المسألة الثانية: في جبران الواجب بالسجود إذا ترك عمدًا.
فقيل: لا يجبر، وهو المعتمد في مذهب الحنفية والحنابلة (١).
قال ابن نجيم: «وظاهر كلام الجم الغفير أنه لا يجب السجود في العمد» (٢).
وعمومه يشمل الواجب.
بل قال ابن نجيم: «إن من ترك واجبًا سهوًا، وأمكنه فعله بعد تذكره، فلم يفعله لا سجود عليه، كمن تركه عمدًا» (٣).
وقال ابن عابدين: «المعتمد عدم السجود في العمد» (٤).
يشير إلى خلاف في المذهب سآتي على ذكره في القول الثاني إن شاء الله تعالى.
وقال ابن مفلح في الفروع: «لا يشرع لعمد» (٥).
وهو مقتضى مذهب المالكية في ترك السنن المؤكدة، وإنما لم يذكروا حكم الواجب إذا ترك عمدًا؛ لأنه لا وجود له في أفعال الصلاة عندهم.
وقال خليل: (سن لسهو) قال في لوامع الدرر: «احترز به عن العمد، فإنه لا سجود في ترك السنة المؤكدة عمدًا، وهل تبطل أم لا، قولان» (٦).
واختار بعض الحنفية جبر الواجب إذا ترك عمدًا في مسألتين، ذكرهما صاحب المجتبى نقلًا عن فخر الإسلام البديعيِّ:
الأولى: إذا ترك القعدة الأولى عمدًا.
والثانية: إذا شك في بعض أفعال الصلاة، فتفكر عمدًا حتى شغله ذلك عن ركن.
وذكر الناطفي في الينابيع: أنه لا يجب سجود السهو في العمد إلا في موضعين:
стр. 7352
الأول: تأخير إحدى سجدتي الركعة الأولى إلى آخر الصلاة، باعتبار الترتيب في الفعل المتكرر واجبًا وليس ركنًا، وهذا من مفردات الحنفية.
والثاني: ترك القعدة الأولى (١).
• الراجح:
أنه إذا ترك التشهد الأول عمدًا فصلاته صحيحة، وأن التشهد الأول سنة، وقد بحثت هذا في أحكام صفة الصلاة، فارجع إليه إن شئت.
стр. 7353
المطلب الثالث إذا ترك المصلي الواجب سهوًا
المسألة الأولى إذا ترك التشهد الأول وتذكر قبل اعتداله قائمًا
المدخل إلى المسألة:
• إذا ترك التشهد الأول، ولم يتذكر حتى انتصب قائمًا لم يرجع للتشهد؛ لأنه تلبس بركن، ولا يرفض الركن من أجل تحصيل ما هو أقل منه، ومستند المسألة حديث ابن بحينة في الصحيحين.
• إذا تذكر قبل أن ينتصب قائمًا: أهو في حكم من انتصب قائمًا فلا يعود للتشهد، أم هو في حكم الجلوس حتى يستوي قائمًا، فيعود إليه، أم ينظر للأقرب منهما، فيعطى حكمه، فإن كان إلى القيام أقرب لم يعد، وإلا أعطي حكم الجلوس؛ لأن ما قرب من الشيء فله حكمه؟ الثالث أقربها للحق.
• إذا نهض المصلي للقيام، ثم تذكر قبل أن ينتصب قائمًا، فاختلفوا في رجوعه، وفي سجود السهو إذا عاد، وليس في المسألة نص مرفوع صحيح يمكن التحاكم إليه، وأقوال الفقهاء اجتهادات لمعرفة أقرب الأقوال إلى قواعد الشريعة، وإلى قواعد سجود السهو.
• إذا نهض للقيام لم يخرج من حكم الجلوس حتى يكون في حكم القيام، ولا يكون في حكم القيام حتى يكون قريبًا منه، كما أنه لو كان قائمًا لم يفارق حكم القيام بمجرد الانحناء اليسير حتى تكون يداه قريبًا من ركبتيه.
• إذا نهض للقيام فبلغ حدًّا يجزئ في القيام فهو في حكم القائم، ولو لم ينتصب.
стр. 7354
• إذا نهض للقيام ناسيًا التشهد شرع له سجود السهو، سواء ترك التشهد أو عاد إليه.
• إذا ترك التشهد فالمقتضي للسجود النقص، وإن عاد للتشهد فالمقتضي للسجود زيادة فعل من أفعال الصلاة، وهو النهوض إلى القيام، وكل من النقص والزيادة من أسباب سجود السهو.
• قال ﷺ : إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين، رواه مسلم.
• كل من زاد فعلًا من جنس أفعال الصلاة تبطل الصلاة بعمده، فإنه يشرع لسهوه سجود السهو ومنه النهوض للقيام.
• العود إلى التشهد لا يسقط سجود السهو، كما لو ترك ركنًا، فإنه يستدركه ويسجد.
[م- ٨٨٠] ذكرت حكم التشهد الأول في ترك الواجب سهوًا؛ لأنه الوحيد الذي يتفق عليه الحنفية والحنابلة على اعتباره من واجبات الصلاة، وما عداه فهو محل خلاف بينهما، وما يصدق على التشهد الأول يصدق على باقي الواجبات.
فإذا ترك الإمام أو المنفرد التشهد الأول وتذكر قبل أن ينتصب قائمًا،
فقيل: يرجع إلى التشهد ما لم يستتم قائمًا، وهو الأصح في مذهب الحنفية، والمذهب عند الشافعية والحنابلة، ورواية عن مالك (١).
стр. 7355
على خلاف بينهم إذا عاد، أيسجد للسهو أم لا؟
فقيل: يسجد مطلقًا، وبه قال أكثر شيوخ الحنفية، والصحيح من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا يسجد مطلقًا، وبه قال أكثر الشافعية، وذكر النووي في المجموع: أنه الأصح عند جمهور الأصحاب، وقال في الروضة: أظهرهما: لا يسجد (٢).
قال في تحفة المحتاج: «وجرى في المجموع وغيره على ما عليه الأكثرون أنه لا يسجد مطلقًا، واعتمده الإسنوي وغيره» (٣).
стр. 7356
وقيل: إن كان إلى القيام أقرب سجد، وإن كان إلى القعود أقرب، أو استوت نسبتهما لم يسجد، اختاره المرغيناني من الحنفية، والقفال، والبغوي وغيرهما من الشافعية، واقتصر عليه النووي في المنهاج، وهو المعتمد عند المتأخرين من الشافعية، كالخطيب، والرملي، وابن حجر الهيتمي (١).
وقيل: إن كثر نهوضه سجد له، وإلا فلا، حكاه المرداوي في الإنصاف عن بعض الحنابلة، وهو معنى قول القفال، وطائفة من الشافعية.
وقيل: لا يجب السجود، حكاه في الإنصاف قولًا في مذهب الحنابلة، ونفي الوجوب لا يستلزم نفي الاستحباب، خاصة أنه حكى قولًا بأنه يخير، فلو قصد من نفي الوجوب الإباحة لكان تكرارًا (٢).
وقيل: إن عاد قبل الانتهاء إلى حد الراكعين لم يسجد، وإن عاد بعد الانتهاء إليه سجد، وهو ما رجحه إ مام الحرمين وآخرون من الشافعية (٣).
هذا ما يخص القول الأول ممن قال: يرجع ما لم يستتم قائمًا، وما تفرع عنه.
وقيل: إذا فارق حكم الجلوس لا يعود، وإن لم يستتم قائمًا، على خلاف بينهم متى يفارق حكم الجلوس.
فقيل: إن كان إلى القيام أقرب لا يعود؛ ويسجد للسهو؛ لأنه في حكم القائم، وإلا عاد، ولا سجود عليه في الأصح؛ وهو مروي عن أبي يوسف، واختاره مشايخ بخارى من الحنفية، وأصحاب المتون، كالهداية، وكنز الدقائق، وغيرهما، وبه قال
стр. 7357
من المالكية القاضيان: ابن القصار، وعبد الوهاب (١).
وقال المالكية في المشهور: إن فارق الأرض بيديه وركبتيه لم يرجع، كان للجلوس أقرب أم لا، وسجد قبل السلام؛ لفوات التشهد.
وإن فارقها بيديه فقط، أو بركبتيه فقط، أو بركبتيه وإحدى يديه، رجع، وتشهد، ولا سجود عليه على المشهور؛ لخفة الأمر، فإن تمادى، ولم يرجع، فإن كان ناسيًا سجد قبل السلام، وإن كان عامدًا أو جاهلًا جرى عليه حكم من ترك ثلاث سنن عمدًا، وفي بطلان صلاته قولان في المذهب، والمشهور البطلان (٢).
ومنشأ الخلاف يرجع إلى أمرين:
أحدهما: اختلافهم في النهوض: أهو في حكم من انتصب قائمًا فلا يعود
стр. 7358
للتشهد، أم هو في حكم الجلوس حتى يستوي قائمًا فيعود إليه، أم ينظر للأقرب منهما، فإن كان إلى القيام أقرب أعطي حكم القيام، وإلا أعطي حكم الجلوس؛ لأن ما يقرب من الشيء فله حكمه؟.
والثاني: اختلافهم في موجب السجود: أهو ترك التشهد عند القائلين بوجوبه كالحنفية والحنابلة -وهذا إنما يصدق إذا فات التشهد؛ لأنه لو تعمد تركه أثم عند الحنفية، وبطلت صلاته عند الحنابلة، فإذا فات سهوًا شرع جبره بالسجود- أم هو زيادة النهوض؛ لا ترك التشهد؛ إما لأن التشهد سنة؛ وإما لأنه استدركه في حال العود إليه، بخلاف النهوض، فلو تعمده لبطلت صلاته، فكذلك إذا فعله سهوًا جبر بسجود السهو؟ (١).
إذا عرفت الأقوال، وما تفرع عنها نأتي إلى ذكر الأدلة، أسأل المولى وحده العون والتوفيق.
• دليل من قال: يرجع ما لم يستتم قائمًا ويسجد:
أما الدليل على أنه إذا استتم قائمًا فلا يجلس.
(ح-٢٦٠٥) فلما رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن الأعرج،
عن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك (٢).
وأما الدليل على جوب رجوعه إلى التشهد إذا لم يستتم قائمًا:
(ح-٢٦٠٦) فلما رواه أبو داود من طريق سفيان، عن جابر يعني الجعفي، قال: حدثنا المغيرة بن شبيل الأحمسي، عن قيس بن أبي حازم،
عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، فإن استوى قائمًا فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو.
стр. 7359
قال أبو داود: «وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث» (١).
[ضعيف، والمعروف وقفه على المغيرة] (٢).
• وجه الدلالة:
فاتفق حديث المغيرة وحديث ابن بحينة على أنه إذا استتم قائمًا لا يعود، وزاد حديث المغيرة: أن المصلي إذا لم يستتم قائمًا فعليه العود إلى التشهد.
وعليه: فإذا استتم قائمًا فلا يعود عملًا بالحديثين.
وإذا لم يستتم قائمًا رجع للتشهد عملًا بحديث المغيرة.
• ورد هذا:
بأن حديث المغيرة حديث ضعيف.
قال ابن عبد البر: «حديث ابن بحينة ثابت بنقل الأئمة، وحديث المغيرة ضعيف الإسناد، ليس مثله بحجة» (٣).
• وأجيب:
بأن كلام ابن عبد البر متوجه إلى ما عارض فيه حديث المغيرة حديث ابن بحينة، من جعل السجود للسهو بعد التسليم في مخالفة صريحة لحديث ابن بحينة حيث نص على أن السجود للسهو قبل السلام، فلا يمكن معارضة الحديث المتفق عليه بحديث ضعيف.
وأما مسألة الرجوع قبل أن ينتصب قائمًا فلم يتعرض له حديث ابن بحينة، وزاده حديث المغيرة، فالأخذ به لا يلزم منه معارضة حديث ابن بحينة، وهذا ما جعل ابن عبد البر نفسه يقول: «وإن كان في إسناده -يعني حديث المغيرة- من لا تقوم به حجة، وهو جابر الجعفي، فإنه أولى ما قيل به في هذا الباب، وعليه أكثر أهل الفتوى» (٤).
فما زاده حديث المغيرة على حديث ابن بحينة فالأخذ به أولى من الرأي على قواعد بعض أهل الحديث.
стр. 7360
وأما كونه يشرع له سجود السهو مطلقًا، عاد للتشهد أو لا، فدليل وتعليل:
فأما الدليل من السنة:
(ح-٢٦٠٧) فلما رواه مسلم من طريق زائدة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ ، فإما زاد أو نقص -قال إبراهيم: وايم الله ما جاء ذاك إلا من قبلي- قال فقلنا: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ فقال: لا. قال: فقلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين، قال: ثم سجد سجدتين (١).
• وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين)، فإن عمومه يشمل مطلق الزيادة، حتى ولو لم يستتم قائمًا.
[لفظ: (إذا زاد الرجل أو نقص) تفرد به زائدة، عن الأعمش] (٢).
ومن الآثار (ث-٦٢١) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن يحيى بن سعيد،
عن أنس قال: كنا معه، فصلى العصر، فتحرك للقيام، فسبحوا، فسجد سجدتي السهو (٣).
[صحيح] (٤).
وأما التعليل: فلأنه قد زاد فعلًا من جنس أفعال الصلاة تبطل الصلاة بعمده، فشرع لسهوه سجود السهو، كما لو زاد قيامًا، أو ركوعًا، ولذلك من زاد ركوعًا عمدًا بطلت صلاته، وإن لم يبلغ مبلغ الفعل الكثير؛ لأنه يؤثر في تغيير نظم الصلاة، فكذلك القرب من القيام، وإن لم يكن إتيانًا بصورة ركن، فهو مختص بتغيير نظم الصلاة.
• دليل من قال: إن انتهى إلى حد الراكعين رجع وسجد للسهو:
أما الرجوع؛ فلأنه لم يلابس الركن الذي يلي الجلوس، وهو القيام،
стр. 7361
فكان عليه الرجوع.
وأما كونه يسجد للسهو؛ فلأنه أتى بصورة ركن، وهو كونه انتهى بالنهوض إلى حد الراكعين، فأثر ذلك في هيئة الصلاة، كما لو ركع ساهيًا، فعمده يبطل الصلاة، وسهوه يقتضي سجود السهو.
• ويناقش:
بأنه لا وجود لركن الركوع إذا أراد النهوض للقيام ناسيًا التشهد، وكون الانحناء يقع في صورة الركوع، فهذا لا يجعله في حكم من زاد ركوعًا، وإلا للزم كل من ينهض إلى القيام أن يكون قد زاد ركوعًا خاصة إذا قام منحنيًا، فالصحيح أحد أمرين: إما أن نقول: إنه في حكم القيام متى فارق الجلوس، فإذا فارقت يداه وركبتاه الأرض فقد خرج من حد الجلوس، ودخل في حكم القيام، وإما أن نقول: لا يخرج من حكم الجلوس حتى يكون في حكم القيام، ولا يكون في حكم القيام حتى يكون قريبًا من القيام، كما أنه لا يفارق القيام لو أنه انحنى انحناء يسيرًا حتى تكون يداه قريبًا من ركبتيه، ولا توجد قسمة ثالثة، والله أعلم.
• دليل من قال: إذا كان إلى القعود أقرب رجع ولم يسجد:
أما كونه يجب عليه الرجوع؛ فلأنه حين كان أقرب إلى القعود أعطي حكم القعود، فمن ذهب إلى وجوب التشهد الأول قال بوجوب الرجوع؛ لتدارك ما هو واجب. ومن ذهب إلى أنه مسنون استحب له الرجوع؛ لأن السنة لم يفت محلها.
وأما كونه لا يشرع له سجود السهو إذا عاد؛ فلأنه عمل قليل لا يؤثر في الصلاة، قياسًا على الحركة اليسيرة في الصلاة، وقياسًا على الالتفات فيها والخطوة والخطوتين، ولأنه لا يؤثر في تغيير نظم الصلاة.
• ونوقش:
بأن الحركة اليسيرة والالتفات لا يبطلان الصلاة، ولو تعمد ذلك، بخلاف النهوض إلى القيام، فإنه لو تعمده لبطلت صلاته، فبطل القياس.
ولأن الحركة في الصلاة لا تتطلب تحرك جميع بدنه، حتى الماشي فإنه يحرك رجليه، والبدن محمولهما، فليس كالنهوض الذي يترتب عليه تحريك جملة بدنه، فهو أشد.
стр. 7362
• ورد هذا:
بأن مثل هذا المقدار من النهوض لا يبطل الصلاة، ولو تعمده؛ لأنه بمثابة التزحزح، وإنما يبطل الصلاة لو أنه نهض حتى كان إلى القيام أقرب منه إلى القعود، فإنه بذلك يخرج عن حكم الجلوس، والله أعلم.
• دليل من قال: إذا كان إلى القعود أقرب رجع وسجد:
أما الدليل على أنه يرجع إذا كان إلى القعود أقرب: فقد تقدم الاستدلال له.
وأما الدليل على أنه يسجد للسهو إذا عاد: فعلل الحنفية ذلك بأنه، وإن عاد إلى التشهد فقد أخر التشهد عن وقته حين اشتغل بالنهوض، وكان الواجب أن يصله بما قبله، فلزمه سجود السهو.
وكونه استدرك التشهد فهذا لا يسقط عنه السجود، ألا ترى من ترك ركنًا، فإنه يطالب باستدراكه، ومع ذلك يسجد للسهو.
و لأن المقتضي للسجود في هذه المسألة أحد أمرين:
إما ترك التشهد، وهو من النقص.
وإما زيادة فعل من أفعال الصلاة، وهو النهوض إلى القيام سهوًا، وكل من النقص أو الزيادة من أسباب سجود السهو، والله أعلم.
• دليل من قال: إذا كان إلى القيام أقرب لم يرجع وسجد للسهو:
المصلي إذا قام في صلاته فإنه لا يفارق حكم القيام حتى يصل إلى أدنى حد الركوع، فكان القائم في الصلاة كل من انتصب قائمًا أو انحنى انحناء يسيرًا، فإنه لا يخرج به عن حد القيام، فالأول قائم حقيقة، والثاني: حكمًا، وهذا عند جمهور الفقهاء، وسبق بيانه في المجلد السابع.
فإذا نهض المصلي ساهيًا من الركعة الثانية، ولم يجلس للتشهد، فإن كان إلى القعود أقرب، أو كان في حد الركوع فلم يبلغ حدَّ القيام فيلزمه الرجوع، حتى إذا بلغ حدًّا يجزئ في القيام، بحيث يكون إلى القيام أقرب، كان في حكم من انتصب قائمًا؛ فلا يشرع له الرجوع في أصح قولي أهل العلم؛ لحديث عبد الله بن بحينة المتفق عليه حيث سها النبي ﷺ عن التشهد، ولم يرجع إليه، وجبره بالسجود.
стр. 7363
ولأن القيام ركن مقصود، فإذا بلغه حقيقة أو حكمًا فقد فات التشهد.
ولأن التشهد إما سنة على الصحيح، وإما واجب على قول، وهو يسقط بالسهو إذا فات محله، ويجبر بالسجود بخلاف الركن فإنه لا بد من الإتيان به،
ولأن المصلي لا يرفض القيام، وهو ركن بعد الشروع فيه؛ من أجل تحصيل التشهد، وهو مسنون على الصحيح، أو واجب على قول، والله أعلم.
• دليل من قال: إذا فارق الأرض بيديه وركبتيه لم يرجع:
إذا فارق الأرض بيديه وركبتيه فقد فارق حكم الجلوس، وإذا فارقه فقد فات، فلا رجوع إليه.
ولأن النهوض ركن، وإذا تلبس بركن لم يقطعه لما دونه (١).
بخلاف ما إذا كانت يداه أو ركبتاه على الأرض، فهو لم يفارق حكم الجلوس.
ولأن بقاء يديه أو ركبتيه على الأرض يجعل حركته بمنزلة التزحزح، ولو تعمد التزحزح لم تفسد صلاته، ولا سجود عليه في الأصح؛ لخفة الأمر، ولأن ما لا يفسد عمده، لا سجود في سهوه، والله أعلم.
• الراجح:
ليس في المسألة نص مرفوع يمكن التحاكم إليه، والمسألة محاولة تلمس أقرب الأقوال إلى قواعد الشريعة، وقواعد السهو.
والذي أميل إليه أنه يعود إلى التشهد ما لم ينتصب قائمًا، أو يكون في حكم القائم كما لو كان قريبًا منه وفارق محل الركوع فإن كان إلى القعود أقرب، أو لم يفارق في الصورة حد الركوع جلس؛ لأنه لا يعتبر قائمًا، وإذا عاد للتشهد سجد للسهو، والله أعلم.
стр. 7364
المسألة الثانية إذا تذكر التشهد الأول بعد الانتصاب قائمًا وقبل القراءة
المدخل إلى المسألة:
• سقط التشهد الأول بالنسيان، وكل ما سقط بالنسيان لا يكون واجبًا على الصحيح قياسًا على سائر المسنونات.
• إذا ترك المصلي سنة حتى تلبس بغيرها لم يعد إليها؛ سواء تلبس بفرض أو سنة؛ لفوات محلها.
• قام النبي ﷺ من اثنتين من الظهر، ولم يجلس للتشهد، ولم يرجع إليه، وهذه سنة فعلية، لا يستفاد منها وجوب المضي، ولا تحريم الرجوع، بل استحباب المضي.
• لا يحفظ في النصوص نهي صريح عن الرجوع إذا انتصب قائمًا.
• الرجوع إلى التشهد خلاف السنة، ولا يلزم من مخالفة السنة الوقوع في الحرام.
• الأصح أن الرجوع إلى التشهد مكروه؛ ليس لأن القيام في الصلاة غير مقصود لذاته، بل لمخالفة السنة.
• القول بأنه لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه، هذا يصدق في مطلق الترك، أما إذا لزم من ترك السنة ارتكاب فعل في العبادة غير مشروع، كالرجوع إلى التشهد فإنه يكره.
• لا يمتنع أن يكون القيام ركنًا مقصودًا لذاته، ومقصودًا للقراءة، كالوضوء.
• إفساد الصلاة بالرجوع إلى التشهد يحتاج إلى دليل، والأصل الصحة، وعدم الفساد.
[م- ٨٨١] اختلف العلماء في الرجل ينسى التشهد الأول، فلا يتذكر إلا بعد أن ينتصب قائمًا وقبل الشروع في القراءة:
стр. 7365
فقيل: يحرم العود للتشهد، وعليه سجود السهو، ولو عاد عامدًا عالمًا بالتحريم فسدت صلاته، وهو أصح القولين في مذهب الحنفية، والمذهب عند الشافعية، وحكاه جماعة من المالكية، وصححه صاحب الإرشاد منهم، وهو رواية عن أحمد (١).
стр. 7366
قال النووي في المنهاج: «ولو نسي التشهد الأول، فذكره بعد انتصابه لم يعد له، فإن عاد عالمًا بتحريمه بطلت … » (١).
وفي المهمات: «قال أصحابنا: إذا ترك المصلي سنة، وتلبس بغيرها لم يعد إليها؛ سواء تلبس بفرض أو سنة» (٢).
وقيل: يكره له الرجوع، ولا يحرم، وهو قول في مقابل الأصح عند الحنفية، وأحد القولين عند المالكية، رجحه ابن القاسم، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
стр. 7367
قال المرداوي: «وهو الصحيح من المذهب، وقال في الفروع: والأشهر: يكره» (١).
وقيل: يجب الرجوع، وهو رواية عن أحمد (٢).
وهو فرع عن القول بأن التشهد الأول ركن، وهو رواية عن أحمد (٣).
وقيل: يخير، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤).
وسبب الخلاف: الاختلاف في حكم التشهد الأول:
فمن قال: يحرم الرجوع، قالوا: إما لأن التشهد سنة، فإذا تركه وتلبس بغيره فقد فات، فإذا عاد عامدًا عالمًا بطلت صلاته، وهذا مذهب الشافعية، وقال به الحنفية في الواجب إذا ترك سهوًا.
ومن قال: لا يحرم الرجوع؛ إما لعدم الاتفاق على فرضية الفاتحة، وهذا تعليل المالكية، وإما لأن القيام ركن غير مقصود لنفسه، وهذا تعليل الحنابلة.
ومن قال: يجب الرجوع، فهذا يرى أن التشهد ركن من أركان الصلاة، وهذا أضعفها، لمخالفته الأحاديث الصحيحة، كما سيأتي بيانه عند ذكر الأدلة.
• دليل من قال: إذا انتصب فلا يرجع فإن عاد فسدت صلاته:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٠٨) ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق يحيى بن
стр. 7368
سعيد، عن الأعرج،
عن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك (١).
• الاستدلال به من وجهين:
الوجه الأول: أن النبي ﷺ لم يرجع إلى التشهد، ولو كان ذلك مشروعًا لرجع إليه النبي ﷺ ؛ لما فيه من إصلاح صلاته، فدلَّ ذلك على فواته بالانتصاب قائمًا.
الوجه الثاني: قول النبي ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي.
رواه البخاري ومسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث (٢).
• ويناقش:
بأن هذا الحديث من السنة الفعلية، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، فالقول بتحريم العود يفتقر إلى نهي صريح، هذا من جهة؛ ولأن النبي ﷺ لم يبين بعد انصرافه من الصلاة أن الرجوع للتشهد لا يصح، فبقي الحديث سنة فعلية، وفي دلالته على الاستحباب نظر؛ لأننا لا ندري متى تذكر النبي ﷺ أنه قد ترك التشهد، أقبل شروعه في القراءة، أم بعد شروعه فيها؟
فإن كان قد تذكر ذلك قبل شروعه في القراءة كان فيه دليل على استحباب عدم الرجوع؛ لأن الترك سنة كالفعل.
وإن كان لم يرجع؛ لأنه تذكر ذلك بعد شروعه في القراءة لم يكن الحديث نصًا في مسألة البحث، ولم يكشف حديث ابن بحينة وقت التذكر، خاصة أن الصحابة لم يسبحوا بالنبي ﷺ حين نهض للقيام، فوجب النظر في دليل آخر يدل على ترك الرجوع بمجرد الانتصاب، وقبل القراءة، والله أعلم.
وأما الاستدلال على الوجوب بالجمع بين فعل النبي ﷺ ، وبين قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ليخرج الحكم دليلًا على الوجوب مركبًا من دليلين، فهذا المنزع ضعيف الدلالة، فصلاة النبي ﷺ مشتملة على سنن وفروض، ولم تكن
стр. 7369
صلاته مقتصرة على الفروض فقط، فلا يمكن الاستدلال بهذا الفعل العام المشتمل على هيئات وأقوال وأفعال أحكامها مختلفة على وجوب جميع أفعال الصلاة إلا بدليل يخرجها عن الوجوب، بل أفعال النبي ﷺ تدل على المشروعية، وأما الاستدلال على الوجوب والشرطية والركنية فيحتاج إلى دليل خاص، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٢٦٠٩) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ليث بن سعد، عن يزيد، أن عبد الرحمن بن شِماسة حدثه،
أن عقبة بن عامر قام في صلاة، وعليه جلوس، فقال الناس: سبحان الله، فعرف الذي يريدون، فلما أن صلى سجد سجدتين، وهو جالس، فقال: إني قد سمعت قولكم، وهذه سنة (١).
[صحيح] (٢).
وقد سبحوا به، والظاهر أن ذلك قبل شروعه بالقراءة، فتكون دلالته على ترك الرجوع بالانتصاب أقوى من حديث ابن بحينة.
стр. 7370
• ونوقش:
بأن قول الصحابي ﵁: (هذه سنة)، السنة: هي الهدي والطريقة، وهذا اللفظ إما أن نعتبره مجملًا، ونحتاج إلى دليل آخر يبين حكمه؛ لكونه مشتركًا بين السنة والواجب، أو نحمله على الاستحباب لكونه هو المتيقن، ولا يحمل على الوجوب إلا بقرينة، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-٢٦١٠) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق عبد الله بن صالح، قال: حدثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، أن محمد بن عجلان، مولى فاطمة حدثه عن محمد بن يوسف، مولى عثمان حدثه، عن أبيه:
أن معاوية بن أبي سفيان، صلى بهم فقام، وعليه جلوس، فلم يجلس. فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم، وقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصنع (١).
[حسن إن شاء الله تعالى] (٢).
والجواب عنه كالجواب عن حديث ابن بحينة.
الدليل الرابع:
(ح-٢٦١١) ما رواه أبو داود من طريق سفيان، عن جابر يعني الجعفي، قال: حدثنا المغيرة بن شبيل الأحمسي، عن قيس بن أبي حازم،
عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، فإن استوى قائمًا فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو.
قال أبو داود: وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث (٣).
وجه الاستدلال:
قوله: (فإن استوى قائمًا فلا يجلس) فالأصل في النهي التحريم، هذا من حيث الحكم التكليفي، ومن حيث الحكم الوضعي، فإن النهي على الصحيح يقتضي الفساد.
стр. 7371
• وأجيب:
بأن الحديث ضعيف، وسبق تخريجه.
ولو صح الحديث لم نسلم أن دلالة النهي في الحديث للتحريم، وسوف نبين هذا عند الكلام على أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى.
الدليل الخامس: من الآثار:
(ث-٦٢٢) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن بيان، عن قيس قال:
صلى سعد بن مالك بأصحابه، فقام في الركعة الثالثة، فسبح به القوم، فلم يجلس، وسبح هو، وأشار إليهم أن قوموا، فصلى وسجد سجدتين (١).
[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا ولا يصح] (٢).
стр. 7372
(ث-٦٢٣) ومنها ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق أبي داود، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، قال:
صلى بنا ابن الزبير ﵄، فقام في الركعتين الأوليين، فسبحنا به، فقال: سبحان الله، ولم يلتفت إليهم فقضى ما عليه، ثم سجد سجدتين بعد ما سلم (١).
[صحيح] (٢).
فهذان أثران عن اثنين من الصحابة، ولا يعلم لهما مخالف، والظاهر من الأثرين أن جماعة المصلين سبحوا بهما قبل شروعهما في القراءة، ومع ذلك مضيا في صلاتهما، ولم يرجعا، ولو كان الإصلاح ممكنًا لرجعا إلى التشهد، فدل على تحريم الرجوع، والله أعلم.
• ونوقش هذا:
بأن فعل الصحابي يدل على المشروعية، ولا يدل على الوجوب، والله أعلم.
стр. 7373
الدليل السادس:
أن القيام ركن، والتشهد إما سنة على الصحيح، وإما واجب على قول، فإذا تلبس بالركن لم يرفضه لما هو أقلُّ منه.
والدليل على أن التشهد سنة: سقوطه بالنسيان، كما دل على ذلك حديث ابن بحينة، وكل ما سقط بالنسيان لا يكون واجبًا قياسًا على سائر المسنونات، فلو كان التشهد واجبًا لرجع النبي ﷺ إلى التشهد لإصلاح صلاته، فالقول بوجوبه مع تركه دليل على ضعف مأخذ الوجوب.
فإن قيل: لو كان مسنونًا فلماذا يجبر بسجود السهو؟ والسجود زيادة فعل في الصلاة، فلا يزاد فيها إلا إذا كان المقتضي واجبًا.
وقياسًا على جبر واجبات الحج بترك مأمور أو فعل محظور، فإن الحج لا يبطل، والجبر واجب في قول جمهور العلماء.
فالجواب: أن جبر التشهد الأول بالسجود جاء من السنة الفعلية، ولا أعلم دليلًا يأمر المصلي بسجود السهو إذا ترك التشهد الأول، وفعل النبي ﷺ لا يدل على الوجوب.
وجمهور أهل العلم على مشروعية جبر السنن المؤكدة إذا سها عنها، خلافًا للحنفية، فلم يكن الجبران دليلًا على وجوب التشهد، وهذا سجود التلاوة سنة، وهو يزاد في الصلاة، فلم يكن فعله في الصلاة دليلًا على وجوب السجود.
ولا يصح القياس على واجبات الحج؛ لأكثر من وجه:
أحدها: أن أفعال الحج تنقسم إلى أركان وواجبات، وسنن، بالإجماع، بخلاف الصلاة، فالعلماء مختلفون في وجود قسم الواجب في أفعالها، فالمالكية والشافعية يذهبون إلى تقسيم أفعال الصلاة إلى فروض وسنن، ولا واجب فيها، وهو الصواب، خلافًا للحنفية والحنابلة، وقد سبق بحث هذه المسألة.
الثاني: اختلاف الموجب، فدم الجبران الذي سببه فعل محظور، أو ترك مأمور في واجبات الحج يشترط لوجوبه أن يكون متعمدًا على الصحيح، بخلاف الجبر في الصلاة، فموجبه السهو، ولا جبران للمتعمد.
стр. 7374
الدليل السابع:
أن الرجوع إلى التشهد يعتبر زيادة في صلاته، فتعمده يبطل الصلاة.
• ونوقش:
بأن الرجوع من قبيل زيادة الحركة في الصلاة، وهو من الحركة اليسيرة، فلا تؤدي إلى البطلان.
• دليل من قال: يكره الرجوع فإن عاد لم تفسد صلاته:
الدليل الأول:
لا يحفظ في النصوص نهي صريح عن الرجوع إذا انتصب قائمًا، والأحاديث الواردة تدل على أن السنة إذا انتصب قائمًا لا يعود للتشهد، فكان الرجوع إلى التشهد مخالفًا للسنة، ولا يلزم من مخالفة السنة الوقوع في الحرام، فمثله يكون مكروهًا وأما التحريم فيفتقر إلى نهي صريح عن الرجوع بعد الانتصاب، ولا يحفظ مثل ذلك في النصوص.
الدليل الثاني:
(ح-٢٦١٢) ما رواه أبو داود من طريق سفيان، عن جابر يعني الجعفي، قال: حدثنا المغيرة بن شبيل الأحمسي، عن قيس بن أبي حازم،
عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن يستوي قائمًا فليجلس، فإن استوى قائمًا فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو.
قال أبو داود: وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث.
[سبق تخريجه] (١).
وجه الاستدلال:
النهي في الحديث في قوله: (فإن استوى قائمًا فلا يجلس) للكراهة، والصارف عن التحريم كون الرجوع عن القيام في الصلاة قبل الشروع في القراءة، والقيام لا يعدُّ ركنا مقصودًا بذاته، بل هو مقصود لغيره، وهو القراءة، وقد نص الحنفية، والمالكية على أن القيام مقصود لغيره، ولهذا كان القيام المفروض مُقَدّر بالقراءة المفروضة حتى قال المالكية: إذا عجز عن القراءة سقط عنه القيام، وكما يسقط
стр. 7375
القيام عن المسبوق لفوات القراءة عنه.
• ويناقش:
الأصح أن الرجوع مكروه؛ ليس لأن القيام غير مقصود لذاته، بل لأنه لم يحفظ في الباب نهي عن الرجوع، وإنما هو مخالف للهدي النبوي الدال على استحباب المضي في الصلاة.
فإن قيل: لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه.
فالجواب: هذا يصدق على مطلق الترك، وأما إذا لزم من ترك السنة ارتكاب فعل غير مشروع في العبادة كان ترك السنة مكروهًا.
وعلى التنزل فإن أقلَّ ما يقال في الرجوع: إنه من قبيل خلاف الأولى، وهو درجة من المكروه عند الأصوليين، فهم يقسمون المكروه إلى قسمين:
أحدهما: ما ثبت النهي عنه، لا على سبيل الإلزام، وهذا أعلى درجات الكراهة.
وثانيهما: ما كان مخالفًا لسنة النبي ﷺ وهديه في عبادته، وهذا يعبر عنه بعض الفقهاء بخلاف الأولى، وهذا منه.
وأما التعليل بأن القيام ليس مقصودًا لذاته، فهذا محل بحث، فلا يمتنع أن يكون القيام ركنًا مقصودًا لذاته، ومقصودًا للقراءة، كالوضوء، فهو مقصود في نفسه، ووسيلة لغيره.
يقول ابن رجب في القواعد: «العاجز عن القراءة يلزمه القيام؛ لأنه وإن كان مقصوده الأعظم القراءة، لكنه أيضًا مقصود في نفسه، وهو عبادة منفردة» (١).
فالقيام تعظيم لله كالركوع والسجود قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فأمر بالقيام في الصلاة.
وأثنى الله على المؤمنين بقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤].
وكان النبي ﷺ يكره من أصحابه أن يقوموا له إذا رأوه (٢).
стр. 7376
وقال ﷺ : من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار (١)، لما في القيام من التعظيم الذي لا يصرف إلا لله.
ولأن القيام بعد الركوع ركن، ولا قراءة فيه.
ولأن الأصل في الصلاة الأفعال، والأذكار تبع لها، فلو عجز عن الأفعال سقطت الصلاة، ولو عجز عن الأقوال لم تسقط، فالركوع والسجود والاعتدال منهما، والجلوس بين السجدتين كلها أركان في الصلاة، وأذكارها من السنن في قول جمهور أهل العلم، وهو رواية عن أحمد، وقد تم بحث هذه المسائل في صفة الصلاة.
• دليل من قال: الرجوع واجب:
أن الجلوس للتشهد الأول جزء من ماهية الصلاة، فحقيقة الصلاة قيام، وركوع، وسجود، وقعود، فهذه أبعاض الصلاة التي تقوم عليها الماهية، والجلوس للتشهد أولى بالركنية من القول بركنية ما بين السجدتين؛ لأن الجلوس للتشهد مقصود لذاته، والجلوس بين السجدتين شرع للفصل بين السجدتين.
• ويناقش:
هذا نظر في مقابل النص، فهو نظر فاسد.
ولأن الأركان إذا تركت لابد من القيام بها، ولا يكتفى بجبرها بسجود السهو، فلما لم يرجع النبي ﷺ إلى التشهد الأول حين تركه، وصحت الركعة الثالثة والرابعة مع سقوطه كان ذلك دليلًا على عدم ركنيته.
• دليل من قال: الرجوع إلى التشهد جائز:
التشهد سنة، وليس بواجب، وتداركه جائز، والنبي ﷺ حين اختار الترك وعدم الرجوع للتشهد لم يأمر به أصحابه، ولم يوجه لهم نهي عن الرجوع للتشهد،
стр. 7377
فكان ذلك أمارة على جواز الأمرين: المضي والرجوع، خاصة أن القيام ركن ليس مقصودًا لذاته بل هو مقصود للقراءة، ولم يشرع فيها، فكان القول بالجواز هو الأقرب، والله أعلم.
• ويناقش:
الأصل أن ما فعله النبي ﷺ على وجه التعبد أنه مستحب حتى تقوم قرينة تدل على أن الفعل من قبيل المباح، ولا توجد هذه القرينة، والله أعلم.
• الراجح:
أن المصلي لا يرجع إذا انتصب قائمًا، ولو رجع عالمًا فهذا الفعل خلاف السنة، ولم تفسد صلاته، لأن الأصل الصحة، والفساد يحتاج إلى دليل، ولا دليل على الفساد، والله أعلم.
стр. 7378
المسألة الثالثة إذا تذكر التشهد الأول بعد الشروع في القراءة
المدخل إلى المسألة:
• قام النبي ﷺ من اثنتين من الظهر ناسيًا التشهد الأول، ولم يرجع إليه، وظاهره من غير فرق بين أن يكون شرع في القراءة أم لا، ولو كان الحكم يختلف بعد شروعه في القراءة لبينه النبي ﷺ .
• لم يسبح الصحابة بالنبي ﷺ حين ترك التشهد، ولا ندري متى تذكر النبي ﷺ أنه قد ترك التشهد، أقبل شروعه في القراءة، أم بعد شروعه فيها؟ والظاهر عدم الفرق.
• لا يحفظ في النصوص نهي صريح عن الرجوع إذا انتصب قائمًا.
• إذا ترك المصلي سنة حتى تلبس بغيرها لم يعد إليها؛ سواء تلبس بفرض أم بسنة؛ لفوات محلها.
• الرجوع إلى التشهد خلاف السنة، وهذا مقطوع به، والنظر: هل يلزم من مخالفة السنة الوقوع في الحرام، وعلى القول بأنه حرام، فهل يقتضي الفساد، كل ذلك يحتاج إلى أدلة صريحة؛ لأن الأصل الصحة، وعدم الفساد.
• القول بأن القيام ركن غير مقصود فيقبل الرفض بخلاف القراءة ليس عليه دليل صحيح، ولا يمتنع أن يكون القيام ركنًا مقصودًا لذاته، ومقصودًا للقراءة، كالوضوء.
[م- ٨٨٢] اختلف العلماء في حكم الرجل ينسى التشهد الأول، فلا يتذكره حتى ينتصب قائمًا، ويشرع في القراءة:
فقيل: يحرم الرجوع، وهو أصح القولين في مذهب الحنفية، والمذهب عند
стр. 7379
الشافعية والحنابلة، وقال به بعض المالكية (١).
وقيل: إذا رجع بعد قراءة بعض الفاتحة لم تبطل صلاته، فإن رجع بعد قراءتها كلها بطلت، نص عليه الطخيخي من المالكية، ونقله الزرقاني والدسوقي والعدوي (٢).
стр. 7380
وقيل: لا تفسد صلاته، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، ورجحه ابن الهمام، وهو قول في مقابل الأصح (١).
وقيل: يرجع ما لم يركع، وبه قال الحسن البصري (٢).
• دليل من قال: يحرم الرجوع وتفسد صلاته:
كل الأدلة التي استدل بها من قال: إذا انتصب قائمًا حرم الرجوع وبطلت صلاته قد استدل به من قال: يحرم الرجوع إذا شرع في القراءة، وقد ذكرت أدلتهم في المسألة السابقة فارجع إليها دفعًا للتكرار، وزادوا على ذلك: بأنه إذا تلبس بالقراءة فقد تلبس بركن مقصود، فيمتنع الرجوع، والتشهد إما سنة على الصحيح أو واجب، وكلاهما يفوت بالنسيان، ويجبر بسجود السهو، بخلاف الركن فإنه
стр. 7381
لا بد من الإتيان به إن كان يمكن تداركه، فإن فات بطلت الركعة، وأتى بركعة بدلها.
• دليل من قال: لا تفسد صلاته:
بالرجوع إلى التشهد الأول فقد رفض القيام، وما دون الركعة يقبل الرفض على قواعد الحنفية، ولهذا لو حلف لا يصلي لا يحنث بما دون الركعة، ولو قام في الظهر إلى خامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد؛ لأن ما دون الركعة يقبل الرفض، والركعة تتقيد عندهم بسجدة، وإنما الثانية تكرار، فإذا سجد لم تقبل الرفض عند الحنفية، وضم إليها ركعة أخرى، وانقلبت نفلًا.
والتعليل في المسألتين: أن ما دون الركعة يقبل الرفض (١).
وغاية ما ترتب على رجوعه زيادة قدر من القيام، ومثله لا يبطل الصلاة؛ لأن زيادة ما دون الركعة لا يفسدها عند الحنفية.
قال السرخسي في المبسوط: «ما دون الركعة يحتمل الرفض والركعة الكاملة لا تحتمله؛ ولأن زيادة ما دون الركعة لا يفسد الصلاة» (٢).
• دليل من قال: إن رجع قبل إتمام قراءة الفاتحة لم تبطل وإلا بطلت:
لعل مستند هذا القول راجع إلى أن الركن هو قراءة الفاتحة كلها، أما قراءة بعضها فلا يكون دَرَكًا للركن، ألا ترى أنه لو قرأ بعض الفاتحة، ونسي بعضها سجد للسهو عند المالكية، وصحت صلاته، ولو كان المتروك بمنزلة الفرض لما جبر بسجود السهو؛ لأن الأركان لا بد من الإتيان بها، ولا يجبرها سجود السهو.
جاء في تحبير المختصر: «المصلي إذا ترك آية من الفاتحة فإن صلاته صحيحة» (٣).
وهذا التوجيه تفريع على القول بأن الفاتحة ركن في كل ركعة، وهو مذهب المدونة (٤).
стр. 7382
وأما على القول بأن الفاتحة ركن في الأكثر، فلو ترك قراءة الفاتحة كلها في ركعة من ثلاثية أو رباعية سهوًا سجد للسهو، وقد تكلمت على هذه المسألة.
• دليل من قال: يرجع ما لم يركع:
لعل قائل هذا القول يرى أن الركعة لا تدرك إلا بإدراك الركوع، وإذا فات الركوع فاتت الركعة، فمادام أن تارك التشهد لم يركع لم يحصل له درك الركعة فيمكنه الرجوع إلى التشهد، حتى إذا ركع، فقد أدرك الركعة، وامتنع الرجوع، والله أعلم.
• ويناقش:
بأن هذا اجتهاد في مقابل النص، فيكون فاسدًا.
• الراجح:
أن المصلي إذا انتصب قائمًا وشرع بالقراءة فلا يرجع؛ خاصة أن الراجح في التشهد أنه سنة، والقيام وقراءة الفاتحة من الأركان، فلا يدع الأركان من أجل سنة لم يتعمد تركها، فيمضي، ويسجد للسهو، وهو مقتضى حديث ابن بحينة، والسنة تفوت بفوات محلها، وأما الحكم بفساد صلاته إذا رجع فلم يتبين لي، وأسأل الله أن يشرح صدري للحق فيها، والله أعلم.
стр. 7383
المطلب الرابع نقص السنن في الصلاة
المسألة الأولى نقص السنن في الصلاة سهوًا
المدخل إلى المسألة:
• سجود السهو زيادة في الصلاة، فلا يشرع إلا بتوقيف.
• الأصل عدم مشروعية سجود السهو إلا بنص، أو إجماع.
• لا يحفظ في النصوص السجود لترك سنة، إلا ما جاء في ترك التشهد الأول، على خلاف في حكمه، أهو من السنن، أم هو من الواجبات؟ والأول أقوى.
• قال النووي: ورد التوقيف في التشهد الأول وجلوسه، وقسنا باقيها -أي باقي السنن- عليه؛ لاستواء الجميع في أنها سنن متأكدة.
• جميع السنن التي ألحقها الشافعية بالتشهد، لا تتفق مع السنن التي ألحقها المالكية به، مما يضعف القول بالقياس.
• قال ﷺ : إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين، تفرد به زائدة.
• قوله ﷺ : ( .. أو نقص) مطلق، يحتمل أن يراد به ما يعم نقص الفرض والكمال، فيدخل فيه نقص السنن، ويحتمل أن يراد به النقص الموجب لسجود السهو؛ لقوله: (فليسجد)، ولأن ترك السنن لا توصف معه الصلاة بالنقص.
• قال ﷺ : (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) عمومه يشمل نسيان السنن؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، إلا أن هذا اللفظ شاذ أيضًا.
стр. 7384
[م- ٨٨٣] اختلف الفقهاء في مشروعية سجود السهو لترك السنن في الصلاة سهوًا بعد اتفاقهم على السجود لترك التشهد الأول وجلسته، على خلاف بينهم في حكم التشهد، أهو من السنن، أم هو من الواجبات:
فقيل: لا يشرع السجود لترك سنة مطلقًا، من غير فرق بين السنن المؤكدة، وغيرها، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: يشرع السجود، وهو مذهب الجمهور، على خلاف بينهم في جنس السنن التي يشرع السجود لتركها.
فقال المالكية: السنن: قسمان: مؤكدة، وخفيفة، وتسمى فضيلة، فإن ترك سنة مؤكدة سهوًا، أو سنتين خفيفتين استحب له السجود، لا سنة واحدة خفيفة، فإن سجد لها بطلت صلاته، إلا أن يقع تركها مصاحبًا لزيادة، كما لو قام إلى خامسة في صلاته، فإن ترك ثلاث سنن فأكثر وجب السجود (٢).
стр. 7385
وقال الشافعية: السنن أبعاض وهيئات، فإذا ترك ما اصطلح على تسميته أبعاضًا استحب له السجود، ولا يسجد لما يسميه الشافعية: هيئات (١).
وقيل: يسجد لترك كل مسنون، ذِكْرًا كان أو فعلًا، وهو قول قديم عند الشافعية، ووصفه النووي بالشذوذ (٢).
وقيل: إذا أتى بذكر قوليٍّ مشروع ركنًا كان أو غيره في غير موضعه غير السلام
стр. 7386
استحب له السجود، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة (١).
والقول المشروع يشمل الركن والمسنون.
جاء في المهذب: «وإن قرأ في غير موضع القراءة سجد؛ لأنه قول في غير موضعه» (٢).
فهذا يشمل الركن كالفاتحة، والمسنون كسورة الإخلاص كما نصوا على ذلك، ولا يدخل فيه السنة الفعلية؛ لأنهم خصوه بالقول، فخرج به الفعل.
وقال الحنابلة في المعتمد: «يباح السجود إذا ترك سنة مطلقًا (٣).
стр. 7387
جاء في الإقناع: «ولا يشرع السجود لترك سنة، ولو قولية، وإن سجد فلا بأس نصًا» (١).
وقال في غاية المنتهى: «وهو إما مباح، كترك سنة، أو مسنون، كإتيان بقول مشروع في غير موضعه، سهوًا، كقراءته سورة في الأخيرتين، أو قاعدًا، أو ساجدًا، وتشهده قائمًا» (٢).
فقول الحنابلة: (وتشهده قائمًا): التشهد عند الحنابلة إن كان الأخير فهو فرض، وإن كان الأول فهو واجب، فدل على أنه لا فرق بين الركن وغيره.
وقيل: يسن السجود إذا ترك سنة فعلية، وهو قول في مذهب المالكية (٣).
هذه هي أقوال فقهائنا واختلافهم في اعتبار ترك السنن سببًا لسجود السهو، وملخصه:
قيل: لا يسجد مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، وبه قال المالكية والشافعية في بعض السنن، يسميها المالكية: فضائل وذلك في كل سنة ليست مؤكدة، ويسميها الشافعية: هيئات في مقابل ما يسمونه أبعاضًا.
وقيل: يسن السجود مطلقًا، وهو قول قديم للشافعية.
وقيل: يسن سجود السهو في ترك بعض السنن، وبه قال المالكية والشافعية على خلاف بينهم في تعيينها، ويسميها المالكية سننًا مؤكدة، ويسميها الشافعية: أبعاضًا، وعددها ست عند الشافعية، وثمان عند المالكية، لا يتفقون على شيء منها إلا على التشهد الأول وجلسته، وما عداهما فهم مختلفون في السجود لتركها.
وانفرد الشافعية باعتبار ترك السنة عمدًا سببًا لسجود السهو.
وانفرد المالكية في القول بوجوب السجود إذا ترك ثلاث سنن.
وانفرد الحنابلة باعتبار السجود لترك السنة سهوًا من قبيل المباح إلا أن يأتي بذكر قوليٍّ مشروعٍ في غير موضعه فيستحب وفاقًا للشافعية.
стр. 7388
• دليل من قال: لا يسجد لترك سنة:
الدليل الأول:
الأصل في العبادات المنع، وليس هناك سنة في الباب يمكن الاحتجاج بها، وسجود السهو زيادة في الصلاة، لا يجوز إلا بتوقيف، من نص، أو إجماع.
• ونوقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
من ذهب إلى مشروعية السجود لترك السنة له أدلة خاصة، كالسجود لترك التشهد، وله أدلة عامة كحديث: (من زاد أو نقص فليسجد سجدتين).
وحديث: (إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) وغيرها من الأدلة التي سوف آتي على ذكرها ومناقشة ثبوتها في أدلة القول الآخر.
الوجه الثاني:
قولكم: السجود زيادة في الصلاة … إلخ فيقال: لا مانع من زيادة السجود في الصلاة إذا وجد مقتضيه، سواء أكان المقتضي واجبًا أم مسنونًا، قياسًا على سجود التلاوة، فإنه سنة، وفعله في الصلاة لا يفسدها.
الدليل الثاني:
كل ما يوجب عمده بطلان الصلاة فسهوه يوجب سجود السهو، والسنة تركها عمدًا لا يبطل الصلاة، فتركها سهوًا لا يقتضي سجود السهو.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
ترك السنة لا يوجب السجود، هذا مسلم، إلا أن نفي الوجوب لا يلزم منه نفي الاستحباب.
الوجه الثاني:
يجب أن تكون القاعدة مطردة حتى يمكن الاحتجاج بها؛ لأنها ليست نصوصًا شرعية، خاصة إذا كانت هذه القواعد مختلفًا فيها، وهذه القاعدة ليست مطردة حتى عند الحنفية، وهم من تفرد بنفي مشروعية السجود مطلقًا لترك السنن، فالتشهد الأول وكذا جميع واجبات الصلاة تركها عمدًا عند الحنفية لا يبطل الصلاة، ويشرع
стр. 7389
سجود السهو إذا تركها سهوًا، فانتقضت القاعدة.
الدليل الثالث:
سجود السهو واجب عند الحنفية، ولا يجبر المسنون بما هو أعلى منه بخلاف الواجب؛ فالشيء يجبر بمثله.
• ويناقش:
القول بأن سجود السهو لا يقع إلا واجبًا، هذا استدلال في محل النزاع، فأين الدليل على أن سجود السهو لا يكون مسنونًا، فالذين قالوا بالسجود لتعويض السنن يرون سجود السهو سنة، إما مطلقًا كالمالكية والشافعية، وإما في حال كان عن ترك مسنون.
• دليل من قال: يشرع السجود لترك بعض السنن:
الدليل الأول:
(ح-٢٦١٣) روى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن الأعرج،
عن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك (١).
وجه الاستدلال:
قال النووي: «ورد التوقيف في التشهد الأول وجلوسه، وقسنا باقيها -أي: باقي السنن- عليه؛ لاستواء الجميع في أنها سنن متأكدة» (٢).
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
حكم التشهد الأول مختلف فيه، فالمالكية والشافعية وبعض الحنفية، ورواية عن أحمد يعتبرونه من السنن، والحنفية والحنابلة في المعتمد يلحقونه بالواجبات، فهذا الدليل إنما يلزم من يرى التشهد الأول من السنن، وهي مسألة خلافية.
стр. 7390
• ورد هذا:
قد بحثت حكم التشهد الأول في صفة الصلاة، وبينت أن الراجح فيه أنه من السنن، وأن أفعال الصلاة كلها لا واجب فيها، فهي إما فروض، وإما سنن، وقد ترك النبي ﷺ أصحابه يجتهدون في ألفاظ التشهد، ولم يرشدهم إلى قول التحيات إلا حين وقعوا في الخطأ، وفي هذا دليل على عدم وجوبه، وقول النبي ﷺ : (لا تقولوا السلام على الله … ولكن قولوا: التحيات لله) المقصود من الحديث النهي عن الخطأ، وليس الإلزام بالتشهد كقوله ﷺ : (لا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)، ولأن الأمر إذا تسبب فيه المأمور، إما بالسؤال، وإما بالتعبد بما لا يشرع، فجاء الأمر من الشارع بالصواب، لم يكن الأمر دالًا على الوجوب، وتشبيه تعليم التشهد بتعليم السورة من القرآن لا يدل على الوجوب؛ لأن هذا التشبيه قيل في تعليم الاستخارة، وهي ليست واجبة إجماعًا وقيل في تعليم الاستعاذة بالله من أربع في التشهد الأخير، والراجح فيها عدم الوجوب، ولم يذكر التشهد في حديث المسيء صلاته، ولو كان واجبًا لذكره؛ وحديث المسيء صلاته عند أكثر الفقهاء خرج مخرج البيان لما هو لازم لصحة الصلاة.
ولأن التشهد الأول يسقط بالنسيان وهذا دليل على عدم وجوبه حتى يقوم دليل صحيح صريح يدل على وجوب التشهد، وإلا فالواجبات لا تسقط إلا بفعلها، والسهو يرفع الإثم، ولا يسقط به المأمور، فإذا ترك النبي ﷺ الفعل للسهو عنه ولم يرجع إليه مع إمكان الرجوع إليه، دل ذلك على ضعف مأخذ الوجوب.
وأما قول ابن قدامة: «لولا أنه واجب لما سجد جبرًا لنسيانه، وغير التشهد من الواجبات مقيس عليه، ومشبه به» (١).
فالجواب أن يقال: لا أعلم دليلًا يأمر المصلي بالسجود للسهو إذا ترك التشهد الأول، إلا ما كان من فعل النبي ﷺ ، وفعله لا يدل على الوجوب، والجمهور ومعهم الحنابلة لا يمنعون من السجود للسهو للسنن خلافًا للحنفية، فلا يكون