وجه الاستدلال:
قوله: (أو زاد) فشرع السجود للزيادة كما شرع للنقص.
• ويجاب:
[لفظ: (إذا زاد الرجل أو نقص) تفرد به زائدة، عن الأعمش] (١).
(ح-٢٦٣٧) ومنها ما رواه مسلم، قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة؟ قال: لا، قالوا: فإنك قد صليت خمسًا، فانفتل، ثم سجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين (٢).
وجه الاستدلال:
عموم قوله: (إذا نسي أحدكم … ) مطلقه يشمل الزيادة كما يشمل النقص
وزيادة إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين غير محفوظ (٣).
والمسألة ليست من مسائل الخلاف، فيكفي فيها حديث ابن مسعود، والإجماع، والله أعلم.
стр. 7457
المسألة الثانية في المصلي يزيد ركعة كاملة
المدخل إلى المسألة:
• الزيادة غير المشروعة في العبادة، تارة تبطل العمل من أصله، كمن زاد ركعة عمدًا، وتارة لا تبطله من أصله، كمن توضأ أربعًا، أو صام الليل مع النهار.
• صلى النبي ﷺ خمسًا، وعلم بذلك بعد السلام، فسجد للسهو، وسجوده للسهو تصحيحٌ للفريضة، واعتدادٌ بما صلَّى، وإلغاءٌ للزيادة.
• إذا لم تَبْطُلْ صلاةُ من لم يعلم بالزيادة إلا بعد انصرافه من الصلاة، فمن باب أولى ألا تبطل صلاته إذا علم بها في أثناء الركعة، وقبل التحلل من الصلاة.
• لو كان هناك فرق في الحكم بين أن يعلم بالزيادة قبل السلام أو بعده لبينه النبي ﷺ ؛ لأن المقام مقام بيان.
• إذا علم المصلي بالزيادة في أثناء الركعة جلس في الحال، فتشهد -إن لم يكن تشهد- وسجد للسهو، وسلَّم، وإن علم بها بعد السلام كفاه سجود السهو.
• كل ما عمله من أركان الصلاة قبل الزيادة لا يحتاج إلى إعادته؛ لأنه قد أتى به في موضعه، فيعود إليه، ويبني عليه، ويلغي الزيادة.
• الفصل بين الأركان بالزيادة سهوًا لا يقدح في الموالاة بينها.
• إذا ترك ركنًا من أركان الصلاة عاد إليه، وفواته يبطل الركعة، وإذا فات غيره لم يعد إليه، وفي جبر غير التشهد بالسجود قولان.
[م- ٨٩٤] اختلف الفقهاء في المصلي إذا زاد ركعة كاملة على الفرض، كما لو صلى خمسًا في صلاة رباعية، أو أربعًا في ثلاثية، أو ثلاثًا في ثنائية إلى أقوال:
стр. 7458
القول الأول:
قال الحنفية: إذا قام إلى ركعة خامسة في الظهر، أو رابعة في المغرب ونحو ذلك، فإما أن يكون قد قعد قدر التشهد، أو لا.
فإن كان قد سها عن القعدة الأخيرة، عاد إليها؛ لأن القعدة الأخيرة ركن، والأركان لا تسقط بالسهو، فيعود؛ ليأتي به في محله، ويسجد للسهو، ما لم يُصَلِّ ركعة، والركعة تتقيد عندهم بسجدة، والثانية تكرار.
فإن سجد في الخامسة بطل فرضه؛ لأن الركعة بسجدة واحدة صلاة حقيقية، والركعة لا يمكن رفضها، فيمتنع معها العودة إلى القعدة الأخيرة؛ وفوات القعدة الأخيرة يعني فوات ركن من أركان الصلاة، وذلك مبطل للفريضة؛ لخروجه منها قبل إكمالها.
ولأن الركعة الخامسة نافلة، ودخوله في النافلة قبل إكمال الفرض، مبطل للفريضة، فتنقلب جميع الركعات إلى نفل، ولما كان التنفل بالخمس غير مشروع استحب له أن يضم إليها سادسة، خلافًا لمحمد بن الحسن (١)، ويتشهد، ويسلم، ويسجد للسهو.
وإن كان جلس مقدار التشهد، ثم قام إلى خامسة، ولم يسلم يظنها القعدة الأولى، فإن كان مقدار ما زاده أقل من ركعة عاد إلى القعدة، وسلَّم.
لأن ما دون الركعة يقبل الرفض عند الحنفية، ولهذا لو حلف لا يصلي لا يحنث بما دون الركعة.
ولأن في العودة إلى القعدة إصلاحًا لصلاته، وذلك بالإتيان بلفظ السلام في موضعه، وهو من الواجبات، وإذا لم يفت الواجب كان عليه تداركه.
وإن سجد للخامسة، فقد تم فرضه؛ لقيامه بالقعدة الأخيرة، وما فاته هو لفظ
стр. 7459
السلام، وهو من الواجبات، وفواته سهوًا لا يفسد الصلاة عندهم، ويضم إليها سادسة؛ لتكون الركعتان له نافلة؛ للنهي عن الركعة الواحدة، ثم يتشهد، ويسلم، ويسجد للسهو استحسانًا (١).
وقد بنى الحنفية قولهم على أصلين لهم:
الأصل الأول: أن الركن هو الجلوس مقدار التشهد، وأما التشهد ولفظ السلام، فليستا من الأركان، وفواتهما سهوًا لا يبطل الصلاة، ولأن السلام إطلاق من محظور، ولا يتعين باللفظ، فيمكنه أن يخرج من الصلاة بغير السلام، فإذا جلس مقدار التشهد، ثم قام إلى خامسة عد خارجًا من الفرض بالنفل، وبنى نفله على تحريمة الفريضة.
وقد ناقشت في صفة الصلاة حكم التشهد الأخير، وحكم الخروج من الصلاة بلفظ السلام، فأغنى ذلك عن إعادة الكلام هنا.
الأصل الثاني: أنه إذا سجد في الخامسة صار داخلًا في نافلة، فإن كان قد جلس مقدار التشهد فقد تمت الفريضة، واستحب له أن يضيف سادسة؛ لتكون الركعتان نافلة؛ للنهي عن الركعة الواحدة، وإن لم يجلس مقدار التشهد فقد خلط النفل بالفرض قبل إتمام الفريضة، وهذا مفسد للفريضة.
وقد جاء الدليل على صحة بناء النفل على تحريمة الفرض.
(ح-٢٦٣٨) فقد روى مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد
стр. 7460
سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيما للشيطان (١).
فقوله: (فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته)، بمعنى أن النبي ﷺ لم يبطل الركعة الخامسة، وجعل السجدتين بمثابة ركعة كاملة؛ حيث شفَّعَ بها الخامسة، فكأنه انصرف عن ست ركعات، ومعلوم أن الركعة إما إتمام للصلاة، وإما زائدة عن القدر المفروض، والحكم بزيادتها: إما يستدعي بطلانها، وهذا خلاف الحديث، أو صحيحة، وذلك يستدعي أن يشفعها، فجعلت السجدتان بمنزلة الركعة، فكانت الركعة والسجدتان نافلة، فاجتمع الفرض والنفل في تحريمة واحدة (٢).
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
اختلاف السبب، فحديث أبي سعيد في مسألة الشك، ومسألتنا هذه في الزيادة المتيقنة، فلا يصح القياس.
الوجه الثاني:
أن الحديث أمر بطرح الزيادة المشكوك فيها، والحنفية قالوا: يضيف ركعة زائدة متعمدًا.
الوجه الثالث:
إعطاء السجدتين حكم الركعة إنما اعتبر في حال تردد السجدتين بين الجبران
стр. 7461
والشفع، فاغتفر الشفع لاحتمال حاجة الصلاة إلى الجبران، وإضافة ركعة سادسة بسجدتيها متعمدًا لا تردد فيها حتى يغتفر الشفع، فلو أن المصلي سها فصلى الرباعية ثلاثًا كان عليه الإتيان بركعة ليتم فرضه، فإذا سجد للسهو، بعد ذلك، فلو كانت السجدتان بمثابة ركعة كاملة لكان ذلك زيادة في صلاته، وتحولت صلاته إلى خمس ركعات، فاعتبار السجدتين شفعًا مقصور على حال واحدة: إذا شك، وطرح الشك، وبنى على اليقين، وحصل تردد في السجدتين بين الجبران والشفع، فيغتفر الشفع لاحتمال حاجة الصلاة إلى الجبران، فلم يصح تخريج الزيادة على هذه الحالة، والله أعلم.
القول الثاني:
قال الثوري: «من صلى الظهر خمسًا، ولم يجلس في رابعة، أحب إلي أن يعيد» (١).
فجعل الإعادة مستحبة، ولعله بسبب وقوع التشهد في الركعة الخامسة، والفصل بين التشهد وبين الركعة الرابعة، واستحباب إعادة الصلاة بسبب السهو قول ضعيف جدًّا، وهذا الاستحسان مخالف للسنة، فالنبي ﷺ صلى خمسًا، والظاهر أنه لم يجلس في الرابعة، ولم يعد النبي ﷺ الصلاة، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وقد عقدت فصلًا خاصًا في حكم إعادة الصلاة بسبب السهو، وبينت أن الإعادة غير مشروعة.
القول الثالث:
اختار الجمهور: أن المصلي إذا قام إلى ركعة زائدة، فإن لم يذكر إلا بعد فراغه من الصلاة فإنه يسجد للسهو، ويسلم، وإن ذكر، وهو في الصلاة رجع في الحال، سواء سجد في الخامسة، أو لم يسجد، وتشهد -إن لم يكن تشهد- وسلَّم، على خلاف بينهم في موضع سجود السهو.
فقال المالكية والقديم من قول الشافعي: يسجد للسهو بعد السلام، وهو رواية عن أحمد (٢).
стр. 7462
وقال الحنابلة: قبل السلام، وطرده الشافعي في الجديد في كل سهو (١).
قال أبو داود: «قلت لأحمد: فإذا صلى خمسًا، وذكر في التشهد، يسجد قبل السلام؟ قال: نعم» (٢).
وقال ابن سريج من الشافعية بقول الجمهور إلا أنه قال: «يجب على الساهي إعادة التشهد مطلقًا تشهد في الرابعة أم لا» (٣).
وقال بعض الشافعية: إن كان قد تشهد بنية التشهد الأول فيجب إعادته، بخلاف
стр. 7463
ما لو تشهد بنية التشهد الأخير، ثم سها، فقام إلى ركعة زائدة، فلا يعيد التشهد (١).
واستدل الجمهور:
(ح-٢٦٣٩) بما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم (٢).
وفي هذا الحديث أن النبي ﷺ صلى ركعة خامسة كاملة، وظاهره أنه لم يكن تشهد التشهد الأخير إلا في الخامسة، وسجود النبي ﷺ للسهو تصحيح للفريضة، وأن الزيادة سهوًا لا تبطل الفريضة.
وإذا لم تَبْطُلْ صلاةُ من لم يعلم بالزيادة إلا بعد انصرافه من الصلاة، فمن باب أولى ألا تبطل صلاته إذا علم بها في أثناء الركعة، وقبل خروجه من الصلاة.
ولو كان هناك فرق في الحكم بين أن يعلم بالزيادة قبل السلام أو بعده لبينه النبي ﷺ ؛ لأن المقام مقام بيان.
فإذا علم بالزيادة في أثناء الركعة جلس في الحال، فتشهد إن لم يكن تشهد، وسجد للسهو، وسلَّم، وهل يسجد للسهو قبل السلام أم بعده؟
فيه خلاف بين العلماء ولا حاجة في الخوض في هذه المسألة، فقد بحثت محل سجود السهو في مسألة مستقلة، وليس في حديث ابن مسعود هذا ما يدل على موضع سجود السهو، أبعد السلام أم قبله؛ لأن سجود النبي ﷺ بعد السلام في هذا الحديث ضرورة، لا عن قصد؛ لأنه لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام.
والغريب أن هذا الحديث مداره على إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، فهو إسناد كوفي، ومن أعلام فقهاء أهل الكوفة، ولم يأخذ الحنفية بمقتضاه، بل قالوا: إن لم يكن قعد قدر التشهد، وسجد في الخامسة فصلاته فاسدة، وعليه أن يستقبل الفريضة، وإن كان قد قعد قدر التشهد فقد تمت
стр. 7464
فريضته، والخامسة نافلة، ويضيف إليها سادسة.
قال الخطابي: «لا تخلو صلاة النبي ﷺ من أن يكون قعد منها في الرابعة، أو لم يكن قعد، فإن كان قعد فيها فإنه لم يضف إليها السادسة، وإن كان قعد في الرابعة فإنه لم يستأنف، فاتباع الحديث على الأحوال كلها أولى» (١).
والظاهر أن النبي ﷺ لم يقعد للتشهد؛ ولهذا سئل الإمام أحمد كما في مسائل حرب الكرماني: عن حديث ابن مسعود (صلى الظهر خمسًا) «قلت: جلس في الرابعة؟ قال: ليس في الحديث» (٢).
ولأن المصلي يقوم إلى الخامسة، وهو يتوهم أنه قام من الثالثة، والثالثة لا قعود فيها.
ولأنه لو فعل كما يقول الحنفية لكان الرسول ﷺ زاد ركعة وتشهدًا بعد الخامسة، والراوي لم يذكر إلا أنه زاد خامسة، فافتراض الحنفية خلاف ظاهر الحديث.
ودعوى أن النبي ﷺ لم يأخذ بالأفضل، حيث لم يضف إليها سادسة، هذا توهم من قائله، فالنبي ﷺ يصلي بالناس، والمصلي بالناس يفعل ما فيه الأفضل لهم، فلو كان النبي ﷺ يصلي لنفسه ما ترك الأفضل، فكيف إذا كان يصلي بالناس؟ ولو كانت الحالة تتكرر لقيل: لعله أراد أن يبين الجواز، فكيف وحالات السهو المنقولة هي حالات معدودة، عارضة.
وإذا لم يثبت عن النبي ﷺ ، لا في سنته الفعلية، ولا في سنته القولية إضافة ركعة سادسة متعمدًا، لم تشرع زيادة الركعة؛ لأن العبادات توقيفية، والأصل فيها المنع، فمن زاد ركعة سادسة متعمدًا بطلت فريضته مطلقًا، سواء أكان قد جلس مقدار التشهد أم لا، لأنه إن عذر في زيادته للخامسة بسبب السهو، لم يعذر في تعمد زيادة السادسة.
• وأجاب الحنفية:
قالوا: إن قول الراوي (صلى الظهر) والظهر اسم لجميع أركان الصلاة، ومنها القعدة، وهو الظاهر، فإنما قام إلى الخامسة على تقدير أنها هي القعدة الأولى حملًا لفعل رسول الله ﷺ على ما هو أقرب إلى الصواب، وكونه لم يضف إليها أخرى، دليل الجواز، والأفضل أن يضيف إليها، فإن لم يفعل لم تبطل صلاته (٣).
стр. 7465
• ويرد على هذا:
بأن قول الراوي (صلى الظهر خمسًا) إما ليخبر بأن ذلك جرى في صلاة الظهر؛ ليعلم أن الزيادة وقعت في ركعة واحدة، أو أن هذا بحسب اعتقاد المصلي ونيته، لا بالنسبة للواقع.
وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: صلى بنا النبي ﷺ الظهر ركعتين، ثم سلم … الحديث (١).
فلو كان لا يقال: (صلى الظهر) إلا حيث يتم الصلاة بجميع فروضها، لم يقل هذا في حق من صلى ركعتين، ثم سلم، والله أعلم.
• دليل من قال: يعيد التشهد الأخير إذا رجع إلى القعدة:
يجب إعادة التشهد من أجل رعاية الموالاة بين التشهد والسلام؛ لأن تشهده في الرابعة قد انقطع بالركعة الزائدة، وهذا مطرد في سائر الأركان، حتى لو ترك الركوع، ثم تذكر في السجود، يجب عليه أن يعود إلى القيام، ويركع منه، فلو لم يعد التشهد لبقى السلام فردًا غير متصل بركن قبله، ولا بعده.
• وأجيب:
بأن الفصل بالنسيان لا يقدح في الموالاة؛ لأن هذا الفاصل لو كان معتبرًا ما جاز البناء على ما صلى؛ لأن الصلاة يبنى بعضها على بعض، فلما جاز البناء دل على أن هذا الفاصل في حكم العدم، ولهذا النبي ﷺ في سهوه كما في حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، سلم من ركعتين، وتكلم، واستدبر القبلة، ولما تيقن أنه قد سها بنى على ما صلى، ولم يعتبر كل ما حدث فاصلًا يمنع من البناء، ولا يوجب إعادة شيء فعله في موضعه.
ولأنه إذا أعاد التشهد، فإما أن يكون المعتد به تشهده الأول، أو يكون هو الثاني، فإن كان المعتد به هو التشهد الأول، فلا معنى للأمر بالإعادة، ولأن انقطاع الموالاة قد بقي بين التشهد والسلام.
стр. 7466
وإن كان المعتد به هو التشهد الثاني، فلا موالاة بينه وبين ما قبله من الأركان، فإذا احتمل انقطاع الموالاة بين التشهد وبين ما قبله، احتمل الانقطاع بين التشهد والسلام، وأما القول بأن السلام يبقى فردًا غير متصل بركن قبله، ولا بعده، فهذا مفرع على القول بانقطاع الموالاة، وقد عرفت ما فيه (١).
• دليل من قال: يجب إعادة التشهد إن كان قد تشهد بنية التشهد الأول:
هذا القائل بنى قوله على أن التشهد الأول سنة، والأخير فرض، والفرض لا يتأدَّى بالنفل، وهي مسألة خلافية.
والصحيح أن التشهد الأول والأخير لا فرق بينهما في الحكم، كما لا فرق بينهما في الألفاظ، ومحلهما في الفريضة بعد كل ركعتين إلا أن تكون الصلاة ثلاثية، ويزيد الأخير بأن التسليم يعقبه، وهذا لا يثبت فرقًا.
والراجح في التشهد كذكر أنه لا فرق بين الأول والأخير، وأنهما من سنن الصلاة، وهو مذهب المالكية، ورواية عن أحمد، وهو الصواب.
قال أحمد كما في سنن الترمذي: «إذا لم يتشهد، وسلم، أجزأه؛ لقول النبي ﷺ : وتحليلها التسليم، والتشهد أهون، قام النبي ﷺ في اثنتين فمضى في صلاته ولم يتشهد» (٢).
فهذا النص عن الإمام أحمد يشير إلى أنه لا فرق بين التشهد الأول والأخير، فاحتج على صحة الاكتفاء بالتسليم وترك التشهد الأخير على ترك الرجوع إلى التشهد الأوسط حين قام النبي ﷺ عنه ناسيًا، والله أعلم.
وهذه الرواية خلاف المعتمد في مذهبه رحمه الله تعالى.
وقال الماوردي: «لو تشهد التشهد الأخير وعنده أنه التشهد الأول أجزأه عن فرضه وإن لم ينوه لوجود ذلك على صفته» (٣).
ولأن القائلين بالتفريق عمدتهم قول ابن مسعود: (كنا نقول قبل أن يفرض
стр. 7467
علينا التشهد … ) الحديث (١).
وسبق تخريجه، والحديث معلٌّ (٢).
و إذا لم يثبت هذا اللفظ لم يكن هناك فرق في الحكم بين التشهد الأول والتشهد الأخير، ولا يفتقران إلى نية خاصة، فنية الصلاة تكفيهما.
ولو صح لفظ: (قبل أن يفرض علينا التشهد) لكان هذا دليلًا على وجوب التشهد الأول والأخير؛ لأن (أل) في التشهد للعموم إلا أن يقال: إن هذا العام خُصَّ بحديث عبد الله بن بحينة حين سها النبي ﷺ عن التشهد الأول، ولم يرجع إليه، وما دام لم يصح حديث ابن مسعود، فلا حاجة لدعوى التخصيص.
كما أن لفظ (قبل أن يفرض علينا) لو صح لا يدل على الركنية؛ لأن التفريق بين الفرض والواجب تفريق اصطلاحي من قبل الفقهاء، وأما الشرع فلا يفرق بينهما، ويطلق أحدهما على الآخر.
• الراجح:
الذي ترجح لي أن قول الجمهور هو الصواب؛ لاستناده إلى سنة صحيحة متفق على صحتها، وهو حديث ابن مسعود ﵁، وسواء سجد قبل السلام أم بعده فالخطب سهل، والله أعلم.
стр. 7468
المسألة الثالثة في المصلي يزيد أكثر من ركعة في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• جميع مبطلات الصلاة توقيفية.
• لا يوجد دليل من الشارع يقضي بإبطال الصلاة لتكرر السهو فيها، والأصل الصحة وعدم البطلان.
• وَقَعَ السهو من النبي ﷺ في صلاته، فصحح صلاته، وسجد لسهوه ولم يبطلها.
• جبر الصلاة بالسجود إذا وقع فيها سهو أولى من تركها بلا جبر، أو من رفضها؛ لأن ذلك سنة النبي ﷺ ، والخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع، ولا يجوز لأحد الاستدراك على النبي ﷺ ، ولا تقديم النظر على النقل.
• لا فرق بين وقوع السهو في الصلاة مرة واحدة، وبين تكراره في الصلاة الواحدة في القياس، والنظر، والمعقول، إلا أن يكون السهو حالة مرضية فلا يلتفت له.
• الزيادة في الصلاة، ولو بلغت مثلها، لا يوجب بطلان الصلاة خلافًا للمالكية.
[م- ٨٩٥] إذا زاد المصلي أكثر من ركعة، فهل تبطل صلاته بكثرة السهو:
فذهب المالكية إلى أن المصلي إذا زاد في صلاته مثلها، كما لو زاد ركعتين في ثنائية غير مقصورة كصبح وجمعة، أو زاد في ثلاثية، أو رباعية أربع ركعات محققات، بطلت صلاته، وهذا هو المشهور من المذهب (١).
стр. 7469
والظاهر كما قال عبد الباقي الزرقاني: «إن عقد الركعة هنا برفع الرأس من الركوع، فإذا رفع رأسه من ثامنة في الرباعية، أو سابعة في ثلاثية، أو رابعة من ثنائية غير مقصورة بطلت» (١).
وقال ابن راشد نقلًا من التوضيح: «والمشهور أن الصبح تبطل بزيادة ركعتين؛ لأنهما مثلها، وقيل: لأنهما نصف الرباعية» (٢).
وقيل: زيادة نصف الصلاة كركعة في الصبح، واثنتين في الظهر تبطل الصلاة، وهو قول في مذهب المالكية (٣).
وقيل: كثرة السهو لا تفسد الصلاة، وبه قال الجمهور (٤)، وهو رواية مطرف عن مالك، ووصفه خليل في التوضيح بالشذوذ (٥).
جاء في المبسوط: وإذا سها في صلاته مرات لا يجب عليه إلا سجدتان (٦).
وقال ابن نجيم: «لو ترك جميع واجبات الصلاة ساهيًّا فإنه لا يلزمه أكثر من سجدتين» (٧).
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «ولو سها في صلاته مرارًا لا يجب عليه إلا سجدتان» (٨).
стр. 7470
قال ابن شاس: «وإن كثرت الزيادة، فكانت في الرباعية مثلها، فالمشهور المعروف من المذهب بطلان الصلاة، وروي القول بصحتها» (١).
وتقدير الزيادة التي تبطل الصلاة تحتاج إلى توقيف؛ فجميع المقادير في الشرع توقيفية، ولا أعلم نصًا في المسألة يفرق بين زيادة وأخرى، فإذا كانت هذه الزيادة سببها السهو، ولم يكن موسوسًا، فيكفيه سجدتان، فرواية مطرف عن الإمام مالك رغم أنها ليست هي الرواية المشهورة في المذهب، إلا أنها هي الراجحة، من حيث القواعد والنظر الفقهي.
قال ابن عبد البر: «وقول من قال: إن من زاد في صلاته مثل نصفها ساهيًا أن صلاته فاسدة، هذا قول لبعض أصحابنا، لا وجه له عند الفقهاء، ولا قال به أحد من أئمة الأمصار، والصحيح في مذهب مالك غير ذلك، وقد صلى رسول الله ﷺ الظهر خمسًا ساهيًا فسجد لسهوه، وحكم الركعة والركعتين في ذلك سواء في القياس والنظر والمعقول .... ولا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال في الساهي في صلاته أن يقطع ويستأنف، وإن كان ذلك قد روي عن بعض الصحابة، وعن جماعة من التابعين؛ وإنما ترك الفقهاء ذلك، والله أعلم، لحديث أبي سعيد الخدري … وحديث ذي اليدين، وحديث ابن مسعود، فيمن صلى خمسًا ساهيًا، وحديث ابن بحينة، ونحو ذلك من الآثار، والله أعلم» (٢).
أفاد هذا الكلام من الحافظ ابن عبد البر أن إبطال الصلاة بتكرار الزيادة من مفردات المالكية، وليس نصًا عن الإمام مالك، وإنما قال به بعض شيوخ المذهب، وهو مخالف لما عليه أئمة الأمصار، ولا دليل عليه من النصوص، ولو كان حكم السهو في الشريعة يختلف إذا تكرر لجاءت النصوص تبين للأمة ذلك، وحيث لا يوجد هذا الفرق في النصوص، فالأصل أن جنس السهو لا يبطل الصلاة، لا فرق فيه بين وقوعه مرة واحدة أو أكثر، والله أعلم.
стр. 7471
الفرع الثاني في ارتكاب أفعال من غير جنس الصلاة
المطلب الأول في الحركة الكثيرة المتوالية في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• كل عمل أجنبي في الصلاة دعت له ضرورة، ولو كثيرًا، أو كان قليلًا ودعت له حاجة فيحتمل في الصلاة.
• كل عمل كثيرٍ متوالٍ في الصلاة من غير جنسها بلا غرض للمصلي ولا مصلحة للصلاة، إذا تعمده المصلي خرج به عن حكم الصلاة؛ لأنه عبث؛ والعبث ينافي الصلاة.
• الحاجة تبيح الحركة الكثيرة في الصلاة، فكيف بالضرورة.
• الحركة في الصلاة ليست من أسباب سجود السهو؛ لعدم الدليل، ولا يصح قياسه على ما ورد؛ لوجود الفارق.
• الحركة الكثيرة سهوًا لا تبطل الصلاة على الصحيح، ولا يشرع لها سجود السهو؛ لأن الأصل في سجود السهو التوقيف.
[م- ٨٩٦] اتفق الفقهاء أن العمل الكثير المتوالي من غير جنس الصلاة بلا حاجة إذا وقع عمدًا يبطل الصلاة؛ لكونه منافيًا لها، ولأنه يقطع الموالاة بين أركان الصلاة بعمل أجنبي كثير متوال، والموالاة شرط؛ لأن أفعال الصلاة يبنى بعضها على بعض؛ ولأنه يخيل للناظر أن فاعله ليس في صلاة.
قال ابن نجيم: «اتفقوا على أن الكثير مفسد، والقليل لا؛ لإمكان الاحتراز عن
стр. 7472
الكثير دون القليل» (١).
وقال النووي: «مختصر ما قاله أصحابنا: أن الفعل الذي ليس من جنس الصلاة، إن كان كثيرًا أبطلها بلا خلاف، وإن كان قليلًا لم يبطلها بلا خلاف … » (٢).
واختلفوا في الكثير إذا وقع سهوًا، وكان متواليًا:
فقيل: يبطل الصلاة، وهو مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة على اختلاف بينهم في ضابط الكثرة والقلة على أقوال كثيرة بينتها في مكروهات الصلاة (٣).
стр. 7473
وإذا بطلت الصلاة امتنع إصلاحها، فلا مناسبة لسجود السهو.
وقيل: الكثير إذا وقع سهوًا لا يبطل الصلاة، وهو قول في مذهب الشافعية، واختاره المجد من الحنابلة (١).
وعلى هذا القول المرجوح عند الشافعية فإنه يسجد لسهوه (٢)، ولا يجري هذا على قواعد الحنابلة.
فصارت المسألة من الناحية الفقهية ذات شقين:
الأول: أثر الحركة الكثيرة سهوًا في إبطال الصلاة، وهذا قول الأئمة الأربعة في المعتمد من مذاهبهم، قد سبق بحثها في مبطلات الصلاة في المجلد السابق، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد على توفيقه.
الثاني: إذا قلنا: الحركة الكثيرة سهوًا لا تبطل الصلاة، كما هو في قول مرجوح عند الشافعية، وقول عند الحنابلة، فقد اختلفوا في سجود السهو بسبب الحركة على قولين تقدم ذكرهما:
• دليل من قال: يسجد للسهو:
القاعدة عند الشافعية في المنهيات: أن كل ما يبطل الصلاة عمده فإنه
стр. 7474
يسجد لسهوه كالكلام اليسير سهوًا (١).
واستدلوا
(ح-٢٦٤٠) بما رواه البخاري من طريق ابن عون، عن ابن سيرين،
عن أبي هريرة، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي - قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا - قال: فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: لم أنس ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين، فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم … الحديث.
ورواه مسلم بنحوه من طريق أيوب، عن ابن سيرين (٢).
(ح-٢٦٤١) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،
عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٣).
وجه الاستدلال من الحديثين:
أن النبي ﷺ قام بأفعال كثيرة ليست من جنس الصلاة، منها الحركة، والكلام، والانصراف عن القبلة، والسلام قبل إتمام الصلاة، وقد سجد النبي ﷺ للسهو،
стр. 7475
فدل ذلك على أن كل هذه الأفعال من أسباب سجود السهو، ولو كان سجود السهو لبعضها دون بعض لبين النبي ﷺ ذلك؛ لأن المقام مقام بيان.
• دليل من قال: لا يسجد للسهو:
لا يرى الحنفية والحنابلة أن الحركة، والكلام من أسباب سجود السهو؛ وكذا جميع المنهيات؛ لأن سجود السهو توقيفي، فلا يشرع السجود للحركة اليسيرة، ولا الكثيرة سهوًا على القول بعدم البطلان (١).
ولا يصح قياس الحركة على زيادة فعل من جنس الصلاة بجامع وجود الحركة في الكل؛ لقيام الفارق، فإن حركات الصلاة حركات خاصة، وهي وسيلة للوصول إلى أركان الصلاة المقصودة من قيام، وركوع، وسجود، وجلوس، والله أعلم.
والمجمع عليه عند الفقهاء أن السجود يشرع إذا زاد المصلي أو نقص، أو شك في حصول أحدهما مما هو مشروع جنسه في الصلاة، فلا يدخل في سجود السهو عمل في صلاة من غير جنس ما هو مشروع فيها، فالحركة إما مفسدة للصلاة، وإما عفو، ولا توجب سجود السهو.
стр. 7476
وقيل: لا تبطل بالعمل الكثير من الجاهل بالتحريم، اختاره بعض الحنابلة (١).
وإذا لم تبطل لم يسجد لها.
وأدلة هذه المسألة هي الأدلة نفسها في مسألة من تكلم ساهيًا، فقد أغنى ذكرها هناك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
стр. 7477
المطلب الثاني في الحركة اليسيرة من غير جنس الصلاة
[م- ٨٩٧] اتفق الفقهاء أن الفعل اليسير من غير جنس الصلاة بلا حاجة، لا يبطل الصلاة، ولو كان متعمدًا، وفي كراهته قولان، وإذا فعله سهوًا لم يسجد لسهوه.
واختلفوا في العمل اليسير إذا تكرر حتى صار لو جمع لكان كثيرًا.
فقيل: المتفرق كالمتوالي إذا كان مجموعه كثيرًا يبطل الصلاة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
وعليه فلا سجود للسهو مع الحكم بإبطال الصلاة.
وقيل: اليسير المتفرق، ولو كان مجموعه كثيرًا، لا يبطل الصلاة. وهو الأصح في مذهب الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة (٢).
وإنما لم يبطل الصلاة العمل الكثير إذا تفرق؛ لأن تفرقه يقطع بعضه أن يكون جزءًا من بعض على الصحيح، فيكون في حكم اليسير، ولا سجود للسهو في الحركة اليسيرة.
стр. 7478
(ح- ٢٦٤٢) وقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزرقي،
عن أبي قتادة الأنصاري، أن رسول الله ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها (١).
وقد ذكرت أدلة هذه المسألة في مبطلات الصلاة في المجلد السابق، وإنما ذكرت الأقوال هنا لتجدد المناسبة، فارجع إليها إن أردت الوقوف على أدلتها، والله الموفق.
стр. 7479
الفصل الثالث من أسباب سجود السهو الشك في الصلاة
المبحث الأول الشك في تكبيرة الإحرام
المدخل إلى المسألة:
• إذا شك أحدكم في صلاته فليطرح الشك … حديث صحيح، عمومه يشمل تكبيرة الإحرام وغيرها من الأركان.
• الأصل عدم الفعل، والأصل بقاء ما كان على ما كان، ولا ينتقل عنه إلا بيقين.
• اليقين لا يزول بالشك.
• الإجماع منعقد على شغل الذمة بالصلاة، والبراءة للذمة من الواجب يتوقف على سبب مبرئ إجماعًا، ومن شك في الفعل لم يبرأ بالشك حتى يفعل.
• قال القرافي: قاعدة مجمع عليها: وهي أن كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم الذي يجزم بعدمه (١).
[م- ٨٩٨] إذا شك في تكبيرة الإحرام، استقبل صلاته، وبه قال الشافعية والحنابلة، وابن القاسم من المالكية (٢).
стр. 7480
لأن الأصل عدم ما شك فيه، فمن شك في ترك ركن فهو كتركه، فلا يعتبر شارعًا في الصلاة، سواء اعتبرنا تكبيرة الإحرام ركنًا وهو قول الجمهور، أو اعتبرناها شرطًا وهو قول الحنفية، وسبق بحث هذا.
ولا سجود عليه؛ لأن السجود مشروع في سهو يقع في الصلاة، وهذا لم يحكم بشروعه فيها حتى تحتاج إلى جبر، وكما لو شك هل صلى أم لا؟ فإنه يصلي، ولا سجود عليه، وكما لو شك هل سها أم لا؛ ولأن الصلاة التي استأنفها خلو من السهو، فلم يوجد فيها ما يكون سببًا لسجود السهو.
وقال الحنفية: من شك أنه كبر للافتتاح، فإن كان أول مرة استقبل، وإلا فلا (١).
وقال ابن نجيم نقلًا من المجتبى والمبتغى: «ومن شك أنه كبر للافتتاح أو لا أو هل أحدث أو لا .... استقبل إن كان أول مرة، وإلا فلا» (٢).
قوله: (وإلا فلا) يعني وإلا لم يستقبل، وهذا يعني الحكم بصحة الصلاة، ولم يصرح هل يتحرى، كما قالوا ذلك فيما إذا شك في عدد الركعات، فإن كان أول مرة عرض له بطلت صلاته، وإلا تحرى، وبنى على غالب ظنه.
والتسوية بين من شك في الافتتاح، وبين من شك في الحدث أو في إصابة النجاسة قول ضعيف؛ لأن من شك في الحدث، أو في إصابة النجاسة فالأصل الطهارة، ومن شك في الافتتاح فالأصل عدمه.
وفي فتح القدير: «ولو علم أنه أدَّى ركنًا، وشك أنه كبَّر للافتتاح أو لا، أو هل أحدث أو لا .... إن كان أول مرة استقبل، وإلا مضى» (٣).
فظاهره أن هذا الحكم خاص فيمن شك في تكبيرة الإحرام بعد أن أدَّى ركنًا من أركان
стр. 7481
الصلاة، وإن كان نقل ابن نجيم من المجتبى مطلق، لم يقيد بشيء، ولعل التقييد أولى.
ووجهه: أن ذلك من قبيل تقديم الظاهر على الأصل؛ لأن الظاهر أن من دخل في الصلاة حتى أدى ركنًا من أركانها أنه لا يدخل فيها إلا وقد كبَّر؛ لأن الظاهر من أفعال المكلفين أن تقع على وجه الكمال، وليس من عادة المصلي استفتاح الصلاة بلا تكبير، ونسيان تكبيرة الإحرام من النادر جدًّا، والنادر لا حكم له، فإذا شك بعد أن أدى ركنًا، تعارض هذا الظاهر، مع الأصل فالأصل أن من شك في فعل شيء أنه لم يفعله.
والفقهاء يقدمون الأقوى منهما، فأحيانًا يكون الظاهر أقوى، وأحيانًا يكون الأصل أقوى، وليس في ذلك عادة مطردة (١).
قال ابن رجب في القواعد في تعارض الأصل والظاهر: «إذا شك بعد الفراغ من الصلاة أو غيرها من العبادات في ترك ركن منها، فإنه لا يلتفت إلى الشك، وإن كان الأصل عدم الإتيان به، وعدم براءة الذمة، لكن الظاهر من أفعال المكلفين للعبادات أن تقع على وجه الكمال، فيرجح هذا الظاهر على الأصل» (٢).
وأما المالكية فلهم تفصيل انفردوا به عن الجمهور، فإذا شك في تكبيرة
стр. 7482
الإحرام، فإما أن يكون فذًّا، أو إمامًا، أو مأمومًا:
فإن كان فذًّا، فقيل: إن ذكر قبل أن يركع فيعيد التكبير، ويستأنف القراءة، وإن ركع فإنه يتمادى، ويعيد، كبر للركوع أم لا، وهذا رأي ابن عبد الحكم.
وقال ابن القاسم: «يقطع، كما لو تيقن الترك» (١).
وإن كان الشاك إمامًا، فقال: ابن القاسم: يقطع ويستأنف، ولا يصح استخلافه هاهنا؛ لأنه إذا لم يكبر لا تجزيهم الصلاة.
وقال ابن الماجشون: يتمادى، ويعيد.
وقال سحنون: «يتم، ويسألهم بعد سلامه، فإن قالوا: أحرمت رجع إلى قولهم، وإن شكوا أعادوا جميعهم» (٢).
وأما المأموم، فقال القرافي: «إن ذكر قبل أن يركع قطع بسلام، وأحرم، وإن لم يذكر حتى ركع، وكبَّر للركوع تمادى وأعاد، وإن لم يكبِّر، فقال أصبغ: يقطع، وقال ابن حبيب: «لا يقطع، ويتمادى؛ لاحتمال الصحة، ويعيد؛ لاحتمال
стр. 7483
البطلان» (١).
وقال الدسوقي: «الظاهر أن ما جرى في الفذ يجري في المأموم» (٢).
قلت: إلا ما قاله سحنون في حق الإمام فإنه لا يجري على الفذ.
فمن قال: يقطع مطلقًا كابن القاسم فقد رأى أن العمل مع الشك لا يجزئه، وهو موافق لقول الجمهور.
ومن قال: يتمادى ويعيد، فأوجب التمادي مراعاة لحرمة الصلاة؛ لإمكان أن يكون قد كبَّر، وأوجب الإعادة لاحتمال البطلان، فاحتاط من الجانبين.
• الراجح:
قول الجمهور، وأن من شك في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، والله أعلم.
стр. 7484
المبحث الثاني الشك في أركان الصلاة عدا تكبيرة الإحرام
الفرع الأول الشك في عدد الركعات
المدخل إلى المسألة:
• لا يصار إلى الظن مع إمكان اليقين.
• التحري يأتي في اللغة بمعنى القصد، يقال: تحرى الأمر: قصده وتوخاه، وعليه جمهور الفقهاء.
• قوله ﷺ : (فليتحر الصواب) أي ليقصد المتيقن، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. أي قصدوه. وفي الصحيح: كان النبي ﷺ يتحرى الصلاة عند الأسطوانة. وفيه أيضًا: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، والنصوص في هذا كثيرة.
• يجوز العمل بالظن عند تعذر اليقين، أو كان لا يصل إليه إلا بمشقة كبيرة دفعًا للحرج.
• لو كان يصلي وغلب على ظنه أنه أحدث لم يأخذ بالتحري بالإجماع، ويحرم عليه الخروج من الصلاة، فإذا لم يتحرَّ في شرط العبادة لم يتحرَّ في عدد ركعاتها من باب أولى.
• أجمع العلماء أن من أيقن بالحدث، وشك في الوضوء، فعليه الوضوء، ومن شك هل صلى أو لا، فعليه الصلاة، ولم يتحرَّ، وإذا اشتبهت أخته بأجنبية حرمتا، وكذا إذا اشتبهت ميتة بمذكاة، فالعمل على اليقين ما أمكن، وهذا أصل عظيم في الفقه، فكذلك إذا شك في عدد الركعات.
стр. 7485
• اتفاق جمهور الفقهاء وأهل اللغة على تفسير التحري بقصد الصواب يدل على أن هذا التفسير من قبيل الحقيقة اللغوية، وليس من قبيل التأويل أو المجاز.
• على افتراض أن يكون التحري من قبيل المشترك اللفظي، فيطلق على القصد، وعلى طلب أرجح الأمرين، فإن حديث أبي سعيد الخدري يدل على ترجيح قصد اليقين، فتعين الأخذ به.
• قوله ﷺ : (فليطرح الشك … ) (أل) في الشك للعموم، سواء أكان معه ظن أم لا، فَحَمْلُ أحد الحديثين على الآخر أولى من افتراض التعارض، وطلب الجمع.
• أجمع العلماء على الأخذ باليقين في الطواف والسعي، وهما عبادتان قائمتان على العدد، فكذلك الحكم في الصلاة.
• قال أئمة اللغة والفقه: الشك خلاف اليقين، و هو التردد بين شيئين، سواء استوى طرفاه، أو رجح أحدهما على الآخر خلافًا لأهل الأصول حيث جعلوا الظن قسيمًا للشك.
[م- ٨٩٩] اختلف العلماء في الرجل يشك في صلاته أصلى ثلاثًا أم أربعًا:
فقيل: يتحرى، ويأخذ بغالب ظنه، ويسجد للسهو بعد السلام، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية، وقال به الحنفية إذا اعتاد على السهو، فإن كان أول شك يعرض له استأنف الصلاة (١).
стр. 7486
وقيل: إذا شك المصلي أخذ باليقين، ولا يتحرى، وهو مذهب المالكية والشافعية وأحمد في المعتمد في مذهبه، وبه قال الثوري، وداود والطبري، واستثنى المالكية المستنكح (١).
وقيل: يتحرى الإمام، إن كان المأموم أكثر من واحد، وإلا بنى على اليقين، وهو رواية عن أحمد، قال في المقنع: «وظاهر المذهب أن المنفرد يبني على اليقين، والإمام على غالب ظنه» (٢).
قال البهوتي في كشاف القناع: « .... وجزم به في «الكافي» و «الوجيز» وذكر في «الشرح» أنه المشهور عن أحمد، وأنه اختيار الخرقي، ولأن للإمام من ينبهه
стр. 7487
ويذكره إذا أخطأ الصواب، بخلاف المنفرد» (١).
• دليل من قال: يتحرى إما مطلقًا أو إذا كثر الشك:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٤٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
قال عبد الله صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه، قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين (٢).
[أشار أحمد إلى علته بتفرد منصور، وكل من رواه داخل الصحيح وخارجه لم يذكر فيه التحري، وقد روي التحري موقوفًا على ابن مسعود، وهو المحفوظ] (٣).
• ويناقش من أربعة وجوه:
الوجه الأول:
أن الحديث سيق مساق الشرط والجواب (إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر)
стр. 7491
فليس فيه (إذا كثر الشك فليتحرَّ)، فتقييد النص بالكثرة خلاف ظاهر اللفظ، والنصوص الشرعية العامة جارية على عمومها لا يقيدها إلا نصوص مثلها أو إجماع.
الوجه الثاني:
أن لفظ (التحري) قد انفرد به منصور، عن إبراهيم، وقد نص أحمد إلى تفرد منصور إشارة إلى إعلال هذه اللفظة، وهو معارض لحديث أبي سعيد الخدري في الأمر بالأخذ باليقين، وطرح الشك، وقد أخذ مالك والشافعي وأحمد في المعتمد في مذهبه بحديث أبي سعيد، ولم يأخذوا بحديث ابن مسعود بالأمر بالتحري، والله أعلم.
الوجه الثالث:
أن الحكم بن عتيبة قد جود الحديث،
(ح-٢٦٤٤) فرواه البخاري ومسلم، من طريقه، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم.
فلم يشك فيه أزاد النبي ﷺ أم نقص، وذكر أن النبي ﷺ سجد سجدتين، وليس فيه ذكر التحري.
وتابعه على عدم ذكر التحري كل من الأعمش، ومغيرة بن مقسم عن إبراهيم.
ورواه ابن أبي شيبة والنسائي والطبري في تهذيب الآثار، والطبراني في المعجم الكبير، من طرق عن الحكم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود موقوفًا عليه بذكر التحري.
[صحيح وسبق تخريجه ضمن تخريج حديث ابن مسعود السابق].
قال النسائي في السنن الكبرى بعد أن روى الحديث من طريق منصور بذكر التحري مرفوعًا، قال أبو عبد الرحمن: «خالفه شقيق بن سلمة أبو وائل، فجعل التحري من قول عبد الله» (١).
وقال الدارقطني: « … والموقوف عن الحكم أصح» (٢).
بل قد رواه عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن منصور، عن النخعي، عن علقمة،
стр. 7492
عن ابن مسعود موقوفًا بذكر التحري، وسبق تخريجه عند تخريج حديث ابن مسعود.
فلعله دخل على منصور لفظ الأثر الموقف على اللفظ المرفوع، لا سيما أن هناك إشارات في روايته تدل على عدم ضبطه.
قال الإمام أحمد فيما حكى الأثرم عنه: «حديث التحري ليس يرويه إلا منصور.
قلت له: ليس يرويه إلا منصور؟
قال: لا، كلهم يقول: إن النبي ﷺ صلى خمسًا.
قال: إلا أن شعبة روى عن الحكم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه موقوفًا نحوه: قال: إذا شك أحدكم فليتحر» (١).
وقال ابن رجب أيضًا: «وأما أحاديث التحري، فمنهم من تكلم فيها، حتى أعلَّ حديث ابن مسعود المرفوع المخرج في الصحيحين، من رواية منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عنه، بأنه روي موقوفًا، من طريق الحكم، عن أبي وائل، عنه، كما فعل النسائي وغيره.
وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود موقوفًا.
وهذا قد يتعلق به من يدعي أن هذه الرواية في آخر الحديث مدرجة من قول ابن مسعود» (٢).
وقال البيهقي في المعرفة: «ذهب بعض أهل المعرفة بالحديث إلى أن الأمر بالتحري في هذا الحديث مشكوك فيه، فيشبه أن يكون من جهة ابن مسعود أو من دونه، فأدرج في الحديث» (٣).
ورد الحافظ القول بالإدراج، قال في الفتح: «وأبعد من زعم أن لفظ التحري في الخبر مدرج من كلام ابن مسعود، أو ممن دونه؛ لتفرد منصور بذلك عن إبراهيم
стр. 7493
دون رفقته؛ لأن الإدراج لا يثبت بالاحتمال» (١).
فهذا الإمام أحمد، والنسائي والدارقطني والبيهقي أشاروا إلى إعلال المرفوع بالموقوف، وأشار الإمام أحمد وابن عبد البر والبيهقي إلى تفرد منصور بالتحري، وكل ذلك يجعل حديث أبي سعيد الخدري وإن كان من أفراد مسلم مقدمًا، والله أعلم.
الوجه الرابع:
اختلف العلماء في تفسير التحري إلى قولين:
فقال القاضي عياض: «فليتحر الصواب … فهذا التحري عندنا وعند كافة العلماء: هو البناء على اليقين المفسر في الأحاديث الأخر، وقصد اليقين، قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. [الجن: ١٤]» (٢).
وقال مثله أبو العباس القرطبي في شرح مسلم (٣).
وقال ابن القصار: « … التحري عندنا: هو القصد إلى الصواب وطلبه حتى يكون البناء على اليقين، ألا تراه ﵇ قال: لا يتحرَّ أحدكم بصلاته طلوع الشمس ولا غروبها، أي لا يقصد ذلك، والتحري: رجوع إلى اليقين، ألا ترى أنه لو شك هل صلى أم لا رجع إلى يقينه وصلى» (٤).
وقال النووي: «معنى الحديث: فليقصد الصواب … وقصد الصواب: هو ما بينه في حديث أبي سعيد» (٥).
وقال الخطابي في معالم السنن: «التحري قد يكون بمعنى اليقين، واستدل بآية الجن السابقة» (٦).
ولا يكون صوابًا حتى يقطع المصلي أنه خالص من الشك، ولا يكون ذلك إلا بالأخذ بالمتيقن.
стр. 7494
وقال ابن حجر: «المراد بالتحري عند الشافعية: هو البناء على اليقين لا على الأغلب؛ لأن الصلاة في الذمة بيقين فلا تسقط إلا بيقين.
وقال ابن حزم التحري في حديث بن مسعود يفسره حديث أبي سعيد يعني الذي أخرجه مسلم بلفظ: (وإذا لم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن)» (١).
وهذا التفسير قريب من تفسير الإمام الشافعي، والذي نقله البيهقي قال الشافعي: «يحتمل قوله ﷺ : (فليتحرَّ) الذي يظن أنه نقصه فيتمه، حتى يكون التحري أن يعيد ما شك فيه، ويبني على حال يستيقن فيها، وهو كلام عربي، وقد فسره أبو سعيد الخدري على ما يدل على هذا المعنى» (٢).
قال ابن حجر تعليقًا على تفسير الشافعي: «مطابق لحديث أبي سعيد إلا أن الألفاظ تختلف» (٣).
وقال السيوطي: «(فليتحرَّ الصواب) فسره الشافعي بالأخذ باليقين وقال التحري هو القصد» (٤).
ولأن الشك ضد اليقين، فيشمل الظن، فإذا أمرنا الشاك بالرجوع إلى الظن نكون قد أمرناه بالرجوع من شك إلى شك آخر، وإنما يؤمر بالرجوع من الشك إلى اليقين مع إمكانه.
وقد اعتمد الفقهاء على تفسير التحري بالقصد على مجموعة من النصوص الشرعية، منها:
آية الجن، قال: تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. [الجن: ١٤].
ومنها: ما جاء في الصحيحين: كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف. فقيل له: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه
стр. 7495
الأسطوانة، قال: رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها (١).
ومنها: حديث عائشة في الصحيحين: أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة (٢).
ومنها: حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها (٣).
ومنها: حديث عائشة ﵂ في الصحيحين: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان (٤).
والنصوص في هذا كثيرة.
وتفسيرُ جمهور الفقهاء موافق لتفسير أهل اللغة.
قال ابن منظور في اللسان: «فلان يتحرى الأمر أي يتوخاه ويقصده.
والتحري: قصد الأولى والأحق، مأخوذ من الحَرَى وهو الخليق، والتوخي مثله. وفي الحديث: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر: أي تعمدوا طلبها فيها، والتحري: القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول» (٥).
جاء في تاج العروس: «هو قصد الأولى والأحق» (٦).
وقال ابن الأثير وهو معدود من الفقهاء ومن اللغويين: «(تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر) أي: تعمدوا طلبها فيها. والتحري: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول» (٧).
فاتفاق الفقهاء وأهل اللغة على تفسير التحري بقصد الصواب يدل على أن هذا التفسير من قبيل الحقيقة اللغوية، وليس من قبيل التأويل أو المجاز.