٨٦٩] اختلف العلماء في الرجل ينسى أربع سجدات من أربع ركعات، فيتذكر ذلك. فقيل: يسجد في الحال أربع سجدات، ثم يتشهد، ويسلم، ويسجد للسهو، وهذا مذهب الحنفية، وبه قال الثوري، والحسن (١). • وجه قول الحنفية: قول الحنفية مبني على حكم الترتيب بين أركان الصلاة، فالترتيب عندهم منه

стр. 7295

ما يكون فرضًا، وذلك فيما شرع غير مكرر من أفعال الصلاة، كالتحريمة، والقعدة الأخيرة، ومثله ما شرع غير مكرر في الركعة الواحدة، كالقيام، والقراءة، والركوع والسجود، ومنه ما هو واجب، وليس بفرض، وذلك بين ما يتعدد في كل الصلاة كالركعات، أو يتعدد في كل ركعة، كالترتيب بين السجدتين. فإذا ترك سجدة من كل ركعة، فالترتيب بين السجدتين ليس بفرض، فالركعة تتقيد عندهم بسجدة واحدة، والثانية تكرار، فإذا ترك الترتيب بين السجدتين عمدًا أثم، وصلاته صحيحة، وإن تركه سهوًا سقط الترتيب، ويقضيها إذا تذكرها في الصلاة، ولو في غير محلها، فإذا تذكر في التشهد أنه ترك أربع سجدات من أربع ركعات قضاها، وأعاد التشهد، وسجد للسهو. وقد ناقشت هذا القول في مبحث سابق، فارجع إليه، فلا حاجة لتكراره. وقيل: يسجد سجدة ثانية، فتصح له ركعة، ويأتي بثلاث ركعات، وهذا مذهب المالكية، ومذهب الحنابلة، قال المرداوي: هذا المذهب، نص عليه في رواية الجماعة، وعليه أكثر الأصحاب (١). • وجه بطلان الركعات السابقة عند المالكية: أن المصلي حين نسي سجدة من الركعة الأولى، ثم عقد ركوعًا في الركعة

стр. 7296

التي تليها فقد فات تدارك الركن في الركعة الأولى، فبطلت، فإذا عقد الركوع في الركعة الثالثة بطلت الثانية، وإذا عقد الركوع في الركعة الرابعة بطلت الثالثة، فلم يبق معه إلا الركعة الأخيرة، وقد سجد سجدة واحدة، فيسجد الأخرى، وتصح له ركعة واحدة، ويبقى عليه ثلاث ركعات، لتصح صلاته، ويسجد للسهو (١). ويجري بطلان الصلاة عند المالكية على كثرة السهو، فتبطل عند من يرى البطلان بزيادة النصف، وهو قول في مذهب المالكية (٢). • بطلان الركعات السابقة عند الحنابلة: توجيه بطلان الركعات الثلاث: فلأن كل ركعة ترك منها سجدة قد بطلت بشروعه في قراءة الركعة التي تليها، فحين شرع في قراءة الركعة الثانية بطلت الأولى، وحين شرع في قراءة الثالثة بطلت الثانية، وحين شرع في قراءة الرابعة بطلت الثلاثة، فلم يبق إلا الركعة الأخيرة، حيث لم يسجد فيها إلا سجدة، فكان عليه أن يسجد الثانية حين ذكر، فتتم له ركعة، ثم يأتي بثلاث ركعات، فتصح صلاته، ويسجد للسهو. وقيل: يصح له ركعتان، وهذا مذهب الشافعية، ذكرها بعضهم رواية عن أحمد، وبعضهم ذكرها وجهًا (٣).

стр. 7297

• وجه قول الشافعية: أن النقص في الركعة الأولى تجبر من الركعة الثانية؛ لأنه لما قام إلى الثانية سهوًا قبل إتمام الأولى كان عمله لغوًا لوقوعه في غير محله، فلما سجد في الثانية انضمت إلى السجدة الأولى، فصح له ركعة من مجموع الركعة الأولى والثانية، وجبرت الثالثة من الرابعة بنفس الطريقة، فصح له ركعة أخرى من مجموع الثالثة والرابعة، فصح له ركعتان، فيصلي ركعتين، ويسجد للسهو. وقيل: تبطل صلاته، وهو رواية عن الإمام أحمد (١). • وجه القول بالبطلان: علل الإمام أحمد بطلان الصلاة بأن هذا كأنه متلاعب في صلاته. وعلل بعضهم بأن المصلي قد عمل عملًا كثيرًا في صلاته غير معتد به، فما بين التحريمة والركعة المعتد بها ثلاث ركعات باطلة، وهو عمل كثير، لهذا بطلت الصلاة. وقيل: لا يصح له إلا تكبيرة الإحرام، وهو رواية عن أحمد، ذكرها الآمدي، ونقلها الميموني، وبه قال الليث (٢). قال أحمد: «كل ركعة معقودة بسجدتين، فإذا لم يأت في ركعة بسجدتين لم يعتد بتلك الركعة» (٣). فلم يبق له إلا تكبيرة الإحرام. وهذا قد يصدق على الركعة الأولى والثانية والثالثة، أما الركعة الرابعة فلا زال فيها، ويمكنه تدارك ما فاته، والله أعلم. • الراجح: الترجيح سيكون بين مذهب الشافعية أن المصلي قد صح له ركعتان، وبين

стр. 7298

مذهب المالكية والحنابلة: أنه قد صح له ركعة واحدة، وأما مذهب الحنفية، والتفريق بين الأركان فهو قول ضعيف، كما بينته في مسألة سابقة، وأما القول بإبطال الصلاة؛ لكثرة السهو، فلا دليل عليه. وإذا كان الراجح أن الركن المتروك لا يفوت بالشروع في القراءة في الركعة التالية كما هو مذهب الحنابلة، ولا يفوت بعقد الركوع في الركعة التالية كما هو مذهب المالكية، وأن كل ركن وقع في غير ترتيبه لا يعتد به، وأن عليه الرجوع إلى الركن المتروك ما لم يبلغ محله من الركعة التالية؛ لفوات الرجوع، بل هو بمنزلة الرجوع إلى الركن المتروك؛ لإبطاله ما بينهما، صار ما يصح له من صلاته ركعتان، وبقي عليه ركعتان، ويسجد للسهو، والله أعلم.

стр. 7299

البند الرابع إذا ترك ركنًا من أركان الصلاة وتذكره بعد السلام الغصن الأول أن يتذكر ذلك عن قرب المدخل إلى المسألة: • سلم النبي ﷺ في صلاة الظهر من ركعتين سهوًا، فأخبر بذلك، فعاد إلى الصلاة، وبنى على ما صلى. • ما صح فيه البناء على ركعة كاملة، صح البناء فيه على بعض الركعة، فالإدراك والفوات لا يتجزأ. • إذا كان السلام لم يبطل الركعة الكاملة لم يبطل بعض الركعة إذا كانت صحيحة، والعكس صحيح، فما أبطل البناء على بعض الركعة أبطل البناء على الركعة الكاملة. • إذا كان السلام سهوًا لا أثر له في التحلل من الصلاة، لم يكن له أثر في إبطال ما صلاه إذا وقع صحيحًا في محله، ولو كان بعضًا من ركعة. • الركعة الأخيرة التي حصل فيها خلل ما وقع منها صحيحًا فهو على الصحة، والأصل عدم البطلان، وما بقي منها يجب إتمامه؛ كما لو حصل الخلل أثناء الصلاة، وقبل السلام. • تدارك الركن إذا نسيه المصلي لا يختلف حكمه في أثناء الصلاة عن تداركه بعد السلام سهوًا؛ لأن السلام سهوًا لغوٌ. • إذا كان الكلام، والانحراف عن القبلة، والمشي سهوًا لا يمنع من البناء مع كونها أفعالًا أجنبية، لم يعد السلام سهوًا، وهو من جنس أفعال الصلاة خللًا مانعًا من البناء على بعض الركعة إذا كان المتروك في الركعة الأخيرة.

стр. 7300

[م- ٨٧٠] إذا سلَّم المصلي قبل إتمام صلاته، وقد بقي عليه شيء من أركان الصلاة، وتذكر ذلك عن قرب بني على ما صلَّى، وهو قول الأئمة الأربعة، على خلاف بينهم، أيرجع بإحرام، وهو المشهور من مذهب المالكية، أم يبني بغير إحرام؛ لأن سلامه كان عن سهوٍ فلا يخرجه عن حرمة الصلاة، وهو مذهب الجمهور، وقول في مذهب المالكية (١).

стр. 7301

وطريقة البناء عند المالكية: إما أن يكون الركن المتروك السلام، أو غيره: فإن كان المتروك غير السلام فإنه يلغي ركعة النقص، ويبني على ما معه من الركعات، من غير فرق بين أن يكون الركن المتروك من الركعة الأخيرة أو من غيرها، ويصلي ركعة بدلًا عن ركعة النقص. وإن كان المتروك هو السلام فهو على خمسة أقسام: الأول: إن قرب جدًّا، ولم يفارق موضعه ولم ينحرف عن القبلة، فلا سجود، ولا تشهد؛ لأنه لم يحصل منه فعل. الثاني: إن انحرف عن القبلة انحرافًا كثيرًا سجد للسهو فقط، ولا تشهد. فإن انحرف عن القبلة يسيرًا اعتدل وسلم، ولا شيء عليه؛ لأن الانحراف عن القبلة سهوًا من أسباب سجود السهو عند المالكية. الثالث والرابع: إن فارق موضعه، ولم يُطِل، أو لم يفارق الموضع وطال طولًا لا يمنع من البناء (أي طولًا متوسطًا) فإنه يرجع، فيجلس، ثم يكبر، ويعيد التشهد استنانًا، ويسجد للسهو بعد السلام. الخامس: إن طال جدًّا بطلت الصلاة (١).

стр. 7302

ولم يدخل التشهد في القسمة؛ لأن التشهد والجلوس له سنة عند المالكية (١). وطريقة البناء عند الحنابلة، لا يخلو المتروك من حالين: الأول: أن يكون المتروك تشهدًا أخيرًا أو سلامًا، فيأتي به، ويسجد، ويسلم؛ لأن ما قبل المتروك وقع في محله صحيحًا. الثاني: أن يكون الركن ما عدا ذلك، كما لو ترك ركوعًا أو سجودًا. فقيل: يلغي ركعة النقص، ويأتي بركعة كاملة بدلًا عنها، من غير فرق بين أن يكون الركن المتروك في الركعة الأخيرة أو في الركعة الأولى، ويسجد لها قبل السلام بخلاف ما إذا ترك ركعة تامة فإنه يسجد لها بعد السلام، وهو المشهور من المذهب (٢). قال في كشاف القناع: «فإن علم بالمتروك بعد السلام فهو كتركه ركعة كاملة» (٣). وظاهره من غير فرق بين أن يكون الركن المتروك من الركعة الأخيرة، أو من غيرها. وقيل: يأتي بالركن وبما بعده، واستحسنه ابن تميم وابن حمدان. وقيل: تبطل صلاته، نقله الأثرم وغيره عن أحمد، واختاره أبو الخطاب (٤). وهذا القول هو أضعفها؛ لأنه مخالف لأحاديث الصحيحين وغيرهما. وطريقة البناء عند الشافعية: إن ترك ركعة كاملة ناسيًا وذكرها بعد السلام أتى بها إن لم يتطاول الفصل، فإن تطاول استأنف (٥).

стр. 7303

وإن كان المتروك ركنًا: فإن كان من الركعة الأخيرة أتى به وبما بعده، فلو ترك سجدة من الركعة الأخيرة سجد، ثم تشهد؛ لوقوع تشهده في غيره محله. وإن كان المتروك من غير الركعة الأخيرة: لزمه أن يأتي بركعة تامة؛ لأن الناقصة كملت بسجدة من التي بعدها، وأُلْغِي باقيها، ويسجد للسهو. وإن كان المتروك هو السلام فإن تذكره عن قرب سلم، ولم يسجد للسهو (١). هذه طريقة البناء عند الجمهور. • ومستند الفقهاء على صحة البناء في الجملة إذا لم يطل الفصل: (ح-٢٥٩٧) ما رواه البخاري ومسلم، من طريق مالك، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع. ورواه مسلم من طريق ابن عيينة، عن أيوب به (٢). (ح-٢٥٩٨) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،

стр. 7304

عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (١). وجه الاستدلال من الحديثين: إذا كان ترك الركعة والركعتين لا يمنع من البناء على ما صلى، فمن باب أولى أن يكون ترك الركن من الركعة كذلك. • وأما تعليل المالكية والحنابلة على إبطال ركعة النقص مطلقًا: علل المالكية إبطال الركعة التي حصل فيها النقص: بأن التدارك يفوت بالسلام، لكون السلام ركنًا حصل بعد ركعة بها خلل، فأشبه عقد الركوع في غيرها، فكان عليه أن يأتي بركعة كاملة. وعلل الحنابلة إبطال ركعة النقص، قالوا: إن الركعة التي حصل فيها النقص قد لغت بالسلام، فصار وجودها كعدمها، فلا يصح البناء (٢). ولهذا طرد الحنابلة عدم البناء على بعض الركعة بعدم البناء على بعض الشوط في الطواف بالكعبة إذا قطعه الطائف في أثناء الشوط للصلاة المكتوبة، فقالوا: إذا أراد العود فإنه يبني على طوافه، ولكن لا يعتد ببعض الشوط، فالشوط الذي قطعه يبطل وحده، وعليه إعادته، وهي مسألة خلافية (٣).

стр. 7305

• ويناقش: أما تعليل المالكية بأن الركن يفوت تداركه بالسلام؛ لأن السلام ركنٌ حصل بعد ركعة حصل فيها خلل. • فالجواب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن السلام سهوًا لا يعد ركنًا؛ لوقوعه في غير محله، فهو لَغْوٌ، ولهذا عاد، وبنى على ما صلى، ولا يتصور أن السلام (التحلل من الصلاة) يقع في أثناء الصلاة، وإذا كان في حكم العدم كيف يعد ركنًا، والركعة الأخيرة التي حصل فيها خلل، ما وقع منها صحيحًا فهو على الصحة، والأصل عدم البطلان، وما بقي منها يعود ليصححه؛ كما لو حصل الخلل أثناء الصلاة وقبل السلام؛ فتدارك الركن لا يختلف حكمه في أثناء الصلاة عن تداركه بعد السلام سهوًا، لأنه إذا لم يعتبر الكلام والانصراف من الصلاة، وهي أفعال ليست من جنس الصلاة إذا لم تعتبر خللًا يمنع من البناء، لم يعتبر السلام، وهو من جنس أفعال الصلاة خللًا يمنع من البناء، ولا فرق في البناء بين أن يبني على ركعة كاملة أو يبني على بعض الركعة؛ فالركعات كما يبنى بعضها على بعض، كذلك له أن يبني في الركعة الواحدة بعضها على بعض، والتفريق في البناء تفريق لا دليل عليه. الوجه الثاني: القول بأن الركن يفوت تداركه بالسلام هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على فواته بالسلام. ويقال للحنابلة إذا كان السلام لم يبطل الركعة الكاملة لم يبطل بعض الركعة، فأين الدليل على أن الركعة إذا حصل فيها نقص، ثم سلَّم عنها بطلت بالسلام، ولو صح إبطال بعض الركعة بالسلام لكان ذلك يسري إلى إبطال سائر الركعات، فما يفسد بعض الصلاة يفسدها كلها، فتعليل الحنابلة كتعليل المالكية كل ذلك دعوى في محل النزاع بلا دليل. فالصحيح أن المصلي إذا سلم ساهيًا عن نقص فالسلام وجوده كعدمه، وإذا

стр. 7306

حكم له بالعدم فقد عاد إلى الصلاة فإن كان قد ترك الركن من الركعة الأخيرة أتى بالركن المتروك وبما بعده. وإن كان الركن المتروك في غير الركعة الأخيرة لزمته ركعة، أما كيف ترتب عليه ركعة كاملة فانظر توجيهه إن شاء الله تعالى في الكلام التالي، منعًا للتكرار، والله أعلم. • وأما وجه تفريق الشافعية بين الركعة الأخيرة وغيرها: قالوا: إن كان النقص من الركعة الأخيرة فيأتي بالركن الذي تركه وبما بعده فقط، فلو ترك سجدة من الركعة الأخيرة سجدها، وأعاد تشهده، ولم يبطلوا باقي الركعة بلا مبطل، والأصل أن ما صلاه صحيحًا فهو على الصحة، وإنما الخلل فيما وقع بعد الركن المتروك حيث وقع في غير محله، فإذا أتى بالركن المتروك وبما بعده فقد صحت ركعته. وإن كان النقص في غير الركعة الأخيرة، كما لو حدث في الركعة الأولى فقد أكملت من الركعة التي تليها؛ لأنه حين وصل إلى محل الركن المتروك، صارت الركعة الثانية هي الركعة الأولى، ولغى ما بينهما؛ لوقوعه في غير محله، فيكون قد بقي عليه ركعة؛ لأن الثانية صارت الأولى، والثالثة صارت ثانية، والرابعة صارت ثالثة، فحين سلم يكون قد سلم عن ثلاث؛ فلزمته ركعة. هذا هو الفرق بين قول الشافعية وبين قول المالكية والحنابلة. فلا فرق في الحكم عند الشافعية بين أن يتذكر الركن المتروك قبل السلام، أو يتذكره بعد السلام، إذا لم يطل الفصل. قال الرافعي في فتح العزيز: «الحكم لو تذكر السهو في المسائل المذكورة بعد السلام إن لم يطل الفصل، فهو كما لو تذكره قبل السلام، بلا فرق، وإن طال وجب الاستئناف» (١). وقال في تحفة المحتاج: «فلو تيقن في آخر صلاته، أو بعد سلامه قبل طول الفصل .... تَرْكَ سجدة من الركعة الأخيرة سجدها، وأعاد تشهده؛ لما مر (يعني

стр. 7307

لوقوعه في غير محله) أو من غيرها: أي الأخيرة، لزمه ركعة؛ لكمال الناقصة بسجدة مما بعدها، وإلغاء باقيها» (١). فلم يختلف الحكم عند الشافعية في ترك السجدة ساهيًا بين علمه بذلك قبل السلام، أو علمه بذلك بعده. وهذا ما رجحه شيخ شيخنا عبدُ الرحمن السعدي، قال في الإرشاد: «وأما النقصان … فإن كان عن نقص ركن، وذكره قبل السلام، وقبل شروعه في قراءة الركعة التي بعد المتروك منها لزمه أن يأتي به وبما بعده، وإن كان بعد شروعه في قراءة التي بعدها فكذلك على الصحيح … إن لم يصل إلى محله فلا حاجة إلى الرجوع؛ لأنه قد حصل الوصول إليه ..... وإن ذكر المتروك بعد السلام فكتركه قبله على الصحيح» (٢). • الراجح: بعد استعراض الأقوال أجد مذهب الشافعية هو الأقوى، وأنه لا فرق بين أن يتذكر الركن المتروك قبل السلام، أو بعده؛ لأن سلامه ساهيًا لا حكم له، ولا تأثير له على صلاته إذا لم يطل الفاصل، فإذا كان المتروك من الركعة الأخيرة أتى بالركن المتروك وبما بعده، وكأنه لم يسلم من صلاته؛ لأن البناء على ما صلى دليل على إلغاء كل ما حدث بسبب السهو، من سلام، أو كلام. وإن كان المتروك من غير الركعة الأخيرة أتى بركعة كاملة، وقد علمت توجيه ذلك، والله أعلم.

стр. 7308

الغصن الثاني أن يتذكر ترك الركن بعد طول الفصل المدخل إلى المسألة: • الصلاة عبادة واحدة يبنى أولها على آخرها، لا يجوز تفريق أبعاضها إلا بشرطين، أن يكون الفاصل يسيرًا، وأن يكون لعذر كالسهو. • الأصل في أفعال الصلاة الموالاة، وأن تفريقها عمدًا يبطل الصلاة بالإجماع، فمن جوَّز تفريقها فعليه بالدليل السالم من النزاع. • اغتفر الفاصل اليسير؛ للنصوص الصحيحة؛ ولأنه لا يمكن التحرز منه. • الشريعة قائمة على التفريق بين اليسير والكثير، كالنجاسة، وانكشاف العورة، ويسير الغرر، بخلاف الكثير والطويل إلا ما ورد النص فيه بعدم العفو، كالربا، قال ﷺ : من زاد أو استزاد فقد أَرْبى. • لم يحفظ في النصوص أن النبي ﷺ سها، ثم تدارك ذلك في وقتٍ يجمع الناس على أن مثله فاصل طويل. • التعليق بالشرط والاستثناء في الكلام إنما يصح إذا كان ذلك موصولًا، فإذا طال الفصل لم يلحق بالكلام، وحكي إجماعًا (ينظر أصول البزدوي)، فكذلك ركعات الصلاة. • لم يتفرق الناس في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، ولا في حديث عمران إلا السرعان مما يدل على قرب الفاصل، ولهذا بنى النبي ﷺ على صلاته في الواقعتين. • القول بأن التحديد ليس له ضابط، إن كان المقصود أنه لم يأت في الشرع تقديره، فهذا مسلم، ولكنه ليس بشرط، فالمسافة في السفر لم يأت في السنة المرفوعة تقديرها، وكذا كثير من التقديرات الشرعية لا فرق فيها بين العبادات والمعاملات.

стр. 7309

[م- ٨٧١] اختلف الفقهاء في الرجل يسلم ناسيًا قبل إتمام صلاته، وقد طال الفصل: فقيل: إذا طال الفصل استأنف الصلاة، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). وقيل: يبني، وإن طال الفصل، وهو ظاهر مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وبه قال الليث، ومكحول، والضحاك، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والحسن بن حي، ورواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (٢).

стр. 7310

قال مكحول ومحمد بن أسلم في المصلي ينسى سجدة أو ركعة: يصليها متى ما ذكرها، ويسجد للسهو، وقال الأوزاعي لرجل نسي سجدة من صلاة الظهر فذكرها في صلاة العصر يمضي في صلاته، فإذا فرغ سجد (١). وقال القرطبي: «وسبب الخلاف: هل ما وقع في قصة ذي اليدين كثير أو قليل، ثم اختلف في الطول ما هو؟ فقيل: يرجع في ذلك إلى العرف. وقيل: ما لم ينتقض وضوؤه، وروي هذا الأخير عن ربيعة ومالك» (٢). • دليل من قال: يستأنف الصلاة: الصلاة عبادة واحدة يبنى بعضها على بعض، والموالاة بين ركعاتها شرط لصحتها، والتفريق الطويل يضر بها، ولا يمكن أن يتصور أن المصلي يصلي من

стр. 7311

الظهر ركعتين ثم يتذكر ذلك بعد شهر، فيتم صلاته، ولأن التفريق الطويل يغير من هيئة الصلاة، فتفسد. وإذا كان الفاصل الطويل يقطع الكلام حتى لا يبنى بعضه على بعض، فكيف لا يقطع ركعات الصلاة، فلو أن الرجل حلف بالله على فعل أمر، أو على تركه، ثم قال بعد يوم أو يومين: إن شاء الله، أو استثنى، لم ينفعه التعليق والاستثناء، لانقطاع الكلام بوجود فاصل طويل يمنع من الإلحاق، فكذلك ركعات الصلاة. ولو كان الاستثناء في اليمين ينفع مطلقًا لما قال الله لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]. ولأرشده الله تعالى إلى التعليق، أو الاستثناء. وكما تجب الموالاة في قراءة الفاتحة، فإن السكوت الطويل يقطع موالاتها. • دليل من قال: يصح البناء مع طول الفصل: الدليل الأول: (ح-٢٥٩٩) روى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (١). وفي الباب حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وهو في الصحيحين. وجه الاستدلال من الحديثين: أن السلام من الصلاة وقع سهوًا، فلم يحصل به التحلل الشرعي، بدليل أن النبي ﷺ بنى على ما صلى، فإذا كان سلامه ﵊ من الصلاة بنية التحلل، وعزوبه عن نية الصلاة، واستدباره للقبلة، وكلامه مع أصحابه، ومشيه

стр. 7312

حتى دخل منزله ﵊، ثم مشيه حتى خرج منه إلى أن وقف في الصف كل هذه الأفعال لم تمنع من البناء، مع أن الواحد منها منافٍ للصلاة، فكيف إذا اجتمعت؟! فكذلك لا يمنع من البناء طول الفصل بجامع العذر، ما لم ينتقض وضوؤه؛ لأن بطلان الطهارة بطلان للصلاة على الصحيح. قال ابن رجب: «في حديث عمران بن حصين ما يدل على البناء مع طول الفصل» (١). • ونوقش هذا: لا نسلم أن الفاصل في حديث عمران فاصل طويل، بدليل أن الناس لم يتفرقوا من مصلاهم، وليس هذا تحديدًا بالمكان، فالخروج نفسه من المسجد غير مؤثر على الصحيح إذا قرب الفاصل، ولكن تفرق جماعة المصلين عادة يكون علامة على طول الفصل، ولهذا لم يتفرق الناس في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، ولا في حديث عمران مما يدل على قرب الفاصل، ولهذا بنى النبي ﷺ على صلاته في الواقعتين، فالحوار الذي دار بين النبي ﷺ وأصحابه في حديث أبي هريرة لا يخرج عن جملتين أو ثلاث (أحقًا ما يقول ذو اليدين، قالوا: نعم) فهو ليس يسيرًا، بل يسير جدًّا، وفي حديث عمران بن الحصين كان الفاصل أطول، ولكن بيت النبي ﷺ كان بجوار المسجد، وما بين الروضة وحجرات النبي ليس بالبعيد، فالذي يظهر أن النبي ﷺ كان قد بادر بالخروج من المسجد؛ لأنه لو مكث مكانه لاستوثق الصحابة من سهو النبي ﷺ قبل أن يقوم، ولكن حال دون ذلك -والله أعلم- مبادرة النبي ﷺ بالخروج من مسجده قبل أن يستوثق الصحابة من وقوع السهو من النبي ﷺ حتى إذا استوثقوا من حصول السهو بمراجعة بعضهم لبعض طرقوا على النبي ﷺ بابه، فأخبروه، فمثله لا يخرج عن حد اليسير، والله أعلم. الدليل الثاني: أن تحديد الفاصل سواء أكان بالمكان كالخروج من المسجد، أم بالزمان

стр. 7313

كالطول لا أصل له في الشرع، والأصل عدم التحديد، ولأن التحديد فيهما ليس له ضابط، أو حَدٌّ معروفٌ في عادات الناس ليرجع إليه، ولم يدل على ذلك دليل شرعي، ولم يفرق الدليل الشرعي في السجود والبناء بين طول الفصل وقصره، ولا بين الخروج من المسجد والمكث فيه، فمن فرق فعليه الدليل، ولو كان قصر الفصل شرطًا في صحة البناء لجاءت النصوص في بيان حدِّه وقد اختلف الفقهاء في تقديره مما يدل على ضعف اشتراطه، فمنهم من يقدره بالعرف، ومنهم من يقدره بأن يكون أقل من مقدار الركعة، ومنهم من يعتبر قرب الفاصل بالقدر الذي نقل عن النبي ﷺ في خبر ذي اليدين، والطول بما زاد عليه، وقيل: الفصل القريب: ما بين الخطبة والشروع في الصلاة إلى غيرها من الأقوال الذي تدل على أن المسألة ليس فيها سنة متبعة. • ونوقش هذا من وجوه: الوجه الأول: القول بأن التحديد بالفاصل الطويل لا أصل له في الشرع، ولم يدل على ذلك دليل شرعي، يقال: هل الأصل في أفعال الصلاة الموالاة أو التفريق، فإن كان الأصل في أفعال الصلاة الموالاة، وأن تفريقها عمدًا يبطل الصلاة بالإجماع كان من يجوِّز تفريقها هو المطالب بالدليل السالم من النزاع حتى يسلم له ما يقول، ولم يحفظ في النصوص أن النبي ﷺ سها، ثم تدارك ذلك في وقت يجمع الناس على أن مثله فاصل طويل، وإنما اغتفر الفاصل اليسير للعذر، وللنصوص الصحيحة، ولأنه لا يمكن التحرز منه، ولأن الشريعة قائمة على التفريق بين اليسير والكثير في كثير من المحظورات، كالنجاسة، وانكشاف العورة، بخلاف الفاصل الطويل، ولأن الفاصل الطويل بين أفعال الصلاة منافٍ للصلاة، كما ينافيه الأكل والشرب والحدث، وأما حديث أبي هريرة وحديث عمران فهو من تحقيق المناط، أحصل فيها فاصل طويل أم فاصل يسير، فالجمهور على أن الفاصل فيها من الفاصل اليسير، والمخالف يدعي أنها من الفاصل الطويل، وأما القول بأن التحديد بالطويل لا أصل له في الشرع فهذا قول ما أبعده عن الصواب.

стр. 7314

الوجه الثاني: القول بأن التحديد ليس له ضابط، إن كان المقصود أنه لم يأت في الشرع تقديره، فهذا مسلم، ولكنه ليس بشرط، فالسفر لم يأت في الشرع تقديره، وهو يتعلق بركنين من أركان الإسلام القصر والفطر، وقد اختار ابن تيمية ﵀ تقديره بالعرف مع صعوبة مثل هذا التقدير، فتقدير الفاصل الطويل من القصير لا يختلف فيه أكثر الناس، وليس هذا هو المثال الوحيد الذي ترك الشرع تقديره إلى الناس؛ لإمكان ضبطه عند كثير من الناس، ولا عبرة بالمتشدد، ولا بالمتساهل. الوجه الثالث: رد جميع الأقوال لتعدد الأقوال في المسألة ليس منهجًا أصوليًا لا في اختلاف الأقوال، ولا في تعارض الأدلة، فيتبع من الخلاف أقربها للصواب، ومن الأدلة أرجحها، وأكثر مسائل الفقه هي محل خلاف، أكان الخلاف مسوغًا لردها كلها، فهذه الصلاة التي تؤدى جماعة في اليوم خمس مرات قد اختلف العلماء في مسائل كثيرة ليس أقلها قراءة المأموم، والبسملة، والتأمين، والجهر بالتكبيرات، فما بالك بمسائل لا تعرض للمصلي إلا استثناء كالسهو، فالاختلاف فيها سيكون أكثر من غيرها، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الموالاة بين أفعال الصلاة شرط يسقط بالعذر، كالسهو، والخوف، والعجز كسائر الشروط، فإذا سلم ساهيًا، فإنه يبني متى ما تذكر ذلك ولو طال الفصل. • ويجاب: أما الخوف والعجز فهو متعلق بالقدرة، والواجبات كلها يشترط للتكليف بها أن يكون قادرًا على فعلها، فالعجز والخوف من أسباب رفع التكليف أو تخفيفه، بخلاف النسيان والسهو والنوم فلا يرفع التكليف، وإنما يسقط به الأداء حال السهو والنوم، والله أعلم، ولذلك إذا سها عن ركن فإنه يطالب بتداركه إن أمكن، أو الإتيان بركعة. وأما القول بأن السهو عذر يسقط معه شرط الموالاة، ولو كان طويلًا، فهذه دعوى

стр. 7315

في محل النزاع، فأين ا لدليل على أن الموالاة تسقط بالسهو مع الفاصل الطويل، فلو صح الدليل لانقطع النزاع. وهذا كافٍ في الجواب عن هذا الدليل • الراجح: أرى أن قول الجمهور أقوى احتياطًا للعبادة، ولأن مما يستأنس به أنه قول الأئمة الأربعة في الجملة على خلاف بينهم هل يحد الطول بالخروج من المسجد كما هو مذهب الحنفية، أو يحد الطول بالعرف كما هو قول الجمهور، والله أعلم، فلا أخالف قول الجمهور إلا بحجة واضحة، والله أعلم.

стр. 7316

الغصن الثالث أن يتذكر ترك الركن بعد خروجه من المسجد [م- ٨٧٢] اختلف الفقهاء في الرجل يسلم قبل إتمام صلاته سهوًا، فلا يتذكر إلا بعد خروجه من المسجد: فقيل: يبني إذا قرب، ولو خرج من المسجد، حكي قولًا لابن القاسم من المالكية، وهو مذهب الحنابلة، وبه قال الشافعية إلا أن بعضهم قيده: بأن يخرج من المسجد من غير فعل كثير متوال (١).

стр. 7317

وقيل: لا يبني إذا خرج من المسجد، وهو مذهب الحنفية، وبه قال أشهب من المالكية، وحكى بعضهم اتفاق المالكية عليه (١). قال الكاساني في البدائع: «الخروج من مكان الصلاة مانع من البناء» (٢).

стр. 7318

• دليل من قال: الخروج من المسجد لا يمنع من البناء: الدليل الأول: (ح- ٢٦٠٠) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ سلَّم قبل إتمام صلاته، وخرج من المسجد، وحين أخبره الصحابة بواقع الحال عاد، وبنى على ما صلى، ولم يمنعه خروجه من المسجد من البناء. الدليل الثاني: المسجد ليس شرطًا في صحة الصلاة حتى يكون الخروج منه قاطعًا للبناء، وإذا كان سلامه من الصلاة بنية التحلل لم يمنع من البناء؛ لوقوعه سهوًا، فكذلك الخروج من المسجد. • دليل من قال: الخروج من المسجد مانع من البناء: الدليل الأول: أن بقاع المسجد كلها مجعولة في الحكم كالبقعة الواحدة، وهي كلها محل لوصل بعض الصلاة بالبعض، بدليل أنه لو وقف في آخر المسجد، واقتدى بالإمام، والصفوف غير متصلة، جازت صلاته، وأما خارج المسجد فهو ليس بمحل لوصل بعض الصلاة بالبعض، بدليل أنه لو اقتدى بالإمام، وهو خارج المسجد، والصفوف غير متصلة لم يجز، وإذا لم يكن محلًا لوصل صلاته بصلاة غيره لم يكن محلًا لوصل بعض الصلاة ببعض، فصار كالبقاع المختلفة، والأماكن المتباعدة، فيمنع البناء.

стр. 7319

• ونوقش من وجهين: الوجه الأول: هذه المسألة خلافية، وعلى التسليم، فاختلاف المكانين مانع من الاقتداء، وليس مانعًا من البناء، فالمكان شرط في صحة اقتداء المأموم بصلاة إمامه، واختلاف المكانين مانع من صحة الاقتداء، كالصلاة خلف إمام يصلي في التلفاز، أما بناء الرجل على ما صلاه فلا يمنع منه اختلاف المكان، فالمعتبر فيه طول الفصل وقصره، فافترقا. الوجه الثاني: القول بأن اختلاف المكانين يقطع البناء، هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل عليها من النصوص الشرعية، أو من أقوال الصحابة، والحنفية لم يطردوا: فإذا سبقه الحدث في الصلاة حقيقة، فله أن يخرج من المسجد، ويتوضأ، ويبني؛ لأنه لم يتعمد الحدث، وإذا ظن أنه أحدث فانصرف بقصد إصلاح صلاته، أو انصرف يظن إتمام صلاته اشترطوا للبناء عدم الخروج من المسجد؛ لأن الخروج قد لزم منه المشي بلا عذر، وكيف لا يعتبر السهو عذرًا؟ فإذا اغتفرنا له الانصراف من الصلاة للسهو، فليغتفر له الخروج من المسجد للعذر نفسه. وإذا كان الخروج من المسجد مفسدًا للبناء، فهو مفسد في الحالين، والحكم بالفساد من أحكام الوضع، فما كان مفسدًا للصلاة لم يفرق فيه بين خروج وآخر، والحدث أشد منافاة للصلاة من السلام سهوًا، فالأول لا يعذر صاحبه، بخلاف الثاني. الدليل الثاني: الصلاة عبادة واحدة يبنى بعضها على بعض، وقد قدمنا أن طول الفصل مانع من البناء، ولما كان طول الفصل لا ضابط له معروف من جهة الزمن، جعلنا الخروج من المسجد علامة على طول الفصل، فيمتنع البناء. • ونوقش: بأن تحديد الفاصل بالزمن أكثر انضباطًا من التحديد بالمكان من وجهين. الأول: أن هذا مخالف للنص؛ بدليل أن النبي ﷺ في حديث عمران بن حصين

стр. 7320

دخل منزله، ثم خرج، وبنى على ما صلى، ثم سجد للسهو، فكيف يعتبر الخروج من المسجد مانعًا من البناء، وقد ألغاه الشارع. الثاني: أن المساجد قد تتفاوت، فهناك الجامع الكبير الذي قد يستغرق الخروج منه زمنًا طويلًا، كالمسجد الحرام، والحرم النبوي، وبعض الجوامع الكبيرة في حواضر البلاد الإسلامية، وهناك مساجد ذات مساحة صغيرة، قد لا تستوعب أكثر من صف واحد أو صفين، وقد يصلي الرجل قريبًا من الباب، فلا يجعل مجرد الخروج قاطعًا من البناء، لهذا كان التحديد بالوقت في طول الفصل وقربه أظهر، وأضبط. الدليل الثالث: الخروج من المسجد فيه إعراض عن الصلاة، والإعراض يمنع من البناء. • ويناقش: بأنه إنما خرج من المسجد لاعتقاده تمام صلاته، فلا تأثير للإعراض، كما أنه حين سلم من صلاته قصد الانصراف منها، والإعراض عنها، ولم يقطع مثل ذلك الموالاة، فكذلك الخروج من المسجد. الدليل الرابع: مكان الصلاة معتبر في الشرع، لهذا اعتبر المكان في بقاء خيار المجلس، فلا يلزم البيع ما دام البائع والمشتري في مكان واحد، ولو طال المقام، فإذا فارق أحدهما المجلس لزم البيع، وانقطع الخيار، فكذلك لا يقطع الموالاة والبناء على أفعال الصلاة ما دام المصلي في المسجد؛ لأنه محل الصلاة، فاعتبرت فيه المدة، كخيار المجلس. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن القياس على خيار المجلس من قياس الشبه، وليس من قياس العلة، وكثير من أهل العلم على عدم اعتبار مثل هذا القياس، ولهذا أخطأ بعض العلماء حين قاس المذي على المني؛ لوجود الشبه بينهما، وارتباط كل واحد منهما باللذة، سواء من قال بنجاسة المني، أو قال بطهارة المذي؛ لشبه كل واحد منهما بالآخر.
следующие страницы →