← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

المبحث الثالث في فضل الصلاة ومكانتها في الإسلام مدخل إلى المسألة: * لم تخلُ شريعة من الشرائع السابقة من فريضة الصلاة وهذا يدل على افتقار العباد لها، وحاجتهم إليها. * قال المصطفى ﷺ : اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة [م-١٢٤] فضل الصلاة ومكانتها في الإسلام لا يغطيه مبحث في مقدمة كتاب، بل الأمر لا يوفيه كتاب خاص، ولكن إشارات تناسب المقام، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. فلا يوجد عمل للمسلم بعد أن رزقه الله نعمة الدخول في الإسلام أفضل له من الصلاة، فهي صلة الروح والبدن بخالقهما، فيها السكن، والمناجاة، والبث، والأنس، والسلوى، والفلاح، والقوت، والملجأ، والمفزع، وهي مدد من الله لعباده، تقوى بها نفوسهم، وتسكن بها أفئدتهم، وتغشاهم بها رحمته، وتتنزل عليهم فيها سكينته، تغذي قلوبهم بالإيمان، ويعيشون معها وبها الحياة الطيبة، والتي لا تُنَالُ بسعة المال، ولا عظم السلطان، فالمصلي لا يسخط كيفما تقلب به القدر، فلا يفرح بما أوتي من زخرف الدنيا، ولا يحزن لما فاته منها. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢]. قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].

стр. 772

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. فالصلاة هي أعظم زاد للسائرين إلى الله، تتجافى لها جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا، لا تلهيهم عنها تجارة، ولا بيع، شغلتهم عن النوم، حتى كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، وما فرضت الصلاة إلا من أجل ذكر الله، وبها يقرب العبد من مولاه، فما قرت عيون المتقين إلا بالصلاة، وما وجدت حلاوة الإيمان إلا بتعفير الجباه بالتراب. (ح-٢٩٩) روى مسلم في صحيحه من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو ابن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ -قال: أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء (١). فإذا وضعت أعلى ما بك وألصقته بالتراب، وعفرت جبينك به كنت أقرب ما تكون من الله في عليائه، وناسب أن تتعرض لرحمته بذكر حاجاتك، الأخروية والدنيوية، لهذا قال: فأكثروا من الدعاء، فما أشد فقرنا إلى الله. فمن أراد أن تَصحَّ نفسه، ويهجر قلقه، وينال المحبوب، ويدفع المرهوب، ويفرج المكروب، فعليه بالصلاة، ففيها عصمة من الفتن، وصبر على المحن، وتزكية للنفس، وطهارة من الدنس، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. يفتتح العبد صلاته بلفظ: الله أكبر وحذف المفضل عليه، ليشمل كل شيء، فهو أكبر من كل شيء ويستفتح قراءته بحمد الله، وبالثناء عليه، وتمجيده، الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين. وبعد هذه المقدمة من الحمد

стр. 773

والثناء يعلن العبد توحيده لربه مناجيًا له بكاف المخاطب بلا واسطة بينه وبين مولاه: إياك نعبد وإياك نستعين، فلا نعبد مولى إلا الله، ولا نستعين بأحد إلا بالله، ثم نختم الفاتحة بالدعوة إلى الهداية إلى صراط الله المستقيم صراط الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين لا طريق المغضوب عليهم، ولا طريق الضالين. قال تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]. فهذه حال المؤمنين، وهي تنافي حال الكفرة والمنافقين. قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. لم تخلُ شريعة من الشرائع السابقة من فريضة الصلاة، وهذا يدل على افتقار العباد لها، وحاجتهم إليها، فكانت نجوى الأنبياء والمُصْطَفَيْنَ من عباد الله. فكانت الصلاة حاضرةً في أول مناجاة بين الله وبين كليمه موسى ﵊، قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وهي عهد الله إلى إبراهيم وولده إسماعيل: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. وكانت إقامة الصلاة عند بيت الله المحرم هي التي حملت إبراهيم الخليل لأن يدع زوجه وولده بوادٍ غير ذي زرعٍ، يقول الله ﵎: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فلم يذكر عملًا غير الصلاة. وحين تكلم عيسى ﵊، وهو في المهد، ذكر أن الله

стр. 774

أوصاه بالصلاة. قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾ [مريم: ٣٠، ٣١]. وذكر الله عن إبراهيم وآله فعل الخيرات وإقام الصلاة. فقال عن إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤، ٥٥]. وقال عن إسحاق ويعقوب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢، ٧٣]. وقال الله تعالى عن مريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. فهذه بعض آيات الكتاب ناطقة بفضل الصلاة، وأما السنة فالأحاديث متكاثرة، عن منزلة الصلاة في الإسلام، أكتفي بذكر بعضها، لأن استقصاءها يطول: (ح-٣٠٠) فمنها ما رواه البخاري من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة ابن خالد، عن ابن عمر، ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ -بني الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحجِّ، وصومِ رمضانَ. ورواه مسلم (١). فكانت الصلاة الركن الثاني من الأركان التي قام عليها الإسلام بعد توحيد الله والإيمان برسوله. (ح-٣٠١) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق الوليد بن عيزار، عن سعد بن إياس أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت النبي ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟

стр. 775

قال: الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني (١). (ح-٣٠٢) ومنها: ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد يعني ابن عبد الله ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ -يقول: أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يومٍ خمسًا، ما تقول: ذلك يبقي من درنه؟ قالوا: لا يبقي من درنه شيئًا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله به الخطايا (٢). (ح-٣٠٣) ومنها ما رواه مسلم من طريق أبي الوليد الطيالسي، حدثنا إسحاق ابن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، حدثني أبي، عن أبيه، قال: كنت عند عثمان فدعا بطهور فقال سمعت رسول الله ﷺ : يقول: ما من امرئٍ مسلمٍ تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله (٣). (ح-٣٠٤) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن ثوبان، حدثني حسان بن عطية، أن أبا كبشة السلولي حدثه، أنه سمع ثوبان يقول: قال رسول الله ﷺ : سددوا، وقاربوا، واعملوا، وخيروا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن (٤). [إسناده حسن إن شاء الله، والحديث صحيح بطرقه] (٥). (ح-٣٠٥) ومنها: ما رواه عبد الرزَّاق في التفسير، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل،

стр. 776

عن معاذ بن جبل في قوله تعالى: ﴿جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] قال: كنت مع النبي ﷺ -في سفرٍ فأصبحت يومًا قريبًا منه، ونحن نسير فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار، قال: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه تعبد الله، ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت .... وفيه: ألا أخبرك برأس الأمر، وعموده، وذروة سنامه؟ فقلت: بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد (١). [أبو وائل لم يسمع من معاذ، والحديث له طرق كثيرة كلها ضعيفة، فإن حُسِّن بمجموع طرقه فأرجو] (٢).

стр. 777

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 778

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 779

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 780

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 781

وأكتفي بما ذكرت من الآيات والأحاديث في فضل الصلاة ومنزلتها في الإسلام، وما تركت من الأحاديث أكثر مما ذكرت، ولا يرام الاستقصاء في مبحث يختص بالتمهيد لكتاب الصلاة، وقد أفرده بعض أهل العلم بكتاب خاص وهو حقيق بذلك، والله أعلم.

стр. 782

الباب الأول في حكم الصلاة الفصل الأول في بيان من تجب عليه الصلاة [م-١٢٥] تجب الصلاة على المسلم المكلَّف: وهو البالغ العاقل الخالي من الموانع، كالحيض والنفاس (١). فخرج بالمسلم (الكافر) فلا تصح منه إجماعًا، وهل تجب عليه؟ فيه خلاف سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى. وخرج بالمكلَّف: (المجنون والصبي) فالأول: لا تجب عليه، ولا تصح منه، والثاني: لا تجب عليه، وإن كان مميزًا صحَّت منه، وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. (ح-٣٠٦) ومن السنة، ما رواه البخاري ومسلم من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ -بني الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحجِّ، وصومِ رمضانَ (٢).

стр. 783

(ح-٣٠٧) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه سمع طلحة بن عبيد الله، يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ -من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : خمس صلواتٍ في اليوم والليلة. فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع (١). وأما الإجماع فقد حكاه كثير من أهل العلم، قال في الدر المختار: «هي -يعني الصلاة- فرض عين على كل مكلَّفٍ بالإجماع» (٢). وقال القرافي في الذخيرة: «ويدل على وجوب الصلاة الكتاب والسنة والإجماع … » (٣).

стр. 784

الفصل الثاني في الأحكام المترتبة على ترك الصلاة المبحث الأول في كفر تارك الصلاة مدخل إلى المسألة * الكفر إذا جاء معرفًا بالألف واللام حُمِلَ على الأكبر المخرج من الملة، وإذا ورد منكرًا أو بصيغة الفعل احْتَمَلَه واحتمل الأصغر، فلا يحمل على أحدهما إلا بقرينة. * الإجماع قسمان: قطعي، وظني، والأول حجة بالاتفاق، والثاني في حجته خلاف، وهو ما يسمى بالإجماع السكوتي. * الإجماع المنسوب للصحابة في كفر تارك الصلاة هو من قبيل الإجماع السكوتي، ومخالفه ليس بمنزلة المخالف للإجماع القطعي. * لا يسوغ اتهام من لا يكفر تارك الصلاة بأنه مرجئ إلا أن يصرح بأنه بنى قوله على اعتبار الصلاة عملًا، وأن الأعمال لا دخل لها في مسمى الإيمان. * لا يسوغ اتهام من يكفر تارك الصلاة بأنه من الخوارج، إلا أن يصرح بأنه بنى قوله على أن مرتكب الكبيرة كافر. [م-١٢٦] من جحد وجوب الصلاة فهو مرتد وإن صلى؛ لإنكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهذا باتفاق المسلمين إلا أن يكون مثله يجهل، كحديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة من المسلمين فيعرَّف، فإن أصر كفر (١).

стр. 785

قال ابن رشد الجد: «من جحد فرض الصلاة فهو كافر بإجماع» (١). وقال ابن جزي: «إن جحد وجوبها فهو كافر بإجماع» (٢). وحكاه من الشافعية الماوردي في الحاوي، والنووي في المجموع وابن قدامة في المغني، وغيرهم (٣). [م-١٢٧] وأما إذا تركها تهاونًا وكسلًا: فقيل: يُقْتَل حَدًّا، ولا يكفر، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (٤). ونسب المازري القول بعدم تكفيره إلى الجمهور (٥). وقيل: لا يكفر، ولا يقتل، بل يحبس حتى يموت أو يصلي، وهذا مذهب الحنفية (٦). وقيل: يكفر، ويقتل ردة، وبه قال جماعة من السلف والخلف. قال المروزي: «هذا مذهب جمهور أصحاب الحديث» (٧). وقال ابن تيمية: «وهو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين» (٨). وقال به من أهل الحديث نافع، وأيوب السختياني، وسعيد بن جبير، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو داود الطيالسي، وعلي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة،

стр. 786

وزهير بن حرب، والإمام أحمد (١)، حتى قال ابن رجب: «كثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعًا منهم، حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة» (٢). واختاره من الفقهاء ابن حبيب من المالكية (٣)، وهو وجه في مذهب الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٤). روى المروزي في كتابه الصلاة، قال: «حدثنا أحمد بن عبدة، قال: سمعت يعمر بن بشر أبا عمر، قال: سمعت عبد الله بن المبارك ﵁، قال: من أخر صلاة حتى يفوت وقتها متعمدًا من غير عذر كفر. وحدثنا أحمد بن سيار، قال: سمعت علي بن الحسن بن شقيق، يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: من قال: إني لا أصلي المكتوبة اليوم فهو أكفر من الحمار» (٥). وقال المروزي أيضًا: «سمعت إسحاق يقول: قد صح عن رسول الله ﷺ -أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ -إلى يومنا هذا، أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر» (٦). وقال الإمام أحمد: «لا يكفر أحد بذنب إلا تارك الصلاة عمدًا» (٧). هذه الأقوال، وسوف نعرض لأدلة كفره، وأما أدلة قتله فسوف أرجي

стр. 787

المسألة إلى مبحث مستقل إن شاء الله تعالى. * حجة من قال لا يكفر تارك الصلاة: الدليل الأول: (ح-٣٠٨) ما رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام يكنى أبا محمد، يقول: إن الوتر واجب، فقال المخدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له، وهو رائح إلى المسجد، فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ -يقول: خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن، لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأتِ بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة. [حسن بمجموع طرقه] (١).

стр. 788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 790

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 791

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 792

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 793

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 794

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ -جعل تارك الصلاة تحت المشيئة، ولو كان كافرًا لم يكن كذلك. * ونوقش: بأن التخريج للحديث قد أبان ضعفَ طرقه، وإنما قد يذهب الباحث إلى تحسينه بالمجموع، ومع ذلك فالحديث ليس فيه حجة صريحة يعارض بها الأحاديث الصحيحة الصريحة، فاللفظ المجمل بقوله: (ومن لم يأت بهن … ) قد جاء مفسرًا في كثير من طرق الحديث، بلفظ: ( … ومن أتى بهن وقد انتقص من حقهن … ). وقد قال العلماء: طريقة الراسخين في العلم أن يحمل اللفظ المجمل على المفسر، وبهذا حمله المروزي في تعظيم قدر الصلاة، وابن تيمية في مجموع

стр. 795

الفتاوى، وغيرهما من أهل العلم (١). فالمفسر يدل على أن الحديث ليس في ترك الصلاة بالكلية، وإنما الحديث في تضييع بعض حقوق الصلاة الواجبة؛ لأن الحقوق المستحبة لا يتوعد على تركها، والحقوق التي تبطل الصلاة تجعل المصلي وكأنه لم يُصَلِّ، فَحُمِل على الحقوق الواجبة والتي لا تبطل الصلاة بتضييعها. قال المروزي: «قوله: (لم يأتِ بهن) إنما يقع معناه، على أنه لم يأتِ بهن على الكمال، إنما أتى بهن ناقصاتٍ من حقوقهن، نقصانًا لا يبطلهن … ثم ذكر الروايات المفسرة … » (٢). وأدخل فيه ابن تيمية أيضًا من ترك بعض الصلوات دون بعض (٣). الدليل الثاني: (ح-٣٠٩) ما رواه ابن ماجه، حدثنا علي بن محمد، حدثنا أبو معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ : يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه

стр. 796

الكلمة، لا إله إلا الله، فنحن نقولها، فقال له صلة: ما تغني عنهم: لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة، تنجيهم من النار ثلاثًا. [صحيح موقوفًا ويدخل في حكم المرفوع] (١).

стр. 797

وجه الاستدلال: أن هذا نص من حذيفة ﵁ على أن تارك الصلاة ليس بكافر، بل هو مسلم ناجٍ من الخلود في النار يوم القيامة. * ونوقش هذا: بأن هذا الحديث ليس في مسألة النزاع، فهذا الحديث في مسألة العذر بالجهل، وهل يشترط للتكليف العلم؟ فإن من كانت هذه حاله لو جحد وجوب الصلاة لم يكفر، وقد أجمع العلماء على أن من جحد الصلاة أو تركها جهلًا بحكمها، ومثله يجهل كحديث عهدٍ بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيدة عن العلم، فإنه لا يكفر بذلك، وهذه المسألة محل إجماع بين العلماء، فأين هذا من رجل يعلم أنها ركن من أركان الإسلام، وهو يعيش في حاضرة الإسلام، ويؤمن بالوعيد الوارد على تركها، ثم لا يصلي؟ كيف يقاس هذا على ذاك؟ فهذا قياس باطل، وما حكم هذا إلا حكم المستحاضة التي تركت

стр. 798

الصلاة والصيام لاعتقادها أنها ممنوعة منهما من أجل الدم جهلًا منها، فلم يكلفها الرسول ﷺ -بفعل الصلاة قبل العلم. الدليل الثالث: (ح-٣١٠) ما رواه مسلم من طريق حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ..... إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب، فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيرًا ابن الله، فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا، فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب، يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا، فاسقنا، قال: فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد

стр. 799

خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم، سلم. قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومخدوشٌ مرسَل، ومكدوسٌ في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدةً لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدًا ممن أمرتنا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حُمَمًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْل، ألا ترونها

стр. 800

تكون إلى الحجر، أو إلى الشجر، ما يكون إلى الشمس أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ .... الحديث (١). وجه الاستدلال: أن الحديث كما شفَّع الله المؤمنين في إخوانهم المصلين، والصائمين في المرة الأولى، فأخرجهم من النار بالعلامة التي تكون في وجوههم حتى لم يبق في النار إلا أناس ليس في قلوبهم مثقال ذرة من خير، فيخرج الله بشفاعته أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط، ولو كانوا من جملة المصلين لما صح نفي عمل الخير عنهم. * ويناقش هذا الحديث من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن حديث الشفاعة جاء من مسند جمع من الصحابة، عن رسول الله ﷺ ، ولم يقل أحد منهم هذه الجملة: (لم يعملوا خيرًا قط)، منهم أبو هريرة، وأنس، وابن مسعود، وعمران بن حصين، وأبو بكر، وجابر، وابن عباس، وأبو بكرة، وأبو موسى، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وحذيفة، ولم تأت هذه الزيادة إلا من حديث أبي سعيد الخدري، ولم يروها عنه إلا عطاء بن يسار، تفرد بها زيد بن أسلم عنه، وقد رواه ثمانية من أصحاب أبي سعيد، كيحيى بن عمارة، وروايته في الصحيحين، وأبي صالح السمان، وروايته في الصحيحين، وعطاء بن يزيد الليثي، وروايته في الصحيحين، وسليمان العتوري، وعقبة بن عبد الغافر، وأبي المتوكل، وجابر بن عبد الله، وعطية بن سعد، وروايتهم في المسند، كل هؤلاء رووه عن أبي سعيد، ولم يذكر أحد منهم ما ذكره عطاء بن يسار، فأخشى ألا تكون هذه الزيادة محفوظة من الحديث، وقد روى الحديث أبو هريرة في حضور أبي سعيد، ولم ينكر أبو سعيد اختلافًا على رواية أبي هريرة إلا ما كان في قوله (لك مثله)، فقال أبو سعيد: أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ -يقول: (ولك عشرة أمثاله)، ولفظ حديث أبي هريرة في البخاري: (حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار؛

стр. 801

أمر الملائكة أن يُخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرَّم الله على النار، أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيُصَبَّ عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبَّةُ في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد … ) (١). فقوله: (حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار) إشارة إلى أن هؤلاء خرجوا بالرحمة، وليس بالشفاعة، وأهل القبضة لم يخرجوا بالشفاعة أيضًا، وهذا يعني أن خروجهم إنما كان بالرحمة. وقوله: (ويعرفونهم بآثار السجود) إشارة إلى أنهم من المصلين. وقوله: (فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيُصَبَّ عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبَّةُ في حميل السيل … ) فالذين خرجوا بالرحمة في حديث أبي هريرة هم الذين خرجوا بالقبضة في حديث أبي سعيد، ووصفهم بأنهم لم يعملوا خيرًا قط. وقوله: (ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد) إشارة إلى أن هؤلاء هم آخر من يخرج من النار (٢).

стр. 802

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 803

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 804

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 805

وفي حديث أنس الطويل في الشفاعة من طريق عمرو بن أبي عمرو، عنه، وفيه: (وفرغ الله من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار مع أهل النار،

стр. 806

فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم تعبدون الله ، لا تشركون به شيئًا، فيقول الجبار : فبعزتي لأعتقنهم من النار، فيرسل إليهم، فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في غثاء السيل، ويكتب بين أعينهم هؤلاء عتقاء الله ، فيذهب بهم، فيدخلون الجنة، فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فيقول الجبار: بل هؤلاء عتقاء الجبار (١). فهؤلاء عتقاء الجبار، هم الذين قيل فيهم في حديث أبي سعيد الخدري: (لم يعملوا خيرًا قط). وهم الذين قيل فيهم في حديث أبي هريرة: (فيعرفون بآثار السجود). وهم الذين قيل فيهم في حديث أنس: (ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله ، لا تشركون به شيئًا). والذي يجمع هؤلاء أنهم لم يخرجوا بالشفاعة، وأن خروجهم بعد احتراقهم حتى صاروا حممًا، فيؤتَى بهم إلى نهر الحياة، فيصب عليهم، فينبتون كما تنبت الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْل. فلا يمكن أن تفهم حديث أبي سعيد، وقوله: (لم يعملوا خيرًا قط) إلا إذا جمعت بينه وبين حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وصار معنى: (لم يعملوا خيرًا قط) هذا النفي أسلوب عربي لا يعني النفي المطلق لعمل الجوارح، كما سأبينه في وجه مستقل إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: أن من استدل بهذا الحديث على عدم كفر تارك الصلاة لا يأخذ بظاهر الحديث، فالحديث ظاهره بأن هؤلاء ليس فيهم خير البتة، لقوله: (لم يعملوا خيرًا

стр. 807

قط) فلفظ: (خيرًا) نكرة في سياق النفي فيدخل فيه نفي كل خير، ومن ذلك نطقهم بشهادة التوحيد، ويؤيده بأن الله تدرج في الإذن بإخراج من كان في قلبه مثقال دينار من خير، ثم ما زال يأذن بإخراج من هو دون ذلك، حتى أذن في آخر الأمر بإخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من خير، حتى قال المؤمنون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، فهذا دليل على أنهم ليس فيهم مطلق الخيرية، بما في ذلك إقرارهم لله بالوحدانية، وإلا لكان هذا من الخير الذي عملوه، وقد قيل ذلك. فإن قالوا: هذا النص ليس على عمومه، فلابد للنجاة من النار أن يكونوا موحدين، ولا يكونون موحدين إلا بالإقرار بالوحدانية، ولا يكفي مجرد قول اللسان، وإلا لدخل في ذلك المنافقون، فلا بد أن يكون مع قول اللسان عمل بالقلب يصح به الإيمان، فهذا العموم مخصوص بنصوص أخرى تشترط عمل القلب لصحة الإيمان، والنجاة من النار. فيقال لهم: ونحن أيضًا خصصنا هذا العموم بنصوص أخرى تشترط الصلاة لصحة الإيمان، وتصرح بأن غير المصلي مشرك كافر، لاحَظَّ له في الإسلام، ولا سبيل له في النجاة، فاتفق الجميع بأن عموم الحديث غير مراد. الوجه الثالث: حمل النفي في قوله: (لم يعملوا خيرًا قط) على نفي الخير المسبب للنجاة من النار، وليس النفي لمطلق الخير، وهو أسلوب عربي، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، ولا يقصد بذلك نفي النسب عنه، وتقول: لست بولدي، ولا تريد من ذلك نفي النسب. وقال ﷺ : لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن (١). قال أبو عبيد القاسم بن سلام: « .... فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، واسم الإيمان غير زائل عنه؟

стр. 808

قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا عمله على غير حقيقة، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئًا، ولا عملت عملًا، وإنما وقع معناه هاهنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم، وغير عامل في الإتقان، حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا» (١). وقال ابن خزيمة: «هذه اللفظة: (لم يعملوا خيرًا قط) من الجنس الذي يقول العرب: ينفى الاسم عن الشيء، لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: (لم يعملوا خيرًا قط) على التمام والكمال، لا على ما أُوجب عليه، وأُمر به» (٢). ويؤيد ذلك أحاديث صحيحة جمعت بين القول بأنه لم يعمل خيرًا قط، مع إثبات عمل الجوارح. (ح-٣١١) فروى مسلم من حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، فأشار عليه رجل عالم بالخروج من أرضه تلك؛ لأنها أرض سوء، ثم أمره أن ينطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قومًا صالحين ليعبد الله معهم، فخرج حتى إذا انتصف في الطريق أدركه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط .... الحديث (٣). فهذا الرجل خرج تائبًا مهاجرًا، وهو من عمل الجوارح، ومع ذلك قالت فيه ملائكة العذاب: لم يعمل خيرًا قط. (ح-٣١٢) وروى أحمد والنسائي وغيرهما من طريق ابن عجلان، عن زيد ابن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ -قال: إن رجلًا لم يعمل خيرًا قط، وكان

стр. 809

يداين الناس، فيقول لرسوله: خذ ما تيسر، واترك ما عسر وتجاوز، لعل الله تعالى أن يتجاوز عنا .... (١). وإسناده حسن إن كانت كلمة (لم يعمل خيرًا قط) محفوظة. فهنا في الحديث قال: (لم يعمل خيرًا قط) مع تجاوزه عن المعسر احتسابًا، وهو من عمل الجوارح. الوجه الرابع: أن حديث أبي سعيد ذكر هلاك المشركين من اليهود والنصارى، ويبقى في الموقف فريقان: مؤمنون، ومنافقون كانوا يسجدون رياءً، ونص الحديث: (فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه). فكانت القسمة فريقين: مؤمنين ومنافقين: وكانت النجاة حالًا لمن لم يكتب الله لهم دخول النار، أو مآلًا لمن كتب الله لهم دخول النار وخرجوا منها إما بالشفاعة أو بالرحمة، وكل هؤلاء قد سجدوا لله في ذلك الموقف، ووصفهم الحديث: بأنهم كانوا في الدنيا يسجدون لله من تلقاء أنفسهم. وأما المنافقون فلا نجاة لهم من النار البتة، ولن تنالهم الشفاعة ولا الرحمة، فدل حديث أبي سعيد أن المشفعين والمرحومين هم من أهل السجود، وصار النفي عنهم: (لم يعملوا خيرًا قط) ليس على عمومه، والله أعلم. الوجه الخامس: لو صح حمل حديث أبي سعيد: (لم يعملوا خيرًا قط) على مطلق عمل الجوارح، وأنه لم يكن معهم إلا التوحيد، فيحمل ذلك على غير أمة محمد ﷺ ، فإن شريعتنا قد جاء فيها أحاديث صحيحة، صريحة الدلالة على كفر تارك الصلاة

стр. 810

وشركه، ولم يكن ذلك في شريعة مَنْ قبلنا. (ح-٣١٣) وفي حديث أنس ما يشير إلى ذلك، فقد روى أحمد وغيره من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس مرفوعًا، وفيه: (وفرغ الله من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار مع أهل النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم تعبدون الله ، لا تشركون به شيئًا، فيقول الجبار : فبعزتي لأعتقنهم من النار، فيرسل إليهم، فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الْحِبَّةُ في غثاء السيل … ) (١). فإما أن يكون هؤلاء هم أهل القبضة في حديث أبي سعيد، وقد أثبت لهم العبادة ونفي الشرك. وإما أن يكون أهل القبضة بعدهم فلا يكونون من أمة محمد ﷺ ؛ لأن الحديث ذكر دخول ما بقي من أمة محمد النار، وخروجهم منها، وإذا خرجوا منها كان أهل القبضة من غير أمة محمد ﷺ ، فلا يكون فيه حجة على أن ترك الصلاة ليس كفرًا في شريعتنا، والله أعلم. هذه هي الأدلة الخاصة على أن تارك الصلاة ليس بكافر، وقد استدلوا بأدلة عامة ليست نصًّا في محل النزاع، نذكر منها: الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. * ونوقش هذا الدليل: بأن معنى قوله سبحانه: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي يغفر ما هو أقل من ذلك، وليس
следующие страницы →