الركوع، والله أعلم.
وقد قسم القرافي في الفروق الشك في السبب على ثلاثة أقسام.
قسم منه معتبر بالإجماع، و ضرب له أمثلة، منها:
إذا شك في الشاة المذكاة والميتة حرمتا معًا، وسبب التحريم هو الشك.
ومنها: إذا شك في الأجنبية، وأخته من الرضاعة حرمتا معًا، وسبب التحريم هو الشك.
ومنها: إذا شك هل تطهر أم لا؟ وجب الوضوء، وسبب وجوبه الشك.
وقسم منها مجمع على إلغائه، وضرب له أمثلة منها:
من شك، هل طلق زوجته أم لا؟ فلا شيء عليه، والشك لغوٌ.
ومنها: من شك في صلاته، هل سها أم لا؟ فلا شيء عليه والشك لغوٌ.
فهذه صور من الشك أجمع الناس على عدم اعتباره فيها، كما أجمعوا على اعتباره فيما تقدم ذكره من تلك الصور.
وقسم ثالث اختلف العلماء في نصبه سببًا كمن شك، هل أحدث أم لا، فاعتبره مالك دون الشافعي.
ومنها: من شك هل طلق ثلاثًا أم اثنتين، ألزمه مالك الطلقة المشكوك فيها دون الشافعي، والله أعلم (١).
• والراجح.
أنه لا يعتد بالركعة، ويسجد للسهو؛ لاحتمال الزيادة، والله أعلم.
стр. 7527
المبحث الثالث إذا شك في ترك التشهد الأول
المدخل إلى المسألة:
• ثبت في السنة الفعلية المتفق عليها السجود لترك التشهد الأول.
• إذا شك في فعل معين من أفعال الصلاة، هل فعله أم لا، ولو مع ترجيح أحد الطرفين، فالأصل أنه لم يفعله؛ لأن المشكوك فيه كالمعدوم.
• إذا شك في ترك مأمورٍ معينٍ سجد للسهو، وإذا شك في ترك مأمور في الجملة غير معين، لم يسجد، كما لو شك، هل سها أم لا؟ لأنه شك في سبب سجود السهو، والأصل عدمه.
• فَرْقٌ بين الشك في العدد، فيشرع السجود؛ لتردده في حصول الفعل، والأصل عدم الفعل، وبين الشك في سبب السجود، كما لو شك في السهو، فلا يوجب السجود؛ لأن الأصل عدمه، فلا يترتب عليه شيء.
• الظن في الفقه واللغة فردٌ من أفراد الشك، وليس قسيمًا له كما يفعل الأصوليون.
• كل حكم ثبت للشك فإنه يثبت للظن إلا بدليل.
• الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين.
• من أخذ بالظن مع إمكان اليقين، فقد أخذ بالشك؛ والنص: (فليطرح الشك)، وعمومه يدخل فيه الظن.
• حديث ابن مسعود في التحري حديث صحيح، والأمر بالتحري فيه حرف شاذ تفرد به منصور دون غيره من الرواة.
[م- ٩٠٣] الشك في ترك التشهد الأول يدخل في السجود لترك واجب من واجبات الصلاة، عند الحنفية والحنابلة، ويدخل في الشك في ترك السنن عند المالكية والشافعية.
والعجب أن الحنابلة يقولون بوجوب التشهد الأول في الصلاة في المعتمد من
стр. 7528
المذهب، وإذا تركه يقينًا سهوًا وجب جبره بسجود السهو، وإلا بطلت صلاته، وإذا شك في تركه، فالمعتمد في المذهب عدم السجود، مع أن قواعد المذهب أن من شك في فعل شيء فالأصل أنه لم يفعله.
وتقسيم أفعال الصلاة إلى فروض، وواجبات وسنن هذا لا يقول به إلا الحنفية، والحنابلة، خلافًا للمالكية والشافعية، فهم لا يقولون بوجود قسم الواجب، ويقسمون أفعال الصلاة، إلى فروض وسنن، ويقسمون السنن إلى:
سنن مؤكدة ويسميها الشافعية أبعاضًا يشرع لتركها سجود السهو، ومنه التشهد الأول موضوع البحث.
وإلى سنن غير مؤكدة، لا يشرع لتركه سجود السهو، وسبق التنبيه على هذا، وبيان الراجح.
إذا تنبهت لهذا نأتي على ذكر الخلاف الفقهي في الرجل يشك في ترك التشهد الأول.
فقيل: لا يلزمه السجود، وهو أصح الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
• وجه كونه لا يلزمه:
قال ابن قدامة: «وإن شك في ترك واجب يوجب تركه سجود السهو، فقال ابن حامد: لا سجود عليه؛ لأنه شك في سببه، فلم يلزمه بالشك، كما لو شك في الزيادة.
وقال القاضي: «يحتمل أن يلزمه السجود؛ لأن الأصل عدمه» (٢).
و قال التنوخي: «لأنه شك في وجوب سجود السهو؛ لأنه تابع لترك الواجب، وذلك مشكوك فيه، والتابع للمشكوك فيه مشكوك فيه، والشيء لا يجب بالشك» (٣).
أما قولهم: الشك في السبب فلم يلزمه بالشك، هناك فرق بين أن يشك في
стр. 7529
ترك فعل معين وبين أن يشك في ترك مأمور مطلقًا بلا تعيين، فالأول: الأصل عدم الفعل، بخلاف الثاني، كما سيأتي بيانه بعد قليل.
وأما قول التنوخي: الشيء لا يجب بالشك فليس مسلمًا، وقد نقلت في المسألة السابقة كلام القرافي أن الشارع جعل الشك سببًا في الحكم الشرعي، من ذلك: إذا شك في الشاة المذكاة والميتة حرمتا معًا، وسبب التحريم هو الشك، وإذا شك في الأجنبية، وأخته من الرضاعة حرمتا معًا، وسبب التحريم هو الشك، وإذا شك، هل تطهر أم لا؟ وجب الوضوء، وسبب وجوبه الشك، وقد اعتبر الشارع الشك أحد أسباب سجود السهو، كما في حديث أبي سعيد الخدري في مسلم.
وقيل: يلزمه السجود، وهو مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
قال النووي: «قال أصحابنا: فإذا شك في ترك مأمور يجبر تركه بالسجود، وهو الأبعاض، فالأصل أنه لم يفعله، فيسجد للسهو، وهذا لا خلاف فيه» (٢).
وقال التنوخي الحنبلي: «وأما كون من شك في ترك واجب يلزمه السجود على وجه؛ فلأن الشك في ترك واجب كتركه؛ لما ذكر من أن الأصل عدمه» (٣).
وفرق البغوي بين الشك في ترك مأمور به معين، فيسجد؛ لأن الأصل عدم الفعل، وبين الشك في ترك مأمور به مطلق، فلا يسجد؛ كما لو شك، هل سها أم لا؟ فإنه لا يسجد قطعًا؛ لأن الأصل عدمه (٤).
• الراجح:
مشروعية سجود السهو إذا شك في ترك التشهد الأول.
стр. 7530
المبحث الرابع إذا شك في الزيادة
المدخل إلى المسألة:
• الشك أحد أسباب سجود السهو.
• الشك فى الزيادة كتحققها، كما لو شك في التفاضل في الربا.
• إذا زاد أو نقص في صلاته فلا خلاف في جبر ذلك بالسجود، فكذلك إذا شك في النقص أو الزيادة.
الشك في النقص موجب للسجود بنص السنة، فكذلك إذا شك في الزيادة؛ لأن الشارع لم يفرق بينهما.
• قوله ﷺ في حديث أبي سعيد: إذا شك أحدكم في صلاته … عمومه يشمل الزيادة؛ لقوله ﷺ : فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته.
• إذا شك المصلي في الرباعية، أصلى ثلاثًا أم أربعًا شرع له سجود السهو بالإجماع، فكذلك إذا شك أصلى أربعًا أم خمسًا في الرباعية، من غير فرق؛ والموجب في الصورتين احتمال الزيادة.
• الشك في الزيادة شك في الصلاة قبل الفراغ منها، فيشرع جبره، بخلاف الشك بعد الفراغ منها، فلا يلتفت إليه.
وقيل:
• إذا شك في الزيادة فالأصل عدم الزيادة، فلا يسجد.
[م- ٩٠٤] إذا شك المصلي في حصول زيادة في صلاته مما يشرع لزيادتها سجود السهو:
стр. 7531
فقيل: لا يسجد للسهو، وهو مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، نص عليه الإمام، وعليه أكثر أصحابه (١).
• وجه كونه لا يسجد:
إذا شك في الزيادة، فالأصل عدم الزيادة، ولأنه شك في سبب السجود، والأصل عدمه.
واستثنى الحنابلة إذا شك في زيادة وقت فعلها، كما لو شك في سجدة، وهو فيها، هل هي زائدة أو لا، أو شك في أثناء الركعة الأخيرة، هل هي منها أو زائدة، سجد للسهو (٢).
• وجه هذا القول:
لأنه أدى جزءًا من صلاته مترددًا في كونه منها، وذلك يضعف النية.
وقيل: يسجد، وهو ظاهر مذهب المالكية، ورواية عن أحمد، اختاره القاضي أبو يعلى، كشكه في الزيادة وقت فعلها (٣).
ونقل الحطاب عن مجموعة من المالكية أنه قسموا أسباب السهو، إلى ثمانية أوجه: زيادة متيقنة، ونقص متيقن، وزيادة مشكوك فيها، ونقص مشكوك فيه، وزيادة ونقص متيقنين، وزيادة ونقص مشكوكين، وزيادة متيقنة ونقص مشكوك فيه، وعكسه (٤).
وقد ذكر ابن رشد أن الشك لا يفارق اليقين إلا في موضعين.
جاء في المقدمات: «ولا يفترق اليقين بالسهو من الشك فيه إلا في موضعين:
стр. 7532
أحدهما: أن يشك في الزيادة الكثيرة في أفعال الصلاة فإنه يجزئه في ذلك سجود السهو باتفاق، بخلاف الذي يوقن بالزيادة [يعني أن الذي يوقن بالزيادة الكثيرة في الصلاة تفسدها].
والثاني: … الذي يكثر عليه السهو لا بد من إصلاحه … والذي يكثر عليه الشك في السهو يلهى عنه ولا يبنى على اليقين» (١).
• وجه القول بالسجود:
الوجه الأول:
قال المنجور في القواعد: «الشك في النقصان كتحققه، وكذا الشك فى الزيادة كتحققها» (٢).
الوجه الثاني:
إذا شك المصلي في الرباعية، أصلى ثلاثًا أم أربعًا فإنه يشرع له سجود السهو بالإجماع، وموجب السجود: احتمال أن يكون قد زاد في صلاته، فكذلك إذا شك أصلى أربعًا أم خمسًا في الرباعية، من غير فرق، والموجب: احتمال الزيادة.
وقولنا: الأصل عدم زيادة الخامسة، فكذلك يقال في الصورة الأولى: الأصل عدم زيادة الرابعة، فهذا الأصل لا ينفي مشروعية السجود؛ لقيام التردد.
الوجه الثالث:
الشك في الزيادة شك في الصلاة قبل الفراغ منها فيشرع جبره بخلاف الشك بعد الفراغ منها، فلا يلتفت إليه.
• الراجح:
أن الشك في الزيادة يشرع له سجود السهو، كالشك في النقص، والفرق بين النقص والزيادة أن النقص يطالب المصلي بإتمام صلاته، بخلاف من أتى بالزيادة، أو شك فيها، فما عليه إلا سجود السهو، والله أعلم.
стр. 7533
المبحث الخامس إذا شك المصلي في التسليم من الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• السلام موضع خلاف بين العلماء، فقيل: فرض، وقيل: واجب، وقيل: سنة.
• لم يذكر السلام في حديث المسيء في صلاته، فلا يعد من الأركان، ولا يوجد قسم الواجب في أفعال الصلاة على الصحيح، فترجح إلحاقه بالسنن.
• قال ابن مسعود: … فإذا قلت ذلك -يعني التحيات- فقد قضيت ما عليك من الصلاة، فإذا شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد.
• قال ﷺ كما في حديث جابر في مسلم: … إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه، وشماله، فإذا جعل السلام في الصلاة سلامًا على أخيه، كان السلام أجنبيًا من أذكار الصلاة، فالسلام من قبيل الكلام بعد الحضر، فلو صح الأمر به لأخذ حكم الأمر بعد الحضر، فهو إطلاق من محظور.
• ذهب جماعة من أهل الحديث إلى القول بصحة صلاة من أحدث قبل السلام، كالإمام الثوري، وإسحاق بن راهويه، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وإبراهيم النخعي، ومكحول، واختاره بعض الفقهاء كأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهم.
• الشك أحد أسباب سجود السهو.
• الشك في النقصان كتحققه.
• من شك في صلاته بنى على اليقين ولم يتحرَّ.
• من شك في ترك السلام سجد للسهو؛ لتردد السلام بين الزيادة وعدمها.
стр. 7534
[م- ٩٠٥] اختلف الفقهاء في المصلي يشك، فلا يدري أسلَّم من صلاته أم لا؟
القول الأول: مذهب الحنفية:
لم يتعرض الحنفية لحكم من شك في ترك التسليم حسب البحث، والتسليم عندهم من واجبات الصلاة، والحكم عندهم فيمن ترك الواجب سهوًا، إن تيقن تركه جبر ذلك بسجود السهو، وإن شك في تركه، فإن كان قد عَرَضَ له الشك أول مرة استأنف، وإن عرض له أكثر من مرة تحرى، وبنى على غالب ظنه، فإن لم يكن له ظن بنى على اليقين، وسجد للسهو، والله أعلم.
وقد ناقشت موقف الحنفية من الشك في مسألة: الشك في عدد الركعات، فانظره هناك، فقد أغنى ذلك عن إعادته هنا، ولله الحمد.
القول الثاني: مذهب المالكية:
قال المالكية: من شك في التسليم فإن قرب جدًّا، ولم يفارق موضعه، ولم ينحرف عن القبلة، فيأتي بالسلام، ولا سجود، ولا تشهد؛ لأنه لم يحصل منه فعل. وإن انحرف عن القبلة انحرافًا كثيرًا أتى بالسلام، وسجد للسهو، ولا تشهد، لأن الانحراف عن القبلة سهوًا من أسباب سجود السهو. وإن طال طولًا لا يمنع من البناء (أي طولًا متوسطًا)، أو فارق موضعه، ولم يُطِل، بنى بإحرام، وتشهد، وسلم، وسجد للسهو، وإن طال الفصل جدًّا بطلت (١).
هذا ملخص قول المالكية، وهو لا يختلف عن حكمه عندهم فيما لو تيقن ترك السلام، وقد سبق لنا بحث هذه المسألة.
стр. 7535
• وجه القول بعدم السجود:
أن الشاك في التسليم إذا لم ينحرف عن القبلة فلم يفعل ما ينافي الصلاة.
ولأن المصلي إذا شك في السلام لا يخرج عن أحد احتمالين:
إما أن يكون قد سلَّم فعلًا، فيكون السلام الثاني بعد تحلله من الصلاة، فلا يوجب شيئًا، كما لو تكلم بكلام أجنبي بعد تمام الصلاة والانصراف منها.
وإمَّا أنه لم يسلِّم، وما زال لم يخرج من صلاته، فقد أتى بالسلام في محله، فلم يترتب عليه شيء.
• ويجاب:
قد يقال: إن تردد السلام بين الزيادة وعدمها سبب في مشروعية سجود السهو، وإذا كان المصلي لو زاد شرع له سجود السهو، فإذا شك في الزيادة فكذلك، والله أعلم.
القول الثاني: مذهب الشافعية:
ذهب الشافعية إلى أن المصلي إذا شك هل سلَّم أو لا؟ فإنه يجب تداركه ما لم يأت بمبطل، ولو بعد طول الفصل، ولا سجود عليه؛ لفوات محله بالسلام، وإن أتى بمبطل استأنف الصلاة (١).
قال في تحفة المحتاج: «والشك في السلام نفسه يوجب الإتيان به من غير سجود؛ لفوات محله بالسلام» (٢).
وقال في نهاية المحتاج: «لو شك في السلام نفسه فيجب تداركه ما لم يأت بمبطل ولو بعد طول الفصل» (٣).
والشافعية يذهبون إلى أن سجود السهو لا يشرع، ولو تيقن ترك السلام.
قال في تحفة المحتاج: «إذا كان المتروك السلام، فإذا ذكره، أو شك فيه ولم يأت بمبطل أتى به، وإن طال الفصل، ولا يسجد لفوات محل السجود، أو النية، أو
стр. 7536
التحرم، فإذا ذكره استأنف الصلاة» (١).
• وجه قول الشافعية:
أما وجوب تداركه؛ فلأن السلام ركن من أركان الصلاة عند الشافعية، والأركان لا بد من الإتيان بها.
وأما سقوط سجود السهو: فقد علله الشافعية بفوات محله؛ لأن محله عندهم قبل السلام.
وأما الاكتفاء بالتسليم، وإن طال الفصل، إذا لم يأت بمبطل؛ فلأنهم يعتبرون طول الفصل من جنس السكوت في الصلاة، فلا يقطع الموالاة.
قال الخطيب: «يسلم من غير سجود، فإن طال الفصل فهو مسألة السكوت الطويل، وقد مر معنا في باب غير هذا أنه لا يبطل على الراجح، وقد يقال: يسجد له أخذًا مما سيأتي في تطويل الركن القصير بالسكوت» (٢).
وسبق أن تكلمت عن محل سجود السهو، وأنه يجوز قبل السلام وبعده، وأن الاختلاف في محله من باب التنوع والتيسير، وأن المعتمد في مذاهب الأئمة الأربعة يجوز تقديم السجود البعدي وعكسه، فإذا شك في ترك التسليم أتى به، وسجد للسهو ما لم يطل الفصل أويحدث، فإن طال الفصل أو أحدث فهل يستأنف الصلاة؟ في هذا خلاف مبني على حكم التسليم في الصلاة، وقد تكلمت عن الخلاف في ترك التسليم في فصل سابق فارجع إليه غير مأمور.
القول الرابع: مذهب الحنابلة:
قال صاحب كتاب الإرشاد إلى سبيل الرشاد: «ومن شك هل سلم أم لا؟ فليُسلم» (٣).
ولم يتعرض هل يلزمه سجود لسهو.
ونص الحنابلة على أن من ترك السلام أتى به وسجد للسهو، فيقاس عليه من شك في ترك السلام؛ لأن من شك في ترك ركن فهو كتركه عند الحنابلة.
стр. 7537
قال في الإقناع: «فإن كان المتروك تشهدًا أخيرًا، أو سلامًا أتى به، وسجد، وسلم» (١).
وقال في الإقناع: «ومن شك في ترك ركن فهو كتركه» (٢).
وهذا الموضع من المواضع التي يرى الحنابلة فيها السجود بعد السلام، مع أنهم نصوا على أن الأصل في السجود قبل السلام إلا ما ورد فيه النص، وهذا الموضع لم يرد في النصوص، ومع ذلك يرون سجود السهو له بعد السلام.
وحجة الإتيان بالسلام للشك:
أن من شك في فعل شيء فالأصل عدمه، فكان عليه أن يسلم، ويسجد للسهو.
• الراجح:
كنت قد بحثت حكم التسليم في صفة الصلاة، وكان توجهي في البحث إلى الاستدلال على ضعف قول الجمهور بركنية التسليم، والبحث في هذه المسألة قد توجه إلى الشك في ترك التسليم، فلم يكن نفي الركنية كافيًا للوصول إلى حكم المسألة، فكان علي أن أعيد البحث في حكم التسليم، حتى نعرف حكم تركه، خاصة بعد ما ترجح لي أن الصلاة ليس فيها ما هو واجب، فأفعالها إما فروض، وإما سنن كما هو مذهب المالكية والشافعية، وأما مذهب الحنفية والحنابلة القائلون بقسم الواجب في أفعال الصلاة، فلا يتفقون على واجب فيها إلا على التشهد الأول، فكل الواجبات عند الحنفية هي من أفراد مذهب الحنفية إلا التشهد الأول، والكلام نفسه يصدق على مذهب الحنابلة، فيبقى البحث في ركنية التسليم.
فعمدة الجمهور على اعتبار التسليم ركنًا من أركان الصلاة حديث عبد الله ابن محمد بن عقيل، عن ابن الحنفية، عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، وقد سبق تخريجه.
[تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم، ومن
стр. 7538
حسنه فلعله حسنه لاستقامة متنه، وعدم الاختلاف فيه على ابن عقيل، وله شاهد ضعيف جدًّا من حديث أبي سعيد الخدري] (١).
ودلالته على الركنية ليست صريحة، وكون تكبيرة الإحرام ركنًا في الصلاة ليست محل إجماع (٢)، ولو سُلِّم القول بالركنية في تكبيرة الإحرام، فإن دلالته ليست مستمدة من حديث (تحريمها التكبير)؛ إذ لو كانت مستمدة منه لم يختلف الفقهاء في حكم التسليم بين الركنية، والوجوب، والسنية، وقد ذهب طائفة من أهل الحديث أن الرجل لو أحدث بعد التشهد، وقبل التسليم تمت صلاته، منهم سعيد بن المسيب، وعطاء، وإسحاق بن راهويه، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وإبراهيم النخعي، ومكحول، وكثير من هؤلاء من أهل الحديث، أضف إلى ذلك أنه رأي لبعض الفقهاء كأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وحماد بن أبي سليمان، وقد خرجت أقوالهم في صفة الصلاة، ولم يذكر التسليم في حديث المسيء صلاته، وقد اعتبر النبي ﷺ التسليم من الصلاة سلامًا على أخيك المسلم، قال ﷺ كما في حديث جابر في صحيح مسلم: ( … إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على
стр. 7539
أخيه من على يمينه، وشماله) (١).
فإذا جعل السلام في الصلاة سلامًا على أخيه كان السلام أجنبيًا من أذكار الصلاة، فالسلام من قبيل الكلام بعد الحضر، فلو صح الأمر به لأخذ حكم الأمر بعد الحضر، فهو إطلاق من محظور.
لهذا أنا أميل إلى القول بسنية التسليم في الصلاة، فإذا عرفت حكم التسليم يكون السجود لتركه أو للشك في فعله حكم الموقف نفسه من السجود لترك السنن كالسجود لترك التشهد الأول على الصحيح، والجمهور على مشروعية السجود لترك بعض السنن المؤكدة، وأباح الحنابلة السجود لترك سنة مطلقًا، قولية كانت أم فعلية خلافًا للحنفية.
هذا ما يخص حكم التسليم، وحكم سجود السهو إذا شك في تركه.
فإذا شك المصلي في ترك التسليم فإن كان قريبًا أتى به، واستحب له سجود السهو، وإن طال الفصل، أو فارق مكانه، فقد تعارض الظاهر والأصل، فالظاهر أن المصلي لا يخرج من صلاته إلا وقد سلَّم، والأصل أن من شك في فعل شيء أنه لم يفعله، فيقدم الظاهر لقوته، فلا يلتفت لهذا الشك، والله أعلم.
стр. 7540
المبحث السادس إذا شك ثم زال شكه
المدخل إلى المسألة:
• إذا شك في مشروعية سجود السهو، فالأصل عدم السجود.
• لا عبرة بالشك بعد زواله.
• الأصل في السجود بسبب الشك حديث أبي سعيد الخدري، وهو وراد في الشك الدائم، وليس الشك العارض.
• إذا زال السبب زال المسبب.
• الشك بمفرده لا يوجب سجود السهو حتى يشك أزاد أم نقص.
[م- ٩٠٦] اختلف الفقهاء في الرجل يشك في عدد الركعات أو في ركن، فيبنى على اليقين، أو على غالب ظنه، ثم يزول شكه في الصلاة، ويتيقن أنه مصيب، فهل يجب عليه السجود؟
فقال الحنفية: إن طال تفكره بمقدار ما يشغله عن صلاته بمقدار أداء ركن من أركان الصلاة، كالركوع، والسجود، فعليه سجود السهو استحسانًا، وإن لم يطل تفكره فلا سهو عليه (١).
• وجه القول بالسجود:
قال ابن عابدين: «عليه سجود السهو استحسانًا، وإن كان تفكره ليس إلا إطالة القيام، أو الركوع، أو السجود، وهذه الأذكار سنة لكنه أخَّر واجبًا أو ركنًا، لا بسبب إقامة السنة، بل بسبب التفكر، وليس التفكر من أعمال الصلاة» (٢).
стр. 7541
والتأخر عن أداء الركن، أو الواجب سبب للسهو عند الحنفية.
وقيل: لا سجود عليه مطلقًا، وهو مذهب المالكية، والصحيح من مذهب الحنابلة، واختاره بعض الشافعية كالجويني والغزالي (١).
• دليل القول بعدم السجود:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٥٤) ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيما للشيطان (٢).
فهذا الحديث الذي رواه مسلم هو المحكم في اعتبار الشك سببًا في سجود السهو، فالحديث ورد في الشك الدائم، وليس في الشك العارض، فإذا ارتفع السبب ارتفع المسبب، فلا عبرة بالتردد بعد زواله، فلا يسجد.
ولأنه لو سجد للسهو سيكون سجد لمجرد الشك، والشك بانفراده لا يوجب سجود السهو حتى يشك في نقص، أو زيادة، فكان بمنزلة لو شك، هل سها أم لا، فلا سجود.
الدليل الثاني:
السجود للسهو ثبت بالشرع في حال السهو، وتطويل الفكر في ذلك إنما هو على وجه العمد، ولمصلحة الصلاة، فلا يتعلق به سجود سهو.
وقيل: يسجد مطلقًا، وهو وجه في مذهب الحنابلة، وبه قال أشهب بشرط أن
стр. 7542
يكون تفكر في موطن لا يشرع تطويله كالرفع من الركوع، والجلوس بين السجدتين (١).
• وجه القول بالسجود:
أنه عرض له التردد في جزء من صلاته، فشرع له سجود السهو.
وقيل: إن كان ما فعله من وقت عروض الشك إلى زواله لابد له من فعله على كل تقدير لم يسجد للسهو، وإن أتى به مع احتمال كونه زائدًا سجد.
مثاله: شك في قيامه من الظهر أن تلك الركعة ثالثة أم رابعة فركع وسجد على هذا الشك، وهو عازم على القيام إلى ركعة أخرى أخذًا باليقين، ثم تذكر قبل القيام إلى الأخرى أنها ثالثة أو رابعة فلا يسجد؛ لأن ما فعله على الشك لابد منه على التقديرين، فإن لم يتذكر حتى قام، سجد للسهو، وإن تيقن أن التي قام إليها رابعة؛ لأن احتمال الزيادة وكونها خامسة كان موجودًا حين قام، وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية، وبه قال القفال والشيخ أبو علي والبغوي وآخرون وصححه الرافعي والنووي (٢).
стр. 7543
• الراجح:
إذا ترددنا في مشروعية سجود السهو، فالأصل عدم مشروعية السجود، وسجود السهو ثبت جابرًا بالشرع، إما ليقين زيادة، أو نقص، أو للشك في حصول أحدهما، واستمرار هذا الشك مع المصلي، فإذا زال السبب، زال المسبب، والله أعلم.
стр. 7544
المبحث السابع حكم الشك بعد السلام
المدخل إلى المسألة:
• إذا فَرَغَت الذمة بيقين لم تعمر بالشك.
• إذا شك بعد الفراغ من العبادة فقد تعارض الأصل والظاهر، فيقدم الأقوى منهما، وليس لذلك قاعدة مطردة.
• ما شك في فعله بعد الفراغ من العبادة، فالأصل أنه لم يأت به، والظاهر جريان أفعال المكلفين على الصحة؛ فرجح الظاهر على الأصل لقوته، ولضعف الشك.
• لو كلف المصلي أن يكون ذاكرًا لما صلى بعد الفراغ من صلاته لتعذر ذلك عليه، ولم يطقه أحد من الناس، والحرج مدفوع عن هذه الملة.
• طرح الشك بعد الفراغ من العبادة سد لباب الوسوسة المذمومة.
• المشقة تجلب التيسير.
وقيل:
• لا فرق بين أن يشك في كامل الصلاة، هل صلى أم لا، فتجب عليه الصلاة، وبين أن يشك في بعضها.
• الصلاة واجبة بيقين، ومع قيام الشك لم يخرج من العهدة.
[م- ٩٠٧] اختلف الفقهاء في الرجل يسلم من صلاته، وهو متيقن من إتمامها، ثم يحصل له شك في ترك ركن أو ركعة منها،
فقيل: لا شيء عليه، وصلاته صحيحة، ولا أثر للشك بعد السلام مطلقًا، وهو
стр. 7545
مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية، بل قال الحنفية: لو شك بعد الفراغ من التشهد فلا شيء عليه؛ لأن المقصود بالفراغ منها الفراغ من أركانها، سواء كان قبل السلام أو بعده (١).
قال القرافي: «لو شك بعد الصلاة في ترك فرض منها، فلا يؤثر على المشهور» (٢).
واستثنى الشافعية الشك في النية، أو في تكبيرة الإحرام، فتلزمه الإعادة (٣).
وقيل: الشك بعد السلام يؤثر في صحة الصلاة، ويوجب الاستئناف، وهو أرجح القولين في مذهب المالكية (٤).
قال الدسوقي: «إن شك بعد أن سلم على يقين، فقال الهواري: اختلف فيه، فقيل: يبني على يقينه الأول، ولا أثر للشك الطارئ بعد السلام، وقيل: إنه يؤثر، وهو الراجح» (٥).
وقيل: إن كان الفاصل قريبًا بنى على اليقين، وإن طال استأنف، وهو قول في
стр. 7546
مذهب الشافعية (١).
وقيل: إن قرب الفصل وجب البناء، وإن طال فلا شيء عليه، وهو قول ثالث في مذهب الشافعية (٢).
فتحصل من الخلاف أربعة أقوال، وملخصها كالآتي:
لا يؤثر الشك بعد السلام مطلقًا، وهو قول الجمهور، وأحد القولين في مذهب المالكية.
يؤثر مطلقًا، وهو الراجح عند المالكية.
إن طال الفاصل استأنف، وإلا بنى، وهو قول في مذهب الشافعية.
إن طال الفاصل فلا شيء عليه، وإلا بنى، وهو قول ثالث للشافعية.
هذه هي الأقوال في المسألة، فَتَعَالَ إلى أدلتها، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
• وجه من قال: لا أثر للشك على صحة الصلاة:
الوجه الأول:
أن المصلي قد تعارض عنده الأصل والظاهر: فقدم الظاهر لقوته.
قال ابن رجب: «إذا شك بعد الفراغ من الصلاة، أو غيرها من العبادات في ترك ركن منها؛ فإنه لا يلتفت إلى الشك، وإن كان الأصل عدم الإِتيان به، وعدم براءة الذمة؛ لكن الظاهر من أفعال المكلفين للعبادات أن تقع على وجه الكمال؛ فرجح هذا الظاهر على الأصل» (٣).
قال في المنثور في القواعد: «لو شك بعد الصلاة في ترك فرض منها، لم يؤثر على المشهور؛ لأن الظاهر جريانها على الصحة، وإن كان الأصل عدم إتيانه به، وكذا حكم غيرها من العبادات كالوضوء، والصوم، والحج» (٤).
стр. 7547
الوجه الثاني:
ولأنه سلم متيقنًا فراغ ذمته، فلا تعمر بمجرد الشك، ولا يقوى الشك على رفع اليقين السابق، ولأن سبب السهو الشك، وشرطه أن يقع في الصلاة، فإذا وقع خارج الصلاة، فلا عبرة به.
الوجه الثالث:
ولأن المصلي لو كلف أن يكون ذاكرًا لما صلى بعد الفراغ من صلاته لتعذر ذلك عليه، ولم يطقه أحد من الناس، ولفتح باب الوساوس، ولم يسلم أحد من إعادة الصلاة أكثر من مرة.
• وجه من قال: الشك في النية وفي تكبيرة الإحرام يفسد الصلاة:
إذا شك المصلي في النية أو في تكبيرة الإحرام بعد السلام فقد شك في انعقاد الصلاة الشرعية، والأصل عدمه حتى يتيقن، وقياسًا على ما لو شك أن ما صلاه ظهر أو عصر، وقد فاتتاه لزمه إعادتهما جميعًا، وقياسًا على ما إذا شك هل صلى أم لا، فالأصل عدم الصلاة.
• دليل من قال يبني على اليقين إن قرب الفاصل، وإلا استأنف:
الدليل الأول:
القياس على ما لو شك، هل صلى أم لا، فإنه يجب عليه أن يصلي، فكذلك إذا شك هل صلى ركعة أم لا بعد السلام فيجب عليه أن يصلي، فلا فرق بين أن يشك في كامل الصلاة فتجب عليه الصلاة، وبين أن يشك في بعضها.
ولأن الصلاة واجبة بيقين، ومع قيام الشك لم يخرج من العهدة؛ فلم يفعل المقصود به.
وأما وجوب الاستئناف إذا طال الفصل: فذلك لأن أفعال الصلاة يشترط فيها الموالاة؛ لارتباط بعضها ببعض، فهي عبادة واحدة لا يجوز تفريقها، وكل ما يشترط الولاء بين أفعاله فالفاصل الطويل يقطعه، لأن ذلك يقطع نظم الصلاة، وإنما اغتفر ذلك بالفاصل القصير؛ للعذر؛ ولأن الاحتراز منه يعسر.
• ونوقش:
الفرق بين الشك في أداء الصلاة والشك في أركانها من وجهين:
стр. 7548
الأول: أن الشك في أركان الصلاة يكثر، فعفي عنه نفيًا للحرج، بخلاف الشك في أداء الصلاة.
الثاني: أن الشك في أركان الصلاة حدث بعد تيقن انعقاد الصلاة، والظاهر استمرارها على الصحة بخلاف الشك في فعل الصلاة فإنه شك هل دخل في الصلاة أم لا، والأصل عدم الدخول (١).
الدليل الثاني:
إذا شك، ولو بعد السلام، فالأصل عدم الفعل فيتدارك المشكوك فيه وما بعده، ويسجد للسهو، ولا يعارضه قولهم: الظاهر أن صلاته على التمام؛ لأن الأصل مقدم على الظاهر؛ فالأصل مستمد من الأدلة، وقواعد الشريعة، كقولهم: الأصل في الماء الطهارة، والأصل في الفروج التحريم، وهذا الأصل صفته الثبوت والدوام، بخلاف الظاهر فإنه مأخوذ من واقع الحال، كقولهم في ثياب الكفار: الظاهر أنهم لا يتقون النجاسات، وهذا الواقع يتغير، فقد يكون الظاهر في مكان يختلف عن الظاهر في مكان آخر، فإذا تعارض الأصل مع الظاهر، قدم الأصل، والله أعلم.
• ويناقش:
هناك مسائل قد يقدم فيها الظاهر على الأصل بغير خلاف وذلك لقوته.
قال ابن رجب في القواعد: «إذا تعارض الأصل والظاهر، فإن كان الظاهر حجة يجب قبولها شرعًا كالشهادة، والرواية، والإخبار فهو مقدم على الأصل بغير خلاف» (٢).
ومما يترجح فيها الظاهر على الأصل على الصحيح غسل آنية الكفار قبل استعمالها، ففي حديث أبي ثعلبة الخشني في الصحيحين، قال ﷺ : فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها.
فأمر النبي ﷺ بغسلها إن لم يوجد غيرها، وغسلها قبل استعمالها مبني على ترجيح الظاهر على الأصل، فالأصل في آنيتهم الطهارة، ولما أمرنا بغسلها كان
стр. 7549
ذلك ترجيحًا للظاهر على الأصل؛ لأن الظاهر عدم توقيهم النجاسة.
وكذلك النوم ليس حدثًا بنفسه بل هو مظنة للحدث على الصحيح، فإذا نام الإنسان، وهو طاهر فالأصل بقاء طهارته حتى نتيقن الحدث، والظاهر أن النوم مظنة لخروج الريح من غير علمه، فَجَعْلُ النوم بمنزلة الحدث، من باب تقديم الظاهر على الأصل.
الدليل الثالث:
إذا تيقن المصلي ترك ركن في الصلاة لم يفرق فيه بين كونه تذكر ذلك قبل السلام أو بعده، فإذا أعطي الشك حكم اليقين قبل السلام، فليعط حكمه بعد السلام، فإن الشك في النقص كتحققه.
• ويناقش:
الشك أضعف من اليقين مطلقًا، وأعطي حكم اليقين أثناء الصلاة احتياطًا للعبادة، فإذا انصرف، وهو على يقين أن صلاته تامة، لم يؤثر فيه شك طارئ بعد ذلك؛ لضعف الشك في مقابل اليقين، ولأنه تيقن براءة ذمته حين سلم، فلا يرفع اليقين إلا يقين مثله.
• دليل من قال: إذا شك بعد طول الفصل فلا شيء عليه:
إذا لم يعرض الشك للإنسان إلا بعد طول الفصل فإن هذا الشك من قبيل الوهم، لا حقيقة له، فلا يلتفت إليه، وذلك لأن الإنسان بعد طول المدة تكثر تردداته وشكوكه فيما مضى من أفعاله، فلو فتح هذا الباب لفتح باب من الوساوس والأوهام، ولم يسلم أحد من إعادة الصلاة.
• الراجح:
أن المصلي إذا سلم متيقنًا من تمام صلاته فلا يعارض هذا اليقين شك طارئ بعد السلام، والله أعلم.
стр. 7550
الباب السادس في سهو الإمام والمأموم
الفصل الأول في سجود المأموم لسهو إمامه
المبحث الأول إذا سها الإمام والمأموم غير مسبوق
المدخل إلى المسألة:
• كل نقص يدخل صلاة الإمام بسبب السهو فإنه يتعدى إلى صلاة المأموم، خاصة إذا أدرك المأموم سهو إمامه.
• كل سجود مشروع للإمام قبل السلام فإنه يلزم المأموم؛ لوجوب متابعته، والنهي عن الاختلاف عليه.
• الإمام متبوع، والمأموم تابع، ويجب على التابع ما يجب على الأصل.
[م- ٩٠٨] إذا سها الإمام، والمأموم غير مسبوق سجد معه المأموم، سواء أسجد الإمام قبل السلام أم سجد بعده، وسواء أشارك المأموم الإمام بالسهو أم انفرد الإمام بالسهو، فإن ترك موافقته عمدًا بطلت صلاته، وحكي إجماعًا (١).
стр. 7551
واستثنى الشافعية صورتين:
الأولى: إذا بان الإمام محدثًا، فلا يسجد المأموم لسهوه.
الثانية: أن يعلم سبب سهو الإمام، ويتيقن غلطه، كما لو ظن الإمام ترك بعض الأبعاض مما يشرع لتركها السجود، وعلم المأموم أنه لم يتركه (١).
واستبعد تصوره بعض الشافعية، قائلًا: كيف يعلم المأموم أن الإمام يسجد لذلك؟
وأجيب: بأن يغلب على ظنه أن يسجد لذلك، وهو كاف.
• والدليل على وجوب سجود السهو على المأموم لسهو إمامه:
لحديث أبي هريرة مرفوعًا: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا … الحديث (٢).
وقال ابن المنذر: «أجمعوا على أن المأموم إذا سها أمامه أن يسجد معه» (٣).
وقال في الأوسط: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المأموم إذا سها الإمام في صلاته وسجد، أن يسجد معه» (٤).
ولأن الإمام متبوع، والمأموم تابع، ويجب على التبع ما يجب على الأصل.
قال الماوردي: «ولأنه لو سها خلف إمامه سقط عنه حكم السهو؛ لكمال صلاة إمامه، فاقتضى أن يدخل النقص في صلاته؛ بدخول النقص في صلاة إمامه» (٥). والله أعلم.
وقال ابن سيرين: «إذا سها الإمام وحده لم يسجد المأموم».
قال النووي: «ذكرنا أن مذهبنا أن الإمام إذا سها، وسجد للسهو، لزم المأموم السجود معه قال الشيخ أبو حامد وبهذا قال العلماء كافة إلا ابن سيرين، فقال: لا يسجد معه، هكذا حكاه الشيخ أبو حامد عن ابن سيرين.
وقال القاضي أبو الطيب: إذا أدرك المأموم بعض صلاة الإمام، ثم سها الإمام،
стр. 7552
فسجد للسهو، لزم المأموم متابعته في السجود، قال: وبهذا قال كافة العلماء، إلا ابن سيرين، فقال: لا يسجد؛ لأنه ليس موضع سجود المأموم.
دليلنا قوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به) إلخ» (١).
وفرق بين نقل الشيخ أبي حامد، ونقل القاضي أبي الطيب، فالأول نفي لسجود المأموم بالكلية، والثاني: اختلاف في موضع السجود، وفي حق المسبوق فقط.
• والراجح: قول الجمهور، والله أعلم.
стр. 7553
المبحث الثاني إذا سها الإمام والمأموم مسبوق
المدخل إلى المسألة:
• إذا سها الإمام، وأدرك المأموم سهوه لحق المأموم حكم السهو.
• إذا سجد الإمام للسهو قبل السلام وجب على المأموم متابعته، أدرك سهوه أم لا.
• إذا سها المأموم خلف إمامه سقط عنه حكم السهو؛ لكمال صلاة إمامه.
• إذا لم يدرك المسبوق سهو إمامه، وسجد إمامه بعد السلام، فأكثر العلماء على أنه يلحقه حكم السهو إذا قضى صلاته، وقيل: لا، وهو الأقرب.
• الخلاف في سجود المسبوق إذا لم يدرك سهو إمامه راجع إلى الاختلاف فيما يصليه المسبوق، أهو يقضي ما فاته فينسحب عليه حكم الإمام، أم يبني على ما صلى فيكون فيه في حكم المنفرد؟ الراجح الثاني لرواية: (وما فاتكم فأتموا).
[م- ٩٠٩] اختلف الفقهاء في الإمام يسهو، وقد فات المأموم بعض الصلاة، وقبل الدخول في المسألة أذكركم اختلاف الفقهاء في محل السجود:
فالحنفية يرون أن السنة في السجود كله أن يكون بعد السلام، ويجزئ قبله.
والشافعية عكس مذهب الحنفية.
والمالكية والحنابلة ذهبوا إلى أن بعض السهو يسجد له قبل السلام، وبعضه يسجد له بعد السلام على خلاف بينهم في تعيينها، في تفصيل سبق بحثه.
فإذا قال الحنفية: يسجد مع الإمام فالمقصود بذلك بعد السلام.
وإذا قال الشافعية: يسجد مع الإمام فيقصدون به قبل السلام، وهكذا، إذا انتبهت إلى ذلك نأتي لبيان اختلاف فقهائنا عليهم رحمة الله، ولما كانت الأقوال تحمل تفصيلات قد يتشعب بها البحث أردت أن أوجز لك الخلاف، ثم أنتقل إلى
стр. 7554
تفصيلها دفعًا للاستدراك، وحبًا في فهم القول بجميع تفصيلاته.
فقيل: المأموم يسجد مع الإمام، وهو مذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة، على اختلاف بينهم، هل يعيد السجود في آخر صلاته؟
فقال الشافعي في الجديد: سجود المسبوق ليس للسهو، وإنما من أجل المتابعة، فيعيد السجود في آخر صلاته، وهو رواية عن أحمد.
وقال الحنفية: سجود المسبوق للسهو، فلا يعيده في آخر صلاته، وهو رواية عن الإمام أحمد، والقديم من قول الشافعي.
وقال إسحاق: «الذي نختار: كلما كان على الإمام (يقصد سهوًا)، وكان من خلفه مسبوقًا ببعض الصلاة؛ قام فقضى، ثم سجد؛ فذلك أحب إلينا … وإن سجدهما مع الإمام ثم قضى رجونا أن يكون جائزًا؛ لِمَا فعله عدَّةٌ من التابعين» (١).
وقال المالكية: إن أدرك معه أقل من ركعة لم يسجد مطلقًا، سواء أكان السجود قبليًا أم بعديًا؛ لأنه إذا لم يدرك صلاة الإمام لم يلحقه السهو. وإن أدرك المسبوق مع الإمام ركعة، فإن كان سجود الإمام قبل السلام سجد معه، ولو لم يدرك سهو الإمام، ويكفيه، ولا يعيده في آخر صلاته، وإن كان السجود بعد السلام لم يسجد معه، وسجد في آخر صلاته، هذا هو المعتمد في مذهب المالكية.
هذه هي الأقوال المعتمدة في المذاهب الأربعة، وفيها أقوال أخرى على خلاف المعتمد نتعرض لها بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
فإذا عرفت الأقوال الفقهية مجملة، وتصورتها، ننتقل إلى تفصيلها، مع ذكر أدلة كل قول، ومناقشة الأدلة ما أمكن.
القول الأول:
قال الحنفية: المسبوق يسجد مع إمامه، ولو لم يدرك سهوه، ويكفيه عن السجود في آخر صلاته، ولا يتابعه في السلام، فإذا سجد للسهو تابعه في سجود السهو، لا في سلامه، فإذا سلم الإمام قضى ما فاته، فإن سلم مع إمامه عامدًا فسدت
стр. 7555
صلاته، وإلا فلا (١).
• وجه كونه يسجد مع الإمام:
لأن المسبوق يصلي مع الإمام آخر صلاته عند الحنفية، موافقين قول الجمهور خلافًا لقول الشافعية.
(ح-٢٦٥٥) لما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا (٢).
[صحيح] (٣).