الدليل الرابع:
(ح-٢٦٢١) روى أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم من طريق رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رافع، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع،
عن أبيه قال: صليت خلف النبي ﷺ فعطست، فقلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى ﷺ انصرف فقال: من المتكلم في الصلاة؟» فلم يكلمه أحد، ثم قالها الثانية: من المتكلم في الصلاة؟ فقال رفاعة بن رافع ابن عفراء: أنا يا رسول الله. قال: كيف قلت؟ قال: قلت الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكًا أيهم يصعد بها.
[حسن] (١).
الدليل الخامس:
(ح-٢٦٢٢) ما رواه مسلم من طريق حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار،
عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أُمِّيَاهْ، ما شأنكم؟ تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله، ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ (٢).
• الاستدلال بالحديث من وجهين:
الوجه الأول:
قول النبي ﷺ : (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو
стр. 7422
التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)، ففرق النبي ﷺ بين جنسين من الكلام: جنس لا يصلح في الصلاة، وهو كلام الناس، وجنس يصلح، وهو التسبيح والتكبير والقراءة، ومطلقه يشمل حتى لو ذكر ذلك في غير موضعه.
الوجه الثاني:
ظاهر الحديث أن معاوية بن الحكم لم يكن ليشمته لولا أنه سمعه يحمد الله، فإن قيل: يحتمل جهله بذلك؛ لجهله بتحريم الكلام في الصلاة، فيقال: لما علم أن العاطس يشمت، ظاهره أنه يعلم متى يشمت، وأنه لا يشمت حتى يحمد الله، ويؤيده حديث رفاعة بن رافع حيث حمد الله بسبب العطاس، وأقره النبي ﷺ .
وقد رواه فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: لما قدمت على رسول الله ﷺ علمت أمورًا من أمور الإسلام، فكان فيما علمت أن قيل لي: إذا عطست فاحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله، فقل: يرحمك الله، قال: فبينما أنا قائم مع رسول الله ﷺ في الصلاة، إذ عطس رجل، فحمد الله، فقلت: يرحمك الله، رافعًا بها صوتي، فرماني الناس بأبصارهم.
[تفرد فليح بذكر أن الرجل حمد الله] (١).
الدليل السادس:
(ح- ٢٦٢٣) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم .... وفيه: من رابه -وفي رواية: من نابه- شيء في صلاته، فليسبح
стр. 7423
فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء (١).
وجه الاستدلال:
أمر النبي ﷺ المصلي إذا نابه شيء في صلاته بالتسبيح في أي موضع كان من صلاته، إشارة إلى أن مثل هذه الأذكار لا تنافي الصلاة، وغير التسبيح من الأذكار كالحمد والتكبير قياس عليه، فلو أن الإنسان حين نابه شيء كبَّر بدلًا من التسبيح لم يكن ذلك سببًا لسجود السهو؛ لكونه في غير موضع التكبير، وقل مثله في سائر الأذكار.
• الراجح:
أن الإنسان إذا زاد قولًا مشروعًا في الصلاة في غيره محله، فلا سجود عليه، وصلاته صحيحة بشرطين:
أن يكون هذا ذكرًا قوليًّا، احتراز من الفعل؛ لأنه يغير من هيئة الصلاة.
وأن يكون جنسه مشروعًا في الصلاة؛ احترازًا من الكلام الأجنبي عن الصلاة، وسواء زاده عامدًا أو سهوًا، والله أعلم.
стр. 7424
الفرع الثاني في الزيادة القولية غير المشروعة في الصلاة
المطلب الأول الكلام الأجنبي في الصلاة
المسألة الأولى الكلام في الصلاة عمدًا لغير مصلحتها
المدخل إلى المسألة:
• تحريم الكلام في الصلاة معلوم من الدين بالضرورة.
• كل ما يسمى كلامًا في اللغة فهو منهي عنه، أفاد أم لم يفد، لقوله: (ونهينا عن الكلام).
• كل كلام أجنبي وقع في الصلاة، ولم تبطل به فهو محمول: إما على ما كان قبل تحريم الكلام، أو على وقوعه جهلًا أو نسيانًا أو على توهم إتمام الصلاة.
• الكلام محظور في الصلاة، وتركه لا يعد من الفروض، ولا من الشروط على الصحيح، خلافًا للمالكية.
• الفروض تقوم عليها ماهية الشيء، وهي لا تقوم على التروك، كترك الأكل، والشرب، والحركة؛ لأنها عدم، بل تقوم على الأفعال التي تقوم عليها حقيقته.
• المنهيات ومنها الكلام إذا وقعت سهوًا لم توجب الإعادة بخلاف المأمورات.
[م-٨٨٨] اختلف الفقهاء في حكم الكلام في الصلاة عمدًا لغير مصلحتها:
فاختار أبو بكر الأبهري من المالكية أن ترك الكلام في الصلاة سنة، وهذا يعني: صحة الصلاة مع الكلام عمدًا (١).
стр. 7425
ورخص قوم من أهل العلم من التابعين منهم الحسن وقتادة إلى جواز رد المصلي السلام كلامًا (١).
قال القرطبي: «الناس على خلافه» (٢)، يعني على خلاف قول الحسن وقتادة.
وقال القاضي عياض: «وبالرد نطقًا قال أبو هريرة، وجابر، والحسن، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وإسحاق، ونقله ابن الملقن في شرح البخاري» (٣).
وقيل: يحرم الكلام في الصلاة، وهو مذهب عامة الفقهاء، وحكي إجماعًا.
وفرق الإمام أحمد في رواية بين كلام الإمام إذا ارتاب في صلاته، فسأل كم صلى، فلا تبطل صلاته بنحو ما تكلم به النبي ﷺ في قصة ذي اليدين، وبين كلام المأموم فإن من تكلم بطلت صلاته، ولا حجة في كلام ذي اليدين لأنه كان يعتقد أن الصلاة قد قصرت، واليوم قد استقرت الشريعة، فلا يشبه حال ذي اليدين (٤).
ويشكل عليه أن ذا اليدين قد تكلم بعد أن تيقن أن الصلاة لم تقصر، بقوله للنبي ﷺ : بلى قد نسيت، وأَقَرَّه النبي ﷺ ، ولو كان خطأ لبين النبي ﷺ له ذلك.
وتكلم الصحابة بعد أن سمعوا من النبي ﷺ أن الصلاة لم تقصر جوابًا على سؤال النبي ﷺ حين قال: أحقًا ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم، وكان يمكنهم الإجابة بالإشارة المفهمة، كما لو أومؤا برؤوسهم، والإشارة ليست كلامًا.
وعَدَّ بعض المالكية ترك الكلام من فروض الصلاة، وعده ابن الحاجب من
стр. 7426
الشروط، ورجح خليل أنه لا يدخل في الفروض ولا في الشروط؛ لأنه من الموانع (١).
وحجة من عدَّ ترك الكلام من الفروض؛ لدخوله في الصلاة، فالشروط خارج الماهية، والأركان (الفروض) داخل الماهية (٢).
ويلزم منه أن يلحق بالفروض ترك الأكل والشرب والحركة، وكل موانع الصلاة.
وحجة من اعتبر ترك الكلام من الشروط؛ لأن حقيقة الشرط: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، وهذا يصدق على ترك الكلام، فإنه يلزم من الكلام انتفاء الصلاة، ولا يلزم من ترك الكلام وجود الصلاة، ولا عدمها.
وقال خليل: «لا ينبغي عده في الشروط؛ لأن ما طولب تركه إنما يعد في الموانع، وهذا محقق في علم الأصول، لكن المؤلف تابع لأهل المذهب هنا؛ فإن جماعة منهم عدوهما من الفرائض.
فإن قيل: في هذا الاعتراض الذي ذكرته نظر؛ لأن عدم المانع شرط؛ إذ الحكم لا يوجد إلا إذا عدم المانع، ولا يلزم من عدم المانع حصول الحكم، وهذا هو حقيقة الشرط.
قيل: الفرق بينهما أن الشك في الشرط، أو في السبب يمنع من وجوب الحكم، بخلاف الشك في المانع، كالشك في الطلاق، والله أعلم» (٣).
هذه هي الأقوال، وانظر أدلتها في المجلد السابق، في مبطلات الصلاة.
стр. 7427
المسألة الثانية الكلام في الصلاة عمدًا لإصلاحها
المدخل إلى المسألة:
• أحاديث النهي عن الكلام أحاديث عامة خُصَّ منها الجاهل؛ لحديث معاوية بن الحكم، والناسي مقيس عليه، وخُصَّ منها كلام المأموم مع إمامه عمدًا لإصلاح الصلاة؛ لحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، والخاص مقدم على العام.
• كل كلام أجنبي صدر من عامدٍ عالمٍ بالتحريم فهو مفسد للصلاة، إلا ما كان لإصلاحها، وتعذر الإفهام بالتسبيح، لحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين.
• الكلام من المنهيات، فوقوعه سهوًا لا يبطل الصلاة، ولا يوجب السجود.
• الكلام في الصلاة لإصلاحها لا فرق فيه بين أن يقع في صلب الصلاة، أو يقع بعد سلام الإمام ظنًا منه إتمامها؛ لأن النبي ﷺ لما بنى على صلاته كان السلام في حكم الملغى، فكان الكلام حكمًا قد وقع في صلب الصلاة.
• تكلم ذو اليدين بعد ما علم أن الصلاة لم تقصر، وأقرَّه النبي ﷺ ، ولو كان خطأ لبيَّن النبي ﷺ له ذلك؛ لأن المقام مقام بيان، وتأخيره عن وقت الحاجة لا يجوز.
• سجود السهو عُرِفَ جابرًا بالشرع، والشرع إنما ورد في حق الساهي، فإذا تكلم عامدًا لإصلاح الصلاة لم يشرع له سجود السهو؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف.
[م-٨٨٩] أجمع المسلمون على أن المصلي إذا تكلم في صلاته، وهو يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أن صلاته باطلة، إلا ما روي عن الأوزاعي أن من تكلم لإحياء نفس، أو مثل ذلك من الأمور الجسام، لم تفسد بذلك صلاته (١).
стр. 7428
واختلف الفقهاء في الرجل يتكلم عمدًا في صلب الصلاة لإصلاحها:
فقيل: تبطل صلاته، وعليه إعادة الصلاة، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية والشافعية، والحنابلة في المعتمد، وقول في مذهب المالكية، اختاره سحنون (١).
قال القاضي حسين: «وأما الكلام إن كان عمدًا بطلت به صلاته، سواء كان من مصلحة الصلاة، أو لم يكن من مصلحتها» (٢).
وقال النووي: «ولو أشرف إنسان على الهلاك، فأراد إنذاره وتنبيهه، ولم يحصل ذلك إلا بالكلام وجب الكلام، وتبطل صلاته على الأصح» (٣).
وقال في الإنصاف: «وإن تكلم لمصلحتها، ففيه ثلاث روايات .... الرواية الثانية تبطل، وهي المذهب، وعليه أكثر الأصحاب» (٤).
وإذا حكم على الصلاة بالبطلان امتنع سجود السهو.
وقيل: الكلام اليسير عمدًا لإصلاح الصلاة لا يبطلها، ولا سجود عليه مطلقًا، سواء وقع بعد سلام الإمام ظانًا أن صلاته تمت، أو قبله، فإن كَثُر، أو أمكن الإفهام بالتسبيح بطلت، وهذا مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، مشى عليه في الإقناع (٥).
стр. 7429
وقيل: إن تكلم لمصلحتها بطلت صلاة المأموم دون الإمام، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخرقي، وبه قال سحنون من المالكية (١).
стр. 7430
وروى ابن عبد البر في كتابه التمهيد بإسناده من طريق علي بن زياد، قال: حدثنا أبو قرة، قال: سمعت مالكًا يستحب إذا تكلم الرجل في الصلاة أن يعود لها، ولا يبني. قال: وقال لنا مالك: إنما تكلم رسول الله ﷺ وتكلم أصحابه معه يومئذ؛ لأنهم ظنوا أن الصلاة قد قصرت، ولا يجوز ذلك لأحد اليوم (١).
وقيل: الكلام لإنقاذ معصوم لا يفسد الصلاة، وهو وجه في مقابل الأصح عند الشافعية، وبه قال الأوزاعي (٢).
• دليل من قال: الكلام عمدًا يفسد الصلاة مطلقًا:
الدليل الأول:
استدلوا بعموم الأحاديث التي تدل على تحريم الكلام، منها:
(ح-٢٦٢٤) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني،
عن زيد بن أرقم، قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا أخاه في حاجته، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت.
ورواه مسلم من طريق هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد به، وزاد: ونهينا عن الكلام (٣).
стр. 7431
ومنها
(ح-٢٦٢٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن فضيل، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله ﵁، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا (١).
وفي الباب حديث معاوية بن الحكم في مسلم.
• ونوقش هذا:
بأن حديث زيد بن أرقم وحديث ابن مسعود وحديث معاوية بن الحكم أحاديث عامة في تحريم الكلام، خُصَّ منها الكلام اليسير إذا كان في مصلحة الصلاة لإصلاحها، وتعذر الإفهام عن طريق التسبيح لحديث ذي اليدين وعمران بن حصين، والخاص مقدم على العام، وإذا كان الحنفية يجيزون لمن سبقه الحدث في الصلاة الخروج من الصلاة ومن المسجد، والذهاب للوضوء، ولو أدى ذلك إلى الانصراف عن القبلة، ثم العود إلى الصلاة والبناء عليها، فإذا جازت كل هذه الأعمال الكثيرة المنافية للصلاة من أجل إصلاحها، جاز الكلام اليسير عمدًا لإصلاح الصلاة من باب أولى.
الدليل الثاني:
(ح- ٢٦٢٦) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم .... وفيه: من رابه -وفي رواية: من نابه- شيء في صلاته، فليسبح؛ فإنه إذا سبح التفت إليه؛ وإنما التصفيق للنساء (٢).
وجه الاستدلال:
قياس الكلام اليسير على التسبيح في غير موضعه، فقد أباح الشارع التسبيح في غير موضعه من الصلاة للتنبيه، سواء أكان بقصد الإعلام أنه في صلاة، أم كان بقصد الجواب، أم كان بقصد الزجر؛ لعموم قوله: (من نابه شيء في صلاته)،
стр. 7432
فقوله: (شيء) نكرة في سياق الشرط، فتعم؛ ولأن الواقعة التي هي سبب الحديث لم يكن القصد منها الإعلام بأنه في صلاة، وإنما القصد منها تنبيه أبي بكر على حضور النبي ﷺ ، وهو سبب لا يتعلق بأذكار الصلاة، فإذا جاز مثل ذلك جاز الكلام للضرورة لإصلاح الصلاة.
• ويناقش:
بأن التسبيح جنسه مشروع في الصلاة، فإذا قاله في غير موضعه لم يكن هذا بمنزلة الكلام الأجنبي.
• و يجاب:
بأن المصلي إذا قصد به التنبيه لأمر لا يتعلق بالصلاة كما حدث لأبي بكر خرج ذلك عن كونه من أذكار الصلاة، وقياسًا على الجنب يقول: الحمد لله رب العالمين ولا يقصد بها القرآن.
• دليل من قال: الكلام عمدًا لإصلاح الصلاة لا يفسدها، ولا تحتاج إلى جبران:
أما الدليل على أن الكلام عمدًا لإصلاح الصلاة لا يبطلها:
فقد دلَّ حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين في الصحيحين، وحديث عمران بن حصين في مسلم على أن الكلام اليسير عمدًا لمصلحة الصلاة فعل مأذون فيه، وسجود السهو لا يترتب على فعل مباح في الصلاة، وقد تكلم ذو اليدين بعد أن عَلِم أن النبي ﷺ قد سها في صلاته حين قال له النبي ﷺ : لم أنس ولم تقصر، فقال ذو اليدين كما في صحيح البخاري: بلى قد نسيت.
وقد أقرَّ النبي ﷺ ذا اليدين على كلامه بعد أن تحقق من كون النبي ﷺ قد سها في صلاته، وأن الصلاة لم تقصر، ولم تبطل صلاته، ولو كان فعله خطأ لبين النبي ﷺ له ذلك؛ لأن المقام مقام بيان، وتأخيره عن وقت الحاجة لا يجوز، فدل حديث أبي هريرة على جواز الكلام اليسير لمصلحة الصلاة إذا تعين طريقًا لإصلاح الصلاة، ولم يفهم التسبيح.
• ونوقش هذا الاستدلال:
ذهب الحنفية إلى أن حديث ذي اليدين منسوخ؛ لاحتمال أن يكون ذلك وقع في الزمن الذي كان يجوز فيه الكلام في الصلاة، ويكون حديث أبي هريرة
стр. 7433
مما سمعه من الصحابة، ويكون معنى قول أبي هريرة: (صلى بنا .... ) أي صلى بالصحابة، وبه قال أكثر أصحاب مالك (١).
وقد صح عن البراء وأنس بن مالك أنهما قالا: ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله ﷺ ، ولكن حدَّثَنا أصحابُنا، وما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب (٢).
فلا يبعد أن يكون أبو هريرة قد حَدَّث بحديث ذي اليدين، وإن لم يشهد الحادثة.
وقد استدلوا على ذلك بأدلة تمت مناقشتها، والجواب عنها في مبطلات الصلاة في المجلد السابق، فارجع إليها دفعًا للتكرار.
وأما الدليل على أن المصلي إذا تكلم عمدًا لإصلاح الصلاة لا يسجد للسهو:
فلأن سجود السهو عُرِفَ جابرًا بالشرع، والشرع إنما ورد في حق الساهي، وهذا كاف في الدلالة على عدم مشروعية سجود السهو إذا تكلم عامدًا، فالعبادات الأصل فيها التوقيف والمنع إلا بدليل.
ولأن غالب من يتكلم عمدًا لإصلاح الصلاة هو المأموم لتنبيه إمامه، والمأموم لا سهو عليه، وقد ذهب المالكية في أحد القولين أن المنفرد لا يباح له الكلام عمدًا لإصلاح صلاته؛ لأن النصوص وردت في إصلاح صلاة الجماعة، فيقتصر على مورد النص، ولأن المنفرد قد أمر بالبناء على اليقين إذا شك في صلاته، فلم يكن مضطرًا إلى الكلام لإصلاح صلاته.
• وجه التفريق بين الإمام والمأموم:
بأن كلام النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين وقع سهوًا؛ لاعتقاده إتمام صلاته، وهو دال على أن الكلام سهوًا لا يبطل الصلاة، وسجود المأموم جرى تبعًا لإمامه؛ لأن المأموم ليس عليه سهو، فخرج البحث عن مسألتنا؛ لأن البحث في إباحة الكلام عمدًا لإصلاح الصلاة، فلا دليل في فعل النبي ﷺ في حديث أبي هريرة على مسألتنا.
وليس للمأموم أن يتكلم محتجًا بكلام أبي بكر وعمر؛ لأنهما تكلما مجيبين
стр. 7434
للنبي ﷺ وإجابته واجبة عليهما.
وليس له أن يتكلم محتجًا بكلام ذي اليدين؛ لأنه تكلم في الصلاة، وهو يظن أن الصلاة ربما تكون قد قصرت في وقت يمكن النسخ، وهذا غير موجود في زماننا، فكلام ذي اليدين يدخل في الكلام جاهلًا أو ساهيًا، فليس داخلًا في مسألة البحث، وسوف يأتي بحث من تكلم في صلاته جاهلًا أو ساهيًا.
نعم لو تكلم المأموم يظن أن الصلاة قد تمت، صحت صلاته كالإمام، ولهذا قال الإمام أحمد كما في رواية أبي طالب: «في إمام سَلَمَ من اثنتين، فسأل، فقال بعضهم: هي اثنتان، وقال بعضهم: هي أربع، فالذين قالوا: اثنتان يعيدون، ومن قال: إنها أربع، وظن أنها أربع، فهم مثل الإمام لا يعيدون، إنما تكلموا في أمر الصلاة، وهم يظنون أنهم أتموا؛ فقد حكم بصحة صلاتهم؛ لاعتقادهم أنهم في غير صلاة (١).
• ونوقش هذا القول:
أما القول بأن أبا بكر وعمر؛ تكلما مجيبين للنبي ﷺ وإجابته واجبة عليهما.
فالجواب: بأن إجابة النبي ﷺ لا تتعين بالقول، فيكفي فيها الإيماء خاصة بعد تيقنهم أن النبي ﷺ قد حصل له السهو حين قال: لم أنس، ولم تقصر.
وعلى تقدير أن الجواب عليهم كان واجبًا فلا يلزم منه الحكم بصحة صلاتهما، كما لو وجب الكلام على المصلي لإنقاذ أعمى من السقوط في حفرة، فإنه يجب عليه أن يكلمه، ويستأنف صلاته.
ولا يصح القول بأن ذا اليدين كان يعتقد أن الصلاة قد قصرت، فلم تبطل صلاته بالكلام؛ لأن ذا اليدين قد تكلم أيضًا بعد قول النبي ﷺ : لم أنس ولم تقصر، فقال له كما في البخاري: بلى قد نسيت.
وفي مسلم: قال النبي ﷺ : كل ذلك لم يكن، فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله.
فقد كلمه بعد علمه بعدم النسخ، وكلمه الصحابة، وبنوا معه (٢).
стр. 7435
فدل على أن الكلام عمدًا لإصلاح الصلاة غير مدفوع إذا تعين، ولم تغن الإشارة، والله أعلم.
ولو فرض أن ذا اليدين ربما اعتقد إباحة الكلام إذا كان لمصلحة الصلاة، فقد أقره النبي ﷺ ، ولو كان فعله خطأ لبين النبي ﷺ له ذلك؛ لأن المقام مقام بيان، ولا يجوز تأخيره عن الحاجة.
• دليل من قال: الكلام لإنقاذ معصوم لا يفسد الصلاة:
كل كلام كان واجبًا على المصلي فإنه لا يفسد صلاته قياسًا على جواز الكلام لمصلحة الصلاة، بجامع المصلحة، فالمصلحة هي التي أباحت الكلام في الصلاة، وقصر المصلحة على مصلحة الصلاة قيد غير معتبر، بل وقع اتفاقًا.
• ويناقش:
بأن الكلام جاءت النصوص قاطعة بتحريمه، وجاء حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين باستثناء الكلام إذا كان لإصلاح الصلاة، وتعذر إصلاحها بالتسبيح، فيبقى ما عداه على التحريم، ولو اعتبر مطلق المصلحة، لاعتبر ذلك في رد السلام، وهو كان واجبًا لولا مانع الصلاة، فلما كان المصلي لا يرد السلام على من سلم عليه دلَّ على أن المستثنى هو ما كان لإصلاح الصلاة، فمن اضطر إلى الكلام لإنقاذ معصوم، وجب عليه الكلام، واستأنف الصلاة، والله أعلم.
قال ابن عبد البر: «أجمع المسلمون على أن الكلام في الصلاة عمدًا إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته تفسد صلاته، إلا الأوزاعي فإنه قال: من تكلم في صلاته لإحياء نفس، أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد بذلك صلاته ومضى عليها ..... قال أبو عمر: لم يتابعه أحد على قوله هذا، وهو قول ضعيف ترده السنن والأصول» (١).
وقال ابن رشد: «وشذ الأوزاعي فقال: من تكلم في الصلاة لإحياء نفس، أو لأمر كبير، فإنه يبني» (٢).
стр. 7436
وإذا كان الإمام الأوزاعي لم يسبق لهذا القول، لم يمكن الذهاب إليه.
• الراجح:
مسألة إبطال الصلاة بالكلام كانت محل بحث موسع في المجلد السابق، وإنما الكلام الآن في السجود إذا تكلم عمدًا لإصلاح صلاته، فمن قال: الصلاة باطلة، وهم الأكثر، فلا مناسبة لبحث سجود السهو؛ لأن سجود السهو فرع عن صحة الصلاة، كيف وقد بطلت.
ومن قال: إن الكلام لا يبطل الصلاة إذا كان لإصلاحها، كالمالكية فهم لا يقولون بالسجود، وإن قالوا: إن الكلام لا يبطل الصلاة، فالراجح: أن الكلام عمدًا لإصلاح الصلاة لا يبطل الصلاة، ولا يشرع له سجود السهو، والله أعلم.
стр. 7437
المسألة الثالثة الكلام في الصلاة ساهيًا
المدخل إلى المسألة:
• قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: قد فعلت (١).
• كل فعل ليس من جنس أفعال الصلاة، لا يشرع لسهوه سجود السهو على الصحيح، ومنه الكلام، والحركة الكثيرة سهوًا.
• كل فِعْلٍ أو تَرْكٍ من جنس ما هو مشروع في الصلاة، تبطل الصلاة بتعمده، إذا فعله، أو تركه سهوًا سجد له.
• المنهيات من كلام، وحركة كثيرة إذا وقعت سهوًا لم تبطل الصلاة، ولا سجود بسببها؛ لأن الأصل في السجود التوقيف، ولم يثبت أنها من أسباب السجود.
• الموجب لسجود النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين زيادة التسليم في غير موضعه، وهو من جنس أفعال الصلاة، والنقص من أفعال الصلاة، وكلاهما من أسباب السجود، وليس بسبب الكلام، ولا المشي، ولا انصرافه عن القبلة.
• الأكل منافٍ للصيام، وإذا أكل ناسيًا لم يفسد صومه على الصحيح، فكذلك إذا تكلم ناسيًا لم تبطل صلاته.
[م- ٨٩٠] إذا تكلم المصلي ساهيًا، كما لو ظن أنه ليس في صلاة، أو ظن أن صلاته قد تمت، فتكلم بغير السلام، وإنما قيدته بغير السلام؛ لأن التسليم من الصلاة من جنس ما يشرع في الصلاة، فلا يدخل في الكلام الأجنبي، ولأن النبي ﷺ وأصحابه فعلوه، وبنوا على صلاتهم، فإذا تكلم ساهيًا فاختلف الفقهاء في صلاته:
فقيل: تفسد صلاته مطلقًا، سواء كان إمامًا أو غيره، وسواء كان الكلام سهوًا
стр. 7438
أو جهلًا أو عمدًا، طائعًا أو مكرهًا، محرمًا أو واجبًا، كما لو كان لتحذير ضرير، وسواء كان لمصلحتها أو لا، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (١).
جاء في مختصر القدوري: «والسهو يلزم إذا زاد في صلاته فعلًا من جنسها ليس منها، أو ترك فعلًا مسنونًا … » (٢).
والكلام ليس من جنس ما هو مشروع في الصلاة بخلاف التسليم.
وقال أبو يعلى: «واختلف في الكلام ساهياً لغير مصلحة، هل تبطل صلاته؟
فنقل المروذي وإسحاق بن إبراهيم، والمشكاتي ومحمد بن الحكم إبطال الصلاة وهو أصح؛ لأنه ليس من جنس ما هو مشروع في الصلاة فأبطلها سهوه كالحدث» (٣).
وإذا بطلت الصلاة فلا مجال لجبرها بسجود السهو.
وقد ذكرت أدلتهم في مبطلات الصلاة، ولا أحتاج لإعادته هنا، فارجع إليه إن شئت في المجلد السابق، والبحث هنا معقود في حكم سجود السهو لمن تكلم ساهيًا، وهو أثر عن القول بصحة الصلاة، فمن قال: الصلاة باطلة لا مدخل له في
стр. 7439
بحث هذه المسألة، ومن قال: صلاته صحيحة، فقد اختلفوا، هل عليه أن يسجد للسهو بسبب كلامه في الصلاة على قولين؟.
فقال مالك والشافعي: الكلام اليسير إذا وقع سهوًا لا يفسد الصلاة، ويشرع له سجود السهو، بخلاف الكثير فإنه مبطل، وهو رواية عن أحمد (١).
وخص هذا باليسير؛ قالوا: لأن هيئة الصلاة تزول بكثرة الكلام، وينقطع نظمها، ولأن نسيان اليسير قد يصعب التحرز منه، فيبتلى به الإنسان بخلاف نسيان الكثير فيبعد تصور النسيان فيه، فإنه يتنبه أو يُنبَّه، وما يقع نادرًا لا يعتد به.
وقيل: الكثير كاليسير؛ فما عفي عن يسيره لنسيان، أو جهل، عفي عن كثيره للعذر نفسه، وهو قول في مذهب الحنابلة، وما عفي عنه لا يحتاج إلى جبران (٢).
• دليل من قال: لا يسجد للسهو:
الدليل الأول:
سجود السهو بينت السنة موجباته، فهو يرجع إلى:
سهو متيقن: إما بزيادة فعل أو قول من جنس ما هو مشروع في الصلاة، كزيادة ركعة، أو تسليم، أو بنقص أحدهما، كما لو قام من اثنتين قبل أن يجلس ويتشهد
стр. 7440
التشهد الأول، فاجتمع نقص الفعل والقول.
أو شك في حصول أحدهما: كما لو تردد المصلي أصلى ثلاثًا أم أربعًا، أو تردد، أجلس للتشهد الأول أم لا.
فمثال النقص المتيقن في القول والفعل:
(ح-٢٦٢٧) ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن الأعرج،
عن عبد الله بن بحينة ﵁، أنه قال: إن رسول الله ﷺ قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلم بعد ذلك (١).
ومثله حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين حيث سلم النبي ﷺ من اثنتين في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر (٢).
فاجتمع النقص من أفعال الصلاة، وزيادة التسليم، وهي زيادة قولية.
ومثله حديث عمران بن حصين في مسلم حيث سلم النبي ﷺ من ثلاث في صلاة العصر (٣).
فاجتمع في حقه موجبان للسجود: زيادة التسليم وهي زيادة قولية، والنقص من ركعات الصلاة.
ومثال الزيادة المتيقنة في الأفعال:
(ح-٢٦٢٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم (٤).
стр. 7441
ومثال الشك:
(ح-٢٦٢٩) ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان (١).
فقوله: (فإن كان صلى خمسًا … وإن كان صلى إتمامًا) فجعل سجود السهو مترددًا بين النقص والزيادة.
فكان المقتضي لسجود السهو هو ما كان جنسه مشروعًا في الصلاة إذا نقصه أو زاده يقينًا أو شكًا.
(ح-٢٦٣٠) فقد روى مسلم من طريق زائدة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ ، فإما زاد أو نقص -قال إبراهيم: وايم الله ما جاء ذاك إلا من قبلي- قال فقلنا: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ فقال: لا. قال: فقلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين، قال: ثم سجد سجدتين (٢).
فأشار الحديث أن الموجب هو الزيادة والنقص مما هو مشروع في الصلاة.
وأما الكلام -وإن كان من محظورات الصلاة- فليس من أسباب سجود السهو؛ والأصل في سجود السهو التوقيف، والمجمع عليه عند الفقهاء أن السجود يشرع إذا زاد المصلي، أو نقص، أو شك في حصول أحدهما مما هو مشروع جنسه في الصلاة، وقد اختلفوا في الكلام سهوًا، والأصل عدم المشروعية، ولا يوجد دليل من الشرع يثبت أن من تكلم في صلاته ساهيًا كان عليه أن يجبر ذلك بسجود السهو،
стр. 7442
فالكلام أجنبي عن الصلاة فليس من جنس الأقوال المشروعة فيها، فإن كان متعمدًا عالمًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا بالتحريم فصلاته صحيحة؛ لعذر الجهل، وأما الإثم، فإن كان يمكنه رفع الجهل، وقد فرط، ولم يتعلم أثم لتركه ما يجب عليه، وصلاته صحيحة، وإن كان عاجزًا عن رفع الجهل؛ إما لكونه في بادية بعيدًا عن العلماء، أو لكونه حديث عهد بإسلام صحت صلاته، وانتفى الإثم، والله أعلم.
الدليل الثاني:
قياس الكلام على الأكل، حيث يسير الأكل متعمدًا يبطل الصلاة، واختلف في إبطال الصلاة بسهوه، ولا يشرع سجود السهو من الأكل فكذلك الكلام، فالمنهيات من كلام، وأكل، وحركة كثيرة بلا حاجة ليست من أسباب سجود السهو، وقل مثل ذلك فيما لو اجتهد المصلي فصلى إلى غير القبلة، ثم جاءه من يخبره بالقبلة في آخر صلاته فإنه ينحرف إليها، ويتم صلاته، ولا يسجد للسهو.
الدليل الثالث:
قياس الكلام على العمل في الصلاة، فالعمل الكثير المتوالي من غير حاجة تعمده يبطل الصلاة، وسهوه لا يبطلها، ولا يشرع له سجود السهو، فكذلك الكلام.
• ونوقش:
بأن يسير العمل مباح، ويسير الكلام غير مباح، فلا يقاس الأغلظ على الأخف.
• ورد هذا:
كون الكلام أغلظ من الحركة لا يعني أن الكلام يشرع له سجود السهو، وإنما عفي عن الحركة اليسيرة؛ لأن التحرز منها فيه حرج، وما جعل الله علينا في الدين من حرج، والحي لا يكاد يحترز من حركة يسيرة في صلاته، بخلاف الكلام، ولذلك الحركة الكثيرة المتوالية من غير حاجة لا تجبر بسجود السهو، وهي تبطل الصلاة كالكلام المتعمد.
• دليل من قال: يسجد للسهو:
(ح- ٢٦٣١) روى الإمام البخاري من طريق ابن عون، عن ابن سيرين،
стр. 7443
عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها، كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين، فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم … الحديث.
ورواه مسلم بنحوه من طريق أيوب، عن ابن سيرين (١).
(ح-٢٦٣٢) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،
عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٢).
وجه الاستدلال من الحديثين:
سَلَّم النبي ﷺ قبل إتمام صلاته، وتكلم ناسيًا، واستدبر القبلة، ومشى ناسيًا، وسجد عن الجميع سجدتين.
• ويناقش:
بأن ما فعله النبي ﷺ كان على قسمين:
القسم الأول: ما يوجب سجود السهو، وقد اجتمع في فعل النبي ﷺ موجبان للسجود:
أحدهما: الزيادة القولية من جنس ما يشرع في الصلاة كالتسليم.
وثانيهما: النقص من أفعال الصلاة، حيث انصرف الإمام قبل إتمام الصلاة.
стр. 7444
والزيادة على أفعال الصلاة مما هو مشروع جنسُه فيها، والنقص من أفعالها كالركوع والسجود كل منهما موجب لسجود السهو بالاتفاق.
القسم الثاني: ما فعله النبي ﷺ من أفعال منافية للصلاة: كالكلام، والحركة، والمشي، والانصراف عن القبلة، فهذه أفعال ليست من أفعال الصلاة، بل هي من المحظورات، فإن فعلت عمدًا أبطلت الصلاة، وإن فعلت سهوًا فكأنها لم تفعل، فحمل سجود السهو من النبي ﷺ على جميع هذه الأفعال ليس بصحيح، فلا يوجد نص واحد يثبت سجود السهو من الكلام وحده، ولا من الانصراف عن القبلة وحده، ولا من الحركة الكثيرة وحدها، فلا يمكن الجزم بأن الكلام، والانصراف عن القبلة سهوًا من أسباب السجود، وإذا كان الإنسان لو صلى إلى غير القبلة مخطئًا لا يسجد للسهو، فكذلك إذا تكلم، أو تحرك حركة كثيرة، والله أعلم.
وأما قولهم: كل فعل تبطل الصلاة بتعمده فإنه يسجد لسهوه، فهذه القاعدة غير مسلمة، فلو أكل متعمدًا بطلت صلاته، ولو أكل كثيرًا سهوًا بطلت أيضًا، فالصواب أن يقال: كل فعل أو ترك من جنس الصلاة تبطل الصلاة بتعمده إذا فعله أو تركه سهوًا سجد له.
• الراجح:
أن المتكلم ناسيًا صلاته صحيحة ولا يشرع له سجود السهو، والله أعلم.
стр. 7445
المسألة الرابعة الكلام في الصلاة جهلًا
المدخل إلى المسألة:
• النسيان والجهل مسقطان للإثم بالاتفاق، خاصة إذا كان معذورًا بجهله.
• العمل الكثير من غير جنس الصلاة سهوًا، أو جهلاً، كالكلام، والحركة لا يبطل الصلاة، ولا سجود له؟
• كل فِعْلٍ أو تَرْكٍ من جنس الصلاة تبطل الصلاة بتعمده إذا فعله أو تركه سهوًا سجد له.
• الأصل في سجود السهو التوقيف، ولم يثبت أن المنهيات من كلام وحركة كثيرة إذا وقعت سهوًا أو جهلًا أنها من أسباب السجود.
• الموجب لسجود النبي ﷺ في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين كونه سلم من صلاته قبل إتمامها سهوًا، والزيادة والنقص موجبان للسجود، وليس بسبب الكلام، ولا الحركة، ولا انصرافه عن القبلة.
• الجاهل المعذور بجهله أولى بالعذر من الناسي؛ لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم بها، بخلاف الناسي فإن أهلية التكليف لا ترتفع عنه، ويخاطب بالأداء إذا تذكر.
[م-٨٩١] إذا تكلم الرجل جاهلًا بالتحريم:
فقيل: تبطل صلاته، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية، وشهره ابن ناجي في شرح الرسالة (١).
стр. 7446
جاء في التهذيب في اختصار المدونة: «والنفخ في الصلاة كالكلام، ومن فعلهما عامدًا، أو جاهلًا أعاد … » (١).
واستدلوا على بطلان صلاته بأحاديث تحريم الكلام في الصلاة، وسبق ذكرها في المسألة السابقة.
وقيل: صلاته صحيحة ما لم يكثر، وعليه سجود السهو كالناسي، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، ورجحه ابن العربي، وهو رواية عند الحنابلة، وبه قال الشافعية: إن كان معذورًا بأن كان قريب عهد بالإسلام، أو نشأ بعيدًا عن العلم (٢).
стр. 7447
وقال النووي في المجموع: «ويسجد للسهو: الناسي، وكذا الجاهل إذا لم نبطلها؛ لأنه تكلم في صلاته ناسيًا» (١).
وقال القاضي أبو يعلى في الجامع: «لا أعرف عن أحمد نصًا في ذلك، ويحتمل ألا تبطل صلاته؛ لأن الكلام كان مباحًا في الصلاة، بدليل حديث ابن مسعود، وزيد بن أرقم، ولا يثبت حكم النسخ في حق من لم يعلمه .... » (٢).
وقيل: لا تبطل، ولو كان كثيرًا، وهو قول أبي إسحاق المروزي من الشافعية (٣).
стр. 7448
وبطلان الصلاة بسبب الجهل بتحريم الكلام كان موضع بحث في مبطلات الصلاة، ولا أحتاج لإعادته هنا، فانظر أدلة القائلين بإبطال الصلاة، وأدلة القائلين بالصحة في المجلد السابق، والبحث هنا معقود في سجود السهو لمن تكلم جاهلًا، فهو أثر عن القول بصحة الصلاة، فمن قال: الصلاة باطلة فلا مدخل له في بحث هذه المسألة، ومن قال: صلاته صحيحة فقد اختلفوا، هل عليه أن يسجد للسهو بسبب كلامه في الصلاة على قولين.
والصحيح أن السهو لا يشرع إلا إذا زاد أو نقص أو شك في ما هو مشروع في الصلاة، وأما المنهيات، كالكلام، والشرب والحركة فليست من أسباب السجود عند الحنفية والحنابلة خلافًا للمالكية والشافعية.
جاء في مختصر القدوري: «والسهو يلزم إذا زاد في صلاته فعلًا من جنسها ليس منها، أو ترك فعلًا مسنونًا … » (١).
وأدلة هذه المسألة هي الأدلة نفسها في من تكلم ساهيًا في صلاته، فالجاهل كالناسي، بل الجاهل المعذور بجهله أولى؛ لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، وأما الناسي فهو وإن اعتبر معذورًا في سقوط الأداء حال النسيان، إلا أنه لا يرفع أهلية التكليف كالنوم، ولذلك لو أتت الصلاة على الناسي والنائم من دخول الوقت إلى خروجه لم تسقط عنه الصلاة بحجة النوم والنسيان، ويجب عليه الصلاة إذا تذكر أو استيقظ، وهذا دليل على قيام أهلية التكليف.
والرجل إذا نسي صلاة حضر، ثم تذكر ذلك في السفر، فإنه يصلي صلاة حضر، وهذا يدل على أن تكليفه كان قائمًا، وإنما لم يكلف بالأداء إلى حين تذكره، فلما تذكر وجب عليه الأداء، ولو كانت الأهلية مرفوعة بالكلية لوجبت عليه صلاة سفر؛
стр. 7449
لأن التكليف تجدد له وهو مسافر، والله أعلم، وهذا الدليل مما فتح الله به، ولله الحمد، ولم أطلع عليه في كتب الأصول ممن بحث المسألة، والله أعلم.
نعم الجاهل إذا لم يعذر بجهله بأن كان يمكنه التعلم وفرط في ذلك فإنه يأثم من هذه الجهة، وإن كانت صلاته صحيحة؛ لأن الجاهل كان يمكنه دفعه بالعلم بخلاف النسيان فإنه يهجم على العبد قهرًا، لا حيلة له في دفعه، والله أعلم.
стр. 7450
المبحث الثاني في الزيادة الفعلية
الفرع الأول في زيادة أفعال من جنس الصلاة
المطلب الأول زيادة الفعل عمدًا في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• قال ﷺ : من أحدث في أمرنا ما ليس منه -وفي رواية: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا- فهو رد: أي مردود.
• تكرار الركن الفعلي عمدًا يبطل الصلاة، وسهوًا يسجد له.
• تكرار الركن القولي لا يشرع، وتعمده لا يبطل الصلاة، ولا يجب له سجود السهو.
• كل فعل غير من هيئة الصلاة المشروعة كزيادة قيام، أو ركوع، أو سجود، أو جلوس، فإن تعمده يبطل الصلاة، وسهوه يسجد له.
• تغتفر الزيادة الفعلية للمأموم، إذا كانت بسبب متابعته للإمام.
• الزيادة على المنصوص نقص في المعنى، ولو تعمد النقص بطلت صلاته، فكذلك إذا تعمد الزيادة.
[م- ٨٩٢] الفقهاء متفقون على أن المصلي إذا زاد ركنًا فعليًّا لغير متابعة كزيادة ركوع أو سجود متعمدًا، فإن صلاته باطلة؛ لأن ذلك يؤدي إلى تغيير هيئة الصلاة، وما بطل فلا يمكن إصلاحه بسجود السهو (١).
стр. 7451
وقولي: (ركنًا فعليًّا) قيد خرج به الفرض القولي، فلو كرر الفاتحة لم تبطل صلاته على الصحيح على خلاف في كراهة الفعل أو تحريمة، وقد تقدم الخلاف.
قال الخرشي: «وخرج بتمثيله بالركن الفعلي: القولي كتكرير الفاتحة، والظاهر لا تبطل؛ لأنه من الذكر» (١).
وقولي: (لغير متابعة) فلو زاد جلوسًا أو أكثر لمتابعة الإمام لم تبطل صلاته حتى ربما اجتمع للمصلي أربع تشهدات في صلاة واحدة.
وقولي (متعمدًا)، فلو زاده سهوًا لم تبطل صلاته، وسجد للسهو.
قال السرخسي: «السهو ينعدم إذا كان عامدًا» (٢).
وقال ابن قدامة: «ولا يشرع السجود لشيء فعله، أو تركه عامدًا» (٣).
والحجة في هذا:
(ح-٢٦٣٣) ما رواه الشيخان من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد،
عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد.
رواه البخاري، قال: حدثنا يعقوب،
ورواه مسلم، حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح، وعبد الله بن عون الهلالي، ثلاثتهم، عن إبراهيم بن سعد به (٤).
стр. 7452
ورواه مسلم من طريق عبد الله بن جعفر الزهري، عن سعد بن إبراهيم به، وفيه: … من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد (١).
وقال ابن قدامة في الشرح الكبير: «متى زاد فعلًا من جنس الصلاة قيامًا أو قعودًا أو ركوعًا أو سجودًا .... فإن فعله عمدًا بطلت صلاته إجماعًا» (٢).
(ح-٢٦٣٤) ولما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ عليه¬ السلام، فقال: ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي ﷺ فقال: ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (٣).
وجه الاستدلال:
فهذا الصحابي ﵁ وقع منه الخلل في فروض الصلاة، فقال له النبي ﷺ : ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصل، وأمره بالإعادة، مع كونه جاهلًا؛ لاعتذاره للنبي ﷺ بكونه لا يحسن غير هذا، ولم يأمره بسجود السهو، وإذا كان هذا في حق
стр. 7453
الجاهل فالمتعمد أولى بالإعادة.
ولأن الزيادة على المنصوص نقص في المعنى، ولو تعمد النقص بطلت صلاته فكذلك إذا تعمد الزيادة.
стр. 7454
المطلب الثاني في زيادة أفعال من جنس أفعال الصلاة سهوًا
المسألة الأولى في زيادة أقل من ركعة كالقيام أو الركوع ونحوهما
المدخل إلى المسألة:
• كل فعل من جنس أفعال الصلاة تبطل الصلاة بتعمده، فإنه يسجد لسهوه.
• تكرار الركن الفعلي سهوًا لا يبطل الصلاة، ويسجد له.
• تكرار الركن القولي لا يشرع، وتعمده غير مبطل، ولا يجب له سجود السهو.
• كل فعل غير من هيئة الصلاة المشروعة من زيادة، أو نقص فتعمده مبطل، وسهوه يسجد له، وهذا بمعنى ما تقدم.
• زاد النبي ﷺ ركعة كاملة، ولم تبطل صلاته، فمن باب أولى إذا زاد ركنًا.
• ما لا سجود في سهوه، لا يبطل تعمده، كترك التسبيح.
[م- ٨٩٣] إذا زاد المصلي في صلاته سهوًا فعلًا من أفعال الصلاة دون الركعة من قيام، أو قعود، أو ركوع، أو سجود، فإنه يسجد للسهو، وتصح صلاته باتفاق الأئمة الأربعة، وإنما اختلفوا في علة السجود.
فعلة السجود عند الحنفية: تأخير الفرض أو الواجب، فلو قام إلى الخامسة لزمه السجود لتأخير الواجب، وهو السلام، ولو زاد ركوعًا لزمه سجود السهو لتأخير السجود، ولو زاد سجودًا لزمه السجود؛ لتأخير القيام، وهما من الفروض (١).
стр. 7455
وعلة السجود عند الجمهور: أن كل فعل من أفعال الصلاة تبطل الصلاة بتعمده فإن فعله في حال السهو يقتضي السجود، وما لا سجود في سهوه، لا يبطل تعمده كالتسبيح (١).
وقيدت الزيادة الفعلية بكونها من أفعال الصلاة؛ لأن المصلي لو أكل ناسيًا بطلت صلاته عند الجمهور؛ لكون الأكل مما ينافي الصلاة، ولم يجبر بسجود السهو على الصحيح، والله أعلم. وسبق بحث هذه المسألة ولله الحمد.
ويغني عن هذه التعاليل النص النبوي المتفق عليه:
(ح-٢٦٣٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم (٢).
هذا أصح ما ورد في الباب، وهناك بعض الألفاظ التي وردت في أحاديث صحيحة إلا أن هذه الألفاظ لا تسلم من كلام.
(ح-٢٦٣٦) فمنها ما رواه مسلم من طريق زائدة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ ، فإما زاد أو نقص -قال إبراهيم: وايم الله، ما جاء ذاك إلا من قبلي- قال: فقلنا: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ فقال: لا. قال: فقلنا له الذي صنع، فقال: إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين، قال: ثم سجد سجدتين (٣).
стр. 7456
وجه الاستدلال:
قوله: (أو زاد) فشرع السجود للزيادة كما شرع للنقص.
• ويجاب:
[لفظ: (إذا زاد الرجل أو نقص) تفرد به زائدة، عن الأعمش] (١).
(ح-٢٦٣٧) ومنها ما رواه مسلم، قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة؟ قال: لا، قالوا: فإنك قد صليت خمسًا، فانفتل، ثم سجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين (٢).
وجه الاستدلال:
عموم قوله: (إذا نسي أحدكم … ) مطلقه يشمل الزيادة كما يشمل النقص
وزيادة إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين غير محفوظ (٣).
والمسألة ليست من مسائل الخلاف، فيكفي فيها حديث ابن مسعود، والإجماع، والله أعلم.
стр. 7457
المسألة الثانية في المصلي يزيد ركعة كاملة
المدخل إلى المسألة:
• الزيادة غير المشروعة في العبادة، تارة تبطل العمل من أصله، كمن زاد ركعة عمدًا، وتارة لا تبطله من أصله، كمن توضأ أربعًا، أو صام الليل مع النهار.
• صلى النبي ﷺ خمسًا، وعلم بذلك بعد السلام، فسجد للسهو، وسجوده للسهو تصحيحٌ للفريضة، واعتدادٌ بما صلَّى، وإلغاءٌ للزيادة.
• إذا لم تَبْطُلْ صلاةُ من لم يعلم بالزيادة إلا بعد انصرافه من الصلاة، فمن باب أولى ألا تبطل صلاته إذا علم بها في أثناء الركعة، وقبل التحلل من الصلاة.
• لو كان هناك فرق في الحكم بين أن يعلم بالزيادة قبل السلام أو بعده لبينه النبي ﷺ ؛ لأن المقام مقام بيان.
• إذا علم المصلي بالزيادة في أثناء الركعة جلس في الحال، فتشهد -إن لم يكن تشهد- وسجد للسهو، وسلَّم، وإن علم بها بعد السلام كفاه سجود السهو.
• كل ما عمله من أركان الصلاة قبل الزيادة لا يحتاج إلى إعادته؛ لأنه قد أتى به في موضعه، فيعود إليه، ويبني عليه، ويلغي الزيادة.
• الفصل بين الأركان بالزيادة سهوًا لا يقدح في الموالاة بينها.
• إذا ترك ركنًا من أركان الصلاة عاد إليه، وفواته يبطل الركعة، وإذا فات غيره لم يعد إليه، وفي جبر غير التشهد بالسجود قولان.
[م- ٨٩٤] اختلف الفقهاء في المصلي إذا زاد ركعة كاملة على الفرض، كما لو صلى خمسًا في صلاة رباعية، أو أربعًا في ثلاثية، أو ثلاثًا في ثنائية إلى أقوال:
стр. 7458
القول الأول:
قال الحنفية: إذا قام إلى ركعة خامسة في الظهر، أو رابعة في المغرب ونحو ذلك، فإما أن يكون قد قعد قدر التشهد، أو لا.
فإن كان قد سها عن القعدة الأخيرة، عاد إليها؛ لأن القعدة الأخيرة ركن، والأركان لا تسقط بالسهو، فيعود؛ ليأتي به في محله، ويسجد للسهو، ما لم يُصَلِّ ركعة، والركعة تتقيد عندهم بسجدة، والثانية تكرار.
فإن سجد في الخامسة بطل فرضه؛ لأن الركعة بسجدة واحدة صلاة حقيقية، والركعة لا يمكن رفضها، فيمتنع معها العودة إلى القعدة الأخيرة؛ وفوات القعدة الأخيرة يعني فوات ركن من أركان الصلاة، وذلك مبطل للفريضة؛ لخروجه منها قبل إكمالها.
ولأن الركعة الخامسة نافلة، ودخوله في النافلة قبل إكمال الفرض، مبطل للفريضة، فتنقلب جميع الركعات إلى نفل، ولما كان التنفل بالخمس غير مشروع استحب له أن يضم إليها سادسة، خلافًا لمحمد بن الحسن (١)، ويتشهد، ويسلم، ويسجد للسهو.
وإن كان جلس مقدار التشهد، ثم قام إلى خامسة، ولم يسلم يظنها القعدة الأولى، فإن كان مقدار ما زاده أقل من ركعة عاد إلى القعدة، وسلَّم.
لأن ما دون الركعة يقبل الرفض عند الحنفية، ولهذا لو حلف لا يصلي لا يحنث بما دون الركعة.
ولأن في العودة إلى القعدة إصلاحًا لصلاته، وذلك بالإتيان بلفظ السلام في موضعه، وهو من الواجبات، وإذا لم يفت الواجب كان عليه تداركه.
وإن سجد للخامسة، فقد تم فرضه؛ لقيامه بالقعدة الأخيرة، وما فاته هو لفظ
стр. 7459
السلام، وهو من الواجبات، وفواته سهوًا لا يفسد الصلاة عندهم، ويضم إليها سادسة؛ لتكون الركعتان له نافلة؛ للنهي عن الركعة الواحدة، ثم يتشهد، ويسلم، ويسجد للسهو استحسانًا (١).
وقد بنى الحنفية قولهم على أصلين لهم:
الأصل الأول: أن الركن هو الجلوس مقدار التشهد، وأما التشهد ولفظ السلام، فليستا من الأركان، وفواتهما سهوًا لا يبطل الصلاة، ولأن السلام إطلاق من محظور، ولا يتعين باللفظ، فيمكنه أن يخرج من الصلاة بغير السلام، فإذا جلس مقدار التشهد، ثم قام إلى خامسة عد خارجًا من الفرض بالنفل، وبنى نفله على تحريمة الفريضة.
وقد ناقشت في صفة الصلاة حكم التشهد الأخير، وحكم الخروج من الصلاة بلفظ السلام، فأغنى ذلك عن إعادة الكلام هنا.
الأصل الثاني: أنه إذا سجد في الخامسة صار داخلًا في نافلة، فإن كان قد جلس مقدار التشهد فقد تمت الفريضة، واستحب له أن يضيف سادسة؛ لتكون الركعتان نافلة؛ للنهي عن الركعة الواحدة، وإن لم يجلس مقدار التشهد فقد خلط النفل بالفرض قبل إتمام الفريضة، وهذا مفسد للفريضة.
وقد جاء الدليل على صحة بناء النفل على تحريمة الفرض.
(ح-٢٦٣٨) فقد روى مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد
стр. 7460
سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيما للشيطان (١).
فقوله: (فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته)، بمعنى أن النبي ﷺ لم يبطل الركعة الخامسة، وجعل السجدتين بمثابة ركعة كاملة؛ حيث شفَّعَ بها الخامسة، فكأنه انصرف عن ست ركعات، ومعلوم أن الركعة إما إتمام للصلاة، وإما زائدة عن القدر المفروض، والحكم بزيادتها: إما يستدعي بطلانها، وهذا خلاف الحديث، أو صحيحة، وذلك يستدعي أن يشفعها، فجعلت السجدتان بمنزلة الركعة، فكانت الركعة والسجدتان نافلة، فاجتمع الفرض والنفل في تحريمة واحدة (٢).
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
اختلاف السبب، فحديث أبي سعيد في مسألة الشك، ومسألتنا هذه في الزيادة المتيقنة، فلا يصح القياس.
الوجه الثاني:
أن الحديث أمر بطرح الزيادة المشكوك فيها، والحنفية قالوا: يضيف ركعة زائدة متعمدًا.
الوجه الثالث:
إعطاء السجدتين حكم الركعة إنما اعتبر في حال تردد السجدتين بين الجبران