الساعدي .... وفيه: إذا نابكم أمر فليسبح الرجال، وليصفح النساء (١).
وهذا صريح في التفريق بين الرجال والنساء.
قال ابن عبد البر: «فهذا قاطع في موضع الخلاف يرفع الإشكال» (٢).
وقال القرطبي المالكي عن قول الجمهور: «هو الصحيح نظرًا وخبرًا (٣).
وقال ابن الملقن: «وإنما كره لها التسبيح؛ لأن صوتها فتنة، ولهذا منعت من الأذان والإقامة، والجهر بالقراءة في الصلاة» (٤).
ولئن كان حديث أبي سهل يحتمل التأويل فحديث أبي هريرة صريح متفق عليه.
(ح-٢٦٦٥) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سفيان، حدثنا الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء (٥).
ورواه النسائي، قال: أخبرنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا سفيان به، وزاد: (في الصلاة) (٦).
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب وحده،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة (٧).
وهذا إسناد في غاية الصحة، وقد زاد فيه لفظ: (في الصلاة)، فكانت زيادة محفوظة.
ورواه مسلم من طريق الفضيل بن عياض، وأبي معاوية، وعيسى بن يونس،
стр. 7597
كلهم عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمثله (١).
أي بمثل رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة ليس فيه زيادة (في الصلاة).
ورواه مسلم أيضًا من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثله، وزاد: في الصلاة (٢).
ورواه أحمد من طريق هشام، عن محمد،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء بالصلاة.
[سنده في غاية الصحة].
فالتأويل الذي ساقه المالكية، إنما يتأتى في لفظ رواية مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وأما رواية غيره: (التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء في الصلاة) فلا يتأتى هذا التأويل فيها (٣).
فكان الشارع حريصًا على حماية المرأة حتى فيما ليس بعورة، وهو رفع صوتها بين الرجال، وإذا كان لا يستحب لها التنبيه بصوتها في موضع قد يحتاج إليه، وهو تنبيه الإمام إلى تصحيح صلاته، وفي موقف أبعد ما يكون المجتمع فيه عن الفتنة، وذلك حين يقف المسلمون بين يدي الله في الصلاة، فما ظنك بالموقف من اختلاط المرأة ومحاورتها للرجال في غير العبادة، وضحكها بينهم، وخضوعها بالقول، ومعارضتهم بالحديث، مما لا يحتاج إليه الناس، فالله المستعان، وصدق الله ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٧، ٢٨].
стр. 7598
الفرع الثاني في تصفيق الرجل وتسبيح المرأة للتنبيه في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• لو صفق الرجل، وسبحت المرأة كره، وصحت الصلاة؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر من صفق من الرجال خلف أبي بكر بإعادة الصلاة، إلا أن يقال: إن فعلهم ذلك كان قبل العلم.
• لم يثبت عن النبي ﷺ نهي مطلق للرجال عن التصفيق، وإنما النهي مختص بالصلاة.
• كُرِه التصفيق للرجل في الصلاة؛ لأنه فعل غير مشروع جنسه في الصلاة؛ ولأنه من جنس الحركة الأجنبية اليسيرة في الصلاة لا تصل إلى التحريم، فضلًا عن إبطال الصلاة، إلا أن يفعل على وجه اللهو والعبث؛ فيحرم.
• ليس في التصفيق على وجه التنبيه ما يجعله تشبهًا بالكفار في عبادتهم، وإلا لحرم ذلك على النساء.
• تخصيص المرأة بالتصفيق في الصلاة، لا يجعل التصفيق خارج الصلاة من خصائص النساء، وفعله من التشبه، كما أن المرأة إذا سبحت لا يقال: تشبهت بالرجال، وإن خالفت السنة.
• إن كان مع المرأة نساء فقط جاز لها أن تسبح على الصحيح؛ فقد ثبت أن عائشة سبحت لأختها أسماء في صلاة الكسوف، وهو أولى من التصفيق؛ لكونه ذكرًا مشروعًا جنسه في الصلاة.
[م - ٩١٤] السنة أن يسبح الرجل وتصفق المرأة، واختلف العلماء فيما إذا فعل العكس.
فقيل: يجوز، ولكن خلاف السنة، وهو مذهب الشافعية (١).
стр. 7599
• وجهه:
أن التنبيه بالتسبيح سنة، وترك السنة لا يستلزم الوقوع في المكروه.
• ونوقش:
هذا التعليل صحيح، لكن إذا نبَّه الرجل بالتصفيق أيكون فقط قد ترك سنة، أم أنه استبدل المشروع بما ليس بمشروع، بل وبما خصه الشارع بالنهي عن فعله، وهو التصفيق، فلا يصدق عليه أنه قد ترك سنة فقط، إلا لو أنه ترك التسبيح، ولم يستبدله بشيء، والله أعلم.
وقيل: يكره، اختاره الحليمي في منهاج الشعب، وهو الأصح في مذهب الحنابلة (١).
• وجه الكراهة:
أن النبي ﷺ أنكر على الصحابة التصفيق في الصلاة، وهذا أقل أحواله الكراهة.
وقيل: يحرم التصفيق من الرجل والتسبيح من المرأة، وهو وجه في مذهب الشافعية (٢).
وقيل: يحرم التصفيق وحده دون التسبيح فإن صفق الرجل عالمًا بالنهي بطلت صلاته، وهذا قول ابن حزم (٣).
• دليل من قال بالتحريم:
الدليل الأول:
النهي يقتضي الفساد، وقد أنكر النبي ﷺ على الصحابة التصفيق، وقال: إنما التصفيق للنساء، فإذا فعل في صلاته ما نهي عنه، فلم يُصَلِّ كما أمر، وقد قال ﷺ : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
وفي رواية: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد.
بخلاف التسبيح من المرأة فإنها لم تنه عنه، وجنسه مشروع في الصلاة، فإذا
стр. 7600
سبحت لم تبطل صلاتها.
• ونوقش:
لم يثبت عن النبي ﷺ نهي مطلق عن التصفيق، وإنما نهى الشارع الرجل عن التصفيق في الصلاة؛ ولا شك في كراهيته داخل الصلاة؛ لأنه فعل غير مشروع جنسه فيها، فاستبدله النبي ﷺ بالتسبيح، ويقاس عليه كل ذكر هو مشروع جنسه في الصلاة كالتهليل مثلًا.
جاء في النوادر والزيادات نقلًا من الواضحة: «ولا بأس أن يسبح للحاجة في الصلاة، فإن جعل مكان ذلك: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو هلل، أو كبر فلا حرج» (١).
وإنما حمل النهي عن التصفيق على الكراهة؛ لأنها المتيقن، ولأن التصفيق من جنس الحركة في الصلاة، والحركة الأجنبية اليسيرة في الصلاة لا تصل إلى التحريم، فضلًا عن إبطال الصلاة، نعم لو فعل ذلك على وجه اللهو والعبث، وليس لمصلحة الصلاة، لا يبعد القول بتحريمه؛ لأن الصلاة لم تشرع لهذا، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن التصفيق من عبادة الكفار، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥].
المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، رجح ذلك الإمام الطبري في تفسيره، ونقل ذلك عن مجموعة من المفسرين (٢).
• ويجاب:
ليس في التصفيق على وجه التنبيه ما يجعله تشبهًا بالكفار في عبادتهم، وإلا لحرم ذلك على النساء، فإن التشبه بالكفار كما يحرم على الرجال يحرم على النساء، فلما استحب فعله من المرأة، كان نهي الرجل عن فعله محمولًا على الكراهة.
الدليل الثالث:
التشبه بالنساء، قال النبي ﷺ : (إنما التصفيق للنساء) والتشبه بالنساء كبيرة من
стр. 7601
كبائر الذنوب، وذلك يقتضي تحريمه.
• ونوقش:
إنما شرع التصفيق للمرأة في الصلاة في حضرة الرجال؛ لأن ذلك أصون لها وأبعد عن الفتنة، فلو كانت تصلي مع مجموعة من النساء، وليس في حضرتهن رجال، شرع لها التسبيح على الصحيح؛ لأن العلة التي شرع من أجلها التصفيق للنساء، هو خشية الافتتان بصوتها، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وسيأتي الإشارة إليه، وأما خارج الصلاة فليس في النصوص ما يدل على قصر التصفيق على النساء، ولا فيها ما يدل على نهي الرجال عن التصفيق خارج الصلاة، فبقي الحكم على الإباحة خارج الصلاة للرجال والنساء، حتى يثبت دليل صحيح على نهي الرجال عن التصفيق خارج الصلاة فإن ثبت أمكن القول: إن في فعله تشبهًا بالرجال، والله أعلم.
• الراجح:
القول بالكراهة أقرب؛ لأن الرجل لو ترك التسبيح فقط لقيل قد ترك السنة، ولا يلزم من ترك التسبيح الوقوع في المكروه، أما أن يصفق في صلاته، وقد أنكر النبي ﷺ على الصحابة التصفيق، فلا يصح القول بأنه ترك سنة فقط، والله أعلم.
стр. 7602
الفرع الثالث في حكم تنبيه المأموم لإمامه إذا سها
المدخل إلى المسألة:
• تغيير هيئة الصلاة بالزيادة أو النقص منكر في صورته الظاهرة، وإنما عذر الإمام في فعله لعارض السهو، والمأموم غير معذور فوجب عليه الإنكار بتنبيه الإمام إلى تصحيح صلاته.
• قال ﷺ للصحابة حين سها في الصلاة: إذا نسيت فذكروني، والأصل في الأمر الوجوب.
• النسيان لا يخل بأهلية التكليف على الصحيح؛ بل يرفع عنه الإثم وتسقط عنه المطالبة بالأداء وقت النسيان، إلى وقت التذكر، فإذا تذكر وجب عليه قضاء ما فاته من العبادات وقت النسيان، وهذا حقيقة التكليف.
• لو كان الناسي غير مكلف لما وجب في ذمته تصحيح ما فعله حال النسيان بخلاف الجنون المتقطع فإنه يرفع التكليف وقت الجنون، ولو عاد إليه عقله بعد خروج الوقت لم يكلف بالقضاء.
• تنبيه المأموم إلى سهو إمامه فيه إصلاح لصلاته وصلاة من خلفه، وإصلاح الصلاة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
• قال ﷺ : من نابه شيء في صلاته فليسبح، فقوله: (شيء) نكرة في سياق العموم فتعم كل شيء.
• قوله: (فليسبح) أمر، وقد يكون واجبًا؛ إذا كان لأمر واجب كتنبيه الإمام إذا سها لإصلاح صلاته، وإنقاذ أعمى من حفرة، وقد يكون مستحبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا بحسب المنبه عليه.
стр. 7603
[م- ٩١٥] علمنا صفة التنبيه في المبحث السابق، ويحسن بعد معرفة الصفة أن نعرف حكم تنبيه المأموم لإمامه، أهو واجب، أم سنة، أم مباح؟
فالحنفية يرون إباحة التسبيح إذا احتيج إليه لإصلاح الصلاة، كتنبيه الإمام لسهوه، أو قصد به الإخبار بأنه في صلاة، فإن قصد به الزجر عن فعل، أو الأمر بفعله فسدت صلاته، وكذلك تفسد لو سبح بالإمام، ولم يكن هناك حاجة، كما لو قام الإمام عن التشهد الأول فبلغ القيام، فسبح به فسدت؛ لأنه لا يجوز له الرجوع، فلم يكن التسبيح مفيدًا، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد خلافًا لأبي يوسف (١).
وسبب الخلاف بينهما:
أن ما كان ثناء، أو قرآنا عند أبي يوسف لا يتغير بالنية، وعندهما يتغير (٢).
والقول بإبطال الصلاة بالتسبيح، وهو ذكر مشروع جنسه بالصلاة، قول ضعيف جدًّا، وقد رفع أبو بكر يديه بالحمد حين أشار إليه النبي ﷺ بالبقاء على إمامته، وكان ذلك لسبب لا يتعلق بأذكار الصلاة، ولا لمصلحتها، وأقره النبي ﷺ على ذلك (٣).
стр. 7604
ولأن قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه: (من نابه شيء في صلاته فليسبح) (١).
فقوله: (شيء) نكرة في سياق الشرط فتعم، فهو دليل على جواز التسبيح لتنبيه الغير، سواء أكان بقصد التنبيه على السهو، أم كان بقصد الإعلام أنه في صلاة، أم كان بقصد الجواب أو الزجر، أم كان لأمر لا يتعلق بالصلاة.
وقال المالكية والشافعية: التسبيح سنة (٢).
قال ابن رشد: «اتفقوا على أن السنة لمن سها في صلاته أن يسبح له، وذلك للرجل؛ لما ثبت عنه ﵊ أنه قال: مالي أراكم أكثرتم من التصفيق؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء» (٣).
وظاهر التعبير بالسنة أنه ليس بواجب.
وقال في تحفة المحتاج: «ويسن لمن نابه شيء في صلاته كتنبيه إمامه إذا سها .... أن يسبح» (٤).
وقال الشيخ أبو حامد وغيره: «التسبيح والتصفيق سنتان إن كان التنبيه قربة، وإن كان مباحًا فمباحان» (٥).
وقال ولي الدين العراقي: «كون المشروع للرجال التسبيح، وللنساء التصفيق، هو على سبيل الإيجاب، أو الاستحباب، أو الإباحة؟ الذي ذكره أصحابنا ومنهم الرافعي والنووي، أنه سنة، وحكاه الرافعي عن الأصحاب، وحكى والدي في شرح
стр. 7605
الترمذي عن شيخه الإمام تقي الدين السبكي أنهما إنما يكونان سنتين إذا كان التنبيه قربة، فإن كان مباحًا كانا مباحين، قاله الشيخ أبو حامد وغيره، قال السبكي: وقياس ذلك إذا كان التنبيه واجبًا كإنذار الأعمى من الوقوع في بئر أن يكونا واجبين تعينا طريقًا، وحصل المقصود بهما. انتهى» (١).
هذا القول حمل الأمر بقوله: (من نابه شيء في صلاته فليسبح) والأمر بقوله: (إذا نسيت فذكروني) على الاستحباب.
وقال الحنابلة: يلزم المأموم تنبيهه على ما يجب السجود لسهوه، وظاهر قولهم: أنه واجب كفائي، وقال الشيخ علي الأجهوري من المالكية: إذا ترك المأموم التسبيح بطلت صلاة جميعهم (٢).
وإنما تبطل عند المالكية إذا كان المتروك مما يجب تداركه، أو ترك المصلي ثلاث سنن؛ لوجوب السجود عندهم حينئذٍ، والله أعلم.
قال في المغني: «وإذا سها الإمام، فأتى بفعل في غير موضعه، لزم المأمومين تنبيهه» (٣).
وهذا القول أقوى من القولين السابقين، وهو ظاهر الأدلة:
(ح-٢٦٦٦) لما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
قال عبد الله صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك، قالوا: صليت كذا
стр. 7606
وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه، قال: إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني … الحديث (١).
فأمرهم بالتذكير إذا نسي الإمام، والأصل في الأمر الوجوب.
ولأن إصلاح الصلاة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ولأن حديث من نابه شيء في صلاته فليسبح، متفق عليه.
فالأمر بالتسبيح قد يكون واجبًا؛ إذا كان لإصلاح الصلاة، ومنه تنبيه الإمام إذا سها، وقد يكون مستحبًا أو مباحًا أو مكروهًا بحسب المنبه عليه (٢).
وقد تناولت في المجلد الثاني عشر حكم المصلي يسمع ما يسره في صلاته، فيقول: الحمد لله، أو يسمع مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو يسمع ما يتعجب منه، فيقول: (سبحان الله)، أو يقال بين يديه: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦٠] فيقول: لا إله إلا الله، أو يريد أحد أن يمر بين يديه، فيقول: سبحان الله، أو يسأل عن شيء فيقرأ عليه شيئًا من القرآن، كما لو طرق الباب فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، أو يسأل عن شيء فيقرأ: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: ٢٠] ونحو ذلك، هل تبطل صلاته بمثل ذلك؟ فارجع إلى المسألة؛ فإن هذه المسألة لها علاقة بتلك.
стр. 7607
الفصل السادس موقف الإمام من التنبيه لسهوه
المبحث الأول موقف الإمام إذا سبح به غير المأموم
المدخل إلى المسألة:
• إذا أَخْبَر غيرُ المأموم الإمام بنقص صلاته وجب قبول خبره، كما يجب قبول خبر الواحد في الأمور الدينية.
• قَبِل الصحابة خبر الواحد في التحول عن القبلة، وهم في الصلاة، فكذلك إذا أخبر عدل أو أكثر بنقص الصلاة، واحتمل الأمر صدقهم، ولم يعارضه ما هو أقوى منه، أو مثله.
• إذا أَخْبَر عدلٌ بنقص الصلاة، فهو يقطع بصحة خبره، واحتمال الظن في خبره لم يأت من قبل اعتقاد المخبر، وإنما لجواز احتمال الخطأ عليه، والأصل عدم الخطأ، ولو عمل بالتجويز العقلي لردت أكثر أحاديث السنة.
• لو ساق الراوي الحديث بالظن لم يقبل خبره، وإذا جزم به قُبِل، وإن أفاد الظن.
• إصلاح صلاة المسلمين واجبة، وإذا توقف الإصلاح على التنبيه وجب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
• السهو يغير من هيئة الصلاة، وذلك منكر في صورته الظاهرة، وإن عذر الإمام لعارض السهو، فغيره لا عذر له، فوجب عليه الإنكار بتنبيه الإمام إلى تصحيح صلاته.
[م-٩١٦] اختلف الفقهاء في موقف الإمام إذا سها في صلاته فنبهه غير المأموم.
فقيل: إن أخبره عدلان لزمه الرجوع إلى قولهم، ولو كانا غير مأمومين، إذا لم
стр. 7608
يجزم بصواب نفسه، وهو مذهب الحنفية، وظاهر مذهب الحنابلة، وقول في مذهب المالكية، اختاره اللخمي، وصدر به ابن الحاجب وحكى الآخر بقيل (١).
جاء في غاية المنتهى: «ومن نبهه ثقتان فأكثر، ولو امرأتين، أو غير مأمومين … لزمه الرجوع» (٢).
وقال منصور البهوتي:: «(ويلزمهم تنبيه الإمام على ما يجب السجود لسهوه) .... وظاهره لا يجب على غير المأمومين تنبيهه، ولعله غير مراد، ولذلك قال في (المنتهى) و (المبدع) وغيرهما: ويلزمهم تنبيهه، فلم يقيدوا بالإمام» (٣).
وقيل: لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره مطلقًا ما لم يقع في نفسه أنه سها، من غير فرق بين مأموم وغيره، ولو كان المخبر جماعة، ويبني على ما استيقن إذا شك، وهذا مذهب الشافعية (٤).
وقيل: لا يلتفت الإمام إلى خبر غير المأموم، ولا يرجع فذ ولا مأموم إلى
стр. 7609
خبر غيرهما، فإذا شك فذ أو مأموم فعليهما طرح الشك، والأخذ بالمستيقن ما لم يبلغ المخبر حد التوتر، وهو مذهب مالك في المدونة، واختيار ابن القاسم، ورجحه خليل في مختصره، وهو قول في مذهب الحنابلة، وإذا لم يؤخذ بقوله لم يلزمه التنبيه (١).
فصارت الأقوال في خبر غير المأموم ترجع إلى قولين:
الأول: يلزمه الرجوع، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وقول في مذهب المالكية.
الثاني: لا يرجع، وهو مذهب المالكية، والشافعية على اختلاف بينهم في الرجوع إلى خبر المأموم، والمسألة مفروضة في خبر غير المأموم.
• دليل من قال: يلزمه الرجوع إلى تنبيه غير المأموم:
الدليل الأول:
إذا أخبر غير المأموم وجب قبول خبره كما يجب قبول خبر الواحد في الأمور الدينية، وقد قبل الصحابة خبر الواحد في التحول عن القبلة، وهم في الصلاة، فكذلك إذا أخبر عدل أو أكثر بنقص الصلاة، واحتمل الأمر صدقهم، ولم يعارضه خبر غيره من إمام أو مأموم لزم قبوله بجامع أن كلًا منهما خبر ديني.
الدليل الثاني:
أن الله أمر بالتعاون على البر والتقوى، وهذا منه.
стр. 7610
الدليل الثالث:
ولأن إصلاح الصلاة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الدليل الرابع:
ولأن تغيير هيئة الصلاة بالزيادة أو النقص منكر في صورته الظاهرة، وإنما عذر الإمام في فعله لعارض السهو، وغيره لا عذر له، فوجب عليه الإنكار بتنبيه الإمام إلى تصحيح صلاته.
الدليل الخامس:
ولأن ما كان طريقه الأمارة، لا فرق فيه بين المشاركة في العبادة وعدم المشاركة، ألا ترى أنه لو شهد برؤية هلال رمضان حائض أو مسافر أو مريض لا يقدر على الصوم قبلت شهادتهم، كما تقبل ممن يلزمه الصوم (١).
الدليل السادس:
ولأن الإمام قد يكون مترددًا في نفسه أحصل منه سهو أم لا، فيبني على الأصل وهو عدم السهو، فإذا نبهه غيره جزم بوقوع ذلك منه، فصحح صلاته، والله أعلم.
• دليل من قال: لا يرجع إلى خبر غير المأموم:
(ح-٢٦٦٧) بما رواه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم .... (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (إذا شك أحدكم فليطرح الشك) فقوله: (أحدكم) عام في الإمام والمأموم والفذ، فدل الحديث أن الشاك في صلاته يرجع إلى ما استيقن عند
стр. 7611
الشك، لا إلى يقين غيره، لأن الصلاة واجبة عليه بيقين، فلا يخرج منها إلا بيقين، وخبر غيره يفيد الظن، وهذا قول الشافعية، حيث أخذوا بالعموم من غير فرق بين خبر المأموم وغيره.
ولأننا إذا رجحنا أن المصلي إذا شك لا يتحرى، ويأخذ بالمستيقن، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية، فالأخذ بخبر غيره كالأخذ بالتحري؛ لأن كلًا منهما يفيد الظن، فلو كان الظن معمولًا به مع إمكان اليقين، لكان هذا دليلًا على صحة التحري إذا شك المصلي، وقد قدمت أن لفظ التحري معلٌّ، أعله الإمام أحمد والنسائي والدارقطني وغيرهم.
واستثنى المالكية خبر المأموم من هذا العموم، فقالوا: يرجع الإمام إلى خبر مأموميه لرجوع النبي ﷺ في حديث أبي هريرة إلى خبر أصحابه حين صدقوا ذا اليدين، ولارتباط صلاته بصلاتهم، فهم في حكم الصلاة الواحدة، وبقي ماعداه على المنع، والله أعلم.
• ويناقش:
هناك فرق بين التحري وبين خبر غير المأموم، فالأخذ بالتحري هو عمل بالشك؛ لأن التحري عمل بالظن، والظن فرد من أفراد الشك، وقد أمر الشارع بطرح الشك، فيدخل فيه طرح الظن، قال الأزهري في موضع من التهذيب: «الظن هو الشك .... وقد استعمل الفقهاء الشك في الحالين على وفق اللغة نحو قولهم: من شك في الطلاق، ومن شك في الصلاة: أي من لم يستيقن، وسواء رجح أحد الجانبين أم لا، وكذلك قولهم: من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، وعكسه، أنه يبني على اليقين» (١).
بخلاف إذا أخبر عدل عن يقين بأن الصلاة ناقصة، فهو يقطع بصحة خبره، واحتمال الظن في خبره لم يأت من قبل اعتقاد المخبر، فالمخبر يجزم بالنقص، وإنما لجواز احتمال الخطأ عليه، والأصل عدم الخطأ، ولو رد الخبر بالتجويز
стр. 7612
العقلي لردت أكثر الأحاديث، ولهذا لو ساق الراوي الحديث بالظن لم يقبل خبره، وإذا جزم به قُبِل، وإن أفاد الظن، فهذا يكشف الفرق بين الأخذ بالتحري وبين قبول خبر العدل، والله أعلم.
• الراجح:
أن الإمام يرجع إلى خبر غير المأموم إذا أخبره عن نقص في صلاته، ولم يجزم الإمام بصواب نفسه، والله أعلم.
стр. 7613
المبحث الثاني موقف الإمام إذا سبح به المأموم
الفرع الأول إذا سبح به عدل واحد والإمام يعتقد صواب نفسه
المدخل إلى المسألة:
• إذا تيقن الإمام صواب نفسه، لم يترك ذلك لقول غيره؛ لأن الإمام مكلف بما يعتقده، لا بما يعتقده غيره.
• خبر العدل الواحد لا يفيد بالنسبة إلى الإمام إلا الظن؛ ولو زعم أنه يخبر عن يقين؛ لجواز الخطأ عليه، فلا يقدم ظن الأجنبي على ما يعتقده الإمام في نفسه.
• الأصل سلامة الصلاة من السهو.
• إذا أخبر العدل بخلاف الأصل كان من تعارض الظاهر مع الأصل، فقدم الأصل؛ لقوته، ولمعارضة هذا الظاهر بظاهر أولى منه، وهو مخالفته لاعتقاد الإمام، وعدم مواطأة بقية المأمومين.
[م- ٩١٧] لو أخبر الإمامَ عدلٌ واحد بأنه نقص من صلاته، والإمام يعتقد أنه صلاته تامة لم يلتفت إلى خبره قولًا واحدًا (١).
стр. 7614
قال في المهذب: «إن لم يقع للإمام أنه سها لم يعمل بقول المأموم» (١).
ولأن خبر العدل الواحد لا يفيد إلا الظن؛ ولو زعم أنه يخبر عن يقين؛ لجواز الخطأ عليه، فلا يقدم على ما يعتقده الإمام في نفسه.
ولأن خبر المأموم من تعارض الأصل والظاهر:
فالأصل سلامة الصلاة من السهو.
والظاهر وقوع الإمام في السهو لخبر المأموم.
وإذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما، والأصل أقوى، لأن هذا الظاهر عارضه ظاهر أولى منه، وهو مخالفته لاعتقاد الإمام، وعدم مواطأة بقية المأمومين، والله أعلم.
стр. 7615
الفرع الثاني إذا سبح عدل واحد ولم يجزم الإمام بصواب نفسه
المدخل إلى المسألة:
• يجب قبول خبر العدل إذا سبح بالإمام، ولم يجزم بصواب نفسه؛ لأنه خبر ديني لا معارض له، كما يقبل خبر المؤذن بدخول الوقت، والإمساك، والإفطار في رمضان، وكما تقبل روايته، وخبره عن طهارة الماء، ونجاسته.
• إذا رد خبر العدل الواحد بعلة إفادة الظن، فخبر الاثنين، والثلاثة مثله لا يفيد العلم.
• قَبِل الصحابة خبر الواحد في التحول عن القبلة، وهم في الصلاة، فكذلك إذا أخبر عدل بنقص الصلاة، واحتمل الأمر صدقه، ولم يعارضه ما هو أقوى منه.
• النبي ﷺ لم يقبل خبر ذي اليدين حتى صدقه الصحابة؛ لمعارضته ما في نفسه من قوله: (لم أنس، ولم تقصر).
• رد خبر العدل الواحد، ولو كان متيقنًا؛ لجواز الخطأ عليه، لو قبل هذا التجويز العقلي لردت أكثر السنة، والأصل عدم الخطأ.
• من قال: لابد من اثنين، خرَّج خبر المأموم على الشهادة، وعلى تعارض الأصل والظاهر، فالأصل: سلامة الصلاة من السهو، والظاهر: وقوع السهو؛ لخبر الواحد؛ فقدم الأصل؛ لضعف الظاهر؛ لكونه واحدًا، مع عدم مواطأة أحد من المأمومين خاصة إذا كانوا جماعة.
[م- ٩١٨] إذا سبح بالإمام عدل واحد فإن صدقه الإمام أو ظن صدقه، أو شك في صدقه وخطئه، فهل يأخذ بقول الواحد؟
стр. 7616
فقيل: يعيد احتياطًا، وبه قال محمد بن الحسن، وظاهر هذا الاستحباب (١).
• وجه من قال يعيد احتياطًا:
لما كان المخبر واحدًا؛ لم يلزم الإمام بقبول خبره؛ لجواز الخطأ عليه، واستحبت الإعادة من باب الاحتياط للعبادة.
• ونوقش:
بأن الإعادة ليست مشروعة، ولو كان المخبر جماعة، فكيف إذا كان واحدًا؛ لأننا إن قبلنا خبر العدل الواحد إذا ظن الإمام صدقه، فالسهو لا يخلو، إما أن يكون في الأركان أو في غيرها، فالأول المشروع في حقه أن يأتي بما ترك. والثاني: يكتفي بسجود السهو، وإما إن كان المتروك من السنن فلا يجب جبره بالسجود، واختلف في استحباب جبره، وقد بحثت المسألة في مبحث مستقل، وفي الحالين لا تشرع إعادة الصلاة إلا لمبطل، والسهو لا يبطل الصلاة، فلا وجه للقول باستحباب الإعادة.
وقيل: لا يأخذ بقول الواحد، وهو قول في مذهب المالكية، ومذهب الحنابلة (٢).
стр. 7617
جاء في الإنصاف: «مفهوم كلام المصنف أنه لا يلزمه الرجوع إذا سبح به واحد، وهو صحيح، وهو المذهب، وأطلق الإمام أحمد أنه لا يرجع لقوله» (١).
• دليل من قال: لا يأخذ بخبر الواحد مطلقًا:
(ح-٢٦٦٨) ما رواه البخاري ومسلم، من طريق مالك، عن أيوب، عن محمد،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال: أصدق ذو اليدين؟، فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع، ثم كبر فسجد مثل سجوده، ثم رفع (٢).
(ح-٢٦٦٩) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب،
عن عمران بن حصين، أن رسول الله ﷺ صلى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه، حتى انتهى إلى الناس، فقال: أصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى ركعة، ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم (٣).
وجه الاستدلال:
قوله: (أصدق ذو اليدين) وقوله في حديث عمران: (أصدق هذا) فالنبي ﷺ لم يقبل قول الواحد حتى رجع إلى جماعة المصلين.
• ويجاب:
بأن النبي ﷺ لم يقبل خبره؛ لمعارضته ما في نفسه من قوله: (لم أنس، ولم
стр. 7618
تقصر)، فطلب مرجحًا من جهة المصلين.
وقيل: يرجع إلى قول العدل الواحد إذا كان المخبر مأمومًا، وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
• وجه القول بقبول خبره:
أنه خبر ديني، فيقبل فيه خبر الواحد العدل، كما يقبل خبره في دخول وقت الصلاة، وفي القبلة، وفي طهارة الماء ونجاسته، ولذلك الشارع لم يفرق فيه بين خبر الرجل والمرأة؛ وطلب من المرأة التصفيق، كما طلب التسبيح من الرجل، ولو كان من قبيل الشهادة لاشتُرِط فيه عدلان.
ولأنه إذا تعارض شك الإمام، ويقين المأموم، قدم اليقين.
وانظر أدلة هذا القول فيما إذا سبح رجل من غير المصلين فقد استوفيت أدلته هناك، فهذا مقيس عليه، إن لم يكن أولى منه.
وقيل: إن أخبره بالزيادة فلا بد من عدلين، وإن أخبره بالنقص رجع فيه لكل مخبر، ولو كان واحدًا، وهو المذهب عند المالكية (٢).
وعللوا ذلك: بأن النقص يوجب للإمام شكًّا في عدم إتمام صلاته، فشرع جبره بسجود السهو، بخلاف الزيادة.
وقيل: عكسه، فيرجع إلى ثقة في زيادة فقط، اختاره أبو محمد بن الجوزي (٣).
стр. 7619
ولا أعلم وجه التفريق بين الإخبار بالزيادة أو النقص؛ فالموقف إنما هو من قبول خبر الواحد، من غير فرق بين زيادة ونقص.
فمن قال: لابد من اثنين، فإما أنه خرَّج ذلك على الشهادة، وهو الراجح.
أو خرَّجه على تعارض الأصل والظاهر، ووجد الأصل أقوى من الظاهر،
فالأصل: سلامة الصلاة من السهو.
والظاهر: وقوع السهو؛ لخبر الواحد.
فقدم الأصل؛ لأن المخبر واحد، وهو نوع من الضعف في الخبر، مع سكوت بقية المأمومين خاصة إذا كانوا جماعة.
ومن قال: يكفي خبر الواحد، خرَّج ذلك على الخبر الديني كما تقبل رواية الرجل الواحد والمرأة الواحدة.
وأما كون المخبر يخبر عن زيادة، أو عن نقص، فلا وجه للتفريق بينهما في القبول والرفض، والله أعلم.
وقيل: لا يجوز للمصلي الرجوع في قدر صلاته إلى قول غيره مطلقًا، ما لم يقع في نفسه أنه سها، ولو كان المخبر جماعة، ويبني على اليقين إذا شك، وهذا مذهب الشافعية، وبه قال المالكية في المأموم والفذ دون الإمام (١).
قال في أسنى المطالب: ولا يقلد غيره وإن كثروا (٢).
• دليل الشافعية على أنه لا يرجع إلى قول غيره في قدر صلاته:
الدليل الأول:
أن الحكم الشرعي في الرجل إذا شك في صلاته أن يبني على ما استيقن من صلاته، ولا يرجع إلى قول أحد.
(ح-٢٦٧٠) لما رواه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
стр. 7620
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم .... (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (إذا شك أحدكم) عام في الإمام والمأموم والفذ، وقوله: (فليطرح الشك وليبن على ما استيقن) أمر بطرح الشك والبناء على اليقين، والأصل في الأمر الوجوب، فلم يؤمر الشاك بتقليد غيره.
• ونوقش:
بأن عموم حديث أبي سعيد مخصوص بقصة ذي اليدين، حيث رجع النبي ﷺ إلى قول المصلين، والخاص مقدم على العام، فقد قال ﷺ : أصدق ذو اليدين، قالوا: نعم، فأخذ بقول الجماعة.
قال ابن رشد نقلًا من التاج والإكليل: «السنة قد أحكمت إذا شك الرجل في صلاته أن يرجع إلى يقينه لا إلى يقين غيره فذًّا كان، أو إمامًا، فخرج من ذلك رجوع الإمام إلى يقين من خلفه لحديث ذي اليدين، وبقي ما عداه على الأصل» (٢).
• وأجيب:
قال النووي: «النبي ﷺ سألهم ليتذكر، فلما ذكروه تذكر، فعلم السهو، فبنى عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه، والرجوع إلى قول غيره لرجع ذو اليدين حين قال ﷺ لم تقصر ولم أنس» (٣).
• ورد هذا:
القول بأن النبي ﷺ حين ذُكِّر عَلِم سهوه ضرب من الافتراض، لا سبيل إلى الوقوف عليه، إلا مجرد التأويل لموافقة المذهب، فظاهر الحديث كما قال النبي ﷺ : لم أنس ولم تقصر، وفي رواية مسلم قال ﷺ جوابًا على قول ذي اليدين: (أقصرت
стр. 7621
الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ : كل ذلك لم يكن) (١)، فجزم بنفي النسيان، ولم يأت في الرواية ما يعارضه فهل ترك النبي ﷺ ما جزم به موافقة لجماعة المصلين لكثرتهم، أو أنه ﷺ قال ذلك على سبيل الظن، وليس على سبيل القطع، محتمل، ولا سبيل للوقوف على ذلك، أما دعوى أن النبي ﷺ حين ذكروه علم بسهوه، فذلك دعوى لا برهان عليها من النص.
(ح-٢٦٧١) ويؤيد ذلك ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
قال عبد الله صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك، قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم … الحديث (٢).
فقولهم: (أحدث في الصلاة شيء) أي من الوحي، فقال ﵇: وما ذاك؟ وهو سؤال من لم يشعر بما وقع منه، فقالوا: صليت كذا وكذا، إشارة إلى ما وقع منه، قال الراوي: (فثنى رجليه)، فعبر بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب ولم يمهل ليتذكر حتى يعلم بسهوه، فدل على جواز الرجوع إلى قول الغير إما مطلقًا، وإما إذا لم يقطع بصواب نفسه، والله أعلم.
الدليل الثاني:
القياس على الحاكم إذا نسي حكمًا حكم به، فشهد شاهدان عليه أنه حكم به، وهو لا يذكر، لم يأخذ بقول الشهود.
• ورد هذا:
بأن هذه المسألة متنازع فيها، فالمالكية والحنابلة يرون أنه يثبت الحكم بشهادتهما،
جاء في روضة المستبين في شرح كتاب التلقين: «وإذا نسي الحاكم حكمًا حكم به، فإن شهد به عنده عدلان نفذ بشهادتهما، وكذلك عندنا إذا أنكر أن يكون حكم به، فشهد رجلان على حكمه به، ثبت الحكم بشهادتهما، وهذا تنبيه على خلاف الشافعي
стр. 7622
وأبي حنيفة حيث قالا: إن لم يذكر حكمه لم تنفع شهادة الشهود شيئًا» (١).
وجاء في جواهر العقود ومعين القضاة: «ولو نسي الحاكم ما حكم به فشهد عنده شاهدان أنه حكم بذلك:
قال مالك وأحمد: تقبل شهادتهما، ويحكم بها.
وقال أبو حنيفة والشافعي لا تقبل شهادتهما، ولا يرجع إلى قولهما حتى يذكر أنه حكم به» (٢). والله أعلم.
• الراجح:
أنه ما لم يتيقن صواب نفسه فإنه يرجع إلى تسبيح الواحد إذا غلب على ظنه صدقه، لأنه خبر ديني، لا معارض له، وتجويز الخطأ عليه لا يكفي لرد خبره؛ لأن الأصل عدم الخطأ، والله أعلم.
стр. 7623
الفرع الثالث إذا سبح بالإمام اثنان فأكثر من المصلين
المدخل إلى المسألة:
• يقين الإمام في نفسه مقدم على خبر المأموم؛ لأن خبر المأموم بالنسبة إليه لا يفيد إلا الظن، ولا يقدم الظن على يقين نفسه.
• الخطأ كما يجوز على الإمام يجوز على المأموم، فليس أحدهما بأولى بالاتباع من الآخر.
[م-٩١٩] إذا سبح بالإمام ثقتان فأكثر، فإما أن يجزم الإمام بصواب نفسه أولا:
• فإن جزم بصواب نفسه:
فقيل: لا يرجع إلى قولهم مطلقًا، وإن كثروا، وهو مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، وقال به الرَّجْرَاجِيُّ من المالكية (١).
стр. 7624
وقال أبو الخطاب من الحنابلة: «يرجع إلى قولهما، ولو تيقن صواب نفسه» (١).
وقال المالكية: لا يرجع، إلا إن كثروا جدًّا حتى بلغوا حد التواتر، بحيث يستحيل تتابعهم على الخطأ، فيترك يقينه لقولهم، وهو وجه في مذهب الشافعية، قال به أبو علي الطبري، وصحح المتولي الرجوع (٢).
• وجه قول الجمهور:
لأن قول غيره يفيد الظن، ويقينه في نفسه أولى بالاتباع من تقليد غيره.
• وتعقب:
بأن ظاهر السهو الذي وقع للنبي ﷺ أنه ترك اعتقاده لقول الجماعة، فقد أبان عن اعتقاده بقوله: (لم أنس ولم أقصر)، وفي رواية قال جوابًا على قول ذي اليدين: (أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ : كل ذلك لم يكن) (٣)، ولا يجزم بنفي النسيان إلا إن كان يجزم بصواب نفسه، ومع ذلك حين صدَّق الجماعة على قول ذي اليدين رجع إلى قولهم وترك اعتقاده، إلا أن يقال: إن النبي ﷺ قال ذلك على سبيل الظن، وليس على سبيل الجزم، ولا سبيل للوقوف على ذلك، والله أعلم.
стр. 7625
• وجه قول المالكية:
أن الإمام مكلف بما يعتقده في نفسه في وقت يجوز وقوع الخطأ من المصلين، أما إذا حصل بخبرهم العلم الضروري الذي يمتنع معه وقوع الخطأ منهم وجب اتباعهم، وإلا بطلت صلاته.
وكنت أظن أنه لا ينبغي الخلاف في شرط المالكية إذا تحقق العلم الضروري، ولهذا نص الدسوقي أنه يقبل الخبر في مثل هذه الحالة مطلقًا سواء كانوا من مأموميه أو لا، وسواء تيقن صدقهم، أو ظنه، أو شك فيه، أو جزم بكذبهم، ولا يعمل على يقينه (١)، إلا أن النووي حكى الخلاف حتى في مثل هذه الحالة.
جاء في المجموع: «وذكر جماعة فيما إذا كان المخبرون كثيرين كثرة ظاهرة بحيث يبعد اجتماعهم على الخطأ وجهين:
أحدهما: لا يرجع إلى قولهم.
والثاني: يرجع، وممن حكاهما المتولي، والبغوي، وصاحب البيان، قال في البيان: قال أكثر الأصحاب لا يرجع إليهم، وقال أبو علي الطبري: يرجع، وصحح المتولي الرجوع لحديث ذي اليدين السابق في باب السهو، فإن ظاهره رجوع النبي ﷺ إلى قول المأمومين الكثيرين … » (٢).
إلا أن يحمل على عدد يبعد اجتماعهم على الخطأ، ولا يمتنع، فهذا ممكن.
• وإن لم يجزم بصواب نفسه، فاختلفوا:
فقيل: يرجع إلى قولهم، وهو قول الجمهور، ونص الحنابلة بأنه لا يرجع إلى فعلهم من غير تنبيه (٣).
стр. 7626
واستدلوا لقولهم:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٧٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
قال عبد الله صلى النبي ﷺ قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك، قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين، ثم سلم … الحديث (١).
وفي الباب قصة ذي اليدين من حديث أبي هريرة في الصحيحين وحديث عمران بن الحصين في مسلم، حيث رجع النبي ﷺ إلى قول أصحابه في وقوع السهو منه في الصلاة.
الدليل الثاني:
ولأن القاضي يأخذ بشهادة العدلين، ويترك الأصل واليقين، وهو براءة الذمة، وهذا بالإجماع، وهو من المواضع التي اتفق الفقهاء فيها على تقديم الظاهر على الأصل، ومثله إذا شهد رجلان برؤية الهلال، فإن الحاكم يرجع إلى قولهما، ويترك الأصل واليقين وهو بقاء الشهر، فكذلك إذا نبه عدلان إلى سهو الإمام لزمه الرجوع إلى قولهما، ما لم يتيقن الإمام صواب نفسه، والله أعلم.
стр. 7627
الدليل الثالث:
كل دليل استدللت به على قبول خبر الواحد، فإنه يستدل به على قبول خبر الاثنين فأكثر، باعتبار أن ذلك خبر ديني، لا معارض له، وكما نقبل خبر الواحد العدل في دخول وقت الصلاة، وفي نجاسة الثوب والماء، والطعام، وكما نفطر في رمضان ونمسك بخبر المؤذن، وهو واحد، فكذلك إذا أخبر اثنان عدلان أو أكثر، وقد تقدم ذكر هذه الأدلة فارجع إليها إن شئت.
وقال الشافعية: لا يرجع إلى قول أحد في قدر صلاته، فإذا شك أخذ بما استيقن، وبنى عليه (١).
وقد ذكرت دليل الشافعية فيما سبق، وأجبت عنه.
• الراجح:
أنه إذا لم يجزم بصواب نفسه فإنه يأخذ بخبر المأمومين، وإذا تيقن صواب نفسه فلا يرجع إلى قول المأمومين إلا أن يكثروا جدًّا حتى يحصل منهم العلم الضروري بأن السهو قد وقع منه، فحينئذ يدع يقينه إلى قولهم، والله أعلم.
стр. 7628
المبحث الثالث موقف المأموم إذا زاد الإمام ركعة ولم يأخذ بتنبيهه
تمهيد
الإمام إذا قام إلى ركعة زائدة، وسبح به المأموم فلم يرجع، فإما أن يفارقه، وإما أن يتابعه، وإذا تابعه، فإما أن يتابعه عالمًا عامدًا، وإما أن يتابعه جاهلًا أو ساهيًا، وإما أن يتابعه لاعتقاده أن الإمام قام لموجب دعاه إلى ذلك، كما لو ظن أن الإمام ربما ترك قراءة الفاتحة، ففسدت عليه ركعة، فأراد الإمام بالقيام إلى الركعة الزائدة تعويض الركعة الفاسدة، فما موقف المأموم من هذه الحالات الثلاث أو الأربع؟ ومتى يجب عليه متابعة الإمام في الركعة الزائدة؟ ومتى يجب عليه مفارقته؟ ومتى تكون متابعة الإمام تفسد على المأموم صلاته؟ ومتى لا تفسد عليه ذلك؟
هذا ما سوف أتعرض له إن شاء الله تعالى في المباحث التالية إن شاء الله تعالى.
стр. 7629
المسألة الأولى في مفارقة المأموم لإمامه إذا زاد ركعة في صلاته
المدخل إلى المسألة:
• زيادة الإمام في ركعات الصلاة منكر في صورته الظاهرة، فلا يجوز للمأموم متابعته، بصرف النظر عن السبب الذي حمل الإمام على إصراره على الزيادة.
• الأمور محمولة على ظاهرها، وليس في الوسع التكليف بما خفي.
• كل من الإمام والمأموم مكلف بما يعتقده في نفسه، وكل منهما يجوز عليه الخطأ، فليس أحدهما أولى بالاتباع من الآخر.
• إذا تابع المأموم إمامه في ركعة زائدة مع علمه بزيادتها، ولم يك جاهلًا، ولا متأولًا، بطلت صلاته، كما لو زاد ركعة في صلاته عالمًا عامدًا.
• كون ركعة الإمام مترددة بين الصحة والبطلان ليس مسوغًا لمتابعته، إذا لم يشاركه المأموم في سبب الزيادة، كما لو صلى المأموم المغرب خلف من يصلي العشاء.
• اعتقاد المأموم بطلان ركعة الإمام يبطل الاقتداء به، فمتابعته، وهو يعتقد بطلان الركعة بمنزلة من يقتدي بإمام، وهو يعلم أنه محدث، وإذا بطلت متابعته لزمه مفارقته.
[م-٩٢٠] إذا قام الإمام إلى ركعة زائدة في صلاته، فسبح به المأموم ولم يرجع:
فقيل: يجب على المأموم مفارقته، فإن تابعه عالمًا عامدًا بطلت صلاته، وهو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية وبه قال الحنابلة في المعتمد، قال ابن النجار: وهو أصح الروايات في المسألة (١).
стр. 7630
وقيل: يفارقه المأموم إن كان الإمام قد قعد القعدة الأخيرة، وسجد الإمام في الركعة الزائدة، فيسلم المقتدي وحده، وقبل ذلك ينتظره جالسًا.
وإن سها الإمام عن القعدة الأخيرة، وسجد في الركعة الزائدة بطلت الفريضة منهما جميعًا، وانقلبت صلاة الإمام إلى نفل عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد بن الحسن: لا تنقلب، بل تبطل لبطلان التحريمة.
وإن عاد الإمام قبل أن يسجد في الركعة الزائدة سلم معه المقتدي، وصحت صلاتهما، وسجدا للسهو، وهذا مذهب الحنفية (١).
وقيل: ينتظره المأموم ليسلم معه قيل: وجوبًا، وقيل: استحبابًا، وهما روايتان عن الإمام أحمد (٢).
وقيل: تجب متابعته في الركعة، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣).
стр. 7631
وقيل: يخير بين الانتظار والمتابعة، وهو رواية رابعة عن الإمام أحمد (١).
• وجه القول بوجوب مفارقته:
الوجه الأول:
أن المأموم إن تابع إمامه كان حكمه حكم من زاد ركعة في صلاته عالمًا عامدًا، ومثله تبطل صلاته.
الوجه الثاني:
إن قلنا ببطلان صلاة الإمام، أو بطلان الركعة لم يجز اتباعه؛ لبطلان الاقتداء، فكان في حكم من اقتدى بإمام، وهو يعلم أنه محدث، وإذا بطلت متابعته لزمه مفارقته.
وإن قلنا بصحة ركعة الإمام فالمتبع يعتقد خطأه فيها، ولا يكلف إلا بما يعتقده.
• دليل من قال: تجب متابعته:
الدليل الأول:
لا يمكن القطع بأن الركعة باطلة في حق الإمام، لأن الإمام يحتمل أن يكون قام للخامسة لموجب علمه، وخفي على المأموم، كما لو نسي الإمام قراءة الفاتحة في ركعة، وأراد أن تكون الخامسة بدلًا عن الركعة الفاسدة، وإذا ترددت الركعة بين البطلان والصحة، فالأصل الصحة.
ولأن المتابعة واجبة بيقين، فلا تسقط بمجرد الشك.
• ويناقش:
بأن المأموم حتى لو علم أن الإمام قام لموجب، فإن ذلك لا يسوِّغ متابعته؛ لأن بطلان صلاة الإمام لا يتعدى إلى صلاة المأموم على الصحيح إلا أن يشاركه المأموم في سبب البطلان، فلكل صلاته، فلو قُدِر أن الإمام نسي قراءة الفاتحة، فإن كان قد ترك ذلك فيما يجهر به، والمأموم ترك القراءة لواجب الاستماع والإنصات، فيجب على المأموم تنبيهه، وإن كان قد ترك ذلك في الصلاة السرية، أو في الركعات
стр. 7632
السرية، فقد قرأ المأموم الفاتحة فيها، فلا يسري بطلان الركعة إلى المأموم، وإن كان الإمام قد نسي ركنًا فعليًّا، فعلى المأموم تنبيهه ليرجع، فإن سها المأموم وتابعه على الترك فقد شاركه في السهو، ففسد الركن على الجميع، لذا لا يتصور أن قيام الإمام لركعة خامسة لموجب دعاه إلى ذلك يوجب على المأموم متابعته، إلا أن يشاركه في المقتضي، والله أعلم.
الدليل الثاني:
يمكن الاستدلال للقول بأن الفقهاء اغتفروا أنواعًا من الزيادات من أجل واجب المتابعة، حتى لو غير ذلك هيئة الصلاة، أرأيت المسبوق بركعة إذا دخل مع الإمام، فصلى مع الإمام ركعة، فجلس الإمام للتشهد وجب على المأموم الجلوس معه، وإن لم يكن موضعًا لجلوسه، وهو زيادة في صلاته، اغتفرت من أجل واجب المتابعة، وإذا صلى الإمام الركعة الثالثة كانت في حق المسبوق الركعة الثانية، ومع ذلك يدع القعدة الأولى والتشهد لواجب المتابعة، فإذا كان المأموم يتابع إمامه، ولو تغيرت هيئة الصلاة، بأن زاد فيها ما ليس منها، وترك فيها ما هو منها، فقد يكون القول بالوجوب مخرجًا على هذا التوجيه.
• ويناقش:
بأن هذه الأفعال لم تخرج بالصلاة عن عدد الركعات المفروضة بخلاف القيام إلى الخامسة فإنه تغيير لعدد الركعات حتى تصبح الرباعية خماسية، والثلاثية رباعية، وهذا لا يمكن قبوله، والله أعلم.
• دليل من قال: ينتظره ليسلم معه إما وجوبًا أو استحبابًا:
لما كان الإمام يحتمل أن يكون معذورًا في الركعة الخامسة، فإن الإمام إذا سبح به، واعتقد صواب نفسه لا يجوز له أن يتبع المأموم ويدع ما يعتقده صوابًا، وصار كل من الإمام والمأموم مكلفًا بما يعتقده في نفسه، وكل منهما يجوز عليه الخطأ، فليس أحدهما أولى بالاتباع من الآخر، وقد يكون الإمام قام إلى الخامسة لموجب علمه، كما لو نسي قراءة الفاتحة.
لهذا لم تجب المتابعة؛ لأن كلًّا منهما مكلف بما يعتقده.
стр. 7633
ولم تجب المفارقة؛ لأن الإمام في فعله متبع للحكم الشرعي، وإن جاز عليه الخطأ، كالمأموم، ولو خالف الإمام ما يعتقده بطلت صلاته. وإنما تجب مفارقته لو كان مقطوعًا ببطلان صلاته، وإذا لم يقطع بذلك كان على المأموم انتظاره؛ ليسلم معه: إما استحبابًا وإما وجوبًا، والله أعلم.
• دليل من قال: يتخير بين المتابعة والمفارقة:
لما كانت صلاة الإمام للركعة الخامسة مترددة بين الصحة والبطلان، كان المأموم مخيَّرًا بين المتابعة والمفارقة.
• ويناقش:
لو قيل: يخير المأموم بين المفارقة والانتظار لكان محتملًا، وأما المتابعة فلا يسوغ التخيير فيها لما تقدم، فإن كانت صلاة المأموم تامة حرمت عليه المتابعة؛ لأن ذلك زيادة في صلاته، وإن كانت صلاة المأموم ناقصة وجب عليه المتابعة لإتمامها، فكيف يسوغ تخيير المأموم بين زيادة الركعة وتركها، والصلاة ركعاتها معلومة لا تقبل الزيادة ولا النقص، فهي إما زائدة فتكون حرامًا، وإما لإتمام نقص فتكون واجبة.
وكون ركعة الإمام مترددة بين الصحة والبطلان، فليس مسوغًا لمتابعته إذا لم يشاركه المأموم سبب البطلان، كما لو صلى المأموم المغرب خلف من يصلي العشاء، فإن الإمام يقوم إلى ركعة أصلية، ومع ذلك لا يجوز للمأموم متابعته؛ لأنها ركعة زائدة في حق المأموم، فوجب على المأموم: إما انتظاره، وإما مفارقته، وخشيت أن يكون هناك خطأ من النساخ، في التخيير بين المتابعة والمفارقة، إلا أني وجدت الفروع، والإنصاف والمبدع ومعونة أولي النهى متوافقة على التخيير في المتابعة، ولا يعلم هذا القول إلا عند الحنابلة، وهو من غريب القول إلا أن أكون قد أوتيت من سوء فهمي، فالعتب على الفهم.
• دليل من قال: يفارقه إن سجد الإمام في الركعة الزائدة:
ذهب الحنفية إلى أن الإمام إذا قام إلى خامسة في الظهر، أو رابعة في المغرب، لم يتابعه المقتدي، وسبح به، فإن رجع الإمام قبل أن يصلي ركعة كاملة سَلَّم معه
стр. 7634
المقتدي، وسجدا للسهو، وصلاتهما صحيحة.
وجهه: لأن زيادة ما دون الركعة لا يبطل الصلاة، ويقبل الرفض.
فإن صلى ركعة، والركعة تتقيد بسجدة، والثانية تكرار، فالركعة لا يمكن رفضها عندهم، وزيادة ركعة شروع في النافلة عندهم. فهل شروعه في النافلة يبطل الفريضة أو لا؟ فيه تفصيل:
إن كان حين قام إلى الركعة الزائدة قد سها عن القعدة الأخيرة، بطل فرضه.
وجه القول بالبطلان: أن القعدة الأخيرة ركن، والأركان لا تسقط بالسهو، وصلاته ركعة كاملة شروع في النافلة قبل إكمال الفريضة، وذلك مبطل للفريضة، فتنقلب جميع الركعات إلى نفل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ويستحب له أن يضيف سادسة لتصير الست نفلًا، ويسجد للسهو؛ لا جبرانًا للفرض الباطل، ولكن لدخوله النفل على غير الوجه المسنون.
وتبطل فريضة المقتدي؛ لبطلان فرض إمامه؛ وذلك لارتباط صلاته بصلاته عند الحنفية، فإذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم عندهم.
وإن كان حين قام إلى الركعة الزائدة قد قعد القعدة الأخيرة، وقام منها يظنها الأولى، فإذا سجد في الركعة الزائدة فقد صح فرضه.
وجه القول بعدم البطلان: لأنه خرج من الفريضة بعد إتمامها، وعند الحنفية أن المصلي إذا أتم القعدة الأخيرة يخرج من الصلاة بكل فعلٍ منافٍ لها، ولا يشترط لفظ السلام، ومنه شروعه في النافلة، وقد ذكرت دليلهم عند الكلام على حكم التسليم في الصلاة في المجلد العاشر.
ويفارقه المقتدي، ويسلم وحده، ويصح فرضه؛ لصحة فرض إمامه، لأنه إذا لم يبطل فرض الإمام لم يبطل فرض المأموم، هذه هي الحال التي يصح فيها للمقتدي مفارقة إمامه، وهو أن يكون قام إلى الركعة الزائدة بعد أن قعد القعدة الأخيرة، وسجد في الركعة الزائدة.
ويستحب للإمام أن يضيف للركعة أخرى، لتكون الركعتان نافلةً له، فاجتمع للإمام الفرض والنفل بتحريمة واحدة.
стр. 7635
والحقيقة أن مذهب الحنفية، وما انفردوا فيه يوجب المناقشة في أكثر من وقفة، ومنها:
قولهم: السجود في الركعة الزائدة يمنع الرجوع، فإن كان قد قعد القعدة الأخيرة صح فرضه، وإلا بطلت الفريضة على كليهما: الإمام والمأموم.
• هذا لا دليل عليه، لأمور:
الأول: الركعة الزائدة باطلة، لأنه نواها جزءًا من الفريضة، وهي زائدة عليها، فلا تنقلب الركعة إلى نافلة قبل إتمام الفريضة، والخروج منها.
الثاني: الحكم بخروجه من فريضته، وهو لم ينو الخروج، وشروعه في النافلة، وهو لم ينو الشروع من غريب القول، وإنما الأعمال بالنيات.
الثالث: الزعم بأن الركعة صلاة، ولا يمكن رفض الركعة، كان الأولى أن يعكس، فيقال: الركعات التي صلاها بنية الفريضة صلاة أيضًا، لا يمكن رفضها حتى يتمها، ويخرج منها، فإبطال الفريضة رفض بالمعنى.
الرابع: الركعة الزائدة لو نواها نافلة لم تنعقد حتى يعقدها بتحريمة مستقلة، فكيف، وهو يعتقد أنها جزء من فريضته، فقولهم ببناء النافلة على الفريضة بتحريمة واحدة قول ضعيف جدًّا.
وأعتقد أن هذا القول من الحنفية من قبيل الرأي المحض الذي لم يبن على أثر، ولم يكن لهم فيه سلف من أقوال الصحابة حسب علمي القاصر.
ومن أجل ضعف قول الحنفية أخرت ذكر دليلهم حتى لا يشوش ذلك على فهم المسألة عند المتلقي، ولم أشأ ترك القول لضعفه؛ لأنه قول مأثور عن مذهب معتبر عند عامة المسلمين، فلا ينبغي تجاهله، وقد يكون القول عند غيري راجحًا، وأنا أكتب لطلبة العلم، وهم يستطيعون أن يميزوا الصحيح من الضعيف، وضعف القول عند الحنفية، لا يقلل من أهمية مذهب الحنفية، فكل مذهب فيه أقوال ضعيفة، وأقوال قوية، والحق لم يجتمع في مذهب واحد، أو فقيه واحد، والله أعلم.
• الراجح:
أنه لا يجوز للمأموم متابعته؛ إذا علم أن ركعته زائدة، فإن تابعه بطلت صلاته إلا أن يكون متأولًا، والله أعلم.