فليس فيه (إذا كثر الشك فليتحرَّ)، فتقييد النص بالكثرة خلاف ظاهر اللفظ، والنصوص الشرعية العامة جارية على عمومها لا يقيدها إلا نصوص مثلها أو إجماع.
الوجه الثاني:
أن لفظ (التحري) قد انفرد به منصور، عن إبراهيم، وقد نص أحمد إلى تفرد منصور إشارة إلى إعلال هذه اللفظة، وهو معارض لحديث أبي سعيد الخدري في الأمر بالأخذ باليقين، وطرح الشك، وقد أخذ مالك والشافعي وأحمد في المعتمد في مذهبه بحديث أبي سعيد، ولم يأخذوا بحديث ابن مسعود بالأمر بالتحري، والله أعلم.
الوجه الثالث:
أن الحكم بن عتيبة قد جود الحديث،
(ح-٢٦٤٤) فرواه البخاري ومسلم، من طريقه، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم.
فلم يشك فيه أزاد النبي ﷺ أم نقص، وذكر أن النبي ﷺ سجد سجدتين، وليس فيه ذكر التحري.
وتابعه على عدم ذكر التحري كل من الأعمش، ومغيرة بن مقسم عن إبراهيم.
ورواه ابن أبي شيبة والنسائي والطبري في تهذيب الآثار، والطبراني في المعجم الكبير، من طرق عن الحكم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود موقوفًا عليه بذكر التحري.
[صحيح وسبق تخريجه ضمن تخريج حديث ابن مسعود السابق].
قال النسائي في السنن الكبرى بعد أن روى الحديث من طريق منصور بذكر التحري مرفوعًا، قال أبو عبد الرحمن: «خالفه شقيق بن سلمة أبو وائل، فجعل التحري من قول عبد الله» (١).
وقال الدارقطني: « … والموقوف عن الحكم أصح» (٢).
بل قد رواه عبد الرزاق في المصنف، عن معمر، عن منصور، عن النخعي، عن علقمة،
стр. 7492
عن ابن مسعود موقوفًا بذكر التحري، وسبق تخريجه عند تخريج حديث ابن مسعود.
فلعله دخل على منصور لفظ الأثر الموقف على اللفظ المرفوع، لا سيما أن هناك إشارات في روايته تدل على عدم ضبطه.
قال الإمام أحمد فيما حكى الأثرم عنه: «حديث التحري ليس يرويه إلا منصور.
قلت له: ليس يرويه إلا منصور؟
قال: لا، كلهم يقول: إن النبي ﷺ صلى خمسًا.
قال: إلا أن شعبة روى عن الحكم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه موقوفًا نحوه: قال: إذا شك أحدكم فليتحر» (١).
وقال ابن رجب أيضًا: «وأما أحاديث التحري، فمنهم من تكلم فيها، حتى أعلَّ حديث ابن مسعود المرفوع المخرج في الصحيحين، من رواية منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عنه، بأنه روي موقوفًا، من طريق الحكم، عن أبي وائل، عنه، كما فعل النسائي وغيره.
وقد رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود موقوفًا.
وهذا قد يتعلق به من يدعي أن هذه الرواية في آخر الحديث مدرجة من قول ابن مسعود» (٢).
وقال البيهقي في المعرفة: «ذهب بعض أهل المعرفة بالحديث إلى أن الأمر بالتحري في هذا الحديث مشكوك فيه، فيشبه أن يكون من جهة ابن مسعود أو من دونه، فأدرج في الحديث» (٣).
ورد الحافظ القول بالإدراج، قال في الفتح: «وأبعد من زعم أن لفظ التحري في الخبر مدرج من كلام ابن مسعود، أو ممن دونه؛ لتفرد منصور بذلك عن إبراهيم
стр. 7493
دون رفقته؛ لأن الإدراج لا يثبت بالاحتمال» (١).
فهذا الإمام أحمد، والنسائي والدارقطني والبيهقي أشاروا إلى إعلال المرفوع بالموقوف، وأشار الإمام أحمد وابن عبد البر والبيهقي إلى تفرد منصور بالتحري، وكل ذلك يجعل حديث أبي سعيد الخدري وإن كان من أفراد مسلم مقدمًا، والله أعلم.
الوجه الرابع:
اختلف العلماء في تفسير التحري إلى قولين:
فقال القاضي عياض: «فليتحر الصواب … فهذا التحري عندنا وعند كافة العلماء: هو البناء على اليقين المفسر في الأحاديث الأخر، وقصد اليقين، قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. [الجن: ١٤]» (٢).
وقال مثله أبو العباس القرطبي في شرح مسلم (٣).
وقال ابن القصار: « … التحري عندنا: هو القصد إلى الصواب وطلبه حتى يكون البناء على اليقين، ألا تراه ﵇ قال: لا يتحرَّ أحدكم بصلاته طلوع الشمس ولا غروبها، أي لا يقصد ذلك، والتحري: رجوع إلى اليقين، ألا ترى أنه لو شك هل صلى أم لا رجع إلى يقينه وصلى» (٤).
وقال النووي: «معنى الحديث: فليقصد الصواب … وقصد الصواب: هو ما بينه في حديث أبي سعيد» (٥).
وقال الخطابي في معالم السنن: «التحري قد يكون بمعنى اليقين، واستدل بآية الجن السابقة» (٦).
ولا يكون صوابًا حتى يقطع المصلي أنه خالص من الشك، ولا يكون ذلك إلا بالأخذ بالمتيقن.
стр. 7494
وقال ابن حجر: «المراد بالتحري عند الشافعية: هو البناء على اليقين لا على الأغلب؛ لأن الصلاة في الذمة بيقين فلا تسقط إلا بيقين.
وقال ابن حزم التحري في حديث بن مسعود يفسره حديث أبي سعيد يعني الذي أخرجه مسلم بلفظ: (وإذا لم يدر أصلى ثلاثا أو أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن)» (١).
وهذا التفسير قريب من تفسير الإمام الشافعي، والذي نقله البيهقي قال الشافعي: «يحتمل قوله ﷺ : (فليتحرَّ) الذي يظن أنه نقصه فيتمه، حتى يكون التحري أن يعيد ما شك فيه، ويبني على حال يستيقن فيها، وهو كلام عربي، وقد فسره أبو سعيد الخدري على ما يدل على هذا المعنى» (٢).
قال ابن حجر تعليقًا على تفسير الشافعي: «مطابق لحديث أبي سعيد إلا أن الألفاظ تختلف» (٣).
وقال السيوطي: «(فليتحرَّ الصواب) فسره الشافعي بالأخذ باليقين وقال التحري هو القصد» (٤).
ولأن الشك ضد اليقين، فيشمل الظن، فإذا أمرنا الشاك بالرجوع إلى الظن نكون قد أمرناه بالرجوع من شك إلى شك آخر، وإنما يؤمر بالرجوع من الشك إلى اليقين مع إمكانه.
وقد اعتمد الفقهاء على تفسير التحري بالقصد على مجموعة من النصوص الشرعية، منها:
آية الجن، قال: تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. [الجن: ١٤].
ومنها: ما جاء في الصحيحين: كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف. فقيل له: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه
стр. 7495
الأسطوانة، قال: رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها (١).
ومنها: حديث عائشة في الصحيحين: أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة (٢).
ومنها: حديث ابن عمر ﵄ في الصحيحين: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها (٣).
ومنها: حديث عائشة ﵂ في الصحيحين: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان (٤).
والنصوص في هذا كثيرة.
وتفسيرُ جمهور الفقهاء موافق لتفسير أهل اللغة.
قال ابن منظور في اللسان: «فلان يتحرى الأمر أي يتوخاه ويقصده.
والتحري: قصد الأولى والأحق، مأخوذ من الحَرَى وهو الخليق، والتوخي مثله. وفي الحديث: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر: أي تعمدوا طلبها فيها، والتحري: القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول» (٥).
جاء في تاج العروس: «هو قصد الأولى والأحق» (٦).
وقال ابن الأثير وهو معدود من الفقهاء ومن اللغويين: «(تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر) أي: تعمدوا طلبها فيها. والتحري: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول» (٧).
فاتفاق الفقهاء وأهل اللغة على تفسير التحري بقصد الصواب يدل على أن هذا التفسير من قبيل الحقيقة اللغوية، وليس من قبيل التأويل أو المجاز.
стр. 7496
وعلى أقل الأحوال أن يكون التحري من قبيل المشترك اللفظي، فيطلق على القصد، ويطلق على طلب أرجح الأمرين، وحديث أبي سعيد الخدري يدل على ترجيح قصد اليقين، فتعين الأخذ به، ولو كان يقصد بالتحري طلب الظن، لما جاء حديث أبي سعيد مطلقًا بطرح الشك، فإن قوله: (فليطرح الشك … ) (أل) في الشك للعموم، سواء أكان معه ظن أم لا، فحمل أحد الحديثين على الآخر أولى من افتراض تعارضهما، ثم تطلب الجمع بينهما هذا على فرض أن يكون لفظ التحري محفوظًا.
•ويناقش:
بأن الرواة على منصور قد اختلفوا في ضبط هذا الحرف، فتأويل التحري بالقصد إن سُلِّم في رواية: (فليتحرَّ الصواب)، وهذا لفظ الصحيحين، فلا يسلم على الرواية الأخرى: (فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب) وهي رواية عند مسلم.
وأحرى: بمعنى أقرب، وهذا يشير إلى الأخذ بالظن، وقد جاء هذا المعنى منصوصًا عليه في رواية: (فليتحرَّ أقرب ذلك من الصواب).
فاستخدام أفعل التفضيل، وترك الأمر إلى نظر المصلي، كما يدل عليه لفظ: (فلينظر أحرى) يدل على أن المعنى: أن يجتهد المصلي في تحديد أقرب الأمرين، وهو الأخذ بما غلب على ظنه، ومال إليه قلبه.
فالصحيحان قد اتفقا على لفظ (فليتحرَّ الصواب)، وانفرد مسلم بلفظ: (فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب)، فإن حملنا أحد اللفظين على الآخر، فسر التحري باستعمال الظن، وإن رجحنا (فليتحرَّ الصواب) وفسرناه بمعنى: فليقصد إلى الصواب، صار لفظ: (فلينظر أحرى) خطأ من الراوي، ودفع الخطأ عن الراوي أولى من توهيمه، والله أعلم.
• ويجاب:
بأن الواقعة واحدة، والنبي ﷺ قد قال أحد اللفظين، وليس أحد اللفظين بأولى من الآخر، فقد يكون هذا الاختلاف من قبل منصور، لا من الرواة عنه، وهو يدل على عدم ضبطه لهذا الحرف، وليس هذا هو الاختلاف الوحيد عليه في هذا الحديث، فقد اضطرب منصور في الشك (أزاد أم نقص) والواقع أنه قد زاد جزمًا، ولو ثبت أنه نقص لما اكتفى بالسجود، كما جاء ذلك نصًّا في رواية الحكم
стр. 7497
وغيره، كما اضطرب في الشاك، فتارة ينسب الشك إلى نفسه، وتارة ينسب الشك إلى شيخه إبراهيم النخعي، وتارة ينسبه إلى من هو فوقه إلى عبد الله، وتقدم التنبيه على هذا، والله أعلم (١).
стр. 7498
الدليل الثاني:
إذا جاز التحري في القلتين، والثوبين، والإناءين، والوقتين، وكل ذلك من واجبات الصلاة، جاز التحري في أعداد ركعاتها؛ لأنه أمر مشتبه، قد جعل له طريق إلى التخلص منه بالتحري (١).
• ورد:
بأن الرجوع إلى اليقين في هذه الأشياء متعذر، وفي أفعال الصلاة غير متعذر، فجاز التحري فيما تعذر اليقين فيه كالاجتهاد في تحديد القبلة، ولا يجوز التحري فيما لم يتعذر فيه الأخذ باليقين.
ولأن لهذه الأشياء دلائل وعلامات يرجع إليها في التحري والاجتهاد، وليس فيما يقضى من أفعال الصلاة دلالة يرجع إليها في التحري، فافترقا (٢).
• دليل الجمهور على الأخذ باليقين وطرح الشك:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٤٥) ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن
стр. 7499
عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أمره بأن يطرح الشك، ويأخذ بالمتيقن، ولم يأمره بالتحري، قال أحمد فيما رواه أبو بكر الأثرم: «أما أنا فأرى ألا يخرج منها إلا على يقين، لا يخرج منها على غرر حتى يستيقن أنه قد أتمها» (٢).
وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: «تمسك بظاهره جمهور أهل العلم في إلغاء المشكوك فيه، والعمل على المتيقن، وألحقوا المظنون بالمشكوك في الإلغاء، وردّوا قوله ﷺ في حديث ابن مسعود: (فليتحرّ الصواب) من ذلك إلى حديث أبي سعيد هذا، ورأوا أن هذا التحري: هو القصد إلى طرح الشك، والعمل على المتيقن» (٣).
وقوله: (إذا شك) عام يدخل فيه المشكوك والمظنون؛ لأن الشك في اللغة ضد اليقين، فيدخل فيه الظن.
جاء في المصباح المنير: «قال أئمة اللغة: الشك خلاف اليقين، فقولهم: خلاف اليقين: هو التردد بين شيئين، سواء استوى طرفاه، أو رجح أحدهما على الآخر قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ف﴾ [يونس: ٩٤].
قال المفسرون: أي غير مستيقن، وهو يعم الحالتين.
وقال الأزهري في موضع من التهذيب: «الظن هو الشك .... وقد استعمل الفقهاء الشك في الحالين على وفق اللغة نحو قولهم: من شك في الطلاق، ومن شك في الصلاة: أي من لم يستيقن، وسواء رجح أحد الجانبين أم لا وكذلك
стр. 7500
قولهم: من تيقن الطهارة، وشك في الحدث وعكسه أنه يبني على اليقين» (١).
وقال الدَّمِيري أبو البقاء في شرح المنهاج: «والمراد بالشك هاهنا، وفي معظم أبواب الفقه: مطلق التردد بين الشيئين، سواء كانا على السواء، أو أحدهما أرجح، وهو اصطلاح المتقدمين والفقهاء» (٢).
خلافًا لأصحاب الأصول حيث قالوا: التردد بين الطرفين إن كان على السواء فهو الشك، وإلا فالراجح ظن، والمرجوح وهم (٣).
وقال النووي: «تفسير الشك بمستوي الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين، وأما في اللغة: فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكًّا، سواء المستوي والراجح والمرجوح، والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية، ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح» (٤).
• وأجيب عن الاستدلال بعدة أجوبة:
الجواب الأول:
بأن حديث أبي سعيد قد سبق تخريجه في مسألة حكم سجود السهو، وقد كَشَف التخريج بأن مالكًا وداود بن قيس قد روياه عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ مرسلًا، والإمام مالك لا يعدله أحد ممن خالفه، ولو كانوا جماعة.
• ورد هذا:
بأن ابن عبد البر قد صرح بأن إرسال مالك ليس علة، فقال: «والحديث متصل مسند صحيح، لا يضره تقصير من قصر به في اتصاله؛ لأن الذين وصلوه حفاظ مقبولة زيادتهم» (٥).
стр. 7501
وقال الأثرم نقلًا من التمهيد: «سألت أحمد بن حنبل عن حديث أبي سعيد في السهو: أتذهب إليه؟ قال: نعم، أذهب إليه. قلت: إنهم يختلفون في إسناده. قال: إنما قصر به مالك، وقد أسنده عدة منهم ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة» (١).
وقال الخطابي: « … معلوم عن مالك أنه يرسل الأحاديث، وهي عنده مسنده، وذلك معروف من عادته» (٢).
وقال ابن رجب: «ولعل البخاري ترك تخريجه؛ لإرسال مالك والثوري له.
وحكم جماعة بصحة وصله، منهم: الإمام أحمد والدارقطني» (٣).
قلت: لم يخرج البخاري لزيد بن أسلم من رواية سليمان بن بلال.
الجواب الثاني:
بأن الجمع بين حديث أبي سعيد الخدري وحديث ابن مسعود أولى من طرح أحدهما، فيحمل حديث أبي سعيد الخدري في الشك الذي ليس معه ترجيح، لقوله في الحديث: (فلم يدر كم صلى).
ويحمل حديث ابن مسعود في الشك الذي معه ترجيح، فيأخذ بالراجح، ويترك الوهم، والدليل على اختلافهما: أن حديث أبي سعيد الخدري جعل السجود قبل السلام، وحديث ابن مسعود جعل السجود بعده، وإلى هذا توجه ابن خزيمة، وابن حبان ورواية عن الإمام أحمد (٤).
• وأجيب:
لم يتعين الجمع في حمل حديث ابن مسعود على الشك الذي فيه ترجيح، فإن هذا مبني على اختلاف بين الحديثين من جهة المعنى، وأولى منه أن يفسر التحري بقصد الصواب، وهو المتيقن، فيكون المعنى في الحديثين واحدًا، وبهذا
стр. 7502
لا نكون قد طرحنا حديث ابن مسعود، ولا فسرناه بما يخالف حديث أبي سعيد، وإنما فسرنا التحري بما يوافق حديث أبي سعيد، والأصل أن الحكم الشرعي في الشك لا يختلف، والحقيقة اللغوية والشرعية، لا تأبى تفسير التحري بالقصد كما سبق، وقد أخذ بذلك جمهور الفقهاء.
وهذا على افتراض أن لفظ التحري محفوظ مرفوعًا.
ولأن حديث أبي سعيد الخدري متفق مع أصول الشريعة، والقواعد العامة، والتي تمنع من تفسير التحري بالأخذ بالظن؛ لأن ذلك يعني الأخذ به مع إمكان الأخذ باليقين، فإذا تيقن أنه صلى ثلاث ركعات، وشك في الرابعة، صار الشك في النقصان كتحققه، ووجب عليه الخروج من العهدة بيقين؛ لأن الأصل في الظهر أنها فرض بيقين أربع ركعات، فالواجب الذي قد ثبت عليه بيقين لا يخرج منه إلا بيقين، وقد أجمع العلماء أن من أيقن بالحدث وشك في الوضوء أن شكه لا يغنيه شيئًا، وأن عليه الوضوء فرضًا، وإذا شك، هل صلى أو لم يصل وجب عليه أن يصلي، ولا يتحرى، وهذا يدلك على أن الشك عندهم ملغى، وأن العمل على اليقين ما أمكن، وهذا أصل كبير في الفقه فتدبره، وقف عليه (١).
يدل على هذا الأصل العظيم:
(ح-٢٦٤٦) ما رواه الشيخان من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عباد بن تميم،
عن عمه: أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل أو: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا (٢).
ولو شك في عدد الطواف بنى على اليقين، وحكي إجماعًا.
قال مالك في الموطأ: «ومن شك في طوافه بعد ما يركع ركعتي الطواف، فَلْيَعُدْ، فَلْيُتَمِّمْ طوافه على اليقين» (٣).
وقال ابن عبد البر: «لا خلاف فيه بين العلماء أن من شك في طوافه يلزمه البناء
стр. 7503
على الأقل في نفسه» (١).
وقال النووي: «ولو شك في عدد الطواف أو السعي لزمه الأخذ بالأقل، ولو غلب على ظنه الأكثر لزمه الأخذ بالأقل» (٢).
وقال ابن قدامة: «وإن شك في عدد الطواف بنى على اليقين، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك، ولأنها عبادة، فمتى شك فيها، وهو فيها بنى على اليقين كالصلاة» (٣).
ولو اشتبهت الميتة بمذكاة، أو اشتبهت أخته بأجنبية حرمتا، ولم يتحرَّ، ولو اشتبه عليه ماء طهور بماء نجس، وكان قريبًا من شط نهر، ما جاز له التحري (٤).
وهذا يبين خطأ من قال: يبني على غالب ظنه ويقال مثله في الطواف والسعي ورمي الجمار … وعلى هذا عامة أمور الشرع؛ لأن الأخذ بغلبة الظن مرده لحديث ابن مسعود، فإذا كان الجمهور لم يأخذوا بحديث ابن مسعود في الصلاة والذي سيق حديث ابن مسعود من أجله، فكيف يأخذون به في غير موضوعه.
الدليل الثاني:
(ح-٢٦٤٧) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثني محمد ابن إسحاق، عن مكحول، عن كريب،
عن ابن عباس، أنه قال له عمر: يا غلام هل سمعت من رسول الله ﷺ ، أو من أحد من أصحابه: إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع؟ قال: فبينا هو كذلك، إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف، فقال: فيم أنتما؟ فقال عمر: سألت هذا الغلام: هل سمعت من رسول الله ﷺ ، أو أحد من أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع؟ فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين؟ فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا؟ فليجعلها ثنتين، وإذا لم يدر أثلاثًا صلى أم أربعا؟ فليجعلها ثلاثًا، ثم يسجد
стр. 7504
إذا فرغ من صلاته، وهو جالس، قبل أن يسلم سجدتين (١).
[الحديث اختلف فيه على مكحول، فروي عنه موصولًا بإسناد ضعيف جدًّا، وروي عنه مرسلًا بإسناد حسن، وهو المعروف] (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٢٦٤٨) ما رواه ابن خزيمة من طريق إسماعيل بن أبي أويس، وأيوب بن سليمان، كلاهما عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عمر بن محمد -وهو ابن زيد- عن سالم بن عبد الله،
عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: إذا صلى أحدكم، فلا يدري كم صلى، ثلاثًا أم أربعًا، فليركع ركعة يحسن ركوعها وسجودها، ويسجد سجدتين (١).
[المحفوظ وقفه] (٢).
стр. 7510
فالاعتماد في الباب على حديث أبي سعيد الخدري في مسلم.
• دليل الحنفية على بطلان الصلاة بالشك إذا عرض أول مرة:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٤٩) روى الطبراني، كما في مجمع الزوائد، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل سها في صلاته فلم يدر كم صلى قال: ليعد صلاته،
стр. 7511
وليسجد سجدتين قاعدًا.
قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير هكذا، وإسحاق بن عيسى لم يسمع من عبادة» (١).
• ويتعقب من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
حديث عبادة بن الصامت مع ضعفه جمع للمصلي بين إعادة الصلاة، وسجود السهو، ولا وجه لجمع الأمرين:
فالصلاة الأولى بطلت، فلا مناسبة لسجود السهو فيها.
والصلاة المعادة محفوظة من السهو، فلا داعي لزيادة سجود السهو فيها،
والظاهر أن الحنفية لا يأخذون بظاهر حديث عبادة في الجمع بين بطلان الصلاة وسجود السهو.
الوجه الثاني:
أن حديث عبادة لم يشترط في بطلان الصلاة من الشك أن يكون الشك قد
стр. 7512
عرض للمصلي أول مرة، فظاهره يعارض حديث ابن مسعود في الصحيحين.
الوجه الثالث:
أن أبا حنيفة ﵀ قال فيمن نسي صلاة من خمس صلوات، ولم يدر ما هي، يلزمه أن يصلي جميع الصلوات الخمس؛ ليتيقن قضاء ما نسيه منها، ولم يقل بالتحري فيها، ولم يفرق بين كونه عرض له أول مرة، أو عرض له أكثر من ذلك.
الدليل الثاني:
(ح-٢٦٥٠) ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: من شك في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليستقبل.
ذكره الزيعلي في نصب الراية وذكره كثير من فقهاء الحنفية في فروعهم، منهم السرخسي عن ابن عمر (١).
[لا أصل له مرفوعًا].
قال ابن حجر في الدراية: لم أجده مرفوعًا (٢).
الدليل الثالث:
(ح- ٢٦٥١) ما رواه الطبراني في الكبير، قال: حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا إسحاق بن زريق الراسبي، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن يزيد، عن آمنة بنت عمر بن عبد العزيز،
عن ميمونة بنت سعد، أنها قالت: أفتنا يا رسول الله في رجل سها في صلاته، فلا يدري كم صلى؟ قال: ينصرف، ثم يقوم في صلاته حتى يعلم كم صلى، فإنما ذلك الوسواس يعرض له، فيسهيه عن صلاته (٣).
[ضعيف جدًا] (٤).
стр. 7513
• ويجاب عن هذه الأحاديث بجوابين:
الجواب الأول:
ظاهر هذه الأدلة وجوب الاستئناف مطلقًا بمجرد التعرض للشك، سواء أعرض له الشك أول مرة أم تكرر، وتقييد هذه الأحاديث بالسهو إذا عرض أول مرة لا يقتضيه إطلاق هذه النصوص.
وحديث ابن مسعود في الصحيحين بالعمل بالتحري مطلق أيضًا، من غير فرق بين شك عرض أول مرة، وشك تكرر، ولم يقيد العمل به بشرط أن يكثر السهو، والمطلق جارٍ على إطلاقه، لا يقيده إلا نص مثله، أو إجماع.
و الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، إنما يكون بين دليل صحيح ودليل آخر مثله أو أعلى منه، وأما أن يكون أحد الحديثين صحيحًا، والآخر ضعيفًا جدًّا، فالواجب طرح الضعيف، والأخذ بالصحيح؛ لأن الجمع، وإن كان فيه إعمال لكلا الدليلين إلا أن إعمالهما معًا سيكون على حساب الحديث الصحيح، إما تقييد لمطلقه، أو تخصيص لعمومه، فيَخْرج أفرادُ من الحديث الصحيح كان الإطلاق والعموم شاملًا لها مراعاة لحديث ضعيف جدًّا، وبهذا يكون الحديث الضعيف قد جنى على الحديث الصحيح.
الجواب الثاني:
القول بأن السهو النادر الذي يعرض لأول مرة يبطل الصلاة، والسهو الكثير يتحرى ويسجد للسهو، لو عكس لكان أصوب، فالسهو إذا عرض أول مرة أو كان نادرًا كان هذا دليلًا على أنه سهو حقيقي، واعتباره بأن يسجد له سجدتي
стр. 7514
السهو، وإذا كثر من صاحبه حتى صار وسواسًا، دل على أنه من قبيل الوهم، فلا يلتفت إليه، ولا يسجد له، وهو قول الثوري، وروي عن القاسم بن محمد، وهو مذهب الحنابلة (١).
جاء في المبدع: «فإن كثر السهو حتى صار وسواسًا لم يتلفت إليه» (٢).
الدليل الرابع:
(ث-٦٢٤) ما رواه ابن أبي شيبة حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عمر في الذي لا يدري، ثلاثًا صلى أو أربعًا، قال: يعيد حتى يحفظ (٣).
[صحيح] (٤).
• ويجاب عنه بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
هذا الأثر عن ابن عمر ﵄ ليس فيه أن ذلك مقيد بالشك الأول، فالدليل لا يطابق المدلول.
الجواب الثاني:
هذا الفعل من ابن عمر موقوف عليه، ومخالف للمرفوع، ولا حجة في الموقوف إذا خالف مرفوعًا.
الجواب الثالث:
لعل ذلك قاله ابن عمر بما يوافق النزعة الاحتياطية عنده، لا أن ذلك على وجه اللزوم، ولذلك ثبت عنه أنه كان يقول: أما أنا فإذا لم أدر كم صليت فإني أعيد.
إشارة إلى أنه يختاره لنفسه، ولا يرى أن ذلك يلزم غيره.
стр. 7515
(ث-٦٢٥) فقد روى ابن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن محارب بن دثار، قال: سمعت ابن عمر يقول: أحص ما استطعت ولا تُعِدْ (١).
[صحيح].
فكان إذا أفتى غيره لم يأمره بالإعادة، بخلاف ما يختار لنفسه، ولا معنى لذلك إلا أنه على سبيل الاحتياط، والله أعلم.
الدليل الخامس:
(ح-٢٦٥٢) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا غرار في صلاة، ولا تسليم.
قال أحمد: يعني فيما أرى أن لا تسلم، ولا يسلم عليك، ويغرر الرجل بصلاته فينصرف، وهو فيها شاكٌّ.
والحديث في مسند أحمد بلفظ: (لا إغرار … قال أحمد: سألت أبا عمرو الشيباني، عن قول النبي ﷺ : (لا إغرار في الصلاة، فقال: إنما هو: لا غرار في الصلاة … ) (٢).
[صحيح] (٣).
• ويجاب:
بأن معنى (لا غرار … ) لا نقص في الصلاة، فيستفاد منه النهي عن نقص الصلاة، وكذلك النهي عن نقص التسليم، وهذا ما اختاره الخطابي، والقاسم بن سلام، وابن الأثير، وابن الجوزي، وغيرهم (٤).
стр. 7516
ونفي النقص ليس بإبطال الصلاة، وإنما الأخذ بالمتيقن حتى يقطع المصلي أنه لم ينقص من صلاته شيئًا.
قال الخطابي في معالم السنن: «أصل الغرار نقصان لبن الناقة، يقال غارت الناقة غرارًا فهي مغار، إذا نقص لبنها … » (١).
الدليل السادس:
القياس على الرجل إذا شك هل صلى أم لا، فإنه يجب عليه أن يصلي ليخرج من العهدة بيقين، فكذلك إذا شك في الركعة هل صلاها أم لا، فما يصدق على الصلاة يصدق على الركعة.
• ويجاب:
هذا قياس مع الفارق؛ فإن الرجل إذا شك هل صلى أم لا، فالأصل عدم الصلاة، ويختلف عن الرجل يسهو، وهو في الصلاة، أصلى ثلاثًا أم أربعًا، وخروجه من العهدة بيقين أن يجعلها ثلاثًا، لا أن يبطل الثلاث، وهي متيقنة.
الدليل السابع:
أن المصلي إذا أعاد صلاته أدى فرضه بيقين، وقد قال ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، والتحري دليل مع الظن عند الحاجة دفعًا للحرج، ولا حرج في أول مرة (٢).
• ويناقش:
هذا نظر في مقابل النص، واستدراك على الشارع، واليقين: أن يطرح ما دخله الشك، لا أن يرفض المتيقن والله أعلم.
• دليل من فرق بين الإمام والمنفرد:
أن الإمام مع إقرار المأمومين له واتباعهم إياه يقوى ظنه، فيصير كالعمل باليقين، بخلاف المنفرد، فإنه ليس عنده أمارة تقوي ظنه.
стр. 7517
• الراجح:
وجوب العمل باليقين فلو أن الإنسان كان يصلي، وغلب على ظنه أنه أحدث لم يلتفت إلى غلبة الظن بالإجماع، وإذا لم يؤخذ بالتحري في شرط العبادة لم يؤخذ بالتحري في عدد ركعاتها، والله أعلم.
стр. 7518
الفرع الثاني إذا شك في ترك ركن معين من أركان الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• الشك في ترك الركن كالشك في عدد الركعات.
• لا يصار إلى الظن مع إمكان اليقين.
• يجوز العمل بالظن عند تعذر اليقين، أو كان لا يصل إليه إلا بمشقة كبيرة دفعًا للحرج، كما لو اشتبه إناء نجس بأواني كثيرة طاهرة.
• قال ﷺ : فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، وهذا عام في كل شك، سواء أكان معه ظن أم لا.
• قوله ﷺ : (فليتحر الصواب) كما في حديث ابن مسعود، إن سلم من تفرد منصور، فليحمل على ما يوافق حديث أبي سعيد (فليطرح الشك)، وهو أولى من افتراض التعارض.
• يأتي التحري في اللغة بمعنى القصد، يقال: تحرى الأمر: قصده وتوخاه، وعليه جمهور الفقهاء.
• قوله ﷺ : (فليتحر الصواب) أي ليقصد المتيقن، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾. أي قصدوه. وفي الصحيح: كان النبي ﷺ يتحرى الصلاة عند الأسطوانة. وفيه أيضًا: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، والنصوص في هذا كثيرة.
[م- ٩٠٠] اختلف الفقهاء في المصلي يشك في ترك ركن معين من أركان الصلاة غير التحريمة، كما لو شك في ترك الركوع، أو السجود.
فالجمهور، قالوا: الشك في ترك الركن كالشك في ترك الركعة، يبني على
стр. 7519
ما استيقن، ويطرح الشك، ويسجد للسهو، وهو رواية عن أبي حنيفة، رواها الحسن بن زياد عنه (١).
جاء في روضة الطالبين: «إذا شك في أثناء الصلاة في عدد الركعات، أو في فعل ركن، فالأصل: أنه لم يفعل، فيجب البناء على اليقين» (٢).
جاء في الإنصاف: «ومن شك في ترك ركن فهو كتركه، هذا المذهب، وعليه أكثر الأصحاب وقطع به كثير منهم» (٣).
وانظر دليلهم في المسألة السابقة، فيما إذا شك في عدد الركعات.
وقيل: يتحرى، ويعمل بغلبة الظن، وهو رواية عن أحمد، رجحها ابن تيمية (٤).
وقال الحنفية: إن كان الشك عرض له أول مرة، استأنف الصلاة؛ لأنه يمكنه أن يصلي، ويؤدي الفرض بيقين، والتحري دليل مع الظن عند الحاجة دفعًا للحرج، ولا حرج في أول مرة.
وإن كثر الشك فإنه يتحرى، ويأخذ بغالب ظنه عملًا بحديث ابن مسعود في التحري في الصحيحين (٥)، وسبق تخريجه في المسألة السابقة.
стр. 7520
فإن غلب على ظنه أنه قد أداها على وجهها، فلا شيء عليه، إلا أن يطول تحريه وتفكره، فيسجد للسهو؛ لأن التفكر الطويل مما يؤخر الأركان عن موضعها، والقليل مما لا يمكن الاحتراز عنه، فجعل كأن لم يكن.
وإن غلب على ظنه أنه لم يأت به، أو لم يستطع التحري، بنى على اليقين، وكان حكمه حكم من تيقن الترك، وترك الركن يوجب تداركه، وطريقة تداركه عند الحنفية مبنية على حكم الترتيب بين الركن المتروك وبين الركن الذي قبله:
فالترتيب بين الأركان تارة يكون فرضًا بحيث تتوقف صحة الركن المؤدى على وقوعه مرتبًا مع الركن الذي قبله، وتارة لا يكون فرضًا، بحيث لو تخلف الترتيب لم يؤثر ذلك على صحة صلاته.
فإن كان الترتيب ليس بفرض، فإن شاء أتى بالركن في وقت تذكره، وإن شاء أخره إلى آخر الصلاة فيقضيه، كما لو نسي سجدة من ركعة.
وإن كان الترتيب فرضًا لزمه إعادته مرتبًا على ما قبله، كما لو نسي الركوع.
والترتيب يكون فرضًا عند الحنفية فيما شرع غير مكرر من أركان الصلاة، كالتحريمة، والقعدة الأخيرة، ومثله ما شرع غير مكرر في الركعة الواحدة كالقيام، والقراءة، والركوع، والسجود.
ويكون الترتيب واجبًا بين ما يتعدد في كل الصلاة كالركعات، أو يتعدد في كل ركعة كالترتيب بين السجدتين.
وقد فصلت مذهب الحنفية فيما إذا ترك ركنًا بالأمثلة في مسألة سابقة، وناقشت دليلهم فأغنى ذلك عن إعادته هنا، فارجع إليه غير مأمور.
• والراجح:
قول الجمهور، وأن الشك في ترك الركن كالشك في عدد الركعات، يبني على اليقين، وانظر أدلة هذه المسألة في المسألة السابقة، فقد ذكرت أدلتهم بالتفصيل، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
стр. 7521
الفرع الثالث إذا ترك ركنًا وشك في عينه
المدخل إلى المسألة:
• إذا ترك ركنًا ولم يعلم موضعه بنى على ما تيقن أنه صلاه، وطرح الشك.
• إذا ترك ركنًا، ولم يعلم موضعه بنى على أسوأ الأحوال.
• من شك في ترك ركن فهو كتركه.
[م- ٩٠١] إذا ترك المصلي ركنًا من أركان الصلاة، وشك في عين المتروك بنى على الأحوط حتى يخرج من العهدة بيقين، ولم يتحرَّ.
فإن جُوِّز أن يكون المتروك النية أو تكبيرة الإحرام:
فقيل: يكبر للإحرام من غير قطع بسلام ولا كلام ثم يأتي بجميع صلاته، لأن المطلوب الإتيان بإحرام متيقن من غير قطع الأولى؛ لاحتمال وجود إحرامه، ولا موجب لقطعهما، وهذا أحد القولين في مذهب المالكية (١).
وقيل: يستأنف صلاته؛ لأن النية وتكبيرة الإحرام لا يمكن تداركهما، فإذا
стр. 7522
شك في فعلهما فكأنه لم يفعلهما، فلم توجد صلاته، وهذا أحد القولين في مذهب المالكية، ومذهب الشافعية والحنابلة.
وإن تيقن الإحرام وحده بنى عليه، وقرأ، وإن تيقن الإحرام والفاتحة بنى عليهما، وأتى بما بعدهما، وهكذا يجعل المشكوك فيه هو ما بعد المتيقن احتياطًا، وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١).
قال في الإنصاف: «قال ابن تميم وغيره: لو جهل عين الركن المتروك، بنى على الأحوط؛ فإن شك في القراءة والركوع، جعله قراءة، وإن شك في الركوع والسجود، جعله ركوعًا» (٢).
وخالف الحنفية، فقالوا: إذا تذكر بعد الفراغ أنه ترك فرضًا، وشك في تعيينه، قالوا: يسجد سجدة واحدة ثم يقعد، ثم يقوم فيصلي ركعة بسجدتين ثم يقعد، ثم يسجد للسهو؛ لاحتمال أن المتروك الركوع فلا بد من الركعة وسجدتين؛ لأن السجود الذي كان أوقعه دونه لا عبرة به، وإن كان المتروك سجدة فقد سجد (٣).
стр. 7523
• الراجح:
قول الجمهور، وأنه إذا ترك الركن، وشك في تعيينه أخذ بالأحوط، فما تيقنه أخذ به، وبنى عليه، والله أعلم.
стр. 7524
الفرع الرابع إذا شك في إدراك الركوع مع الإمام
المدخل إلى المسألة:
• الشك في إدراك الركوع، كالشك في عدد الركعات.
• إذا شك في إدراك الركوع بني على اليقين على الصحيح، ولم يتحرَّ.
• الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين.
• الشك في إدراك الركوع موجب لسجود السهو؛ لاحتمال أن يكون قد أدرك الركعة، فزاد في صلاته.
• تردد الصلاة بين الزيادة والنقص موجب لسجود السهو، ومنه الشك في إدراك الركوع.
[م-٩٠٢] إذا أدرك المصلي الإمام راكعًا، فكبر للإحرام، وشك في إدراك الركوع، لم يعتد بتلك الركعة؛ لشكه في إدراكها، ويبني على اليقين، ويسجد للسهو، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (١).
• وجه مشروعية سجود السهو:
قال النووي: «لأن هذا الشخص بعد سلام الإمام شاك في عدد ركعاته والله أعلم» (٢).
فرجع الشك في إدراك الركوع إلى الشك في عدد الركعات،
قال الشرواني: «ومن الشك في عدد الركعات ما لو أدرك الإمام راكعًا، وشك هل أدرك الركوع معه أو لا، فالأصح أنه لا تحسب له الركعة، فيتدارك تلك الركعة، ويسجد
стр. 7525
للسهو؛ لأنه أتى بركعة مع احتمالها الزيادة، وهي مسألة يغفل عنها أكثر الناس» (١).
وقد سبق لنا الخلاف في المصلي إذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا، والخلاف فيه بين الحنفية والجمهور.
• والدليل على هذا:
(ح- ٢٦٥٣) ما رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان (٢).
وعلل الحنابلة السجود: ليجبر ما فعله مع الشك، فإنه نقص في المعنى.
وقيل: إذا شك في إدراك الركوع فقد أدرك الركعة، وهو وجه في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (٣).
• وجه القول بالإدراك:
أن الأصل عدم رفع الإمام من الركوع، وقد شك في الرفع، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
قال المرداوي: «إن شك هل أدرك الإمام راكعا أم لا؟ لم يدرك الركعة، على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، وذكر في التلخيص وجهًا أنه يدركها، وهو من المفردات؛ لأن الأصل بقاء ركوعه» (٤).
• ويناقش:
بأن الشك ليس في فعل الإمام، وإنما الشك في فعله هو، هل شارك الإمام في الركوع أو لا، والأصل عدم المشاركة حتى يتيقن أنه التقى مع الإمام في جزء من
стр. 7526
الركوع، والله أعلم.
وقد قسم القرافي في الفروق الشك في السبب على ثلاثة أقسام.
قسم منه معتبر بالإجماع، و ضرب له أمثلة، منها:
إذا شك في الشاة المذكاة والميتة حرمتا معًا، وسبب التحريم هو الشك.
ومنها: إذا شك في الأجنبية، وأخته من الرضاعة حرمتا معًا، وسبب التحريم هو الشك.
ومنها: إذا شك هل تطهر أم لا؟ وجب الوضوء، وسبب وجوبه الشك.
وقسم منها مجمع على إلغائه، وضرب له أمثلة منها:
من شك، هل طلق زوجته أم لا؟ فلا شيء عليه، والشك لغوٌ.
ومنها: من شك في صلاته، هل سها أم لا؟ فلا شيء عليه والشك لغوٌ.
فهذه صور من الشك أجمع الناس على عدم اعتباره فيها، كما أجمعوا على اعتباره فيما تقدم ذكره من تلك الصور.
وقسم ثالث اختلف العلماء في نصبه سببًا كمن شك، هل أحدث أم لا، فاعتبره مالك دون الشافعي.
ومنها: من شك هل طلق ثلاثًا أم اثنتين، ألزمه مالك الطلقة المشكوك فيها دون الشافعي، والله أعلم (١).
• والراجح.
أنه لا يعتد بالركعة، ويسجد للسهو؛ لاحتمال الزيادة، والله أعلم.
стр. 7527
المبحث الثالث إذا شك في ترك التشهد الأول
المدخل إلى المسألة:
• ثبت في السنة الفعلية المتفق عليها السجود لترك التشهد الأول.
• إذا شك في فعل معين من أفعال الصلاة، هل فعله أم لا، ولو مع ترجيح أحد الطرفين، فالأصل أنه لم يفعله؛ لأن المشكوك فيه كالمعدوم.
• إذا شك في ترك مأمورٍ معينٍ سجد للسهو، وإذا شك في ترك مأمور في الجملة غير معين، لم يسجد، كما لو شك، هل سها أم لا؟ لأنه شك في سبب سجود السهو، والأصل عدمه.
• فَرْقٌ بين الشك في العدد، فيشرع السجود؛ لتردده في حصول الفعل، والأصل عدم الفعل، وبين الشك في سبب السجود، كما لو شك في السهو، فلا يوجب السجود؛ لأن الأصل عدمه، فلا يترتب عليه شيء.
• الظن في الفقه واللغة فردٌ من أفراد الشك، وليس قسيمًا له كما يفعل الأصوليون.
• كل حكم ثبت للشك فإنه يثبت للظن إلا بدليل.
• الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين.
• من أخذ بالظن مع إمكان اليقين، فقد أخذ بالشك؛ والنص: (فليطرح الشك)، وعمومه يدخل فيه الظن.
• حديث ابن مسعود في التحري حديث صحيح، والأمر بالتحري فيه حرف شاذ تفرد به منصور دون غيره من الرواة.
[م- ٩٠٣] الشك في ترك التشهد الأول يدخل في السجود لترك واجب من واجبات الصلاة، عند الحنفية والحنابلة، ويدخل في الشك في ترك السنن عند المالكية والشافعية.
والعجب أن الحنابلة يقولون بوجوب التشهد الأول في الصلاة في المعتمد من
стр. 7528
المذهب، وإذا تركه يقينًا سهوًا وجب جبره بسجود السهو، وإلا بطلت صلاته، وإذا شك في تركه، فالمعتمد في المذهب عدم السجود، مع أن قواعد المذهب أن من شك في فعل شيء فالأصل أنه لم يفعله.
وتقسيم أفعال الصلاة إلى فروض، وواجبات وسنن هذا لا يقول به إلا الحنفية، والحنابلة، خلافًا للمالكية والشافعية، فهم لا يقولون بوجود قسم الواجب، ويقسمون أفعال الصلاة، إلى فروض وسنن، ويقسمون السنن إلى:
سنن مؤكدة ويسميها الشافعية أبعاضًا يشرع لتركها سجود السهو، ومنه التشهد الأول موضوع البحث.
وإلى سنن غير مؤكدة، لا يشرع لتركه سجود السهو، وسبق التنبيه على هذا، وبيان الراجح.
إذا تنبهت لهذا نأتي على ذكر الخلاف الفقهي في الرجل يشك في ترك التشهد الأول.
فقيل: لا يلزمه السجود، وهو أصح الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
• وجه كونه لا يلزمه:
قال ابن قدامة: «وإن شك في ترك واجب يوجب تركه سجود السهو، فقال ابن حامد: لا سجود عليه؛ لأنه شك في سببه، فلم يلزمه بالشك، كما لو شك في الزيادة.
وقال القاضي: «يحتمل أن يلزمه السجود؛ لأن الأصل عدمه» (٢).
و قال التنوخي: «لأنه شك في وجوب سجود السهو؛ لأنه تابع لترك الواجب، وذلك مشكوك فيه، والتابع للمشكوك فيه مشكوك فيه، والشيء لا يجب بالشك» (٣).
أما قولهم: الشك في السبب فلم يلزمه بالشك، هناك فرق بين أن يشك في
стр. 7529
ترك فعل معين وبين أن يشك في ترك مأمور مطلقًا بلا تعيين، فالأول: الأصل عدم الفعل، بخلاف الثاني، كما سيأتي بيانه بعد قليل.
وأما قول التنوخي: الشيء لا يجب بالشك فليس مسلمًا، وقد نقلت في المسألة السابقة كلام القرافي أن الشارع جعل الشك سببًا في الحكم الشرعي، من ذلك: إذا شك في الشاة المذكاة والميتة حرمتا معًا، وسبب التحريم هو الشك، وإذا شك في الأجنبية، وأخته من الرضاعة حرمتا معًا، وسبب التحريم هو الشك، وإذا شك، هل تطهر أم لا؟ وجب الوضوء، وسبب وجوبه الشك، وقد اعتبر الشارع الشك أحد أسباب سجود السهو، كما في حديث أبي سعيد الخدري في مسلم.
وقيل: يلزمه السجود، وهو مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
قال النووي: «قال أصحابنا: فإذا شك في ترك مأمور يجبر تركه بالسجود، وهو الأبعاض، فالأصل أنه لم يفعله، فيسجد للسهو، وهذا لا خلاف فيه» (٢).
وقال التنوخي الحنبلي: «وأما كون من شك في ترك واجب يلزمه السجود على وجه؛ فلأن الشك في ترك واجب كتركه؛ لما ذكر من أن الأصل عدمه» (٣).
وفرق البغوي بين الشك في ترك مأمور به معين، فيسجد؛ لأن الأصل عدم الفعل، وبين الشك في ترك مأمور به مطلق، فلا يسجد؛ كما لو شك، هل سها أم لا؟ فإنه لا يسجد قطعًا؛ لأن الأصل عدمه (٤).
• الراجح:
مشروعية سجود السهو إذا شك في ترك التشهد الأول.
стр. 7530
المبحث الرابع إذا شك في الزيادة
المدخل إلى المسألة:
• الشك أحد أسباب سجود السهو.
• الشك فى الزيادة كتحققها، كما لو شك في التفاضل في الربا.
• إذا زاد أو نقص في صلاته فلا خلاف في جبر ذلك بالسجود، فكذلك إذا شك في النقص أو الزيادة.
الشك في النقص موجب للسجود بنص السنة، فكذلك إذا شك في الزيادة؛ لأن الشارع لم يفرق بينهما.
• قوله ﷺ في حديث أبي سعيد: إذا شك أحدكم في صلاته … عمومه يشمل الزيادة؛ لقوله ﷺ : فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته.
• إذا شك المصلي في الرباعية، أصلى ثلاثًا أم أربعًا شرع له سجود السهو بالإجماع، فكذلك إذا شك أصلى أربعًا أم خمسًا في الرباعية، من غير فرق؛ والموجب في الصورتين احتمال الزيادة.
• الشك في الزيادة شك في الصلاة قبل الفراغ منها، فيشرع جبره، بخلاف الشك بعد الفراغ منها، فلا يلتفت إليه.
وقيل:
• إذا شك في الزيادة فالأصل عدم الزيادة، فلا يسجد.
[م- ٩٠٤] إذا شك المصلي في حصول زيادة في صلاته مما يشرع لزيادتها سجود السهو: