والقضاء لا يكون إلا للفائت، ولو لم يسجد المسبوق مع الإمام لم يقع سجود السهو في آخر صلاته، وهذا خلاف السنة.
• وتعقب من وجهين:
الأول: قول البيهقي: «والذين قالوا: (فأتموا) أكثر وأحفظ وألزم لأبي هريرة ﵁، فهو أَوْلى، والله أعلم» (١).
وقال أبو داود: «قال الزبيدي، وابن أبي ذئب، وإبراهيم بن سعد، ومعمر، وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري: وما فاتكم فأتموا.
стр. 7567
وقال ابن عيينة عن الزهري وحده: فاقضوا».
وقد رواه ابن أبي ذئب ومعمر على الوجهين، كما علمت، والله أعلم.
وقد روى البيهقي بإسناده عن أحمد بن سلمة، قال: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: «لا أعلم هذه اللفظة رواها عن الزهري غير ابن عيينة: (واقضوا ما فاتكم). قال مسلم: أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة» (١).
وهذا الكلام من الإمام مسلم يعلُّ رواية ابن عيينة، عن الزهري، ولا يمنع ثبوت هذه اللفظة من غير طريق الزهري، وقد خرجها مسلم في صحيحه، والله أعلم.
الوجه الثاني:
أن القضاء يأتي بمعنى الإتمام، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].
وقال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي أتمهن وأكملهن.
والصحيح أن ما يدركه المصلي أول صلاته؛ لاتفاق العلماء على أن تكبيرة الإحرام هو في افتتاح الصلاة، ولا يكون ذلك إلا في الركعة الأولى.
ولاتفاقهم أن المدرك ركعة مع الإمام من صلاة الفجر يقضي ركعة بجلسة وتشهد، وسلام، ولو كان يقضي الركعة الأولى لم يجلس فيها، ولم يتشهد، ولم يسلم، وسوف تأتينا هذه المسألة إن شاء الله تعالى في باب الإمامة والائتمام، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
وأما دليل الحنفية في كونه يكفيه سجوده مع الإمام: فلأنه لا يسجد عن سهو واحد مرتين.
وأما الدليل على كونه لا يتابعه في السلام: فلأن السلام يخرج به المسبوق من الصلاة، وهذا لا يكون إلا بعد إتمام الصلاة،
(ح-٢٦٥٦) لما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية،
стр. 7568
عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (١).
فإذا سلم المسبوق عمدًا فقد أفسد صلاته؛ لكونه تحلل منها قبل إتمامها.
فإن قيل: كيف يسجد معه، وهو لا يتابعه في السلام؟
فالجواب: قال السرخسي: «إن سجود السهو وجب على الإمام لعارض في صلاته، فيتابعه المسبوق فيها كما يتابعه في سجدة التلاوة.
ولأنه … ما دام الإمام مشغولًا بواجب من واجبات الصلاة مُؤَدِّيًا في حرمة الصلاة لا يمكنه أن يقوم إلى القضاء، فعليه متابعة الإمام فيها، وإن لم يفعل سجد في آخر صلاته استحسانًا، وفي القياس لا يسجد؛ لأن وجوب هذه السجدة عليه في حالة الاقتداء، وقد صار منفردًا فيما يقضي، وكان هذا بمنزلة ما لو اشتغل بصلاة أخرى؛ لأن حكم صلاة المنفرد مخالف لحكم صلاة المقتدي.
ووجه الاستحسان في ذلك: أنه يبني ما يقضي على تلك التحريمة، وهو بعد القضاء منفرد في الأفعال، مقتد في التحريمة، حتى لا يصح اقتداء الغير به فلهذا يسجد لذلك السهو» (٢).
فإن قيل: ينبغي ألا يسجد المسبوق مع الإمام؛ لأنه ربما يسهو فيما يقضي فيلزمه السجود أيضًا فيؤدي إلى تكرار سجود السهو، وهو غير مشروع.
فالجواب: أن التكرار في صلاة واحدة غير مشروع، وهما صلاتان حكمًا وإن كانت التحريمة واحدة؛ لأن المسبوق فيما يقضي كالمنفرد، ونظيره المقيم إذا اقتدى بالمسافر فسها الإمام يتابعه المقيم في السهو، وإن كان المقتدي ربما يسهو في إتمام صلاته، فيسجد مرة أخرى.
• ويناقش:
ما يدركه المسبوق محل خلاف بين العلماء، والأصح أن ما يدركه مع الإمام
стр. 7569
هو أول صلاته لرواية البخاري ومسلم (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (١).
فإذا سجد الإمام للسهو بعد السلام، إما لأنه يرى أن سجود السهو كله بعد السلام كالحنفية، أو لأنه يرى السجود بعد السلام في بعض أنواع السهو، فإذا سلم الإمام من صلاته انقطعت المتابعة الواجبة بين المسبوق وإمامه، فلو سجد المسبوق يكون قد سجد للسهو في أثناء صلاته، في وقت لا يكون ترك السجود مع الإمام اختلافًا عليه، فالواجب: أن يقوم المسبوق ليأتي بما بقي عليه من الصلاة، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته، حتى يكون سجود السهو في محله، وليس في أثناء الصلاة، وسوف أتعرض لمسألة ما يدركه المسبوق في باب الإمامة والائتمام بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
القول الثاني:
قال المالكية: إن أدرك المسبوق مع الإمام أقل من ركعة لم يسجد لسهو إمامه مطلقًا، لا في السجود القبلي، ولا في السجود البعدي، فإن سجد عامدًا بطلت صلاته، وإن أدرك مع الإمام ركعة، فإن سجد الإمام قبل السلام سجد معه، ولو لم يدرك سهو إمامه، ويكفيه، ولا يعيده في آخر صلاته، وهو المشهور (٢).
وإن كان سجوده بعد السلام لم يسجد المسبوق معه، ثم إن شاء جلس حتى يفرغ إمامه من السجود، فيقوم للقضاء، وإن شاء قام بعد سلام الإمام (٣).
стр. 7570
• وجه التفريق بين السجود القبلي والبعدي:
لحديث أبي هريرة مرفوعًا: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا … الحديث (١).
فالمأموم إذا لم يتابع إمامه في السجود قبل السلام يعد اختلافًا عليه، وهذا منهي عنه، وإذا كان يتابعه فيما لا يعتد به في صلاته، كما لو أدركه ساجدًا، فإنه يسجد معه، ولا يعتد بالسجود من صلاته، فأحرى أن يتابعه هاهنا.
وإذا تابعه في سجود السهو كفاه عن السجود في آخر صلاته؛ لأنه لا يسجد عن سهو واحد مرتين.
وإن كان سجود الإمام بعد السلام لم يسجد إلا بعد قضائه ما عليه؛ لأن الإمام خرج من الصلاة بالتسليم، فلو سلم المسبوق معه خرج من صلاته قبل الفراغ منها، ولم يكن في ترك المأموم للسجود معه مخالفة على الإمام لانقطاع المتابعة بالتسليم (٢).
وأما كونه إذا أدرك أقل من ركعة، لا يسجد مطلقًا، لا في القبلي، ولا في البعدي.
(ح-٢٦٥٧) فلما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
стр. 7571
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (١).
فمفهومه: أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، فهو في حكم المنفرد، فليس بمأموم حقيقة، حتى يلزمه السجود لسهو الإمام، فإذا سجد في هذه الحالة فقد أدخل في صلاته ما ليس منها.
القول الثالث:
قال الشافعية إذا سها الإمام قبل الاقتداء أو بعده لحق المأموم حكم سهوه على الأصح، فإن سجد الإمام سجد معه المأموم متابعة، وهل يعيد سجود السهو في آخر صلاته؟ قولان: الأصح منهما يعيد السجود، وهو الجديد، وقال في القديم: لا يعيد (٢).
وقيل: إذا لم يدرك المسبوق سهو إمامه لم يلحقه حكم السهو، فإن سجد الإمام قبل السلام سجد معه اتباعًا له، فإذا قام لقضاء ما فاته لم يعد السجود، وإن سجد الإمام بعد السلام، لم يسجد معه في الحال، ولا في آخر الصلاة وهو وجه في مذهب الشافعية في مقابل الأصح (٣).
قال النووي في المجموع: «إذا سها الإمام قبل اقتداء المأموم، فوجهان، الصحيح المنصوص أنه يلحقه حكم سهوه، فعلى هذا إن سجد الإمام سجد معه، وهل يعيد المسبوق في آخر صلاته؟ فيه القولان، أصحهما: يعيده» (٤).
стр. 7572
• وجه القول بأن المسبوق يسجد مع الإمام إن سجد:
قبل أن نعرض دليل الشافعية، ينبغي أن نتذكر في مذهب الشافعية مسألتين:
المسألة الأولى: أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخرها.
المسألة الثانية: أن سجود السهو كله عندهم قبل السلام.
فإذا سها الإمام، سواء أكان ذلك قبل اقتداء المأموم أم كان بعده، فإن الإمام إذا سجد قبل السلام، وجب على المأموم السجود معه متابعة، حتى لا يختلف عليه، وهذا السجود من المأموم واجب للمتابعة بخلاف سجود السهو فهو سنة عند الشافعية، وليس هذا موضعه في صلاة المأموم.
ويستحب أن يعيده المأموم في آخر صلاته على الأصح، وإنما كان مستحبًا لأن سجود السهو عندهم ليس بواجب، وكان في آخر صلاته لأنه محل سجود السهو.
وشرع للمسبوق السجود لسهو إمامه، ولو كان قبل اقتدائه: لأن أي خلل يلحق صلاة الإمام يتعدى إلى صلاة المأموم دون عكسه.
وأما وجه القول الثاني: أن المسبوق لا يلزمه سهو إمامه قبل الاقتداء:
فذلك لأن ما فاته من الصلاة مع الإمام لم يكن بينه وبين الإمام رابطة الاقتداء، فالركعات التي سبقه فيها الإمام سوف يصليها المسبوق منفردًا، وهي سالمة من النقص، فهو في حكم المنفرد فيها، ولو سها فيها حين يقضيها لزمه سجود السهو، ولم يتحمل الإمام سهوه، فلو كان يلزمه سهو إمامه لكان إذا سها فيها حال قضائها تحملها عنه الإمام، فكل ركعة لا يتحمل الإمام فيها سهو المسبوق، لا يتحمل المسبوق سهو إمامه فيها؛ لانفكاك الاقتداء فيها.
ولأنه قد تقرر عند الشافعية أنه لو استفتح الصلاة منفردًا، فصلى ركعة، وسها فيها ثم لحق بصلاة الإمام بالنية، وبنى على تكبيرة الإحرام منفردًا، جاز البناء على ما صلاه منفردًا عند الشافعية، ولم يسقط عنه حكم هذا السهو باتباع إمامه، فكذلك لا يلزمه سهو إمامه قبل الاقتداء به، فعلى هذا إن سجد الإمام قبل السلام سجد معه اتباعًا له، فإذا قام معه لقضاء ما فاته لا يعيد السجود، وإن سجد الإمام بعد السلام
стр. 7573
لم يسجد معه في الحال، ولا في آخر الصلاة (١).
وعندي ما هو أوضح من هذا الاستدلال الذي استدل به الشافعية، وهو أن ما يصليه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته كما قرره الشافعية خلافًا للجمهور، لحديث: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فلم يلحقه سهو الإمام فيما لم يدركه، وإنما يجري عليه سهو الإمام فيما يدركه لو كان يقضي ما فاته فيكون حكم الإمام منسحبًا عليه، أما إذا كان بانيًا فيما يقضيه، وهو الصحيح فيكون كالمنفرد، فلم يدخل النقص على صلاة المسبوق، والله أعلم.
القول الرابع:
في مذهب الحنابلة عدة روايات، منها:
قال الحنابلة في المشهور من المذهب: يسجد المسبوق إذا سجد إمامه مطلقًا، سواء أدرك سهوه معه أم لم يدركه، وسواء سجد الإمام قبل السلام، أم سجد بعده، فإذا سجد الإمام بعد السلام لم يتابعه في السلام، وسجد معه، ثم قضى ما فاته، وهل يعيد سجود السهو في آخر صلاته، فيها روايتان عن الإمام أحمد:
أحدهما: يعيد، وصححها القاضي أبو يعلى؛ لأن محله آخر صلاته، وإنما سجد معه متابعة.
والثانية: لا يعيد؛ لأنه قد سجد، وانجبرت صلاته، وهذه الرواية ظاهر المذهب (٢).
قال صاحب الإنصاف: «أصلهما، هل يسجد المأموم لسهو إمامه، أو لمتابعته، فيه روايتان» (٣).
وهما مخرجان على توصيف ما يدركه المسبوق مع الإمام، أهو أول صلاته، فيكون سجوده مع الإمام في غير موضعه، وإنما وجب متابعة، أو ما يدركه هو آخر
стр. 7574
صلاته، فيكون سجوده مع الإمام في محله، فلا حاجة إلى إعادته، والله أعلم.
وقيل: يسجد معه إن سجد قبل السلام، وإلا قضى بعد سلام إمامه ثم سجد، وهذا القول رواية عن أحمد، وهي موافقة لتفصيل المالكية، إلا أن المالكية يشترطون إدراك ركعة فأكثر خلافًا لهذه الرواية (١).
لأن سجود الإمام قبل السلام يوجب على المأموم متابعته، فيسجد معه لسهوه، وأما بعد السلام فقد تحلل الإمام، وجاز للمأموم الاختلاف عليه، فلا يسجد إلا في آخر صلاته، والله أعلم.
وقيل: يقضي ثم يسجد، سواء سجد إمامه قبل السلام أو بعده. وهذا القول رواية ثالثة في مذهب الحنابلة (٢).
باعتبار أن سجود المسبوق للسهو، وهذا لا يكون في أثناء الصلاة، بل يجب أن يكون في موضعه وقبل تحلله من الصلاة.
وقيل: يخير المأموم إن شاء سجد مع الإمام، وإن شاء أخر سجوده إلى آخر صلاته. وهو رواية رابعة (٣).
وهذه الروايات الأربع كلها تذهب إلى أن المأموم يسجد لسهو إمامه، ولو لم يدركه، سواء قلنا: يلزمه السجود، أو قلنا: بالتخيير.
باعتبار أن المسألة لا نص فيها، ولكل قول من القولين وجه، فإن سجد باعتبار أن ما يدركه المسبوق آخر صلاته صح، وإن سجد في آخر صلاته باعتبار أن ما يدركه المسبوق أول صلاته فكذلك، والله أعلم.
وحكى ابن قدامة في الكافي رواية عن الإمام أحمد أنه إن سجد الإمام بعد السلام أنه لا سجود على المسبوق فيما لم يدركه (٤).
وهذه الرواية توافق إحدى الروايتين في المذهب الشافعي.
стр. 7575
• الراجح:
أن المسبوق إن سجد إمامه قبل السلام سجد معه مطلقًا؛ سواء أدرك سهو إمامه أم لم يدركه؛ للنهي عن الاختلاف عليه، فكما أن المسبوق يجلس في غير موضع جلوسه، ويدع الجلوس في موضع جلوسه متابعة لإمامه كما لو سبقه الإمام بركعة، فكذلك إذا سجد الإمام للسهو قبل السلام فإنه يسجد معه.
وإن سجد الإمام بعد السلام لم يسلم معه، فإن كان أدرك سهو إمامه لحقه حكم السهو، وآخر سجوده لآخر صلاته، والله أعلم.
стр. 7576
الفصل الثاني في سجود المأموم إذا سها إمامه ولم يسجد
المدخل إلى المسألة:
• إذا لم يسجد الأصل فالتابع أولى.
• إذا كان المأموم يترك التشهد الأول متابعة لإمامه، فكذلك يترك سجود السهو لترك الإمام له من باب أولى.
• إساءة الإمام لا تتعدى إلى المأموم، لقوله ﷺ يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم، رواه البخاري.
• لو صح سجود المأموم وحده؛ لسهو إمامه لأوجبنا السجود على المأموم إذا سها وحده مع إمامه من باب أولى خاصة بعد سلام الإمام وانقطاع المتابعة.
• اتفق الأئمة الأربعة على أن المأموم لو سها وحده ولم يكن مسبوقًا لم يشرع له السجود، ويتحمل الإمام عنه ذلك خلافًا لمكحول وابن حزم، فكذلك إذا سها الإمام وحده وترك السجود.
[م-٩١٠] اختلف العلماء في سجود الإمام لسهو إمامه إذا لم يسجد الإمام:
فقيل: إذا سها الإمام فلم يسجد، لم يسجد المأموم، وهذا مذهب الحنفية، واختاره المزني، والبويطي، وأبو حفص بن الوكيل من الشافعية، وإحدى الروايتين عن أحمد، اختارها جماعة من أصحابه، كالخرقي، والمجد وغيرهما، وبه قال عطاء وإسحاق وغيرهم (١).
стр. 7577
وقيل: يسجد المأموم، وهو مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، وأصح الروايتين عن الإمام أحمد، قال في الفروع: سجد على الأصح (١).
قال النووي: «ولو ترك الإمام السجود لسهوه، سجد المأموم على الصحيح المنصوص» (٢).
قال في الإنصاف: «وحيث قلنا: يسجد المأموم إذا لم يسجد إمامه، فمحله بعد سلام إمامه، وألا ييأس من سجوده ظاهرًا؛ لأنه ربما ذكر، فسجد، وقد يكون ممن يرى السجود بعد السلام، فلا يعلم أنه تارك إلا بذلك» (٣).
ووجه بعض الحنابلة اختلاف الروايتين عن الإمام أحمد، فقال: «الخلاف فيما إذا لم يسه المأموم، فإن سَهَوا معًا، ولم يسجد الإمام سجد المأموم رواية واحدة؛ لئلا تخلو الصلاة عن جابر» (٤).
قلت: لو خص ذلك بالمسبوق لكان له وجه، وأما غير المسبوق إذا سهوا معًا
стр. 7578
فهو كما لو انفرد الإمام بالسهو، ولا عبرة بسهو المأموم.
إذا عرفت الأقوال نأتي على ذكر الأدلة.
• دليل الحنفية على سقوط السجود على المأموم:
أن المأموم لم يسه، وإنما سها الإمام، وسجوده معه كان للمتابعة، فإذا لم يسجد المتبوع فالتابع أولى، وحتى لو سها المأموم مع إمامه لا يسجد دون الإمام؛ لأنه لو سجد وحده كان مخالفًا لإمامه، وقد أمرنا بمتابعته، وعدم الاختلاف عليه.
ويمكن الاستدلال له: بأن سجود السهو إما أن يكون واجبًا أو مستحبًا:
فإن كان مستحبًا فإذا تركه الإمام تركه المأموم من أجل واجب المتابعة.
وإن كان سجود السهو واجبًا، فواجب المتابعة مقدم عليه قياسًا على ترك المأموم التشهد متابعة لإمامه إذا تركه.
والدليل على أن واجب المتابعة مقدم على غيره، أرأيت المسبوق بركعة إذا دخل مع الإمام، فصلى مع الإمام ركعة، فجلس الإمام وجب على المأموم الجلوس معه، وإن لم يكن موضعًا لجلوسه من أجل واجب المتابعة، وإذا صلى الإمام الركعة الثالثة كانت في حق المسبوق الركعة الثانية، ومع ذلك يدع القعدة الأولى والتشهد لواجب المتابعة، ولا يلزمه سجود سهو، فإذا ترك الإمام سجود السهو، وقلنا: سجود السهو واجب، فإنه يسقط لواجب المتابعة، فإذا كان المأموم يتابع إمامه، ولو تغيرت هيئة الصلاة، بأن زاد فيها ما ليس منها، وترك فيها ما هو منها، فكيف لا يدع سجود السهو، مع النزاع القوي في وجوبه، فالمالكية في المعتمد، والشافعية لا يرون سجود السهو واجبًا.
وقد قاسه ابن الوكيل على ترك الإمام للتشهد إذا قام إلى الثالثة، فإن المأموم يقوم معه، فكذلك يترك سجود السهو لترك الإمام له (١).
• ونوقش:
بأن سجود المأموم بعد سلام الإمام لا يعد اختلافًا على الإمام؛ لأن فرض
стр. 7579
المتابعة سقط عنه بسلام الإمام، ألا ترى أن المسبوق يقضي ما فاته بعد فراغ الإمام، والمقيم إذا اقتدى بالمسافر يتم ركعتين.
وأما قياس ترك سجود السهو على ترك التشهد لواجب المتابعة، فلأن متابعة الإمام فرض والتشهد الأول نفل، ولا يترك الفرض لتحصيل النفل.
• ورد هذا النقاش:
بأن الكلام ليس في شيء وجب على المأموم ابتداء، كقضاء ما فاته، وإنما المسألة في أمر وقع فيه الإمام دون المأموم، فإذا لم يسجد الأصل لم يسجد التابع،
ولأنه لو صح سجود المأموم وحده لسهو إمامه دون الإمام لأوجبنا السجود على المأموم إذا سها مع إمامه من باب أولى بعد سلام الإمام من الصلاة، والاتفاق على أن المأموم لو سها ولم يكن مسبوقًا لم يشرع له السجود، ويتحمل الإمام عنه ذلك، فكذلك إذا سها الإمام وحده وترك السجود لكونه لا يراه واجبًا.
ولأننا إذا قسمنا أفعال الصلاة على الصحيح إلى فرائض وسنن، ولا واجب فيها خلافًا للحنفية والحنابلة وقد بحثت المسألة على وجه الاستقلال، فترك الأركان من الإمام لا يعذر فيه الإمام ولا المأموم ولا بد من إصلاح الصلاة، وإلا بطلت، فكانت المسألة مفروضة في السجود لترك مثل التشهد الأول أو غيره من الأفعال التي يراها الحنفية والحنابلة واجبًا، ويراها غيرهم من جملة السنن، فإن كان الحق فيها أنها واجب، فقد وقفت على وجه سقوط الواجب للمتابعة، وإن كان الحق فيها أنها من السنن، وهو ما أميل إليه، فإذا ترك الإمام السجود للسنة لم يلزم المأموم مخالفة إمامه والسجود لها منفردًا، وإنما يصح مخالفة الإمام في السنن الخفيفة كسنة رفع الأيدي، وجلسة الاستراحة على القول بمشروعيتها مطلقًا إذا تركهما الإمام، وأما السجود فلا يشرع للمأموم مخالفة إمامه ما لم يكن مسبوقًا، والله أعلم.
• وجه من قال: يسجد المأموم إذا لم يسجد الإمام لسهوه:
قالوا: لأنه لما سها الإمام دخل النقص على صلاة المأموم لسهوه، فإذا لم
стр. 7580
يجبر الإمام صلاته جبر المأموم صلاته.
قال الماوردي: «صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، ومتصلة بها في إدراك فضيلة الجماعة وسقوط سهوه بكمال صلاة الإمام، فكذلك إنما يجب أن يكون النقص الداخل في صلاة الإمام داخلًا في صلاة المأموم، وإذا كان النقص داخلا في صلاته وجب أن يلزمه جبرانه بسجود السهو، كما يلزمه جبرانه لو كان منفردًا، ولا يسقط عنه بترك الإمام له» (١).
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
لا نسلم أن الإمام إذا ترك سجود السهو دخل النقص على صلاة المأموم.
(ح-٢٦٥٨) لما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم (٢).
فظاهر الحديث أن إساءة الإمام لا تتعدى إلى المأموم.
ولأن هذا يبطل بما إذا سها المأموم بنفسه فإن النقص حاصل في صلاته، ولا يلزم السجود، فكذلك إذا ترك الإمام السجود بنفسه لم يلزم المأموم.
الوجه الثاني:
سجود السهو من سنن الصلاة عند الشافعية والمشهور عند المالكية، والمأموم يتبع إمامه في ترك المسنون، فترك السنن لا يدخل النقص على الصلاة إلا أن يقصد به نقص الكمال، وإذا كان كذلك فلا يحسن القول بأن الإمام إذا ترك سجود السهو لزم المأموم؛ لأن الإلزام من أحكام الواجبات، وإذا لم يجب السهو على الإمام لم يجب على المأموم من باب أولى.
стр. 7581
• الراجح:
أن الإمام إذا ترك سجود السهو لم يجب على المأموم السجود، ولكن يسبح به كي يسجد، فإن أصر على تركه لم يسجد منفردًا عنه، إلا أن يكون مسبوقًا وأدرك سهو إمامه فالأحوط أن يسجد بعد أن يقضي ما عليه من الصلاة، والله أعلم.
стр. 7582
الفصل الثالث في سهو المأموم وحده دون الإمام
المدخل إلى المسألة:
• قال ﷺ : (وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين) متفق عليه، فإذا ترك المأموم القيام مع قدرته عليه، فلئن يترك سجود السهو متابعة لإمامه من باب أولى.
• إذا ترك الإمام التشهد الأول وقعدته ساهيًا وجب على المأموم متابعته، فكذلك سجود السهو يتركه المأموم متابعة لإمامه.
• كل سهو سهاه المأموم، فالإمام يحمله عنه، إلا ما كان من نقص الفرائض كالركوع، والسجود، فلا بد من الإتيان به بالاتفاق، واختلفوا في المسبوق.
• إذا سها المأموم في حال الاقتداء، وكان مسبوقًا، فقال الحنابلة: يسجد إذا قضى ما فاته، وقيل: لا سجود عليه؛ لأن السهو وقع في حال الاقتداء، وهو مذهب المالكية والشافعية، والأول أقرب.
• كل فعل يغير من هيئة الصلاة المشروعة، كزيادة جلوس، فإن تعمده يبطل الصلاة، ويسجد لسهوه، إلا المأموم فتغتفر له الزيادة الفعلية، وإن غيرت هيئة الصلاة، إذا كانت بسبب المتابعة، كالمسبوق بركعة.
[م- ٩١١] اختلف العلماء في المأموم إذا سها مع إمامه هل يسجد لسهو نفسه:
فقيل: لا سجود عليه مطلقًا، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية، وبه قال عطاء والزهري وحماد وقتادة وغيرهم (١).
стр. 7583
(ث-٦٢٦) روى عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج،
عن عطاء قال: ليس على من خلف الإمام سهو، قال: قلت: وإن سجد في كل ركعة ثلاث سجدات؟ قال: وإنْ، ليس عليهم سهو.
[صحيح] (١).
وظاهره من غير فرق بين أن يكون المأموم مسبوقًا، أو غير مسبوق، إذا حصل السهو حال الاقتداء.
وقيل: يسجد المأموم لسهو نفسه مطلقًا، وبه قال مكحول في رواية، وداود الظاهري وابن حزم (٢).
стр. 7584
قال المازري: «أطبق العلماء على أن المأموم لا يلزمه السجود في سهوه. وحكي عن مكحول أنه قام عن قعود الإمام فسجد سجدتين» (١).
وكذا قال العمراني في البيان (٢).
وقيل: إذا سها المأموم مع إمامه فإن كان غير مسبوق لم يسجد، وإن كان مسبوقًا سجد لسهو نفسه، إذا قضى ما فاته، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
قال في كشاف القناع: «ويسجد مسبوق لسهوه معه، أي مع إمامه» (٤).
وقال في الفواكه العديدة: «المسبوق لا يتحمل عنه الإمام سهوه معه» (٥).
• دليل من قال: لا سهو على المأموم مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٥٩) روى الدارقطني من طريق خارجة بن مصعب، عن أبي الحسين
стр. 7585
المديني، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه،
عن عمر عن النبي ﷺ قال: ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو، وإن سها من خلف الإمام فليس عليه سهو، والإمام كافيه (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
ولأنه إنْ سجد المأموم وحده كان مخالفًا لإمامه، وإن تابعه الإمام تحول الأصل إلى تابع.
الدليل الثاني:
استدل ابن قدامة بحديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة، ولم يؤمر بسجود السهو.
(ح-٢٦٦٠) فقد روى مسلم من طريق حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار،
عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم؟ تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله، ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ (٣).
وهذا الحديث لا يصلح حجة وفق مذهب الحنابلة والحنفية الذين يرون أن الكلام سهوًا لا يوجب سجود السهو؛ لأنه ليس من جنس أفعال الصلاة، نعم هو حجة للمالكية والشافعية الذين يرون الكلام سهوًا من أسباب السجود، وهو قول
стр. 7586
ضعيف، وسبق مناقشة المسألة في مبحث مستقل، والله أعلم.
الدليل الثالث:
حديث أنس مرفوعًا: … إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا … وإذا سجد فاسجدوا … الحديث (١).
مفهومه قوله: (وإذا سجد فاسجدوا): أن الإمام إذا لم يسجد لم يسجد المأموم؛ لأن المأموم لم يؤمر بالسجود إلا تبعًا لإمامه.
الدليل الرابع:
حكى بعض أهل العلم الإجماع على أن المأموم لا سجود عليه إذا سها مع إمامه، فنقل ابن المنذر في الأوسط أن إسحاق ذكر أن هذا إجماع من أهل العلم، ولم يرتضيه ابن المنذر؛ لأنه قال قبل هذا: «قال كثير من العلماء: ليس على من سها خلف الإمام سهو» (٢).
ولو كان ابن المنذر يرى صحة ما نقله عن الإمام إسحاق لما نسبه لقول كثير من أهل العلم.
وحكى الإجماع أبو حامد من الشافعية (٣).
• دليل من قال: على المأموم السهو مطلقًا:
استدل بالعمومات التي تأمر بالسجود إذا سها، منها:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٦١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد
стр. 7587
سجدتين وهو جالس (١).
وجه الاستدلال:
الشرط في قوله: (إذا قام يصلي) يقتضي عموم ذلك في كل مصلٍّ، سواء أكان إمامًا أم منفردًا، أم مأمومًا.
(ح-٢٦٦٢) ومنها: رواه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيما للشيطان (٢).
فقوله: (إذا شك أحدكم … فليطرح): (أحدكم) نكرة مضافة، فتعم، فهو مأمور بطرح الشك، إمامًا كان أم فذًا أما مأمومًا.
(ح-٢٦٦٣) ومنها: ما رواه مسلم، قال: حدثنا ابن نمير، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن عبد الله، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمسًا، فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله، هل زيد في الصلاة؟ قال: لا، قالوا: فإنك قد صليت خمسًا، فانفتل، ثم سجد سجدتين، ثم سلم، ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين (٣).
وجه الاستدلال:
عموم قوله: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) فوجه الاستدلال به كالاستدلال بالحديث الذي قبله، وقد سبق لي الحكم على زيادة: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين).
فمن أخرج المأموم من هذه العمومات فقد خصص هذه النصوص بلا مخصص.
стр. 7588
قال ابن حزم: «إذا سها المأموم، ولم يسه الإمام، ففرض على المأموم أن يسجد للسهو، كما كان يسجد لو كان منفردًا أو إمامًا ولا فرق؛ لأن رسول الله ﷺ أمر كما أوردنا آنفا كل من أوهم في صلاته بسجدتي السهو، ولم يخص ﵇ بذلك إمامًا، ولا منفردًا من مأموم، فلا يحل تخصيصهم في ذلك» (١).
• ونوقش:
هذه العمومات دخلها التخصيص بأدلة أخرى، والعام مظنة التخصيص، من هذه النصوص، حديث أبي هريرة المتفق عليه: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه) حتى قال: (وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين).
فإذا ترك المأموم القيام مع قدرته عليه، فلئن يترك سجود السهو من باب أولى فأولى.
كما ترك المأموم التشهد الأول وقعدته إذا سها الإمام فقام عنه متابعة لإمامه، ولئن كان الإمام معذورًا بالسهو، فالمأموم لا عذر له إلا وجوب متابعته لإمامه، كما دل على ذلك حديث عبد الله بن بحينة في الصحيحين، فالسجود للسهو مقيس على ترك التشهد الأول وقعدته.
ولهذا كل فعل يغير من هيئة الصلاة المشروعة كزيادة جلوس فإن عمده يبطل الصلاة، ويسجد لسهوه إلا المأموم فإنها تغتفر له الزيادة الفعلية، وإن غيرت هيئة صلاته، إذا كانت بسبب متابعته للإمام، كالمسبوق بركعة إذا دخل مع الإمام، فصلى مع الإمام ركعة، فجلس الإمام وجب على المأموم الجلوس معه، وإن لم يكن موضعًا لجلوسه من أجل واجب المتابعة، وإذا صلى الإمام الركعة الثالثة كانت في حق المسبوق الركعة الثانية، ومع ذلك يدع القعدة الأولى والتشهد لواجب المتابعة، ولا يلزمه سجود سهو، فإذا كان تعمد الزيادة من المأموم متابعة لإمامه لا يبطل صلاته، فزيادتها سهوًا لا تبطل صلاته من باب أولى، ولا يشرع في حقه سجود السهو، فدل كل ذلك على أن المأموم غير المسبوق لا يجب عليه سجود السهو إذا سها وحده مع إمامه، والله أعلم.
стр. 7589
الدليل الثاني:
إذا كان الإمام لا يحمل عن المأموم لو سها في أركان الصلاة كما لو أسقط ركعة، أو سجدة، وهذا بالاتفاق فلا يحمل سائر سهوه.
يقول ابن حزم: «من قال: إن الإمام يحمل السهو عن المأموم فقد أبطل، وقال ما لا برهان له به، وخالف أمر رسول الله ﷺ المذكور برأيه، ولا خلاف منا ومنهم في أن من أسقط ركعة أو سجدة أو أحدث - سهوا كان كل ذلك أو عمدًا فإن الإمام لا يحمله عنه، فمن أين وقع لهم أن يحمل عنه سائر ما سها فيه من فرض؟ إن هذا لعجب» (١).
• ونوقش:
القياس على ترك الأركان قياس الأخف على الأشد، فالكلام إنما هو في السهو في غير الأركان، فالمالكية والشافعية: ما سوى الأركان هي عندهم من السنن، ولا يوجد في أفعال الصلاة ما هو واجب، وكيف يعترض على المأموم إذا ترك سنة من أجل القيام بواجب المتابعة، فلو تعمد تركها من أجل المتابعة لم يثرب عليه، فكيف إذا ترك السنة سهوًا.
وما سوى الأركان عند الحنفية والحنابلة واجبات وسنن، ولا يتفقون على شيء من الواجبات إلا على التشهد الأول، حيث يتفق الحنفية والحنابلة على اعتباره من الواجبات، وقد دل الحديث المتفق عليه أن المأموم يدع التشهد الأول وقعدته من أجل المتابعة، فغيره من الواجبات مقيس عليه، وأما بقية الواجبات عند الحنفية فهي من مفرداتهم، والله أعلم.
• دليل الحنابلة بين التفريق بين المسبوق وغيره:
الحنابلة استدلوا بأدلة الجمهور في سقوط السجود عن المأموم إذا لم يكن مسبوقًا؛ لأن المأموم إذا لم يكن مسبوقًا يجب عليه التسليم مع إمامه، فكما يحمل عنه قراءة الفاتحة على الصحيح، وهي ركن عند الجمهور، يحمل عنه سجود السهو.
стр. 7590
واستدل الحنابلة بأدلة الظاهرية في حق المسبوق؛ فإنه لا يجوز للمسبوق أن يسلم مع إمامه إذا سلم حتى يقضي ما بقي عليه من صلاته، فإذا سجد في آخر صلاته لسهو نفسه لم يكن فعله مخالفة لإمامه حينئذ، والله أعلم.
• الراجح:
أرى قول الحنابلة قولًا وسطًا، ولعله هو الراجح، والله أعلم.
стр. 7591
الفصل الرابع في سهو المسبوق بعد سلام إمامه
المدخل إلى المسألة:
• السهو سبب أو علة لسجود السهو.
• سقوط السهو عن المأموم لواجب المتابعة، فإذا انقطعت المتابعة عاد الحكم إلى المشروعية، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
• سهو المأموم بعد سلام إمامه لا يتحمله الإمام؛ لانقطاع المتابعة.
• كل سهو يلزم المنفرد، فإنه يلزم المسبوق، إذا وقع السهو بعد انقطاع المتابعة.
• كل سهو سهاه المأموم مع إمامه فالإمام يحمله عنه، إلا ما كان من نقص الفرائض كالركوع والسجود، وهذا بالاتفاق، أو كان السهو من المسبوق بعد انقطاع المتابعة على الصحيح.
• القراءة يتحملها الإمام عن المأموم على الصحيح ما دام متابعًا له، فإذا انصرف الإمام، وقام المسبوق يصلي ما بقي عليه من صلاته، لم يتحمل الإمام عنه القراءة، فكذلك السهو.
[م- ٩١٢] إذا كان المأموم مسبوقًا فسها بعد سلام الإمام فهو كالمنفرد يسجد لسهوه، وبه قال الأئمة الأربعة (١).
стр. 7592
قال حرب الكرماني: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: … إن سها رجلٌ بعد الإمام فعليه السهو» (١).
لأن السهو سبب أو علة في سجود السهو، سقط السجود عن المأموم لواجب المتابعة، وقد انقطعت بسلام الإمام، وانصرافه عن الصلاة، فعاد المقتضي في حق المسبوق؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فكل سهو يلزم المنفرد، فإنه يلزم المسبوق، إذا وقع السهو بعد انقطاع المتابعة.
وقياسًا على تحمل القراءة على الصحيح، فالإمام يتحمل عن المأموم القراءة ما دام متابعًا لإمامه، فإذا انصرف الإمام لم يتحمل عن المسبوق القراءة فيما بقي عليه من صلاته بعد انقطاع المتابعة، فكذلك السهو.
وقيل: لا يلزمه سجود السهو فيما يقضيه؛ لأنه تنسحب عليه أحكام الإمام، وهو قول في مذهب المالكية (٢).
• والراجح
القول الأول خاصة إذا رجحنا أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته، فإذا سلم الإمام بنى على ما صلى، وإنما قد يقال: تنسحب أحكام الإمام عليه لو كان المسبوق يقضي ما فاته مع الإمام، والله أعلم.
стр. 7593
الفصل الخامس موقف المأموم من سهو الإمام
المبحث الأول في تنبيه المأموم لسهو إمامه
الفرع الأول في صفة التنبيه
المدخل إلى المسألة:
• تنبيه الإمام لإصلاح صلاته إذا سها متفق على مشروعيته.
• يقبل التنبيه من المرأة؛ لأنه خبر ديني يستوي فيه الرجل والمرأة، وليس من قبيل الشهادة.
• الأصل أن ما ثبت في حق الرجل ثبت في حق المرأة إلا بدليل، فالتنبيه من حيث هو مشروع للرجل والمرأة، وإن اختلفت صفته.
• قال ﷺ كما في حديث أبي هريرة التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، فثبت التفريق في صفة التنبيه بين الرجل والمرأة.
• المرأة لها مندوحة عن رفع صوتها بالتسبيح عند الرجال فيقوم التصفيق مقام التسبيح.
• حرص الشارع على صيانة المرأة، وإن لم يكن صوتها عورة على الصحيح.
• إذا كره الشارع تنبيه المرأة بصوتها في موضع يحتاج إليه، وهو تصحيح الصلاة، وفي موقف أبعد ما يكون المجتمع فيه عن الفتنة، وذلك في الصلاة، فما ظنك بالموقف من اختلاط المرأة ومحاورتها للرجال في غير العبادة، وضحكها بينهم، وخضوعها بالقول، ومعارضتهم بالحديث، فاسترجال النساء جاء من تأنيث كثير من الأولياء، وصدق الشاعر: ولا عجب أن النساء ترجلت ولكن تأنيث الرجال عجيب.
стр. 7594
[م- ٩١٣] إذا سها الإمام فأتى بفعل في غير موضعه شرع للمأموم تنبيهه، وحكي الاتفاق على هذا.
قال الطحاوي: «الأمة قد أجمعت أن رجلًا لو ترك إمامه من صلاته شيئًا، أنه يسبح به؛ ليعلم إمامه ما قد ترك، فيأتي به» (١).
فإن كان المنبه رجالًا سبحوا به، وهذا بالاتفاق.
وإن كانوا نساء، فقال الجمهور: «يصفقن ببطون أكفهن على ظهور الأخرى، وهو قول في مذهب المالكية» (٢).
(ح-٢٦٦٤) لما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي حازم بن دينار،
عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم .... وفيه: من رابه -وفي رواية: من نابه- شيء في صلاته، فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء (٣).
فلفظ: (من نابه شيء) عام يشمل الرجال والنساء، فلما قال: وإنما التصفيق للنساء، خص النساء من لفظ العموم.
وقال مالك: «التسبيح للرجل وللنساء جميعا، ولا يصفقن» (٤).
قال ابن بطال: «أجمع العلماء أن سنة الرجال إذا نابهم شيء في الصلاة التسبيح، واختلفوا في حكم النساء … » (٥).
стр. 7595
وقال ابن عبد البر: «ذهب مالك وأصحابه إلى أن التسبيح للرجال والنساء جميعًا؛ لقوله ﷺ : (من نابه شيء في صلاته فليسبح)، ولم يخص رجالًا من نساء، وتأولوا قول النبي ﷺ : (إنما التصفيق للنساء) أي إنما التصفيق من فعل النساء، قال ذلك على جهة الذم؟» (١).
وقال بعضهم: قوله: من نابه شيء في صلاته فليسبح لفظ (من) ظاهره العموم للرجال والنساء؛ فإن (من) تقع على كل من يعقل من الذكور والإناث.
وقوله: (إنما التصفيق للنساء) يحتمل أن يكون قال ذلك على وجه الذم، أي: أنه من شأن النساء في غير الصلاة، ويحتمل أن يكون قال ذلك على وجه تخصيص العام بإخراج النساء، ومع الاحتمال يقدم ظاهر (من نابه شيء) على المتردد بين التخصيص والذم، فلا يخصص النص الشرعي بمجرد الاحتمال.
كما روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو، قال:
رأى النبي ﷺ علي ثوبين معصفرين. فقال أأمك أمرتك بهذا؟ (٢).
فمن عادة العرب أن تنسب الفعل إلى أمر المرأة على وجه الذم تنفيرًا.
وقال ابن رشد: «والسبب في اختلافهم: اختلافُهم في مفهوم قوله ﵊: (وإنما التصفيق للنساء).
فمن ذهب إلى أن معنى ذلك: أن التصفيق هو حكم النساء في السهو، وهو الظاهر، قال: النساء يصفقن ولا يسبحن. ومن فهم من ذلك الذم للتصفيق قال: الرجال والنساء في التسبيح سواء، وفيه ضعف؛ لأنه خروج عن الظاهر بغير دليل، إلا أن تقاس المرأة في ذلك على الرجل، والمرأة كثيرًا ما يخالف حكمها في الصلاة حكم الرجل، ولذلك يضعف القياس» (٣).
• وأجاب الجمهور:
بأن البخاري رواه من طريق حماد، حدثنا أبو حازم المديني، عن سهل بن سعد
стр. 7596
الساعدي .... وفيه: إذا نابكم أمر فليسبح الرجال، وليصفح النساء (١).
وهذا صريح في التفريق بين الرجال والنساء.
قال ابن عبد البر: «فهذا قاطع في موضع الخلاف يرفع الإشكال» (٢).
وقال القرطبي المالكي عن قول الجمهور: «هو الصحيح نظرًا وخبرًا (٣).
وقال ابن الملقن: «وإنما كره لها التسبيح؛ لأن صوتها فتنة، ولهذا منعت من الأذان والإقامة، والجهر بالقراءة في الصلاة» (٤).
ولئن كان حديث أبي سهل يحتمل التأويل فحديث أبي هريرة صريح متفق عليه.
(ح-٢٦٦٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سفيان، حدثنا الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء (٥).
ورواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا سفيان به، وزاد: (في الصلاة) (٦).
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وحده،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة (٧).
وهذا إسناد في غاية الصحة، وقد زاد فيه لفظ: (في الصلاة)، فكانت زيادة محفوظة.
ورواه مسلم من طريق الفضيل بن عياض، وأبي معاوية، وعيسى بن يونس،
стр. 7597
كلهم عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله (١).
أي بمثل رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة ليس فيه زيادة (في الصلاة).
ورواه مسلم أيضًا من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثله، وزاد: في الصلاة (٢).
ورواه أحمد من طريق هشام، عن محمد،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء بالصلاة.
[سنده في غاية الصحة].
فالتأويل الذي ساقه المالكية، إنما يتأتى في لفظ رواية مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وأما رواية غيره: (التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء في الصلاة) فلا يتأتى هذا التأويل فيها (٣).
فكان الشارع حريصًا على حماية المرأة حتى فيما ليس بعورة، وهو رفع صوتها بين الرجال، وإذا كان لا يستحب لها التنبيه بصوتها في موضع قد يحتاج إليه، وهو تنبيه الإمام إلى تصحيح صلاته، وفي موقف أبعد ما يكون المجتمع فيه عن الفتنة، وذلك حين يقف المسلمون بين يدي الله في الصلاة، فما ظنك بالموقف من اختلاط المرأة ومحاورتها للرجال في غير العبادة، وضحكها بينهم، وخضوعها بالقول، ومعارضتهم بالحديث، مما لا يحتاج إليه الناس، فالله المستعان، وصدق الله ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٧، ٢٨].
стр. 7598
الفرع الثاني في تصفيق الرجل وتسبيح المرأة للتنبيه في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• لو صفق الرجل، وسبحت المرأة كره، وصحت الصلاة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر من صفق من الرجال خلف أبي بكر بإعادة الصلاة، إلا أن يقال: إن فعلهم ذلك كان قبل العلم.
• لم يثبت عن النبي ﷺ نهي مطلق للرجال عن التصفيق، وإنما النهي مختص بالصلاة.
• كُرِه التصفيق للرجل في الصلاة؛ لأنه فعل غير مشروع جنسه في الصلاة؛ ولأنه من جنس الحركة الأجنبية اليسيرة في الصلاة لا تصل إلى التحريم، فضلًا عن إبطال الصلاة، إلا أن يفعل على وجه اللهو والعبث؛ فيحرم.
• ليس في التصفيق على وجه التنبيه ما يجعله تشبهًا بالكفار في عبادتهم، وإلا لحرم ذلك على النساء.
• تخصيص المرأة بالتصفيق في الصلاة، لا يجعل التصفيق خارج الصلاة من خصائص النساء، وفعله من التشبه، كما أن المرأة إذا سبحت لا يقال: تشبهت بالرجال، وإن خالفت السنة.
• إن كان مع المرأة نساء فقط جاز لها أن تسبح على الصحيح؛ فقد ثبت أن عائشة سبحت لأختها أسماء في صلاة الكسوف، وهو أولى من التصفيق؛ لكونه ذكرًا مشروعًا جنسه في الصلاة.
[م - ٩١٤] السنة أن يسبح الرجل وتصفق المرأة، واختلف العلماء فيما إذا فعل العكس.
فقيل: يجوز، ولكن خلاف السنة، وهو مذهب الشافعية (١).
стр. 7599
• وجهه:
أن التنبيه بالتسبيح سنة، وترك السنة لا يستلزم الوقوع في المكروه.
• ونوقش:
هذا التعليل صحيح، لكن إذا نبَّه الرجل بالتصفيق أيكون فقط قد ترك سنة، أم أنه استبدل المشروع بما ليس بمشروع، بل وبما خصه الشارع بالنهي عن فعله، وهو التصفيق، فلا يصدق عليه أنه قد ترك سنة فقط، إلا لو أنه ترك التسبيح، ولم يستبدله بشيء، والله أعلم.
وقيل: يكره، اختاره الحليمي في منهاج الشعب، وهو الأصح في مذهب الحنابلة (١).
• وجه الكراهة:
أن النبي ﷺ أنكر على الصحابة التصفيق في الصلاة، وهذا أقل أحواله الكراهة.
وقيل: يحرم التصفيق من الرجل والتسبيح من المرأة، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: يحرم التصفيق وحده دون التسبيح فإن صفق الرجل عالمًا بالنهي بطلت صلاته، وهذا قول ابن حزم (٣).
• دليل من قال بالتحريم:
الدليل الأول:
النهي يقتضي الفساد، وقد أنكر النبي ﷺ على الصحابة التصفيق، وقال: إنما التصفيق للنساء، فإذا فعل في صلاته ما نهي عنه، فلم يُصَلِّ كما أمر، وقد قال ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
وفي رواية: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد.
بخلاف التسبيح من المرأة فإنها لم تنه عنه، وجنسه مشروع في الصلاة، فإذا
стр. 7600
سبحت لم تبطل صلاتها.
• ونوقش:
لم يثبت عن النبي ﷺ نهي مطلق عن التصفيق، وإنما نهى الشارع الرجل عن التصفيق في الصلاة؛ ولا شك في كراهيته داخل الصلاة؛ لأنه فعل غير مشروع جنسه فيها، فاستبدله النبي ﷺ بالتسبيح، ويقاس عليه كل ذكر هو مشروع جنسه في الصلاة كالتهليل مثلًا.
جاء في النوادر والزيادات نقلًا من الواضحة: «ولا بأس أن يسبح للحاجة في الصلاة، فإن جعل مكان ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو هلل، أو كبر فلا حرج» (١).
وإنما حمل النهي عن التصفيق على الكراهة؛ لأنها المتيقن، ولأن التصفيق من جنس الحركة في الصلاة، والحركة الأجنبية اليسيرة في الصلاة لا تصل إلى التحريم، فضلًا عن إبطال الصلاة، نعم لو فعل ذلك على وجه اللهو والعبث، وليس لمصلحة الصلاة، لا يبعد القول بتحريمه؛ لأن الصلاة لم تشرع لهذا، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن التصفيق من عبادة الكفار، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥].
المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، رجح ذلك الإمام الطبري في تفسيره، ونقل ذلك عن مجموعة من المفسرين (٢).
• ويجاب:
ليس في التصفيق على وجه التنبيه ما يجعله تشبهًا بالكفار في عبادتهم، وإلا لحرم ذلك على النساء، فإن التشبه بالكفار كما يحرم على الرجال يحرم على النساء، فلما استحب فعله من المرأة، كان نهي الرجل عن فعله محمولًا على الكراهة.
الدليل الثالث:
التشبه بالنساء، قال النبي ﷺ : (إنما التصفيق للنساء) والتشبه بالنساء كبيرة من