الغصن الثالث أن يتذكر ترك الركن بعد خروجه من المسجد
[م- ٨٧٢] اختلف الفقهاء في الرجل يسلم قبل إتمام صلاته سهوًا، فلا يتذكر إلا بعد خروجه من المسجد:
فقيل: يبني إذا قرب، ولو خرج من المسجد، حكي قولًا لابن القاسم من المالكية، وهو مذهب الحنابلة، وبه قال الشافعية إلا أن بعضهم قيده: بأن يخرج من المسجد من غير فعل كثير متوال (١).
стр. 7317
وقيل: لا يبني إذا خرج من المسجد، وهو مذهب الحنفية، وبه قال أشهب من المالكية، وحكى بعضهم اتفاق المالكية عليه (١).
قال الكاساني في البدائع: «الخروج من مكان الصلاة مانع من البناء» (٢).
стр. 7318
• دليل من قال: الخروج من المسجد لا يمنع من البناء:
الدليل الأول:
(ح- ٢٦٠٠) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،
عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ سلَّم قبل إتمام صلاته، وخرج من المسجد، وحين أخبره الصحابة بواقع الحال عاد، وبنى على ما صلى، ولم يمنعه خروجه من المسجد من البناء.
الدليل الثاني:
المسجد ليس شرطًا في صحة الصلاة حتى يكون الخروج منه قاطعًا للبناء، وإذا كان سلامه من الصلاة بنية التحلل لم يمنع من البناء؛ لوقوعه سهوًا، فكذلك الخروج من المسجد.
• دليل من قال: الخروج من المسجد مانع من البناء:
الدليل الأول:
أن بقاع المسجد كلها مجعولة في الحكم كالبقعة الواحدة، وهي كلها محل لوصل بعض الصلاة بالبعض، بدليل أنه لو وقف في آخر المسجد، واقتدى بالإمام، والصفوف غير متصلة، جازت صلاته، وأما خارج المسجد فهو ليس بمحل لوصل بعض الصلاة بالبعض، بدليل أنه لو اقتدى بالإمام، وهو خارج المسجد، والصفوف غير متصلة لم يجز، وإذا لم يكن محلًا لوصل صلاته بصلاة غيره لم يكن محلًا لوصل بعض الصلاة ببعض، فصار كالبقاع المختلفة، والأماكن المتباعدة، فيمنع البناء.
стр. 7319
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
هذه المسألة خلافية، وعلى التسليم، فاختلاف المكانين مانع من الاقتداء، وليس مانعًا من البناء، فالمكان شرط في صحة اقتداء المأموم بصلاة إمامه، واختلاف المكانين مانع من صحة الاقتداء، كالصلاة خلف إمام يصلي في التلفاز، أما بناء الرجل على ما صلاه فلا يمنع منه اختلاف المكان، فالمعتبر فيه طول الفصل وقصره، فافترقا.
الوجه الثاني:
القول بأن اختلاف المكانين يقطع البناء، هذه دعوى في محل النزاع، فأين الدليل عليها من النصوص الشرعية، أو من أقوال الصحابة، والحنفية لم يطردوا: فإذا سبقه الحدث في الصلاة حقيقة، فله أن يخرج من المسجد، ويتوضأ، ويبني؛ لأنه لم يتعمد الحدث، وإذا ظن أنه أحدث فانصرف بقصد إصلاح صلاته، أو انصرف يظن إتمام صلاته اشترطوا للبناء عدم الخروج من المسجد؛ لأن الخروج قد لزم منه المشي بلا عذر، وكيف لا يعتبر السهو عذرًا؟ فإذا اغتفرنا له الانصراف من الصلاة للسهو، فليغتفر له الخروج من المسجد للعذر نفسه.
وإذا كان الخروج من المسجد مفسدًا للبناء، فهو مفسد في الحالين، والحكم بالفساد من أحكام الوضع، فما كان مفسدًا للصلاة لم يفرق فيه بين خروج وآخر، والحدث أشد منافاة للصلاة من السلام سهوًا، فالأول لا يعذر صاحبه، بخلاف الثاني.
الدليل الثاني:
الصلاة عبادة واحدة يبنى بعضها على بعض، وقد قدمنا أن طول الفصل مانع من البناء، ولما كان طول الفصل لا ضابط له معروف من جهة الزمن، جعلنا الخروج من المسجد علامة على طول الفصل، فيمتنع البناء.
• ونوقش:
بأن تحديد الفاصل بالزمن أكثر انضباطًا من التحديد بالمكان من وجهين.
الأول: أن هذا مخالف للنص؛ بدليل أن النبي ﷺ في حديث عمران بن حصين
стр. 7320
دخل منزله، ثم خرج، وبنى على ما صلى، ثم سجد للسهو، فكيف يعتبر الخروج من المسجد مانعًا من البناء، وقد ألغاه الشارع.
الثاني: أن المساجد قد تتفاوت، فهناك الجامع الكبير الذي قد يستغرق الخروج منه زمنًا طويلًا، كالمسجد الحرام، والحرم النبوي، وبعض الجوامع الكبيرة في حواضر البلاد الإسلامية، وهناك مساجد ذات مساحة صغيرة، قد لا تستوعب أكثر من صف واحد أو صفين، وقد يصلي الرجل قريبًا من الباب، فلا يجعل مجرد الخروج قاطعًا من البناء، لهذا كان التحديد بالوقت في طول الفصل وقربه أظهر، وأضبط.
الدليل الثالث:
الخروج من المسجد فيه إعراض عن الصلاة، والإعراض يمنع من البناء.
• ويناقش:
بأنه إنما خرج من المسجد لاعتقاده تمام صلاته، فلا تأثير للإعراض، كما أنه حين سلم من صلاته قصد الانصراف منها، والإعراض عنها، ولم يقطع مثل ذلك الموالاة، فكذلك الخروج من المسجد.
الدليل الرابع:
مكان الصلاة معتبر في الشرع، لهذا اعتبر المكان في بقاء خيار المجلس، فلا يلزم البيع ما دام البائع والمشتري في مكان واحد، ولو طال المقام، فإذا فارق أحدهما المجلس لزم البيع، وانقطع الخيار، فكذلك لا يقطع الموالاة والبناء على أفعال الصلاة ما دام المصلي في المسجد؛ لأنه محل الصلاة، فاعتبرت فيه المدة، كخيار المجلس.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن القياس على خيار المجلس من قياس الشبه، وليس من قياس العلة، وكثير من أهل العلم على عدم اعتبار مثل هذا القياس، ولهذا أخطأ بعض العلماء حين قاس المذي على المني؛ لوجود الشبه بينهما، وارتباط كل واحد منهما باللذة، سواء من قال بنجاسة المني، أو قال بطهارة المذي؛ لشبه كل واحد منهما بالآخر.
стр. 7321
الوجه الثاني:
الخيار أضيف إلى المجلس، والمراد به: ما هو أعم من الجلوس، فالمجلس بكسر اللام: يأتي في اللغة مصدرًا ميميًا، واسمًا للزمان، واسما للمكان، من مادة (جلس)، والأظهر أن المراد به اسم الزمان: أي الفترة الزمنية التي تعقب عملية التعاقد، فالمراد بمجلس العقد حينئذ: هو الحال التي يكون فيها المتعاقدان مقبلين على التفاوض في العقد، فحقيقة الجلوس ليست مقصودة في هذا الخيار المسمى (بخيار المجلس)، فقد يحصل اتحاد المجلس مع الوقوف، ومع تغير المكان كما لو انتقلا معًا، وعليه فمجلس العقد: هو وحدة زمنية أقرب من كونه وحدة مكانية، وزمنه يبدأ من وقت صدور الإيجاب، ولحاق القبول به من المشتري مطابقًا له، وتستمر طوال المدة التي يظل فيها العاقدان منصرفين إلى التعاقد، دون ظهور إعراض من أحدهما عن التعاقد، وتنتهي بتفرق الأبدان، سواء أكانا في مكان التعاقد، أم انتقلا إلى مكان آخر، ومقصد الشارع من مشروعية خيار المجلس ليس احترام مكان الجلوس، وإنما إعطاء حق التروي لكل واحد من المتعاقدين؛ خشية أن يكون هناك اندفاع متسرع لقبول العقد دون تقليب نظر، والله أعلم.
• الراجح:
أن الخروج من المسجد لا يمنع من البناء على الصلاة إذا قرب الفاصل، والله أعلم.
стр. 7322
الغصن الرابع أن يتذكر ترك الركن بعد أن تكلم
[م- ٨٧٣] اختلف العلماء في الرجل يصلي، وقد بقي عليه شيء من صلاته، فلا يتذكر ذلك إلا بعد أن تكلم، فهل الكلام باعتباره من محظورات الصلاة يمنع البناء على ما صلى، ويوجب عليه استئناف الصلاة؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: إذا تكلم بطلت صلاته مطلقًا، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، والمذهب عند الحنابلة نص عليه في المنتهى، وقال به المالكية إن تعمد الكلام (١).
قال خليل في التوضيح: «لو تكلم أو لمس نجاسة، أو استدبر القبلة عامدًا كان حكم ذلك حكم الطول» (٢).
стр. 7323
يعني أن هذه الأشياء في حكم الفاصل الطويل في قطع البناء.
وقيل: يبني مطلقًا، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (١).
وقيل: يبني إن كان الكلام يسيرًا، وهو نص المدونة، ومذهب الشافعية (٢).
وقيل: يبني إن كان يسيرًا لمصلحتها، وهو رواية عن أحمد، مشى عليها في الإقناع وغيره، وهو خلاف المذهب (٣).
وقيل: تبطل صلاة المأموم دون صلاة الإمام، وهو رواية عن أحمد (٤).
فصارت الأقوال في المسألة خمسة:
تبطل مطلقًا.
- لا تبطل مطلقًا، وهما متقابلان.
- لا يبطل القليل مطلقًا بخلاف الكثير.
- لا يبطل القليل إذا كان لمصلحة الصلاة.
стр. 7324
تبطل صلاة المأموم إن تكلم، وهو يعلم تمام صلاته دون الإمام.
وأدلة هذه المسألة هي نفس أدلة مسألة بناء سجود السهو على الصلاة، إذا سلم الرجل من صلاته ناسيًا سجود السهو فلم يذكره حتى تكلم، فارجع إليها غير مأمور منعًا للتكرار، والحمد لله.
стр. 7325
الغصن الخامس أن يتذكر ترك الركن بعد انحرافه عن القبلة
المدخل إلى المسألة:
• كل فعل منافٍ للصلاة، إذا فعله المصلي ظانًا تمام صلاته، فإنه لا يمنع من الرجوع إلى الصلاة، والبناء ما لم يمنع مانع من حدث، أو طول فصل.
• إذا سلَّم ساهيًا بنية التحلل من الصلاة لم يضره استدباره للقبلة، ولا كلامه، ولا خروجه من المسجد؛ لحديث عمران في مسلم، وهو نص في محل النزاع.
• إذا صحت صلاة المخطئ في القبلة، صحت صلاة المنحرف عنها سهوًا؛ لأن النسيان قرين الخطأ في الأحكام.
• قياس نسيان القبلة على نسيان الحدث؛ بجامع أن كلًّا منهما من المأمورات لا يصح؛ لأن من ظن بقاء طهارته، فصلى محدثًا وجبت عليه إعادة الصلاة، ومن تحرى القبلة، فصلى، فتبين أنه مخطئ صحت صلاته.
• الأركان لا تسقط بالنسيان قولًا واحدًا، وكذا الشروط المجمع على شرطيتها، إن كان من جنس المأمورات، كالطهارة من الحدث.
• ما تنازع الناس في سقوطه بالنسيان من الشروط المأمور بها راجع إلى ضعف مأخذ الشرطية كالاستقبال وستر العورة.
• قد يقال: الانحراف عن القبلة معدود في المنهيات، والمحظورات تسقط بالنسيان، كالصلاة بالنجاسة ناسيًا على الصحيح.
• لو كان التوجه للقبلة من المأمورات لاشترطت النية لفعله.
• أمر القبلة مبني على التخفيف، لسقوطها عن الراكب في نافلة السفر، بخلاف الطهارة.
• أكثر العلماء على أن استقبال القبلة شرط، وحكي إجماعًا، وقيل: ركن، وقيل: واجب مع الذكر، والقول الأخير أقربها.
стр. 7326
[م- ٨٧٤] اختلف العلماء في الرجل يسلم قبل إتمام صلاته، فلا يتذكر ذلك حتى انحرف عن القبلة، فهل انحرافه عن القبلة يمنع من البناء على صلاته؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
فقيل: إذا انحرف عن القبلة امتنع البناء، واستأنف الصلاة، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، والمذهب عند المالكية (١).
وقيل: يبني، ولو انحرف عن القبلة، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢).
стр. 7327
وأدلة هذه المسألة هي نفس أدلة مسألة بناء سجود السهو على الصلاة، إذا لم يذكره حتى انحرف عن القبلة، فارجع إليها غير مأمور منعًا للتكرار، والحمد لله.
стр. 7328
الغصن السادس أن يتذكر ترك الركن بعد انتقاض طهارته
المدخل إلى المسألة:
• قال ﷺ : لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ.
• لو سبقه الحدث، وهو في الصلاة بطلت صلاته، وامتنع البناء على الصحيح، فكذلك إذا سلم ساهيًا قبل تمام صلاته، فأحدث.
• مَنْ سلم ساهيًا قبل تمام صلاته لم يخرج عن حكم الصلاة، ولم يتحلل بسلامه، فيمكنه البناء على صلاته ما لم يطل الفصل، فإذا أحدث خرج عن حكم الصلاة، سواء أسبقه الحدث، أم فعله متعمدًا؛ لاعتقاده تمام صلاته.
• الحدث كما أبطل الطهارة بالإجماع فهو يقطع البناء على الصلاة، فلا يتصور حدث يتخلل الصلاة.
• بقاء الطهارة شرط لبقائه في حكم الصلاة، فإذا خرج من حكم الصلاة امتنع البناء.
• فساد جزء من الصلاة يسري على سائرها؛ لأنها عبادة واحدة يبنى بعضها على بعض.
[م- ٨٧٥] إذا سلم قبل إتمام صلاته، وتذكر ذلك بعد أن أحدث، فهل يتطهر، ويبني على ما صلاه، أم يعتبر الحدث قاطعًا للبناء؟
إن كان حدثه متعمدًا فصلاته باطلة بالاتفاق.
قال النووي: «إن أحدث المصلي في صلاته باختياره بطلت صلاته بالإجماع، سواء كان حدثه عمدًا، أو سهوًا، علم أنه في صلاة أم لا … » (١).
стр. 7329
وإن سبقه الحدث ولم يتعمده، بطلت طهارته بالاتفاق، فعليه أن يتوضأ، فإذا تطهر، ورجع إلى صلاته، أيبني على ما صلى، أم يستأنف الصلاة؟
في ذلك خلاف بين الفقهاء مبني على اختلاف الفقهاء في البناء على الصلاة مع سبق الحدث.
فقيل: الحدث يمنع من البناء، وهو مذهب الجمهور، من المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
قال في الإقناع: «وإن سلم قبل إتمام صلاته عمدًا أبطلها، وإن كان سهوًا ثم ذكر قريبًا عرفًا أتمها .... فإن طال الفصل أو أحدث … بطلت» (٢).
وقيل: إن أحدث متعمدًا لم يَبْنِ، وإن سبقه الحدث توضأ، وبنى، وهذا مذهب الحنفية، والقول القديم للشافعي، ورواية عن أحمد (٣).
стр. 7330
وقد تكلمت في المجلد السابق عند الكلام على مبطلات الصلاة خلاف الفقهاء في البناء على ما صلى إذا سبقه الحدث، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
стр. 7331
المبحث الثاني النقص في واجبات الصلاة
الفرع الأول خلاف الفقهاء في وجود قسم الواجب في أفعال الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• أفعال الصلاة تنقسم إلى فرائض وسنن، ولا واجب فيها عند المالكية والشافعية، وزاد الحنفية والحنابلة قسم الواجب.
• يتفق الحنفية والحنابلة على اعتبار التشهد الأول وجلسته من واجبات الصلاة، ويختلفون في ما عداهما، وهذا يؤكد صحة مذهب المالكية والشافعية.
• كل ما عده الحنابلة من واجبات الصلاة فهو من السنن عند الحنفية عدا التشهد الأول وجلسته.
• كل ما عده الحنفية من الواجبات عدا التشهد الأول وقعدته فهو عند الحنابلة، إما ركن، كقراءة الفاتحة، والطمأنية، والترتيب بين السجدتين، ولفظ السلام، وإما سنن، وهو الباقي، كقراءة ما زاد على الفاتحة، والقنوت في الوتر، وتقديم الفاتحة على السورة، والجهر والإسرار من الإمام في موضعهما، ونحو ذلك.
• حديث ابن بحينة في ترك الرجوع للتشهد بالسهو دليل على أن التشهد الأول ليس واجبًا، وليس دليلًا على تقعيد أن الواجب يسقط بالسهو، ويجبر بالسجود.
[م- ٨٧٦] العبادات منها ما يقوم على أركان (فروض) وواجبات، وسنن بالاتفاق، كالحج، فلا يختلف الفقهاء في وجود قسم الواجب في أعمال الحج.
ومن العبادات ما يقوم على فروض وسنن، ولا واجبات فيها كعبادة الوضوء، وفي التسمية خلاف للحنابلة ضعيف.
стр. 7332
وأما الصلاة، فهم متفقون على وجود الأركان والسنن في الجملة، ومختلفون على وجود قسم الواجب فيها.
فالحنفية والحنابلة يذهبون إلى تقسيم الصلاة إلى فروض، وواجبات وسنن (١).
وأما المالكية والشافعية فلا يذكرون قسم الواجب في أفعال الصلاة.
فالمالكية قسموا الصلاة إلى فروض، وسنن، وفضائل (٢).
قال القاضي عبد الوهاب البغدادي في التلقين: «الصلاة مشتملة على فروض، وسنن، وفضائل» (٣).
وقال أبو الوليد ابن رشد في مسائله: «وتحقيق القول في هذا: أن الصلاة تشتمل على أفعال وأقوال، منها فروض، ومنها سنن، ومنها فضائل» (٤).
وقسم الشافعية الصلاة إلى فروض (أركان)، وسنن، والسنن قسموها إلى قسمين:
أبعاض تجبر بسجود السهو، سواء أتركها عمدًا أم سهوًا.
وهيئات لا تجبر بسجود السهو.
يقول الرافعي: «للصلاة مفروضات ومندوبات، أما المفروضات فهي الأركان والشروط، وأما المندوبات فقسمان: مندوبات يشرع في تركها سجود السهو، ومندوبات لا يشرع فيها ذلك» (٥).
ولم يأت على ذكر الواجبات؛ لأنه لا وجود لهذا القسم في أفعال الصلاة.
وقال النووي في الروضة: «الصلاة تشتمل على أركان وسنن تسمى أبعاضًا، وسنن لا تسمى أبعاضًا» (٦).
يقول ابن الملقن في الأشباه والنظائر: «وأما في الصلاة فقسموا السنن إلى
стр. 7333
أبعاض وهيئات لا الواجبات، فاعلمه» (١).
ويقول محمود السبكي في الدين الخالص: «قد علم أن الحنفيين وأحمد يفرقون بين الواجب والفرض في الصلاة، وأنهم قالوا: إنّ للصلاة واجبات. وخالفهم في ذلك المالكية والشافعية (٢).
وذهب الحنفية والحنابلة إلى تقسيم الصلاة إلى أركان، وواجبات، وسنن.
وقد فصلت أركان الصلاة وواجباتها وسننها المتفق عليه منها، والمختلف فيها في المجلد الحادي عشر، فارجع إليه إن رمت التفصيل.
وقد ذهب بعض المالكية إلى أن ما يسميه المالكية سنة مؤكدة هو الواجب عند غيرهم، محتجًا بما جاء في مراقي السعود:
وبعضهم سمى الذي قد أكدا منها بواجب فخذ ما قيدا
والصواب أن إطلاق بعض المالكية على بعض السنن المؤكدة بأنه واجب، هذا ليس من الخلاف اللفظي، وإنما هو خلاف في الحكم بين أصحاب الإمام مالك فبعضهم يراها من السنن، وآخر يراها من الواجب، والكلام على المعتمد في المذهب، فالسنة المؤكدة عند المالكية ليست هي الواجب عند غيرهم، ولو قيل هذا لقيل: لا يوجد في السنن ما هو مؤكد؛ لأن ما قيل عنه سنة مؤكدة فهم قصدوا به الواجب، ويكاد يجمع الفقهاء على وجود السنن المؤكدة، وأن المؤكد من السنن ليس هو الواجب الاصطلاحي.
وعند استعراض حكم السنن المؤكدة في باب سجود السهو عند المالكية نقطع أن السنن المؤكدة ليست هي الواجب عند غيرهم، فالسنن المؤكدة عندهم ثمان سنن، منها قراءة ما زاد على الفاتحة، والجهر والإسرار، والتكبير والتحميد، والتشهد الأول والأخير، والجلوس لهما.
فالجهر والإسرار لم يقل بوجوبهما إلا الحنفية، خلافًا للجمهور.
والتكبير والتحميد لم يقل بوجوبهما إلا الحنابلة خلافًا للجمهور.
стр. 7334
وقراءة السورة مما زاد على الفاتحة لم يقل بوجوبها إلا الحنفية.
وإذا ترك المصلي قراءة السورة فقد ترك سنتين مؤكدتين، قال العدوي في حاشيته على كفاية الطالب: «قوله: (كالسورة) أي أنهما سنتان خفيفتان: ذاتها، وكونها سرًا أو جهرًا، أي فيسجد لهما، ولكن إذا ترك حتى طال لا تبطل صلاته» (١).
فكيف تكون واجبة، وتوصف بالسنة الخفيفة، وتركها لا يبطل الصلاة،
والتشهد الأول والأخير من السنن المؤكدة عند المالكية، ولم يجعلوهما في حكم الواجب، جاء في المدونة، «قال ابن القاسم: وقال مالك: إذا نسي الرجل التشهد في الصلاة حتى سلَّم، قال: إن ذكر ذلك، وهو في مكانه سجد لسهوه، وإن لم يذكر ذلك حتى يتطاول فلا شيء عليه إذا ذكر الله، قال: وليس كل الناس يعرف التشهد» (٢).
ولو كان التشهد واجبًا على المسلم لكان كل مسلم يعرف التشهد.
وقال ابن رشد في المقدمات بعد أن ذكر السنن الثمان المؤكدة، قال: «لا فرق بينها وبين الاستحبابات إلا في تأكيد فضائلها» (٣).
وعد القيرواني في الرسالة: أن ترك السنن المؤكدة من النقص الخفيف.
قال في الرسالة: «ومن نسي أن يسجد بعد السلام فليسجد متى ما ذكره وإن طال ذلك، وإن كان قبل السلام سجد إن كان قريبًا، وإن بَعُد ابتدأ صلاته، إلا أن يكون ذلك من نقص شيء خفيف، كالسورة مع أم القرآن، أو تكبيرتين، أو التشهدين، وشبه ذلك، فلا شيء عليه» (٤).
وكل ما وصفه بأنه من النقص الخفيف هو معدود عند المالكية من السنن المؤكدة، وكل من شرح الرسالة لم يتعقب القيرواني في وصفه السنة المؤكدة بالخفيفة، فخفتها دليل على نفي وجوبها، فلا يصح القول بأن السنة المؤكدة عند
стр. 7335
المالكية هي الواجب عند غيرهم.
وما يصدق على المذهب المالكي يصدق على المذهب الشافعي، فقد ذكروا من السنن التي يشرع لها سجود السهو ترك القنوت في الصبح، وفي الوتر في النصف الثاني من رمضان، والقنوت في الوتر لا يمكن اعتباره من الواجبات عند غير الشافعية.
وقد ترجح لي مذهب المالكية والشافعية، وأنه لا يوجد في الصلاة ما يمكن اعتباره واجبًا فيها، فأفعال الصلاة إما فروض، وإما سنن، والسنن تتفاوت.
والحنفية والحنابلة وإن قالوا بقسم الواجب في أفعال الصلاة، إلا أنهم لا يتفقون على واجبات الصلاة إلا على واجب واحد، وهو التشهد الأول، وما عداها مما قال فيه الحنابلة: إنه واجب، فهو معدود من سنن الصلاة عند الحنفية، بل وعند جمهور العلماء، ورواية عن الإمام أحمد، فيكون اعتبارها من الواجبات مما انفرد فيه الحنابلة في إحدى الروايتين، كتكبيرات الانتقال، والتسميع، والتحميد، والتسبيح في الركوع والسجود، وقول: رب اغفر لي، وللإمام أحمد رواية توافق الجمهور على أن هذه سنة، ورواية أحمد التي توافق الجمهور أقوى من الرواية التي تخالفهم.
وكذلك كل الواجبات عند الحنفية عدا التشهد الأول مما انفرد فيه الحنفية في جعله من واجبات الصلاة، وأما الجمهور فمنه ما يعدونه من أركان الصلاة على الصحيح كقراءة الفاتحة، والطمأنينة، والترتيب بين السجدتين.
ومنه ما يعدونه من سنن الصلاة عند جمهور العلماء، كالجهر والإسرار في موضعهما. كل ذلك يدلك على ضعف وجود قسم الواجب في أفعال الصلاة.
• دليل من قال: لا يوجد في أفعال الصلاة ما هو واجب:
الدليل الأول:
لم يقم دليل صحيح على ثبوت قسم الواجب في أفعال الصلاة، والإجماع منعقد على أن الصلاة لها أركان وسنن، والسنن تتفاوت، واختلفوا في وجود قسم الواجب في أفعال الصلاة، والأصل عدم ثبوته حتى يقوم دليل صحيح سالم من الاعتراض على وجود هذا القسم.
فأما وجود الواجب لها فهو غير مدفوع، كالأذان والإقامة وستر العورة على
стр. 7336
الصحيح، وتركه لا يقتضي سجود السهو.
وإذا أردت الوقوف على أدلة هذه المسائل فارجع إليها مشكورًا في مظانها من أحكام صفة الصلاة، فقد درستها وناقشتها مسألة مسألة، ولا يمكن تحت هذا العنوان أن أناقش كل مسألة قال فيها الحنفية أو الحنابلة إنها من الواجبات لأبين أن الصواب فيها خلاف ذلك، فاختر يا رعاك الله أي مسألة اعتبرها الحنابلة أو الحنفية من واجبات الصلاة، وراجعها في أحكام صفة الصلاة من المجلد السابع إلى العاشر، وانظر في أدلتها بإنصاف، فإن سَلِمَت الأدلة القاضية بالوجوب من معارض قوي فقد ثبت وجود قسم الواجب في أفعال الصلاة، وإلا فلا مانع أن توجد عبادة قائمة على فروض وسنن، ولا واجبات فيها، والمقصود من النفي كما قلت نفي الواجب فيها، وأما الواجب لها فهو قسم ثابت، لا نزاع فيه.
الدليل الثاني:
الحكم على فعل بأنه ركن، أو سنة، أو واجب متلقى من الشارع، لا مجال للاجتهاد فيه، فالجلوس بين السجدتين ركن على الصحيح؛ لقوله في حديث المسيء صلاته (ثم اسجد حتى تطمن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا)، والجلوس للتشهد الأول واجب عند الحنابلة والحنفية، وسنة عند المالكية والشافعية، فلو كان الحكم للنظر لقيل: جلوس التشهد أولى أن يعد في الأركان؛ لأنه مقصود، بخلاف الجلوس بين السجدتين فهو للفصل بين السجدتين، حتى إنه لم يثبت فيه ذكر صحيح، بل لو قيل: إن الجلوس مطلقًا جزء من الماهية، فيلحق بالأركان لم يدفعه النظر، ولكن الحكم والتسليم للنص، والعقل تابع له، فالنظر يصيب ويخطئ، والفقه ثمرة لدلالة النص، لا يتقدمه، وكوننا منذ نعومة أظفارنا ونحن نتعلم واجبات الصلاة في مدارسنا، ونتلقاه عن شيوخنا، لا يجعل ذلك حقيقة مسلمة، فالمدار على الحجة، وليس كل عبادة يوجد في أفعالها ما هو واجب فيها، فالعبادات ثلاثة أقسام:
عبادات لا خلاف في وجود قسم الواجب في أفعالها وذلك مثل الحج.
وعبادات لا وجود لقسم الواجب في أفعالها وذلك مثل الوضوء على الصحيح.
стр. 7337
وعبادات مختلف في وجود الواجب في أفعالها كالصلاة، والأصح عدم ثوبته.
• دليل الحنفية والحنابلة على وجود قسم الواجب في أفعال الصلاة:
إما أحاديث ضعيفة الثبوت، كاستدلال الحنابلة على وجوب التسبيح في الركوع والسجود بحديث عقبة بن عامر ﵁،
(ح-٢٦٠١) فقد روى أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى يعني -ابن أيوب الغافقي- حدثني عمي إياس بن عامر، قال:
سمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال لنا رسول الله ﷺ : اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قال: اجعلوها في سجودكم.
[منكر] (١).
وإما أحاديث صحيحة، ولكنها ضعيفة الدلالة على الوجوب.
كاستدلال الحنفية على وجوب الجهر والإسرار في موضعه بمواظبة النبي ﷺ عليهما في صلاته، وقد قال في حديث مالك بن الحويرث: صلوا كما رأيتموني أصلي، رواه البخاري (٢).
ومنها استدلال الحنابلة على وجوب تكبيرات الانتقال بحديث أبي موسى الأشعري في مسلم: وفيه: … وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا؛ فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم … الحديث (٣).
فقال ﷺ : (إذا كبر وركع فكبروا … )، فأمر بالتكبير، والأصل بالأمر الوجوب.
والأمر بالتكبير غير مراد منه إلا ترتب فعله على فعل إمامه، فليس كما لو أمر بالتكبير على وجه الاستقلال، فلا يستفاد من هذه الصيغة الوجوب إلا إذا استفيد الوجوب من قوله في هذا الحديث: (وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين) من الأمر بالتأمين، فدلالة حديث أبي موسى هي دلالة حديث عائشة المتفق عليه: (إنما
стр. 7338
جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا … ).
وقد فَعَلَ التكبير جماعة من السلف، وتركه جماعة منهم، حتى قال عمران: ذكَّرنا هذا الرجل صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ ، وأنكر عكرمة على الذي كبر اثنتين وعشرين تكبيرة، حتى نسبه إلى الحمق، و كيف يظن بصحابة رسول الله ﷺ أنهم يرون التكبير واجبًا، ثم يدعون العامة يتركونه، ويصلون خلفهم بلا إنكار.
وقد يقولون في الاستدلال على وجوب تكبيرات الانتقال بأنه لا يمكن الاقتداء إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والاقتداء عند الحنابلة يرونه بطريقين: السماع، أو الرؤية، ولذلك اشترط الحنابلة في الاقتداء خارج المسجد أن يرى بعض المأمومين، فلم يقصروا الاقتداء على سماع التكبير، وعلى التنزل فإن وجوب التكبير لإمكان الاقتداء فهو واجب لغيره، لا يجعله من واجبات الصلاة، كوجوب المبلِّغ عن الإمام في الجماعة الكبيرة، إذا كانوا لا يسمعون تكبير الإمام، فهل نقول تكبيرات المسمع من واجبات الصلاة؟ وهو واجب على الإمام وحده، دون المأموم والمنفرد، ويجب في حال إذا لم يمكن العلم بانتقال الإمام إلا بالتكبير، كما في حال السجود، وقد يلحق به الرفع من الركوع، أما في الانحطاط للركوع وللسجود يمكن الاقتداء بالرؤية، خاصة أن النبي ﷺ أمر الصف الذي خلفه أن يقتدوا به، وأن يقتدي كل صف بالصف الذي أمامه مما يشعر أن الاقتداء بالفعل، وليس بالتكبير.
(ح-٢٦٠٢) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي الأشهب، عن أبي نضرة العبدي،
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرًا، فقال لهم: تقدموا، فائتموا بي، وليأتمَّ بكم من بعدكم … الحديث (١).
ونقل ابن بطال عن الشعبى، ومسروق، أنهما قالا: إن الإمام يؤم الصفوف، والصفوف يؤم بعضها بعضًا (٢).
стр. 7339
ومنها استدلال الحنفية والحنابلة على وجوب التشهد الأول وقعدته بجبره بسجود السهو.
(ح-٢٦٠٣) فقد روى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن الأعرج،
عن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك (١).
وجه الاستدلال:
قال ابن قدامة: «لولا أن التشهد سقط بالسهو لرجع إليه، ولولا أنه واجب لما سجد جبرا لنسيانه، وغير التشهد من الواجبات مقيس عليه، ومشبه به» (٢).
• ويناقش:
هذا الحديث دليل على أن التشهد الأول ليس واجبًا، وليس دليلًا على تقعيد أن الواجب يسقط بالسهو، ويجبر بالسجود، فلو قام الدليل على وجوبه لصح التقعيد، فلا يستقيم التقعيد حتى يقوم دليل صحيح سالم من المعارض على أن التشهد الأول من واجبات الصلاة فحينئذ يكون الدليل مطابقًا للمدلول، فأين الدليل على وجوب التشهد الأول، ولا دلالة فيه من جهة الأصول لانتزاع الوجوب من هذا الحديث، وهو حكاية فعل، وسوف أبين ذلك عند الكلام على ترك التشهد الأول عمدًا وأجيب عنه بإذن الله.
وهكذا بقية الواجبات، وقد بحثتها بشكل مستقل في صفة الصلاة، فانظرها
стр. 7340
هناك دفعًا للتكرار، والحمد لله.
• الراجح:
أن أفعال الصلاة لا واجب فيها، وإنما هي فروض وسنن فحسب، والله أعلم.
стр. 7341
الفرع الثاني في بيان واجبات الصلاة
[م-٨٧٧] هذا المبحث كما سبق لك في المبحث السابق لا يتنزل إلا على مذهب الحنفية والحنابلة القائلون بوجود هذا القسم من أفعال الصلاة، ولا يتفقون فيها إلا على واجب واحد، وهو التشهد، والباقي من مفردات كل مذهب.
وواجبات الصلاة عند الحنفية التي تجبر بسجود السهو هي:
قراءة الفاتحة.
ضم السورة إليها.
تقديم الفاتحة على السورة.
تعيين القراءة في الركعتين الأوليين.
مراعاة الترتيب فيما شرع مكررًا من الأفعال كالسجود.
التشهد الأول إلا على مأموم قام إمامه عنه سهوًا.
القعدة الأولى قدر التشهد.
القنوت في الوتر.
الجهر في موضعه للإمام.
الإسرار في موضعه للإمام والمنفرد.
لفظ السلام.
الطمأنينة.
تكبيرات العيدين.
وواجبات الصلاة عند الحنابلة التي تجبر بسجود السهو، ثمانية، وهي:
جميع التكبيرات غير تكبيرات الإحرام.
قوله: سبحان ربي العظيم في الركوع.
стр. 7342
قول: سمع الله لمن حمده للإمام والمنفرد.
قول: ربنا ولك الحمد للكل.
قول: سبحان ربي الأعلى في السجود.
قول: رب اغفر لي بين السجدتين.
التشهد الأول.
الجلوس له.
وكل هذه الأفعال سبق لي في أحكام صفة الصلاة أن بينت الخلاف في حكمها، مع مناقشة الأدلة، وقد ترجح لي مذهب المالكية والشافعية وأنه لا يوجد في الصلاة ما يمكن اعتباره واجبًا فيها، فأفعال الصلاة إما فروض، وإما سنن، والسنن تتفاوت، فما واظب عليه النبي ﷺ في صلاته آكد من السنن التي فعلها أحيانًا، وما اتفقوا على سنيته مقدم على ما اختلف فيه، وسوف يأتي في فصل مستقل بيان حكم السهو في سنن الصلاة إن شاء الله تعالى.
стр. 7343
الفرع الثالث في ترك الواجب في الصلاة
المطلب الأول إذا ترك المصلي الواجب عمدًا
المدخل إلى المسألة:
• سبب الخلاف يرجع إلى سبب السجود، أهو من أجل السهو، فيختص به، أم هو جبر للخلل، فيدخل فيه العمد، ظاهر النصوص تدل على الأول.
• تعويض الفائت بالسجود توقيفي، والشرع إنما جعل التعويض في حال السهو، وهذا كاف في الدلالة على عدم المشروعية.
• العبادات الأصل فيها المنع إلا بإذن من الشارع ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.
• الساهي معذور، فاستحق الجبر بخلاف العامد فهو معتدٍ، فلا يقاس الأغلظ على الأخف.
[م- ٨٧٨] هذه المسألة لا تتنزل إلا على مذهب الحنفية والحنابلة القائلين بوجود قسم الواجب في أفعال الصلاة، خلافًا للمالكية والشافعية، فهم لا يقولون بوجود الواجب، ويقسمون أفعال الصلاة، إلى فروض وسنن.
فالمصلي إذا ترك الواجب عمدًا فالحنفية والحنابلة متفقون على تحريم الفعل، واختلفوا في مسألتين:
الأولى: في بطلان الصلاة إذا ترك المصلي الواجب متعمدًا، وهذه سبق بحثها في مبطلات الصلاة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
المسألة الثانية: في جبران الواجب بالسجود إذا ترك عمدًا.
стр. 7344
وقد اختلف الحنفية والحنابلة في جبران الواجب إذا ترك عمدًا على قولين.
القول الأول:
لا يجبر، وهو المعتمد في مذهب الحنفية والحنابلة (١).
قال ابن نجيم: «وظاهر كلام الجم الغفير، أنه لا يجب السجود في العمد» (٢).
وعمومه يشمل الواجب.
بل قال ابن نجيم: «إن من ترك واجبًا سهوًا، وأمكنه فعله بعد تذكره، فلم يفعله لا سجود عليه، كمن تركه عمدًا» (٣).
وقال ابن عابدين: «المعتمد عدم السجود في العمد» (٤).
يشير إلى خلاف في المذهب سآتي على ذكره في القول الثاني إن شاء الله تعالى.
وقال ابن مفلح في الفروع: «لا يشرع لعمد» (٥).
• وجه قول من قال: الواجب لا يجبر إذا ترك عمدًا:
الوجه الأول:
أن سجود السهو عرف جابرًا بالشرع، والشرع إنما ورد في حال السهو، وهذا كافٍ في الدلالة على عدم المشروعية، فالعبادات الأصل فيها التوقيف والمنع.
الوجه الثاني:
أن الساهي معذور، فاستحق الجبر بخلاف العامد فهو معتدٍ.
الوجه الثالث:
أن النقص الحاصل بالعمد فوق النقص الحاصل بالسهو، وإذا جُعِلت السجدتان بمنزلة الفائت سهوًا، فهي أقل من الفائت عمدًا، والشيء إنما يجبر
стр. 7345
بمثله، لا بما هو دونه (١).
القول الثاني:
اختار بعض الحنفية جبر الواجب إذا ترك عمدًا في مسألتين، ذكرهما صاحب المجتبى نقلًا عن فخر الإسلام البديعيِّ:
الأولى: إذا ترك القعدة الأولى عمدًا.
والثانية: إذا شك في بعض أفعال الصلاة، فتفكر عمدًا حتى شغله ذلك عن ركن.
وذكر الناطفي في الينابيع: أنه لا يجب سجود السهو في العمد إلا في موضعين:
الأول: تأخير إحدى سجدتي الركعة الأولى إلى آخر الصلاة، باعتبار الترتيب في الفعل المتكرر واجبًا، وليس ركنًا، وهذا من مفردات الحنفية.
والثاني: ترك القعدة الأولى (٢).
ويسمونه سجود العذر، لا سجود السهو، وأي عذر له وهو متعمد، وليست المشكلة بالتسمية فقد يطلق السهو على الباب تغليبًا، وإن وجب في غيره، ولكن المدار على ثبوته شرعًا، ولم يثبت.
وكلام الناطفي يدل على عدم حصره في المسألتين؛ لكونه قد تحصل ثلاثة مواضع مما يجبر الواجب إذا ترك عمدًا.
قال ابن نجيم: «لعلهم نظروا إلى أن هذه الواجبات الثلاثة أدنى الواجبات، فصلح أن يجبرها سجود السهو حالة العمد، أما القعدة الأولى فللاختلاف في وجوبها، بل قد أطلق أكثر مشايخنا عليها اسم السنة، وكذا الثاني والثالث لم يكن لهما دليل صريح في الوجوب» (٣).
ويفهم من قول ابن نجيم أن استثناء هذه الثلاثة؛ لضعف منزع القول بالوجوب.
وهذا التوجيه من ابن نجيم لا يتفق مع أصول المذهب؛ فالحنفية لا يرون مشروعية سجود السهو لترك السنن، لا سهوًا، ولا عمدًا، فكيف يصح قول ابن
стр. 7346
نجيم: إن سجود السهو لترك القعدة الأولى عمدًا راجع للاختلاف في وجوبها، حتى أطلق بعضهم عليها اسم السنة.
قال ابن قطلوبغا الحنفي: «أما قول الناطفي في العمد، وقول البديعي: إن هذا سجود العذر فمما لا نعلم له أصلًا في الرواية، ولا وجهًا في الدراية، ويخالفه قوله في المحيط: ولا يجب بتركه أو بتغييره عمدًا؛ لأن السجدة شرعت جابرة نظرًا للمعذور، لا للمتعمد، ولما اتفقوا عليه من أن سبب وجوبه ترك الواجب الأصلي، أو تغييره ساهيًا، وهذا هو الذي يعتمد للفتوى والعمل» (١).
وإذا كان الأصح أنه لا وجود لقسم الواجب في أفعال الصلاة، فأفعال الصلاة فروض وسنن كما هو مذهب المالكية والشافعية، كان التفريق بين واجب وآخر، قول ضعيف جدًا، وكان ما اعتبره الحنفية أنه واجب، إما ركن كقراءة الفاتحة والطمأنينة والترتيب بين السجدتين، وإما سنة كضم سورة إلى الفاتحة، والإسرار في موضع الجهر وعكسه، وقل مثل هذا في باقي الواجبات عندهم.
وإذا قلت: لا يوجد واجب في أفعال الصلاة، فالمقصود واجب فيها، وأما الواجب لها فهو محفوظ، كالأذان والجماعة، ولكن لا يشرع السجود في تركه، لا سهوًا، ولا عمدًا، والله أعلم.
стр. 7347
المطلب الثاني إذا ترك التشهد الأول عمدًا
المدخل إلى المسألة:
• كل النصوص في سجود السهو إنما وردت في حق الساهي، فقياس المتعمد على الساهي قياس مع الفارق.
• لا يقاس الأغلظ على الأخف.
• السنن إذا تركها المصلي عامدًا، فلا إلزام فيها، لأن ذلك يلحقها بالواجبات.
• أضيف السجود إلى السهو من إضافة الشيء إلى سببه، فالعمد ليس سببًا للسجود.
• المتعمد ليس معذورًا فلا يجبر ما تركه، فهو المقصر بتفويت السنة على نفسه.
• كل ما سقط بالنسيان لا يكون واجبًا، قياسًا على سائر المسنونات إذا فات محلها.
• كل واجب إذا نسيه لم يرجع إليه، ولو أمكنه الرجوع، فهو دليل على ضعف مأخذ القول بالوجوب.
• لا أعلم دليلًا يأمر المصلي بالسجود للسهو إذا ترك التشهد الأول، وإنما ثبت ذلك من السنة الفعلية.
• الأصل في أفعال النبي ﷺ الاستحباب.
[م- ٨٧٩] إذا ترك المصلي التشهد الأول عمدًا فهل تبطل صلاته؟ وهل يشرع له سجود السهو؟
هذه المسألة فرع عن الخلاف في حكم التشهد الأول.
فالحنفية والحنابلة ذهبوا إلى القول بوجوب التشهد الأول، وبه قال جمهور المحدثين، واختاره داود، وحكى اللخمي من المالكية قولًا بوجوب التشهد الأول.
وقال المالكية والشافعية: التشهد الأول سنة، واختار ذلك الكرخي والطحاوي من الحنفية، وهو رواية عن أحمد.
стр. 7348
وقد سبق بحث هذه المسألة، ولله الحمد، وذكرت الأقوال موثقة بأدلتها (١).
والأصل في الباب حديث عبد الله بن بحينة.
(ح-٢٦٠٤) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك.
وجه الاستدلال:
قال ابن قدامة: «لولا أن التشهد سقط بالسهو لرجع إليه، ولولا أنه واجب لما سجد جبرًا لنسيانه، وغير التشهد من الواجبات مقيس عليه، ومشبه به» (٢).
• ويجاب عن هذا الاستدلال بأجوبة منها:
الجواب الأول:
هذا الكلام من ابن قدامة صريح بأنه لم يثبت السجود لترك ما يعتبرونه واجبًا في الصلاة إلا للتشهد الأول، وما عداه من الواجبات فلا دليل فيه على السجود لتركها إلا القياس على التشهد الأول، فإذا علمنا أن الحنفية والحنابلة لا يتفقون على شيء من الواجبات إلا على التشهد، ويختلفون في باقي الواجبات، ضعف القياس، فكيف إذا علمنا أن المالكية والشافعية لا يقولون بوجود قسم الواجب في أفعال الصلاة، والله أعلم.
الجواب الثاني:
لا دلالة في حديث ابن بحينة على اعتبار أن التشهد الأول واجب، ولا على أن السجود لتركه من الواجبات، فالحديث من السنن الفعلية، وأفعال النبي ﷺ لا تدل على الوجوب، فكان التقعيد على أن كل واجب يسقط بالسهو، ويجبر بالسجود أخذًا من هذا الفعل ليس مسلمًا، ولهذا ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله:
стр. 7349
باب من لم ير التشهد الأول واجبًا. اه
الجواب الثالث:
لا يخلو إما أن يكون هذا التشهد يسقط بالنسيان، أو لا.
فإن قالوا: لا يسقط، خالفوا السنة الثابتة المتفق عليها.
وإن قالوا: يسقط فنقول: كل ما سقط بالنسيان لا يكون واجبًا، قياسًا على سائر المسنونات، فالواجبات لا تسقط إلا بفعلها، والسهو يرفع الإثم، ولا يسقط به المأمور، فكون النبي ﷺ سها عنه، وسُبِّح به، ولم يرجع إليه مع إمكان الرجوع كل ذلك دليل على ضعف مأخذ الوجوب.
فإن قالوا: لو كان مسنونًا، فلماذا يجبر بسجود السهو؟ فالجبر لا يكون إلا لترك واجب قياسًا على ترك واجبات الحج؛ فإن تركه لا يبطل الحج، ويجب له الجبر على قول جمهور العلماء.
فالجواب: الجبر إنما يكون دليلًا على الوجوب لو كان الشارع قد أمر بجبره، فيقال: الأصل في الأمر الوجوب، أو كان هناك إجماع على أن سجود السهو لا يشرع فعله لترك السنن، فيكون سجود النبي ﷺ للسهو دليلًا على وجوب التشهد.
ولا أعلم دليلًا يأمر المصلي بالسجود إذا ترك التشهد الأول، وفعل النبي ﷺ لا يدل على الوجوب، وإنما المحفوظ هو السجود للسهو تأسيًا بفعل النبي ﷺ ، وهذا وحده لا يكفي دليلًا على وجوب التشهد، ولا على القول بأن الواجبات تسقط بالنسيان.
وليس هناك إجماع بأن المصلي لا يسجد لترك السنن المؤكدة في الصلاة حتى يقال: إن سجود النبي ﷺ دليل على وجوب التشهد، فالجمهور قالوا: يسجد للسهو لترك السنن على خلاف بينهم في هذه السنن، ولم يخالف في ذلك إلا الحنفية حيث قالوا: لا يشرع سجود السهو لترك السنن.
وأما القياس على جبر واجبات الحج، فلا يصح لوجهين:
الأول: أن القياس لا مدخل له في هذا الباب.
الثاني: اختلاف الموجب، فدم الجبران الذي سببه فعل محظور، أو ترك مأمور في واجبات الحج، ويشترط لوجوبه أن يكون متعمدًا على الصحيح، بخلاف الجبر
стр. 7350
في الصلاة، فموجبه السهو، ولا جبران للعمد.
الجواب الرابع:
زيادة سجود السهو في الصلاة بسبب ترك التشهد لا يدل على وجوب التشهد، فهذا سجود التلاوة في الصلاة زيادة في الصلاة، وفعله في الصلاة لا يدل على وجوب سجود التلاوة، فكذلك سجود السهو لترك التشهد.
فعلى القول بالسنية: إذا تركه فلا شيء عليه، وصلاته صحيحة إلا على قول عند المالكية مرتب على الخلاف في بطلان الصلاة بترك السنة عمدًا، وفي مذهب المالكية قول ببطلان الصلاة بترك ثلاث سنن، وهو قول مرجوح، فالسنن لا إلزام فيها، ولا تبطل الصلاة بتركها.
قال مالك كما في المدونة: «إذا نسي الرجل التشهد في الصلاة حتى سلَّم، قال: إن ذكر ذلك، وهو في مكانه سجد لسهوه، وإن لم يذكر ذلك حتى يتطاول فلا شيء عليه إذا ذكر الله، قال: وليس كل الناس يعرف التشهد» (١).
وقال القيرواني في الرسالة: «ومن نسي أن يسجد بعد السلام فليسجد متى ما ذكره وإن طال ذلك، وإن كان قبل السلام سجد إن كان قريبًا، وإن بَعُد ابتدأ صلاته إلا أن يكون ذلك من نقص شيء خفيف، كالسورة مع أم القرآن، أو تكبيرتين، أو التشهدين، وشِبْهِ ذلك، فلا شيء عليه» (٢).
ومن قال: إن التشهد الأول واجب فاختلفوا في ترك الواجب عمدًا في مسألتين:
الأولى: في بطلان الصلاة إذا ترك المصلي التشهد عمدًا.
فقال الحنفية: إذا ترك الواجب عمدًا فصلاته صحيحة، وقد أساء الفعل، ويجب عليه الإعادة جبرًا للفرض الأول، لا بدلًا عنه.
وقال الحنابلة: صلاته باطلة.
وهذه المسألة سبق بحثها في مبطلات الصلاة، ولله الحمد، فارجع إليها إن شئت في المجلد السابق.
стр. 7351
المسألة الثانية: في جبران الواجب بالسجود إذا ترك عمدًا.
فقيل: لا يجبر، وهو المعتمد في مذهب الحنفية والحنابلة (١).
قال ابن نجيم: «وظاهر كلام الجم الغفير أنه لا يجب السجود في العمد» (٢).
وعمومه يشمل الواجب.
بل قال ابن نجيم: «إن من ترك واجبًا سهوًا، وأمكنه فعله بعد تذكره، فلم يفعله لا سجود عليه، كمن تركه عمدًا» (٣).
وقال ابن عابدين: «المعتمد عدم السجود في العمد» (٤).
يشير إلى خلاف في المذهب سآتي على ذكره في القول الثاني إن شاء الله تعالى.
وقال ابن مفلح في الفروع: «لا يشرع لعمد» (٥).
وهو مقتضى مذهب المالكية في ترك السنن المؤكدة، وإنما لم يذكروا حكم الواجب إذا ترك عمدًا؛ لأنه لا وجود له في أفعال الصلاة عندهم.
وقال خليل: (سن لسهو) قال في لوامع الدرر: «احترز به عن العمد، فإنه لا سجود في ترك السنة المؤكدة عمدًا، وهل تبطل أم لا، قولان» (٦).
واختار بعض الحنفية جبر الواجب إذا ترك عمدًا في مسألتين، ذكرهما صاحب المجتبى نقلًا عن فخر الإسلام البديعيِّ:
الأولى: إذا ترك القعدة الأولى عمدًا.
والثانية: إذا شك في بعض أفعال الصلاة، فتفكر عمدًا حتى شغله ذلك عن ركن.
وذكر الناطفي في الينابيع: أنه لا يجب سجود السهو في العمد إلا في موضعين:
стр. 7352
الأول: تأخير إحدى سجدتي الركعة الأولى إلى آخر الصلاة، باعتبار الترتيب في الفعل المتكرر واجبًا وليس ركنًا، وهذا من مفردات الحنفية.
والثاني: ترك القعدة الأولى (١).
• الراجح:
أنه إذا ترك التشهد الأول عمدًا فصلاته صحيحة، وأن التشهد الأول سنة، وقد بحثت هذا في أحكام صفة الصلاة، فارجع إليه إن شئت.
стр. 7353
المطلب الثالث إذا ترك المصلي الواجب سهوًا
المسألة الأولى إذا ترك التشهد الأول وتذكر قبل اعتداله قائمًا
المدخل إلى المسألة:
• إذا ترك التشهد الأول، ولم يتذكر حتى انتصب قائمًا لم يرجع للتشهد؛ لأنه تلبس بركن، ولا يرفض الركن من أجل تحصيل ما هو أقل منه، ومستند المسألة حديث ابن بحينة في الصحيحين.
• إذا تذكر قبل أن ينتصب قائمًا: أهو في حكم من انتصب قائمًا فلا يعود للتشهد، أم هو في حكم الجلوس حتى يستوي قائمًا، فيعود إليه، أم ينظر للأقرب منهما، فيعطى حكمه، فإن كان إلى القيام أقرب لم يعد، وإلا أعطي حكم الجلوس؛ لأن ما قرب من الشيء فله حكمه؟ الثالث أقربها للحق.
• إذا نهض المصلي للقيام، ثم تذكر قبل أن ينتصب قائمًا، فاختلفوا في رجوعه، وفي سجود السهو إذا عاد، وليس في المسألة نص مرفوع صحيح يمكن التحاكم إليه، وأقوال الفقهاء اجتهادات لمعرفة أقرب الأقوال إلى قواعد الشريعة، وإلى قواعد سجود السهو.
• إذا نهض للقيام لم يخرج من حكم الجلوس حتى يكون في حكم القيام، ولا يكون في حكم القيام حتى يكون قريبًا منه، كما أنه لو كان قائمًا لم يفارق حكم القيام بمجرد الانحناء اليسير حتى تكون يداه قريبًا من ركبتيه.
• إذا نهض للقيام فبلغ حدًّا يجزئ في القيام فهو في حكم القائم، ولو لم ينتصب.
стр. 7354
• إذا نهض للقيام ناسيًا التشهد شرع له سجود السهو، سواء ترك التشهد أو عاد إليه.
• إذا ترك التشهد فالمقتضي للسجود النقص، وإن عاد للتشهد فالمقتضي للسجود زيادة فعل من أفعال الصلاة، وهو النهوض إلى القيام، وكل من النقص والزيادة من أسباب سجود السهو.
• قال ﷺ : إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين، رواه مسلم.
• كل من زاد فعلًا من جنس أفعال الصلاة تبطل الصلاة بعمده، فإنه يشرع لسهوه سجود السهو ومنه النهوض للقيام.
• العود إلى التشهد لا يسقط سجود السهو، كما لو ترك ركنًا، فإنه يستدركه ويسجد.
[م- ٨٨٠] ذكرت حكم التشهد الأول في ترك الواجب سهوًا؛ لأنه الوحيد الذي يتفق عليه الحنفية والحنابلة على اعتباره من واجبات الصلاة، وما عداه فهو محل خلاف بينهما، وما يصدق على التشهد الأول يصدق على باقي الواجبات.
فإذا ترك الإمام أو المنفرد التشهد الأول وتذكر قبل أن ينتصب قائمًا،
فقيل: يرجع إلى التشهد ما لم يستتم قائمًا، وهو الأصح في مذهب الحنفية، والمذهب عند الشافعية والحنابلة، ورواية عن مالك (١).
стр. 7355
على خلاف بينهم إذا عاد، أيسجد للسهو أم لا؟
فقيل: يسجد مطلقًا، وبه قال أكثر شيوخ الحنفية، والصحيح من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا يسجد مطلقًا، وبه قال أكثر الشافعية، وذكر النووي في المجموع: أنه الأصح عند جمهور الأصحاب، وقال في الروضة: أظهرهما: لا يسجد (٢).
قال في تحفة المحتاج: «وجرى في المجموع وغيره على ما عليه الأكثرون أنه لا يسجد مطلقًا، واعتمده الإسنوي وغيره» (٣).