← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قال النووي: «فلو قال: حي على الصلاة، أو الصلاة خير من النوم بطلت صلاته، إن كان عالما بتحريمه؛ لأنه كلام آدمي» (١). قال ابن دقيق العيد: «أما الحيعلة، فإما أن يجيب بلفظها، أو لا: فإن أجاب بالحوقلة لم تبطل؛ لأنه ذكر، كما في غيرها من الذكر الذي في الأذان. وإن أجاب بلفظها بطلت، إلا أن يكون ناسيًا، أو جاهلًا بأنه يبطل الصلاة» (٢). وحجة الشافعية: حديث معاوية بن الحكم المتقدم حيث لم يؤمر بالإعادة لجهله بالحكم. وأجاب عنه من قال بعدم العذر بالجهل بجوابين: أحدهما: عدم نقل الإعادة ليس نقلًا للعدم، فليس تركه لذكر الإعادة دليلًا على أنه لم يؤمر بها، ولا أن الصلاة أجزأته (٣). الثاني: على فرض أنه لم يؤمر بالإعادة فليس فيه حجة، فالعلم بالنسخ شرط لوجوب الإعادة، ذلك أن الكلام كان مباحًا في أول الإسلام، ثم نسخ، والنسخ لا يثبت في حق الجاهل قبل العلم، بدليل قصة أهل قباء في القبلة (٤). ومذهب الشافعية أقوى، والله أعلم.

стр. 737

الفصل الثامن في حكاية المؤذن لأذانه المدخل إلى المسألة: * النهي عن الكلام، والإمام يخطب يوم الجمعة لا يشمل الإمام، ومثله حديث: إذا سمعتم المؤذن لا يشمل المؤذن. * الفعل المتعدي إلى مفعول، أو المتعلق بظرف أو مجرور، إذا كان مفعوله أو متعلقه عامًّا، أيدخل الفاعل الخاص في عمومه، أم يكون ذكر الفاعل قرينة مخرجة له من العموم، أم يختلف ذلك بحسب القرائن؟ [م-١١٤] اختلف العلماء في المؤذن هل يحكي أذان نفسه؟ فقيل: إذا فرغ من الأذان فله أن يحكي أذانه إن شاء، وهو مذهب المالكية (١). وهذه العبارة تدل على الإباحة، وإنما لا يفعل المؤذن ذلك حتى يفرغ من الأذان؛ لكي لا يؤدي ذلك إلى الفصل بين كلمات الأذان. وقيل: يجيب نفسه بين كلمات الأذان خفية، وهو المذهب المنصوص عن أحمد، وبه قال ابن الملقن من الشافعية (٢).

стр. 738

قال ابن رجب: «وهل يشرع للمؤذن نفسه أن يجيب نفسه بين كلمات الأذان؟ ذكر أصحابنا أنه يشرع له ذلك، وروي عن الإمام أحمد أنه كان إذا أذن يفعل ذلك». وقيل: لا يستحب للمؤذن أن يجيب أذان نفسه، قال ابن مفلح في الفروع: وظاهر كلام جماعة: لا يجيب نفسه (١). * دليل من قال: يجيب المؤذن نفسه: الدليل الأول: عموم قوله ﷺ : (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن)، سبق تخريجه من حديث أبي سعيد في الصحيحين. وجه الاستدلال: أن المؤذن يسمع نفسه، فيكون مأمورًا بالإجابة. الدليل الثاني: القياس على تأمين الإمام على قراءة الفاتحة مع المأمومين. * ونوقش: قال ابن رجب: «وفي هذا نظر؛ فإن تأمين الإمام وردت به نصوص، وقوله ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن)، ظاهره: يدل على التفريق بين السامع والمؤذن، فلا يدخل المؤذن، كما قال أصحابنا في النهي عن الكلام لمن يسمع الإمام وهو يخطب، أنه لا يشمل الإمام (٢). * دليل من قال: لا يجيب المؤذن نفسه: النهي عن الكلام، والإمام يخطب يوم الجمعة لا يشمل الإمام، ومثله حديث: إذا سمعتم المؤذن لا يشمل المؤذن.

стр. 739

وصاغ ابن رجب ﵀ في كتابه القواعد قاعدة مستقلة، فقال: «الفعل المتعدي إلى مفعول، أو المتعلق بظرف أو مجرور، إذا كان مفعوله أو متعلقه عامًّا، فهل يدخل الفاعل الخاص في عمومه، أم يكون ذكر الفاعل قرينة مخرجة له من العموم، أو يختلف ذلك بحسب القرائن؟ فيه خلاف في المذهب، والمرجح فيه التخصيص إلا مع التصريح بالدخول، أو قرائن تدل عليه. وتترتب على ذلك صور متعددة: منها النهي عن الكلام، والإمام يخطب لا يشمل الإمام على المذهب المشهور. ومنها الأمر بإجابة المؤذن، هل يشمل المؤذن نفسه؟ المنصوص ههنا الشمول، والأرجح عدمه طردًا للقاعدة» (١). وذكر ابن اللحام أن قاعدة المذهب في أقوال غير الشارع، أما خطاب الشارع فيدخل، واستدل على ذلك بأن الخطاب الثابت للصحابة ثابت للنبي ﷺ (٢). * الراجح: أن المؤذن لا يتابع نفسه؛ لأن الخطاب لم يوجه للمؤذن، وأذان المؤذن أبلغ من الإجابة، لأن غاية الإجابة أن يقول السامع مثل قول المؤذن، فلا حاجة للمؤذن أن يعيد قوله، ولأن الغاية من إجابة السامع ليشارك المؤذن في الثواب، فلا معنى لإجابة المؤذن للأذان، ولأن الإجابة لنفسه قد تشوش عليه ترتيب الأذان، والله أعلم.

стр. 740

الفصل التاسع في مشروعية إجابة الإقامة المدخل إلى المسألة: * لا يصح حديث في إجابة المؤذن في الإقامة، والأصل في العبادات المنع. * تسمية الإقامة أذانًا جاء من باب التغليب، فلا يصح تسميتها أذانًا بمفردها، كما يقال الأبوان، والقمران، فلا تسمى الأم أبًا، ولا الشمس قمرًا بمفردهما. [م-١١٥] اختلف الفقهاء في استحباب إجابة المؤذن في الإقامة: فقيل: يستحب لمن سمع الإقامة أن يقول مثل ما يقول إلا في الحيعلة، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي لفظ الإقامة يقول: أقامها الله وأدامها، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وحكي قولًا في مذهب المالكية. وقيل: يجمع بالإجابة بين قوله: قد قامت الصلاة، وأقامها الله وأدامها، زاد بعضهم: ما دامت السماوات والأرض (١). وعلى هذين القولين تكون الأذكار التي تقال بعد الأذان تقال بعد الإقامة (٢).

стр. 741

وقيل: لا يحكي الإقامة، وهو ظاهر مذهب المالكية (١). وقيل: لا تسن الإجابة في الإقامة إلا في قوله: قد قامت الصلاة خاصة، وهو وجه عند الشافعية، ووصفه النووي بالشذوذ (٢). وقيل: الدعاء عند الإقامة، أو بعد الفراغ منها أفضل من حكاية الإقامة، وهذا ما يفهم من فعل الإمام أحمد ﵀ (٣). * دليل الجمهور على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة: الدليل الأول: (ح-٢٨٠) ما رواه أبو داود من طريق محمد بن ثابت، حدثني رجل، من أهل الشام، عن شهر بن حوشب،

стр. 742

عن أبي أمامة، أو عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، أن بلالًا أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال: النبي ﷺ : أقامها الله وأدامها وقال: في سائر الإقامة كنحو حديث عمر ﵁ في الأذان (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثاني: أن الإقامة تسمى أذانًا في اللغة وفي الشرع. (ح-٢٨١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل مرفوعًا: بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، ثم قال في الثالثة: لمن شاء (٣). قال الحافظ ابن رجب: «ويحتمل أن يكون أُطْلِقَ على الإقامة أذانٌ؛ لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت» (٤).

стр. 743

وإذا ثبت إطلاق الأذان على الإقامة، دخلت الإقامة في عموم قوله ﷺ : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول. قال ابن رجب: «وقوله ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن) يدخل فيه الأذان والإقامة؛ لأن كلًّا منهما نداء إلى الصلاة صدر من المؤذن» (١). * ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن إطلاق الأذان على الإقامة إنما يصح إذا ذكرت الإقامة مع الأذان، وذلك تغليبًا للأذان، ولا يعرف إطلاق الأذان على الإقامة على وجه الاستقلال، كما يقال: القمران: للشمس والقمر، ولا يطلق القمر على الشمس من باب الاستقلال، وكما يقال: الأبوان: للأب والأم، وهكذا. الوجه الثاني: أن التعليم المفصل من النبي ﷺ -في الرواية المفصلة كحديث عمر بن الخطاب ﵁، وحديث معاوية، وغيرهما لا تذكر إلا الأذان، والله أعلم. قال الشيخ بكر أبو زيد في تصحيح الدعاء: «لا يعرف حديث صحيح صريح في أن من سمع المؤذن يقيم الصلاة يجيبه كما ثبت ذلك لمن سمع المؤذن، ودخول إجابة الإقامة في عموم أحاديث إجابة الأذان لا يسلم به؛ لأن التعليم المفصل من النبي في الرواية المفصلة لا ينطبق إلا على إجابة المؤذن في الأذان». الوجه الثالث: أن الإقامة تتكرر في عهد التشريع، ولم يُنْقَل لنا آثارٌ عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يجيبون الإقامة بمثل ما يقولونه في إجابة الأذان، ولو فعلوه لَنُقِلَ إلينا، ولا شك أن فهم الصحابة ﵃ مقدم على فهم غيرهم، والله أعلم. (ث-٦٨) وأما ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق سعيد، عن قتادة، أن عثمان كان إذا سمع المؤذن قال: قد قامت الصلاة، قال: مرحبًا بالقائلين

стр. 744

عدلًا، وبالصلاة مرحبًا وأهلًا، ثم ينهض إلى الصلاة (١). [ضعيف، قتادة لم يدرك عثمان ﵁]. وهذا من قبيل الترحيب بالصلاة وليس من ألفاظ إجابة الإقامة. * دليل من قال: لا تشرع إجابة المؤذن في الإقامة: الدليل الأول: ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا هشيم بن بشير إملاء، قال: أخبرنا محمد بن قيس الأسدي، عن موسى بن طلحة، قال: سمعت عثمان بن عفان وهو على المنبر، والمؤذن يقيم الصلاة، وهو يستخبر الناس، يسألهم عن أخبارهم وأسعارهم. [صحيح] (٢). الدليل الثاني: أن الإجابة وردت في الأذان، ولم يرد منها شيء صحيح في الإقامة، والأصل عدم المشروعية؛ لأن العبادات توقيفية، فلا بد فيها من دليل صحيح صريح، سالم من النزاع، ولم يوجد.

стр. 745

* وجه من قال: لا تسن الإجابة إلا في قوله: قد قامت الصلاة خاصة: لا أعلم لهم وجهًا في تخصيص لفظ الإقامة، إلا أن يقال: إن هذه الجملة هي ما اختصت به الإقامة عن الأذان، فكانت إجابة المؤذن كافية عن إجابة الإقامة إلا لفظًا لم يرد في الأذان فيجيبه في الإقامة. * دليل من يرى الدعاء عند الإقامة وبعدها أفضل من إجابة الإقامة: الدليل الأول: (ح-٢٨٢) ما رواه النسائي في السنن الكبرى، قال: أخبرنا محمد بن المثنى قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن التيمي، عن قتادة، عن أنس قال: إذا أقيمت الصلاة فتحت أبواب السماء، واستجيب الدعاء (١). [رجاله ثقات إلا أنه قد اختلف في وقفه ورفعه، واختلف في متنه أيضًا] (٢).

стр. 746

الدليل الثاني: (ح-٢٨٣) ما رواه الطبراني من طريق الحكم بن موسى، ثنا الوليد بن مسلم، عن عفير بن معدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة، سمعه يحدث، عن رسول الله ﷺ -قال: تفتح أبواب السماء، ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف في سبيل الله، وعند نزول الغيث، وعند إقامة الصلاة، وعند رؤية الكعبة (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثالث: (ح-٢٨٤) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبد العزيز بن عمر، حدثني يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن بعض أصحاب النبي ﷺ -أن الدعاء كان يستحب عند نزول القطر، وإقامة الصلاة، والتقاء الصفين (٣).

стр. 747

[ضعيف] (١). * الراجح: الذي تميل له النفس أن الإجابة خاصة بالأذان، ولم يثبت لي حديث صحيح في إجابة المقيم، خاصة أن الإقامة شرعت حدرًا مما لا يتمكن فيه السامع من المتابعة، والله أعلم.

стр. 748

الفصل العاشر في الذكر بعد الفراغ من الأذان [م-١١٦] استحب الفقهاء أن يقول بعد فراغه من الأذان: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة … إلخ (١). (ح-٢٨٥) واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عياش، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ -قال: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة (٢). وقد أعله أبو حاتم بأن هذا الحديث يشبه حديث إسحاق بن أبي فروة (٣).

стр. 749

وقال الترمذي: حسن غريب من حديث ابن المنكدر، لا نعلم أحدًا رواه غير شعيب بن أبي حمزة (١). وقوله في الحديث: (مقامًا محمودًا)، بالتنكير، وهي رواية البخاري وأبي داود والترمذي، وقد اختلف الرواة في هذه الجملة حيث جاءت معرفة، ومنكرة (٢). واستحب بعض المالكية وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة زيادة: (والدرجة الرفيعة) بعد قوله: آت محمدًا الوسيلة والفضيلة (٣). (ح-٢٨٦) وهذه زيادة ليست محفوظة، رواها ابن السني، عن النسائي، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، أخبرنا عمرو بن منصور، حدثنا علي بن عياش، حدثنا شعيب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من قال حين يسمع

стр. 750

النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له الشفاعة يوم القيامة. اه والحديث في سنن النسائي، وليست فيه هذه الزيادة، كما أن كل من روى هذا الحديث لم يذكر هذه الزيادة. وقد وهم ابن دقيق العيد عليه رحمة الله، فذكره في الإلمام بهذه الزيادة، وقال: أخرجوه إلا مسلمًا. وقال ابن حجر في تلخيص الحبير: «ليس في شيء من طرقه ذكر الدرجة الرفيعة» (١). وقال السخاوي في المقاصد الحسنة: «لم أَرَهُ في شيء من الروايات» (٢). وزاد البيهقي في السنن: «إنك لا تخلف الميعاد» (٣). وهذه الجملة شاذة بينتها في مقدمة كتابي الطهارة، في طبعته الثانية، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.

стр. 751

الفصل الحادي عشر في استحباب الصلاة على النبي ﷺ -بعد الأذان [م-١١٧] استحب الفقهاء بعد الفراغِ من الأذان الصلاةَ على النبي ﷺ (١). (ح-٢٨٧) لما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي ﷺ -يقول: إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة (٢). والأكمل في صفة الصلاة أن تكون الصلاة الإبراهيمية. (ح-٢٨٨) لما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي ﷺ -خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: فقولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد (٣).

стр. 752

وإن صلى على النبي ﷺ -بأي صيغة حصل الامتثال، والله أعلم. [م -١١٨] وهل يسن للمؤذن أن يصلي على النبي ﷺ -بعد فراغه؟ استحب المالكية، والشافعية والحنابلة للمؤذن أن يصلي على النبي ﷺ ، كما يستحب للسامع (١). جاء في الفواكه الدواني: «كما يستحب للمؤذن والسامع أيضًا أن يصلي على النبي ﷺ -بعد فراغه … » (٢). وجاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «ويسن لكل من المؤذن وسامعه أن يصلي على النبي ﷺ -بعد فراغه؛ لحديث مسلم: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي. ويقاس المؤذن على السامع في الصلاة … من قال ذلك حين يسمع النداء حلت له شفاعتي يوم القيامة. أي حصلت، والمؤذن يسمع نفسه» (٣). * وحجة من قال: يستحب للمؤذن ما يستحب للسامع: إذا كان المؤذن لا يجيب نفسه في الأذان فإن ذلك لا يعني أنه لا يستحب له الدعاء الوارد بعد الأذان، وذلك أن المؤذن صدر منه الأذان بداية، فلا يدخل في إجابة الأذان، والمستمع إنما يردد ما قاله المؤذن لكون الأذان لم يصدر منه، فإذا فرغ المؤذن من الأذان استوى المؤذن والسامع في ترديد جمل الأذان، فكذلك ينبغي أن يشتركا في الأذكار التي تقال بعد الأذان. الدليل الثاني: القياس على التأمين والتحميد. (ح-٢٨٩) فقد روى البخاري من طريق أبي صالح السمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ -قال: إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر

стр. 753

له ما تقدم من ذنبه (١). (ح-٢٩٠) وروى البخاري من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد (٢). ومع أن الخطاب للمأمومين فالإمام مخاطب أيضًا بأن يقول: آمين، ويقول: ربنا ولك الحمد.

стр. 754

فرع من الأدعية المستحبة بعد الأذان [م-١١٩] من الأدعية المستحبة بعد الأذان: (ح-٢٩١) ما رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن رمح، أخبرنا الليث، عن الحكيم بن عبد الله بن قيس القرشي، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن سعد بن أبي وقاص، عن رسول الله ﷺ -أنه قال: من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا، غفر له ذنبه. ورواه مسلم، عن قتيبة بن سعيد، عن ليث به، بلفظ: من قال: حين يسمع النداء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وذكر الحديث دون قوله: (وأنا) (١). فالمالكية يرون أن هذا الذكر يقال في إجابة المؤذن، ويستدلون بهذا الحديث على أن الإجابة تكون إلى منتهى الشهادتين. قال الحطاب: «لم يذكر ﵊ إلا لفظ التمجيد والتوحيد والتشهد» (٢). ولما رتب على هذا الذكر مغفرة الذنب أدرجته في الأدعية. ورجح شيخنا ابن عثيمين عليه رحمة الله أن هذا الذكر يقال في أثناء الأذان. * وجه الاستدلال من الحديث من وجهين: الوجه الأول: أنه قال في الحديث: (من قال حين يسمع النداء).

стр. 755

الوجه الثاني: قال شيخنا: «وفي قوله: (وأنا أشهد) دليل على أنه يقولها عقب قول المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله؛ لأن الواو حرف عطف، فيعطف قولَه على قولِ المؤذِّن، فإذن يوجد ذكر مشروع في أثناء الأذان» (١). وعلى هذا القول تكون في إجابة الشهادتين صفتان: إحداهما: أن يقول كما يقول المؤذن كما في حديث عمر ﵁. والثانية: أن يجيبه بالعطف، فيقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا. وقد يقال: بأن هذا الذكر من الأدعية التي تقال بعد الأذان، وقوله: (حين يسمع النداء) ظاهره أنه يقول ذلك حال سماع النداء قبل فراغه، ويحتمل أنه يريد حين يفرغ من سماعه. (ح-٢٩٢) وقد روى البخاري من حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ -قال: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة. ودعاء الوسيلة للنبي ﷺ -يقال بعد الفراغ من الأذان، وإن جاء بلفظ من قال: (حين يسمع النداء) أي حين يسمعه كاملًا، وليس يسمع بعضه، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم. (ح-٢٩٣) فقد روى مسلم من طريق عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي يقول: إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عَلَيَّ، فإنه من صلى عَلَيَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة (٢).

стр. 756

فدل هذا على أن قوله: (حين يسمع النداء) ليس حجة أن ذلك قبل الفراغ من الأذان، بل يأتي ذلك بعد إجابة المؤذن. وأما العطف بقوله: وأنا أشهد، فقد يقال: إنه عطف على آخر جملة في الأذان، حيث يختم الأذان بقول: لا إله إلا الله. إلا أن التهليل في آخره ليس بصيغة الشهادة، فأقرب الأقوال أن يكون هذا الذكر يقال في حال اختار السامع أن يجيب الأذان بالصفة الواردة في حديث معاوية ﵁، حيث تنتهي الإجابة عند ذكر الشهادتين، ثم يعقبه هذا الدعاء، ثم يقول: اللهمَّ رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة إلى آخر الحديث الوارد، والله أعلم. وبهذه المسألة أكون قد انتهيت من المسائل المختارة في أحكام الأذان، فلله الحمد والشكر على ما علم، وأعان، ووفق، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وسوف أشرع بحول الله وقوته في أحكام الصلاة.

стр. 757

تمهيد المبحث الأول في تعريف الصلاة المدخل إلى المسألة: * كل لفظ له حقيقة شرعية فإن له معنى في اللغة، وليس كل لفظ له معنى في اللغة له حقيقة شرعية. * التعريف الاصطلاحي تارة يكون وضعيًّا اصطلح عليه علماء أهل فنٍّ من الفنون، كالكلام عند النحويين يختلف عن الكلام في اللغة، وتارة يكون شرعيًّا متلقًّى من الشارع، كالإيمان، والصلاة، والأفضل التفريق بين التعريف الاصطلاحي والشرعي. تعريف الصلاة شرعًا (١): الصلاة لها حقيقتان: لغوية: وهي الدعاء، فكل داعٍ

стр. 758

مُصَلٍّ، قال النووي: وهذا قول جماهير العلماء من أهل اللغة والفقه وغيرهم (١). وقد أفصحتُ عنه في الحاشية. وفي الشرع: عبادة ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم (٢). ولا نزاع بين العلماء أن الصلاة لها حقيقة شرعية، حتى إن اللفظ لا يفهم منه عند الإطلاق إلا المعنى الشرعي، قال ﷺ : لا تقبل صلاة بغير طهور. فالصلاة في الحديث لا يمكن حملها على المعنى اللغوي. ومثله لو قال لزوجته: إن صليتِ فأنتِ طالق؛ فإنه يحمل على الحقيقة الشرعية. [م-١٢٠] واختلفوا هل المعنى الشرعي مبتكر، لا علاقة له بالمعنى اللغوي، وإن صادف وجود علاقة بين المعنيين فهذا يقع اتفاقًا لا قصدًا، أو أن الحقيقة الشرعية منظور فيها المعنى اللغوي، وإنما زيد عليها، أو قيدت بأشياء لأدلة أخرى، لا من لفظ الصلاة. فقال بعض الحنفية، وبعض الحنابلة: المعنى الشرعي لا علاقة له بالمعنى اللغوي،

стр. 759

واستدلوا على ذلك بوجود حقيقة الصلاة من دون الدعاء كالأمي، والأخرس (١). * ورد هذا: بأن صلاة الأخرس والأمي تدخل في دعاء العبادة، لا دعاء المسألة، وكلتاهما دعاء، على التسليم فيقال: إن سقوط الدعاء بالعجز لا يكون دليلًا يعترض به، على أن إشارة الأخرس تقوم مقام النطق. وقال جماهير العلماء من الفقهاء وأهل اللغة: إن الحقيقة الشرعية منظور فيها المعنى اللغوي، وإنما زيد عليها، أو قيدت بأشياء لأدلة أخرى (٢). ولذلك لا تجد معنى شرعيًا إلا وله علاقة تربطه بالمعنى اللغوي، فالصلاة والزكاة والصوم والإيمان تجد معانيها اللغوية جزءًا من حقيقتها الشرعية. وهذا المبحث من مباحث أصول الفقه، ليس هذا موضع بسطه، وإنما اقتضت الإشارة إليه للتفطن له، والله أعلم. [م-١٢١] واختلفوا في الصلاة من الله، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. فقيل: الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى (ث-٦٩) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم عليهما رحمة الله، وهو أقواها (٣). وقيل: الصلاة من الله الرحمة. اختاره الأزهري وصاحب الصحاح، وبعض المفسرين والفقهاء، وبه فسر قوله

стр. 760

تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] (١). قلت: فبرحمته: أخرجكم من الظلمات إلى النور، ثم ختم الآية بما يناسب المعنى، فقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. وقال السمعاني في تفسيره: وهو أشهر الأقوال (٢). وذكره النووي في تهذيب الأسماء واللغات، ولم يذكر غيره (٣). وضعف ابن القيم تفسير الصلاة بالرحمة من وجوه كثيرة، منها: الأول: أن الله قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، فعطف الرحمة على الصلاة، فاقتضى ذلك المغايرة بينهما في المعنى. الثاني: أن صلاة الله خاصة بالمؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء، فمن فسرها بالرحمة فقد فسرها ببعض ثمراتها ومقصودها، وقد يجاب بأن الرحمة منها ما هو خاص، ومنها ما هو عام، كالمعية. الثالث: لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقامت مقامها في امتثال الأمر، وأسقطت الوجوب عند من أوجبها إذا قال: اللهم ارحم محمدًا وآل محمد، يعني بدلًا من اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد. وهذا ليس بلازم، لأن ألفاظ العبادة توقيفية، فلو اتفق على أن الصلاة بمعنى الرحمة لما صح إبدالها في موضع العبادة، كما قال النبي ﷺ -للصحابي حين قال: آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، قال له النبي ﷺ : لا، قل: وبنبيك الذي أرسلت (٤). الرابع: أنه لا يقال: لمن رحم غيره، فأطعمه وكساه، صلى عليه، ويقال: إنه قد رحمه (٥).

стр. 761

وقيل: الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده (١). وقيل: صلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم رحمة من الله، فهي التي وسعت كل شيء، فالصلاة من الله على النبي ﷺ -تشريف، وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي رحمة. وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي ﷺ -وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ وقال قبل ذلك في السورة المذكورة ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣]. ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي ﷺ -من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي ﷺ -والتنويه به ما ليس في غيرها. قال ابن حجر: «وما تقدم عن أبي العالية أظهر -يعني تفسير الصلاة بمعنى الثناء- فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله وإلى ملائكته وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيده أنه لا خلاف في جواز الترحم على غير الأنبياء واختلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء .... إلخ» (٢).

стр. 762

المبحث الثاني في تاريخ مشروعية الصلاة مدخل إلى المسألة: * أجمع المسلمون على أن فرض الصلاة في الحضر أربع إلا المغرب والصبح، واختلاف الصحابة السابق في أصل الفرض، وكيف كانت الصلاة قبل الإسراء لا يؤثر على ما استقر عليه إجماعهم. [م- ١٢٢] اتفق العلماء أن الصلاة فرضت في العهد المكي. (ح-٢٩٤) فقد روى البخاري من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن أبا سفيان أخبره، أن هرقل دعاه في رجال معه، وسأله عن النبي ﷺ ، فكان فيما سأله بماذا يأمركم، فقال: كان يأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة (١). قال ابن حجر: «فيه إشارة إلى أن الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة لأن أبا سفيان لم يلقَ النبي ﷺ -بعد الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون آمرًا له بطريق الحقيقة» (٢). وعامة العلماء على أن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء. وحكى بعض العلماء الإجماع على ذلك:

стр. 763

قال ابن بطال: «أجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان في الإسراء» (١). وقال ابن عبد البر: «لم تختلف الآثار، ولا اختلف أهل العلم بالخبر والسير أن الصلاة إنما فرضت على النبي ﵇ بمكة حين أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء، ثم أتاه جبريل من الغد فصلى به الصلوات لأوقاتها» (٢). ولا بد من حمل كلامهم على الصلوات الخمس، لا على جنس الصلاة. قال ابن رجب: «أجمع العلماء على أن الصلوات الخمس إنما فرضت ليلة الإسراء» (٣). (ح-٢٩٥) وقد روى البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ -قال: فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء الدنيا … وذكر حديث المعراج بطوله، وفيه: … قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم، أن ابن عباس، وأبا حبة الأنصاري، كانا يقولان: قال النبي ﷺ : ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، قال ابن حزم، وأنس بن مالك: قال النبي ﷺ : ففرض الله على أمتي خمسين صلاةً، فرجعت بذلك، حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هي خمسٌ، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع

стр. 764

ربك، فقلت: استحييت من ربي ..... الحديث (١). والنصوص دالة على أن النبي ﷺ -كان يصلي بمكة قبل الإسراء. ويؤيد ذلك قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾: [المزمل: ١ - ٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقال القرطبي والقاضي عياض وابن حزم، وجماعة: لا خلاف أن خديجة ﵂ صلت مع النبي ﵇ بعد فرض الصلاة، وأنها توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين (٢). فإن قصدوا بكلامهم هذا: أنها تصلي معه الصلوات الخمس المفروضة فهذا خطأ بَيِّن، فإن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء، وكانت بعد وفاة خديجة ﵂. وإن قصدوا مطلق الصلاة، فهذا صحيح، فالنبي ﷺ -كان يصلي قبل أن تفرض الصلوات الخمس. قال ابن رجب: «حكاية الإجماع على صلاة خديجة معه بعد فرض الصلاة غلط محض، ولم يقل هذا أحد ممن يعتد بقوله» (٣). وجمع ابن حجر بين القولين بأن من قال: ماتت بعد أن فرضت الصلاة قصد بذلك ما فرض قبل الصلوات الخمس إن ثبت ذلك. ومراد عائشة بقولها: ماتت قبل أن تفرض الصلاة: أي الخمس، فيجمع بين القولين بذلك، ويلزم منه أنها ماتت قبل الإسراء (٤).

стр. 765

(ث-٧٠) قلت: أثر عائشة رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق محمد بن حسن، عن أسامة بن حفص، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة (١). [ضعيف جدًّا] (٢). [م-١٢٣] واختلفوا فيما هو مشروع قبل الصلوات الخمس على قولين: القول الأول: أن الصلاة فرضت بمكة قبل الإسراء ركعتين في أول النهار، وركعتين في آخره، قال بذلك بعض الحنفية، ونسب إلى المزني من الشافعية، وقال به من المالكية ابن يونس وابن حبيب، ومن الحنابلة أبو إسحاق الحربي، وقال به من السلف قتادة، والحسن، ويحيى بن سلام (٣).

стр. 766

ونسبه ابن الملقن في شرح عمدة الأحكام إلى ابن عباس، ولم أقف عليه مسندًا (١). * حجة هذا القول: الدليل الأول: تفسير دعاء المؤمنين بالغداة والعشي على أن المراد بذلك الصلاة في هذين الوقتين. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. وقد يقال: الدعاء أعم من الصلاة. الدليل الثاني: احتج بعضهم بالأمر بالتسبيح في هذين الوقتين. قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار﴾ [آل عمران: ٤١]. فالمراد بالتسبيح: الصلاة، وذكر وقتين الإبكار: وعنى به صلاة الصبح، والعشي: وقصد به صلاة العصر. قال ابن العربي: «لا خلاف أن المراد بقوله تعالى هاهنا: سبح: صَلِّ؛ لأنه غاية التسبيح، وأشرفه» (٢). وقال أيضًا: «البكرة وقت من أوقات النهار، وهو أوله، ومنه باكورة الفاكهة. والأصيل: هو العشي. وهذه الإشارة إلى صلاة الصبح، وصلاة العصر» (٣). وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوب﴾ [ق: ٣٩]، قال: «كانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين قبل

стр. 767

طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجبًا على النبي ﷺ ، وعلى أمته حولًا، ثم نسخ في حق الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ الله تعالى ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات» (١). الدليل الثالث: (ح-٢٩٦) روى البخاري من طريق إسماعيل (ابن أبي خالد)، عن قيس، عن جرير بن عبد الله، قال: كنا عند النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة -يعني البدر- فقال: إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوب﴾ [ق: ٣٩] (٢). (ح-٢٩٧) وروى البخاري ومسلم من طريق همام، حدثني أبو جمرة، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ -قال: من صلى البردين دخل الجنة (٣). ونقل ابن الملقن في شرح البخاري عن مقاتل بن سليمان أنه قال: فرض الله الصلاة في أول الإسلام ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرض الخمس ليلة المعراج، قال ابن الملقن: وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﷺ : من صلى البردين دخل الجنة (٤). ونقل ابن حجر عن البزار في اختصاص هاتين الصلاتين بدخول الجنة دون غيرهما من الصلوات ما محصله: أن (من) في قوله: (من صلى البردين) موصولة، لا شرطية، والمراد بهم الذين صلوهما أول ما فرضت الصلاة، ثم ماتوا قبل فرض الصلوات الخمس؛ لأنها فرضت أولًا ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس، فهو خبر عن ناسٍ مخصوصين، لا عموم فيه.

стр. 768

قال ابن حجر تعقيبًا: «ولا يخفى ما فيه من التكلف» (١). قلت: هذان الحديثان إنما هما في فضل صلاة العصر والصبح على غيرهما، ولا دلالة فيهما على أن الصلاة فرضت أول الأمر على وقتين، كما فضلت الصلاة الوسطى على سائر الصلوات، ولأن جريرًا ﵁ إنما أسلم بعد نزول المائدة، وسورة المائدة مدنية، فتكون الواقعة بعد استقرار فرض الصلاة. الدليل الرابع: (ح-٢٩٨) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين، قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقِرَّتْ صلاة السفر، وزِيدَ في الحضر (٢).

стр. 769

وجه الاستدلال: حملوا قولها (ركعتين ركعتين) على أنها أيضًا فريضتين، واللفظ لا يساعد على الاستدلال؛ لأن الحديث في عدد الركعات، ولم يتعرض لعدد الصلوات. قال ابن عبد البر: «وليس في حديث عائشة هذا دليل على صحة ما ذهب إليه من قال: إن الصلاة فرضت ركعتين في أول النهار، وركعتين في آخره وليس يوجد هذا في أثر صحيح، بل في حديث عائشة دليل على أن الصلاة التي فرضت ركعتين هي الصلوات الخمس، ثم زيد في صلاة الحضر، وأُقِرَّتْ صلاة السفر؛ لأن الإشارة بالألف واللام إلى الصلاة في حديث عائشة إلى الصلاة المعهودة، وهذا هو الظاهر المعروف في الكلام، وقد أجمع العلماء أن الصلوات الخمس إنما فرضت في الإسراء، والظاهر من حديث عائشة أنها أرادت تلك الصلاة» (١). القول الثاني: قال جماعة من المحدثين: إن رسول الله ﷺ -لم يكن يصلي قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الأمر به من صلاة الليل، ورجحه ابن عبد البر،

стр. 770

وابن العربي وغيرهما (١). وانتقد ابن عبد البر المالكي قول من قال: «إن الصلاة فرضت ركعتين في أول النهار، وركعتين في آخره، وقال: «ليس يوجد هذا في أثر صحيح» (٢). وقال ابن العربي عن هذا القول بأنه باطل لا أصل له عند جماعة المحدثين، ولا ثبت نقله، وقد قال به جماعة من أهل الفقه في مصنفاتهم، وهي لا تثبت بوجه، ولا على حال (٣). وعلى كل حال فإن الصلاة اليوم لا يختلف فيها المسلمون أن فرض الحضر أربع إلا المغرب والصبح، واختلافهم السابق في أصل الفرض لا يؤثر على إجماعهم اليوم. قال ابن عبد البر: «وقد أجمع المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر أربع إلا المغرب والصبح، ولا يعرفون غير ذلك عملًا ونقلًا مستفيضًا، ولا يضرهم الاختلاف فيما كان أصل فرضها، وإنما فائدة قول عائشة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إن صح قولها إيجاب فرض القصر في السفر» (٤). قلت: هذه مسألة سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في موضعه، وإنما الكلام في هذا الفصل عن تاريخ مشروعية الصلاة، والله أعلم.

стр. 771

المبحث الثالث في فضل الصلاة ومكانتها في الإسلام مدخل إلى المسألة: * لم تخلُ شريعة من الشرائع السابقة من فريضة الصلاة وهذا يدل على افتقار العباد لها، وحاجتهم إليها. * قال المصطفى ﷺ : اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة [م-١٢٤] فضل الصلاة ومكانتها في الإسلام لا يغطيه مبحث في مقدمة كتاب، بل الأمر لا يوفيه كتاب خاص، ولكن إشارات تناسب المقام، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. فلا يوجد عمل للمسلم بعد أن رزقه الله نعمة الدخول في الإسلام أفضل له من الصلاة، فهي صلة الروح والبدن بخالقهما، فيها السكن، والمناجاة، والبث، والأنس، والسلوى، والفلاح، والقوت، والملجأ، والمفزع، وهي مدد من الله لعباده، تقوى بها نفوسهم، وتسكن بها أفئدتهم، وتغشاهم بها رحمته، وتتنزل عليهم فيها سكينته، تغذي قلوبهم بالإيمان، ويعيشون معها وبها الحياة الطيبة، والتي لا تُنَالُ بسعة المال، ولا عظم السلطان، فالمصلي لا يسخط كيفما تقلب به القدر، فلا يفرح بما أوتي من زخرف الدنيا، ولا يحزن لما فاته منها. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢]. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].

стр. 772

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. فالصلاة هي أعظم زاد للسائرين إلى الله، تتجافى لها جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا، لا تلهيهم عنها تجارة، ولا بيع، شغلتهم عن النوم، حتى كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وما فرضت الصلاة إلا من أجل ذكر الله، وبها يقرب العبد من مولاه، فما قرت عيون المتقين إلا بالصلاة، وما وجدت حلاوة الإيمان إلا بتعفير الجباه بالتراب. (ح-٢٩٩) روى مسلم في صحيحه من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو ابن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ -قال: أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء (١). فإذا وضعت أعلى ما بك وألصقته بالتراب، وعفرت جبينك به كنت أقرب ما تكون من الله في عليائه، وناسب أن تتعرض لرحمته بذكر حاجاتك، الأخروية والدنيوية، لهذا قال: فأكثروا من الدعاء، فما أشد فقرنا إلى الله. فمن أراد أن تَصحَّ نفسه، ويهجر قلقه، وينال المحبوب، ويدفع المرهوب، ويفرج المكروب، فعليه بالصلاة، ففيها عصمة من الفتن، وصبر على المحن، وتزكية للنفس، وطهارة من الدنس، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. يفتتح العبد صلاته بلفظ: الله أكبر وحذف المفضل عليه، ليشمل كل شيء، فهو أكبر من كل شيء ويستفتح قراءته بحمد الله، وبالثناء عليه، وتمجيده، الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين. وبعد هذه المقدمة من الحمد

стр. 773

والثناء يعلن العبد توحيده لربه مناجيًا له بكاف المخاطب بلا واسطة بينه وبين مولاه: إياك نعبد وإياك نستعين، فلا نعبد مولى إلا الله، ولا نستعين بأحد إلا بالله، ثم نختم الفاتحة بالدعوة إلى الهداية إلى صراط الله المستقيم صراط الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين لا طريق المغضوب عليهم، ولا طريق الضالين. قال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]. فهذه حال المؤمنين، وهي تنافي حال الكفرة والمنافقين. قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. لم تخلُ شريعة من الشرائع السابقة من فريضة الصلاة، وهذا يدل على افتقار العباد لها، وحاجتهم إليها، فكانت نجوى الأنبياء والمُصْطَفَيْنَ من عباد الله. فكانت الصلاة حاضرةً في أول مناجاة بين الله وبين كليمه موسى ﵊، قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وهي عهد الله إلى إبراهيم وولده إسماعيل: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. وكانت إقامة الصلاة عند بيت الله المحرم هي التي حملت إبراهيم الخليل لأن يدع زوجه وولده بوادٍ غير ذي زرعٍ، يقول الله ﵎: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فلم يذكر عملًا غير الصلاة. وحين تكلم عيسى ﵊، وهو في المهد، ذكر أن الله

стр. 774

أوصاه بالصلاة. قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾ [مريم: ٣٠، ٣١]. وذكر الله عن إبراهيم وآله فعل الخيرات وإقام الصلاة. فقال عن إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤، ٥٥]. وقال عن إسحاق ويعقوب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢، ٧٣]. وقال الله تعالى عن مريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. فهذه بعض آيات الكتاب ناطقة بفضل الصلاة، وأما السنة فالأحاديث متكاثرة، عن منزلة الصلاة في الإسلام، أكتفي بذكر بعضها، لأن استقصاءها يطول: (ح-٣٠٠) فمنها ما رواه البخاري من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة ابن خالد، عن ابن عمر، ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ -بني الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحجِّ، وصومِ رمضانَ. ورواه مسلم (١). فكانت الصلاة الركن الثاني من الأركان التي قام عليها الإسلام بعد توحيد الله والإيمان برسوله. (ح-٣٠١) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق الوليد بن عيزار، عن سعد بن إياس أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟

стр. 775

قال: الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني (١). (ح-٣٠٢) ومنها: ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد يعني ابن عبد الله ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ -يقول: أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يومٍ خمسًا، ما تقول: ذلك يبقي من درنه؟ قالوا: لا يبقي من درنه شيئًا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله به الخطايا (٢). (ح-٣٠٣) ومنها ما رواه مسلم من طريق أبي الوليد الطيالسي، حدثنا إسحاق ابن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، حدثني أبي، عن أبيه، قال: كنت عند عثمان فدعا بطهور فقال سمعت رسول الله ﷺ : يقول: ما من امرئٍ مسلمٍ تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله (٣). (ح-٣٠٤) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن ثوبان، حدثني حسان بن عطية، أن أبا كبشة السلولي حدثه، أنه سمع ثوبان يقول: قال رسول الله ﷺ : سددوا، وقاربوا، واعملوا، وخيروا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن (٤). [إسناده حسن إن شاء الله، والحديث صحيح بطرقه] (٥). (ح-٣٠٥) ومنها: ما رواه عبد الرزَّاق في التفسير، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل،
следующие страницы →