وقيل: يخير بين الانتظار والمتابعة، وهو رواية رابعة عن الإمام أحمد (١).
• وجه القول بوجوب مفارقته:
الوجه الأول:
أن المأموم إن تابع إمامه كان حكمه حكم من زاد ركعة في صلاته عالمًا عامدًا، ومثله تبطل صلاته.
الوجه الثاني:
إن قلنا ببطلان صلاة الإمام، أو بطلان الركعة لم يجز اتباعه؛ لبطلان الاقتداء، فكان في حكم من اقتدى بإمام، وهو يعلم أنه محدث، وإذا بطلت متابعته لزمه مفارقته.
وإن قلنا بصحة ركعة الإمام فالمتبع يعتقد خطأه فيها، ولا يكلف إلا بما يعتقده.
• دليل من قال: تجب متابعته:
الدليل الأول:
لا يمكن القطع بأن الركعة باطلة في حق الإمام، لأن الإمام يحتمل أن يكون قام للخامسة لموجب علمه، وخفي على المأموم، كما لو نسي الإمام قراءة الفاتحة في ركعة، وأراد أن تكون الخامسة بدلًا عن الركعة الفاسدة، وإذا ترددت الركعة بين البطلان والصحة، فالأصل الصحة.
ولأن المتابعة واجبة بيقين، فلا تسقط بمجرد الشك.
• ويناقش:
بأن المأموم حتى لو علم أن الإمام قام لموجب، فإن ذلك لا يسوِّغ متابعته؛ لأن بطلان صلاة الإمام لا يتعدى إلى صلاة المأموم على الصحيح إلا أن يشاركه المأموم في سبب البطلان، فلكل صلاته، فلو قُدِر أن الإمام نسي قراءة الفاتحة، فإن كان قد ترك ذلك فيما يجهر به، والمأموم ترك القراءة لواجب الاستماع والإنصات، فيجب على المأموم تنبيهه، وإن كان قد ترك ذلك في الصلاة السرية، أو في الركعات
стр. 7632
السرية، فقد قرأ المأموم الفاتحة فيها، فلا يسري بطلان الركعة إلى المأموم، وإن كان الإمام قد نسي ركنًا فعليًّا، فعلى المأموم تنبيهه ليرجع، فإن سها المأموم وتابعه على الترك فقد شاركه في السهو، ففسد الركن على الجميع، لذا لا يتصور أن قيام الإمام لركعة خامسة لموجب دعاه إلى ذلك يوجب على المأموم متابعته، إلا أن يشاركه في المقتضي، والله أعلم.
الدليل الثاني:
يمكن الاستدلال للقول بأن الفقهاء اغتفروا أنواعًا من الزيادات من أجل واجب المتابعة، حتى لو غير ذلك هيئة الصلاة، أرأيت المسبوق بركعة إذا دخل مع الإمام، فصلى مع الإمام ركعة، فجلس الإمام للتشهد وجب على المأموم الجلوس معه، وإن لم يكن موضعًا لجلوسه، وهو زيادة في صلاته، اغتفرت من أجل واجب المتابعة، وإذا صلى الإمام الركعة الثالثة كانت في حق المسبوق الركعة الثانية، ومع ذلك يدع القعدة الأولى والتشهد لواجب المتابعة، فإذا كان المأموم يتابع إمامه، ولو تغيرت هيئة الصلاة، بأن زاد فيها ما ليس منها، وترك فيها ما هو منها، فقد يكون القول بالوجوب مخرجًا على هذا التوجيه.
• ويناقش:
بأن هذه الأفعال لم تخرج بالصلاة عن عدد الركعات المفروضة بخلاف القيام إلى الخامسة فإنه تغيير لعدد الركعات حتى تصبح الرباعية خماسية، والثلاثية رباعية، وهذا لا يمكن قبوله، والله أعلم.
• دليل من قال: ينتظره ليسلم معه إما وجوبًا أو استحبابًا:
لما كان الإمام يحتمل أن يكون معذورًا في الركعة الخامسة، فإن الإمام إذا سبح به، واعتقد صواب نفسه لا يجوز له أن يتبع المأموم ويدع ما يعتقده صوابًا، وصار كل من الإمام والمأموم مكلفًا بما يعتقده في نفسه، وكل منهما يجوز عليه الخطأ، فليس أحدهما أولى بالاتباع من الآخر، وقد يكون الإمام قام إلى الخامسة لموجب علمه، كما لو نسي قراءة الفاتحة.
لهذا لم تجب المتابعة؛ لأن كلًّا منهما مكلف بما يعتقده.
стр. 7633
ولم تجب المفارقة؛ لأن الإمام في فعله متبع للحكم الشرعي، وإن جاز عليه الخطأ، كالمأموم، ولو خالف الإمام ما يعتقده بطلت صلاته. وإنما تجب مفارقته لو كان مقطوعًا ببطلان صلاته، وإذا لم يقطع بذلك كان على المأموم انتظاره؛ ليسلم معه: إما استحبابًا وإما وجوبًا، والله أعلم.
• دليل من قال: يتخير بين المتابعة والمفارقة:
لما كانت صلاة الإمام للركعة الخامسة مترددة بين الصحة والبطلان، كان المأموم مخيَّرًا بين المتابعة والمفارقة.
• ويناقش:
لو قيل: يخير المأموم بين المفارقة والانتظار لكان محتملًا، وأما المتابعة فلا يسوغ التخيير فيها لما تقدم، فإن كانت صلاة المأموم تامة حرمت عليه المتابعة؛ لأن ذلك زيادة في صلاته، وإن كانت صلاة المأموم ناقصة وجب عليه المتابعة لإتمامها، فكيف يسوغ تخيير المأموم بين زيادة الركعة وتركها، والصلاة ركعاتها معلومة لا تقبل الزيادة ولا النقص، فهي إما زائدة فتكون حرامًا، وإما لإتمام نقص فتكون واجبة.
وكون ركعة الإمام مترددة بين الصحة والبطلان، فليس مسوغًا لمتابعته إذا لم يشاركه المأموم سبب البطلان، كما لو صلى المأموم المغرب خلف من يصلي العشاء، فإن الإمام يقوم إلى ركعة أصلية، ومع ذلك لا يجوز للمأموم متابعته؛ لأنها ركعة زائدة في حق المأموم، فوجب على المأموم: إما انتظاره، وإما مفارقته، وخشيت أن يكون هناك خطأ من النساخ، في التخيير بين المتابعة والمفارقة، إلا أني وجدت الفروع، والإنصاف والمبدع ومعونة أولي النهى متوافقة على التخيير في المتابعة، ولا يعلم هذا القول إلا عند الحنابلة، وهو من غريب القول إلا أن أكون قد أوتيت من سوء فهمي، فالعتب على الفهم.
• دليل من قال: يفارقه إن سجد الإمام في الركعة الزائدة:
ذهب الحنفية إلى أن الإمام إذا قام إلى خامسة في الظهر، أو رابعة في المغرب، لم يتابعه المقتدي، وسبح به، فإن رجع الإمام قبل أن يصلي ركعة كاملة سَلَّم معه
стр. 7634
المقتدي، وسجدا للسهو، وصلاتهما صحيحة.
وجهه: لأن زيادة ما دون الركعة لا يبطل الصلاة، ويقبل الرفض.
فإن صلى ركعة، والركعة تتقيد بسجدة، والثانية تكرار، فالركعة لا يمكن رفضها عندهم، وزيادة ركعة شروع في النافلة عندهم. فهل شروعه في النافلة يبطل الفريضة أو لا؟ فيه تفصيل:
إن كان حين قام إلى الركعة الزائدة قد سها عن القعدة الأخيرة، بطل فرضه.
وجه القول بالبطلان: أن القعدة الأخيرة ركن، والأركان لا تسقط بالسهو، وصلاته ركعة كاملة شروع في النافلة قبل إكمال الفريضة، وذلك مبطل للفريضة، فتنقلب جميع الركعات إلى نفل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ويستحب له أن يضيف سادسة لتصير الست نفلًا، ويسجد للسهو؛ لا جبرانًا للفرض الباطل، ولكن لدخوله النفل على غير الوجه المسنون.
وتبطل فريضة المقتدي؛ لبطلان فرض إمامه؛ وذلك لارتباط صلاته بصلاته عند الحنفية، فإذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم عندهم.
وإن كان حين قام إلى الركعة الزائدة قد قعد القعدة الأخيرة، وقام منها يظنها الأولى، فإذا سجد في الركعة الزائدة فقد صح فرضه.
وجه القول بعدم البطلان: لأنه خرج من الفريضة بعد إتمامها، وعند الحنفية أن المصلي إذا أتم القعدة الأخيرة يخرج من الصلاة بكل فعلٍ منافٍ لها، ولا يشترط لفظ السلام، ومنه شروعه في النافلة، وقد ذكرت دليلهم عند الكلام على حكم التسليم في الصلاة في المجلد العاشر.
ويفارقه المقتدي، ويسلم وحده، ويصح فرضه؛ لصحة فرض إمامه، لأنه إذا لم يبطل فرض الإمام لم يبطل فرض المأموم، هذه هي الحال التي يصح فيها للمقتدي مفارقة إمامه، وهو أن يكون قام إلى الركعة الزائدة بعد أن قعد القعدة الأخيرة، وسجد في الركعة الزائدة.
ويستحب للإمام أن يضيف للركعة أخرى، لتكون الركعتان نافلةً له، فاجتمع للإمام الفرض والنفل بتحريمة واحدة.
стр. 7635
والحقيقة أن مذهب الحنفية، وما انفردوا فيه يوجب المناقشة في أكثر من وقفة، ومنها:
قولهم: السجود في الركعة الزائدة يمنع الرجوع، فإن كان قد قعد القعدة الأخيرة صح فرضه، وإلا بطلت الفريضة على كليهما: الإمام والمأموم.
• هذا لا دليل عليه، لأمور:
الأول: الركعة الزائدة باطلة، لأنه نواها جزءًا من الفريضة، وهي زائدة عليها، فلا تنقلب الركعة إلى نافلة قبل إتمام الفريضة، والخروج منها.
الثاني: الحكم بخروجه من فريضته، وهو لم ينو الخروج، وشروعه في النافلة، وهو لم ينو الشروع من غريب القول، وإنما الأعمال بالنيات.
الثالث: الزعم بأن الركعة صلاة، ولا يمكن رفض الركعة، كان الأولى أن يعكس، فيقال: الركعات التي صلاها بنية الفريضة صلاة أيضًا، لا يمكن رفضها حتى يتمها، ويخرج منها، فإبطال الفريضة رفض بالمعنى.
الرابع: الركعة الزائدة لو نواها نافلة لم تنعقد حتى يعقدها بتحريمة مستقلة، فكيف، وهو يعتقد أنها جزء من فريضته، فقولهم ببناء النافلة على الفريضة بتحريمة واحدة قول ضعيف جدًّا.
وأعتقد أن هذا القول من الحنفية من قبيل الرأي المحض الذي لم يبن على أثر، ولم يكن لهم فيه سلف من أقوال الصحابة حسب علمي القاصر.
ومن أجل ضعف قول الحنفية أخرت ذكر دليلهم حتى لا يشوش ذلك على فهم المسألة عند المتلقي، ولم أشأ ترك القول لضعفه؛ لأنه قول مأثور عن مذهب معتبر عند عامة المسلمين، فلا ينبغي تجاهله، وقد يكون القول عند غيري راجحًا، وأنا أكتب لطلبة العلم، وهم يستطيعون أن يميزوا الصحيح من الضعيف، وضعف القول عند الحنفية، لا يقلل من أهمية مذهب الحنفية، فكل مذهب فيه أقوال ضعيفة، وأقوال قوية، والحق لم يجتمع في مذهب واحد، أو فقيه واحد، والله أعلم.
• الراجح:
أنه لا يجوز للمأموم متابعته؛ إذا علم أن ركعته زائدة، فإن تابعه بطلت صلاته إلا أن يكون متأولًا، والله أعلم.
стр. 7636
المسألة الثانية إذا زاد الإمام ركعة وتابعه المأموم ساهيًا أو جاهلًا
المدخل إلى المسألة:
• الجاهل ملحق بالساهي، لا بالعامد، فمن تابع إمامه جهلًا على الزيادة لم تبطل صلاته.
• الجاهل المعذور بجهله أولى بالعذر من الناسي؛ لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم بها بخلاف الناسي فهو مكلف على الصحيح، وإن امتنع الأداء وقت النسيان.
• النسيان عذر في سقوط الأداء، لا في رفع الأهلية، كالنوم، بدليل لو تذكر الناسي صلاة حضر في سفر صلاها صلاة حضر، وهذا دليل على بقاء الأهلية حال النسيان، ولو كان التكليف عاد بالتذكر لصلاها صلاة مسافر، وإنما الممتنع هو الأداء؛ لتعذره.
• تكلم معاوية بن الحكم في صلاته جاهلًا، ولم تفسد صلاته؛ لأن العلم من شروط التكليف.
• إذا كانت الصلاة، وهي الغاية يعذر فيها بالجهل، كما في حديث المسيء صلاته؛ إذ لم يؤمر بإعادة الصلوات السابقة مع قوله ﷺ : إنك لم تُصَلِّ، فمتابعة الإمام على زيادته جهلًا من باب أولى.
• كل من اتبع الإمام في زيادته سهوًا أو جهلًا أو تأويلًا فصلاته صحيحة، فقد تابع الصحابة النبي ﷺ في الركعة الخامسة، ولم تفسد صلاتهم.
• اعتذر الصحابة عن متابعتهم للنبي ﷺ على الزيادة؛ لاحتمال النسخ، فكل عذر للمأموم في المتابعة يجعل المتابعة غير مفسدة للصلاة، كما لو كان المأموم مسبوقًا بركعة، فلم يعلم بالزيادة، أو اعتقد أن الإمام قام لموجب، أو تأول أن مفارقة الإمام من الاختلاف عليه، أو غيرها من الأعذار.
стр. 7637
[م-٩٢١] إذا قام الإمام إلى ركعة زائدة، فسبحوا به فتمادى،
فإن اتبعه أحد من المأمومين ساهيًا، أو شاكًّا في زيادتها، فصلاته صحيحة، وسجد معه للسهو، وهذا بالاتفاق.
وإن اتبعه جاهلًا يظن أن عليه اتباعه، ولو زادها، ففيه قولان:
قيل: لا تبطل صلاته، وهو الأصح في مذهب الحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية (١).
قال الدسوقي: «وتبطل صلاة من اتبعه عمدًا، إن كان عالمًا أنه لا يجوز له اتباعه، وإن كان جاهلًا يظن أن عليه اتباعه صحت صلاته» (٢).
وقال اللخمي في التبصرة: «وتبطل صلاة من اتبعه عمدًا إذا كان عالمًا أنه لا يجوز له اتباعه، وإن كان جاهلًا يظن أن عليه اتباعه صحت صلاته، وقد قال مالك فيمن أدرك الإمام في الثانية، فسها الإمام، وصلى خامسة، فصلاها معه، وهو لا يعلم: صحت صلاته، وكملت له رابعة، ولو علم بطلت صلاته، فأبطل الصلاة مع العمد» (٣).
واستدل بعضهم على صحة من اتبعه جاهلًا بأن الصحابة تابعوا النبي ﷺ في الخامسة كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين، ولم تبطل صلاتهم، وتابعوه في حديث ذي اليدين، ولم يأمرهم بالإعادة.
• ورد هذا:
بأن الصحابة اتبعوه لاحتمال النسخ، ولهذا سألوه: أحدث في الصلاة شيء، قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمسًا.
وهذا الاحتمال قد انقطع بوفاة النبي ﷺ ، فلا يصح الاحتجاج بمتابعة الصحابة.
стр. 7638
• وأجيب:
بأن العذر ليس محصورًا في احتمال النسخ، بل هو فرد من جنس، فكل عذر للمأموم في المتابعة يجعل المتابعة غير مفسدة للصلاة، كما لو كان مسبوقًا بركعة، ولم يعلم أنها خامسة على الصحيح، وكما لو تابعه لاعتقاده أن الإمام قد زاد هذه الركعة لموجب دعاه إلى ذلك، كاحتمال أن يكون نسي قراءة الفاتحة في بعض الركعات، فأراد الخامسة تعويضًا عن الركعة الفاسدة، وقد يتابعه متأولًا، فيتوهم أن ترك متابعته من الاختلاف عليه، وقد قال ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) وإن كان خطأ، لكنه يبقى متأولًا للحديث، فالأعذار ليست محصورة في احتمال النسخ، فكل عذر للمأموم في متابعة إمامه على الزيادة لا يبطل صلاته، والله أعلم.
وقيل: تبطل صلاتهم جميعًا، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة في مقابل الأصح (١).
جاء في معونة أولي النهى: «والرواية الثانية: تبطل صلاة المأمومين تابعوه أو فارقوه» (٢).
فبطلت صلاة الإمام لزيادته ركعة في صلاته، وصلاة المأموم لارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه.
• وسبب الخلاف اختلافهم في مسألتين:
الأولى: اختلافهم في الجاهل أيلحق بالساهي فيعذر، أم يلحق بالعامد، فلا يعذر.
فقيل: الجاهل كالعامد؛ وليس كالناسي من جهتين:
الجهة الأولى: أن النسيان يهجم على العبد قهرًا، بحيث لا يكون له حيلة في دفعه عنه، بخلاف الجهل فإن له حيلة في دفعه بالتعلم.
الجهة الثانية: أن الأمة قد أجمعت على أن النسيان لا إثم فيه من حيث الجملة، بخلاف الجهل فقد ذكر بعض العلماء أن المكلف لا يجوز له الإقدام
стр. 7639
على فعل حتى يعلم حكم الله تعالى فيه، لقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾. [هود: ٤٧] وعليه يكون بقاؤه جاهلًا منسوبًا إلى شيء من التفريط (١).
قال ابن رشد: «الوضوء والصلاة يستوي فيهما الجاهل والعامد» (٢).
وقال بهرام: «والجاهل كالعامد على المشهور» (٣).
وقيل: الجاهل ملحق بالساهي في الحكم، وأما تفريطه، فإن كان يمكنه أن يتعلم، ففرط أثم، وإلا لم يأثم، والإثم منفك عن الصحة.
وهؤلاء يعتبرون الجهل عذرًا مطلقًا، وبهذا يأخذ ابن تيمية ﵀.
وقد نقل ابن مفلح في الفروع عن شيخه ابن تيمية: أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، وأن كل من ترك واجبًا قبل بلوغ الشرع، لم يكلف الإعادة، ومثل له بمن ترك التيمم لعدم الماء؛ لظنه عدم الصحة به، أو أكل حتى يتبين له العقال الأبيض من العقال الأسود؛ لظنه ذلك، أو لم تصل مستحاضة ونحوه، قال: والأصح لا قضاء، ولا إثم؛ للعفو عن الخطأ والنسيان، ومعناه: ولم يقصر، وإلا أثم، وكذا لو عامل بربًا، أو أنكح فاسدًا، ثم تبين له التحريم ونحوه (٤).
وحجتهم: قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. [الإسراء: ١٥].
فقد دلت الآية أن الله لا يعذب أحدًا من خلقه حتى يبعث إليهم من يقيم الحجة عليهم.
ولأن من شروط التكليف العلم.
وقد تكلم معاوية بن الحكم في صلاته جاهلًا، كما في صحيح مسلم (٥)، ولم يؤمر بالإعادة.
стр. 7640
ومنهم من يفرق: بين من يمكنه التعلم، فيفرط في طلبه، فيكلف الإعادة؛ لأن مثله ليس محلًّا للتخفيف، فلا يعذر، وبين من لا يمكنه العلم، كحديث عهد بالإسلام، وكذا من نشأ في دار حرب، أو في بادية بعيدة عن أهل العلم، وهذا توجه الشافعية، وقد سبق بحث العذر بالجهل في مسألة سابقة، انظر المجلد الثالث.
المسألة الثانية: اختلافهم في بطلان صلاة المأموم إذا بطلت صلاة الإمام (١).
فالقائلون ببطلان صلاتهم جميعًا اعتمدوا على القاعدة التي تقول: بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه، ولو كان الإمام معذورًا؛ لارتباطها بها (٢).
فالإمام بطلت صلاته لكونه زاد في صلاته، ونُبِّهَ، ولم يرجع.
والمأموم بطلت صلاته؛ ويختلفون في تعليل البطلان، فبعض أصحاب هذا القول يبطل صلاته لمتابعة إمامه على الزيادة، ولا يعتبر الجهل عذرًا، وهو أحد القولين عند المالكية.
ومنهم من يبطل صلاته لبطلان صلاة إمامه، وهو قول عند الحنابلة خلاف المعتمد.
وارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه مسألة خلافية:
فالجمهور على أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في الجملة، وإن خالف بعضهم في بعض الفروع خلافًا للشافعية، ورواية عن أحمد (٣).
قال المرداوي في الإنصاف: «تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه لعذر،
стр. 7641
أو غيره على الصحيح من المذهب وعليه الجمهور … وعنه لا تبطل … » (١).
وقد خالف الحنابلة في هذه المسألة ما قرروه من بطلان صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه، فأبطلوا صلاة الإمام إذا قام إلى خامسة، وسبح به ثقتان، ولم يرجع، وصححوا صلاة المأموم إذا فارقه، أو اتبعه جاهلًا، وقد اعتبر الحجاوي هذا من التناقض.
قال الحجاوي: «قوله -يعني المرداوي-: (وتبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه لعذر، أو غيره)، ثم ذكر في سجود السهو فيما إذا سبحوا بالإمام فلم يرجع: أن صلاته تبطل، وصلاة من اتبعه عالمًا عامدًا، وإن فارقه، أو كان جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل. تناقض، ولم ينبه هناك على الرواية المرجوحة» (٢).
• ويجاب عن اعتراض الحجاوي:
الجواب الأول:
قال البهوتي في كشاف القناع: «هذه -يعني المسألة- كالمستثناة من كلامهم؛ لعموم البلوى بكثرة السهو» (٣).
فالقواعد الفقهية ليست أدلة شرعية مطردة، فتجد لبعض القواعد مسائل مستثناة خرجت من القاعدة لوصف معتبر، والوصف المعتبر هنا كثرة البلوى بالسهو.
الجواب الثاني:
التفريق بين الزيادة والنقص، فمن اتبع إمامه جاهلًا أو ساهيًا في الزيادة، فالزيادة ملغاة؛ لعذر الجهل، ولا يلزم من إلغاء الزيادة في الصلاة بطلانها؛ لأنها وقعت بعد إتمام الصلاة، بخلاف نقص الشروط والأركان، فالشروط والأركان عند الحنابلة لا يعذر فيها بالجهل ولا بالنسيان (٤).
стр. 7642
• ويجاب:
بأن حديث المسيء صلاته، وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة لم يطلب منه إعادة تلك الصلوات، وهي في نقص الأركان، ومثله المستحاضة حيث كانت تتوهم أن دمها دم حيض، فجاءت إلى الرسول ﷺ ، وهي تشكو له بأنها حبستها عن الصلاة والصيام، ولم يطلب منها الرسول ﷺ فعل الصلوات التي تركتها، ومنها صلاة عمار حين أجنب، مع أنه لم يأتِ بالصفة المشروعة في التيمم، وإنما تمرغ كما تتمرغ الدابة.
الجواب الثالث:
أن ركعة الإمام لم يقطع ببطلانها، فقد يكون عدم رجوعه لتيقنه الصواب، وخبر المأموم بالنسبة للإمام لا يفيد إلا الظن، فلا يترك الإمام يقينه من أجل الظن، وقد يكون قيام المأموم في الخامسة لموجب علمه، وخفي على المأموم.
• والراجح:
أن الجهل عذر مطلقًا، سواء أكان ذلك في العقائد كما دل عليه حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة الرجل الذي أمر بنيه إذا مات أن يحرَّق في النار، ثم يطحن، وفي آخر الحديث قال: فغفر الله له. اه مع أنه شك في قدرة الله عليه، أم كان ذلك في الأحكام، كصلاة الرجل المسيء صلاته، إذ لم يطلب منه إعادة تلك الصلوات الماضية، والله أعلم.
стр. 7643
المسألة الثالثة في متابعة المأموم إذا علم أن الإمام زاد ركعة لموجب
المدخل إلى المسألة:
• لا يسوغ للمأموم متابعة إمامه ظنًّا منه أن الإمام قام لموجب؛ لأن صلاة المأموم ليست مرتبطة بصلاة إمامه، فلكل صلاته.
• النهي عن الاختلاف على الإمام، لا يتضمن فساد صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام.
• بطلان ركعة من صلاة الإمام إذا لم يشاركه المأموم في سبب البطلان لا يتعدى إلى صلاة المأموم؛ لقوله ﷺ في الحديث: فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم. رواه البخاري
• الخلل في الصلاة اكتساب الفاعل، لا يتعداه إلى غيره إمامًا كان أو مأمومًا، قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
• المأموم تابع لإمامه في أفعال صلاته حتى يتم صلاته، فإذا أتم المأموم صلاته حرمت متابعته، وإلا فسدت.
[م-٩٢٢] إذا قام الإمام إلى ركعة زائدة، وكان ذلك لموجب حمله على ذلك كما لو نسي الإمام قراءة الفاتحة، وعلم المأموم، أو غلب على ظنه ذلك، فهل يجب على المأموم متابعته، وإذا لم يتابعه، فهل تبطل صلاته؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: تجب متابعته، وهو مقتضى مذهب الحنفية، والمذهب عند المالكية، وقول عند الحنابلة (١).
стр. 7644
جاء في معونة أولي النهى: «والرواية الخامسة: تلزمهم متابعته في الركعة الخامسة؛ لاحتمال ترك ركن من ركعة قبلها سهوًا» (١).
قال في الإنصاف: «وعنه تجب متابعته في الركعة؛ لاحتمال ترك ركن قبل ذلك» (٢).
وهذه الرواية خلاف الرواية المعتمدة في المذهب، وكيف تجب المتابعة المحرمة بمجرد الاحتمال؟
وقيل: لا تجب متابعته، ولو علم المأموم أن قيامه كان لترك ركن، كما لو نسي قراءة الفاتحة، وهو مذهب الشافعية (٣).
• وجه قول الشافعية:
الإمام إن قام لموجب يعلمه، كما لو نسي قراءة الفاتحة، فهذا لا يلزم المأموم لأن المأموم قد قرأ الفاتحة، فتمت له صلاته يقينًا.
стр. 7645
وإن كان الإمام قام لاعتقاده صواب نفسه، فهذا لا يلزم المأموم أيضًا؛ إذا اعتقد المأموم أن الإمام صلى أربعًا، ففي الحالين المأموم مأمور بعدم المتابعة، سواء أكان قيام الإمام لخلل دخل على صلاته، أم لاعتقاده صواب نفسه، والله أعلم.
• وسبب الخلاف:
اختلافهم في صلاة المأموم: أهي مرتبطة بصلاة إمامه أم لا؟
فإذا دخل صلاة الإمام نقص، أيدخل مثل ذلك على صلاة المأموم؟ فإذا نسي قراءة الفاتحة في ركعة من الركعات، وقلنا تبطل الركعة على الإمام؛ لفوات ركن القراءة، فهل تبطل الركعة من صلاة المأموم حتى إذا قام الإمام إلى خامسة بقصد تعويض الركعة الفاسدة وجب على المأموم متابعته؟ أو نقول: تفسد على الإمام خاصة، ولا تتعداه إلى المأموم؟
فالشافعية والظاهرية، قالوا: صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة إمامه (١).
قال الإمام الشافعي: «أصل ما نذهب إليه أن صلاة الإمام إذا فسدت لم تفسد صلاة من خلفه» (٢).
وذهب الجمهور إلى ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه في الجملة (٣).
قال القاضي عبد الوهاب المالكي: «صلاة المأموم متعلقة بصلاة إمامه، فإذا دخل على صلاة الإمام نقصٌ دخل على صلاة المأموم» (٤).
(ث-٦٢٧) وروى عبد الرزاق، عن الثوري قال: سمعت حمادًا يقول: إذا
стр. 7646
فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة القوم (١).
وقياسه إذا فسدت ركعة من صلاة الإمام فسد مثلها من صلاة المأموم.
• دليل الجمهور على ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٧٣) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (٢).
[ضعيف] (٣).
وجه الاستدلال:
قوله: (الإمام ضامن) يقتضي أن يكون قد تضمن صحة صلاة المأموم بصحة صلاته، وإن أخليناه من هذه الفائدة سقط معناه (٤).
• ويجاب:
بأن الحديث ضعيف هذا من جهة ثبوته، قال أحمد: ما أُرى لهذا الحديث أصل (٥).
ومن جهة دلالته: فالضمان له أكثر من معنى لغويٍّ وشرعيٍّ، ولهذا اختلف في العلماء في تفسيره:
فقيل: الضامن في اللغة الراعي.
стр. 7647
قال الخطابي في غريب الحديث: «مَعنى الضَّمان في كَلام العَرَب الرِّعايةُ للشيء والمُحافَظةُ عَلَيْهِ ومنه قولهم في الدُّعاء للمُسافر: في حِفْظِ الله وضَمانِه. قَالَ الشاعر:
رعَاكِ ضَمانُ الله يا أُمَّ مالكٍ … ولله أن يشقيك أغنى وأوسع
فيكون المعنى: أن الإمام يحفظ الصلاة وعدد ركعاتها على القوم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة» (١).
(ح-٢٦٧٤) بدليل ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الحميد بن سليمان، أخي فليح، قال: حدثنا أبو حازم، قال:
كان سهل بن سعد الساعدي يقدِّم فتيان قومه، يصلون بهم، فقيل له: تفعل، ولك من القدم ما لك! قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء، يعني، فعليه، ولا عليهم (٢).
[ضعيف] (٣).
فجمع بين إثبات الضمان، وبين نفي تعدي إساءة الإمام إلى المأموم.
وقيل: الضمان في الشرع واللغة له معنيان:
الأول: الضَّمَانُ: الإلزام. والضَّمِيْنُ: الكفيل، فيكون ضمان الإمام لصلاة المأموم هو التكفل، والالتزام بصحتها؛ لأنّ صلاة المأموم تنبني على صلاة الإمام، فإن أَفْسَدَ صلاته فسدت صلاة من ائتمَّ به، فكان غارمًا لها.
(ح-٢٦٧٥) روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه من أجر أو غنيمة (٤).
(ح-٢٦٧٦) وفي حديث أبي أمامة الباهلي في سنن أبي داود: ثلاثة كلهم
стр. 7648
ضامن على الله : رجل خرج غازيًا في سبيل الله ، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه، فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة (١).
روي مرفوعًا وموقوفًا، ورجح أبو حاتم وقفه، وحسنه الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار، ولم أنشط لتخريجه، والغاية فيه دلالة لغوية (٢).
الثاني: يأتي الضمان بمعنى الوعاء؛ لأن كل شيء جعلته في شيء فقد ضمنته إياه؛ فيكون المعنى دخلت صلاة المأموم في صلاة الإمام، لِتَحَمُّلِ القراءة عنه، والسهو، والقيام إذا أدركه راكعًا (٣).
وقد أشار إلى المعنيين ابن عباد، فقال في المحيط: «الضِّمْنُ والضَّمَانُ: واحِدٌ» (٤).
وقال في الصحاح: «ضمنت الشيء ضمانا: كفلت به، فأنا ضامِنٌ وضَمينٌ. وضَمَّنْتُهُ الشيء تضمينًا، فتضمنه عني، مثل غرمته. وكل شيء جعلته في وعاء فقد ضمَّنْتَهُ إياه» (٥).
الدليل الثاني:
(ح-٢٦٧٧) ما رواه ابن شاهين، قال: حدثنا أحمد بن نصر بن إشكاب البخاري، قال: حدثنا محمد بن خلف بن رجاء، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسن بن صالح، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة من خلفه (٦).
[لا أصل له من حديث أبي معاوية، لا يرويه عنه إلا الحسن بن صالح، ولا عنه
стр. 7649
إلا خلف بن رجاء، تفرد به عنه ابنه محمد بن خلف، وثلاثتهم مجهولون] (١).
والتعبير بفساد العبادة غالبًا ما يكون من اصطلاح الفقهاء (٢).
الدليل الثالث:
أن الإمام يتحمل عن المأموم قراءة الفاتحة على الصحيح، وقراءة ما تيسر في الصلاة الجهرية، ويتحمل عنه السهو إذا وقع في صلاته بالاتفاق، والمسبوق يدرك الركعة فيتحمل عنه الإمام القراءة والقيام، ويجب على المأموم المسبوق متابعة إمامه حتى لو اختلف نظم صلاته، فربما جلس المأموم للتشهد في الصلاة الواحدة أربع تشهدات دفعًا للاختلاف على الإمام، ولو قام الإمام عن التشهد الأول وجب عليه أن يتبعه في تركه، فهذه الأمور كلها تدل على وجود ارتباط بين صلاة الإمام وصلاة المأموم؛ لحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه … ). متفق عليه.
فالمأموم تابع، ومن شأن التابع ألا يستقل عن متبوعه.
• ونوقش:
لا نسلم أن مثل هذا الارتباط يلزم منه أن يسري البطلان إلى صلاة المأموم إذا فسدت صلاة الإمام؛ لأن لكل واحد منهما صلاته المستقلة، فالاختلاف المحرم: هو
стр. 7650
الاختلاف عليه في الأفعال: ولذلك بينه بقوله: (فلا تختلفوا عليه: فإذا كبر، فكبروا، وإذا ركع فاركعوا .... ). فكأن الإجمال في قوله ﷺ (فلا تختلفوا عليه) قد فسره بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا) وليس ذلك يعني موافقته فيما لا اختلاف عليه في أفعال الصلاة، كالاختلاف بين نية الإمام ونية المأموم، ولا أن إساءة الإمام تتعدى إلى صلاة المأموم، إذا لم يحصل من المأموم مشاركة له في الإساءة، فلو ترك قراءة الفاتحة وكان المأموم قد قرأها فلا معنى لإبطال ركعته، وكما أن بطلان صلاة المأموم، لا يعني بطلان صلاة الإمام، فكذلك العكس؟.
• دليل من قال: صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة إمامه:
الدليل الأول:
(ح-٢٦٧٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم (١).
فظاهر الحديث أن إساءة الإمام لا تتعدى إلى المأموم، وأن صلاة المقتدي صحيحة، وإن فسدت صلاة الِإمام.
قال ابن خزيمة في صحيحه: «والدليل على أن صلاة الإمام قد تكون ناقصة، وصلاة المأموم تامة .... » (٢)، ثم ساق حديث عقبة بمعنى حديث أبي هريرة.
وقال ابن المنذر: «وهذا الحديث يدل على إغفال من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت فسدت صلاة من خلفه» (٣).
وقال البغوي: «فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم، وكان جنبًا، أو محدثًا، أن صلاة القوم صحيحة، وعلى الإمام الإعادة سواء كان الإمام عالمًا بحدثه متعمد
стр. 7651
الإمامة أو كان جاهلًا» (١).
• ويجاب:
بأن من لا يقول به يتأوله على أن المراد أنه لا إثم عليه إذا جهل بالأمر.
الدليل الثاني:
ولأن الجماعة تفتقر إلى إمام ومأموم، فلو بطلت صلاة كل المأمومين لم تبطل صلاة الإمام، فكذلك العكس، فلكل صلاته، فالإمام إن قام لموجب يعلمه كما لو نسي قراءة الفاتحة، فهذا لا يلزم المأموم؛ لأن المأموم قد قرأ الفاتحة، فتمت له صلاته يقينًا.
وإن كان الإمام قام لاعتقاده صواب نفسه، فهذا لا يلزم المأموم أيضًا؛ إذا اعتقد المأموم كمال صلاة الإمام، ففي الحالين المأموم مأمور بعدم المتابعة، والله أعلم.
• الراجح:
أريد في الترجيح تلفيق قول من قولين:
ففي قراءة الفاتحة: أذهب فيها إلى القول الذي يقول: يقرأ المأموم في الصلاة السرية وفي الركعات السرية دون الجهرية؛ لأن حديث (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) عام خُصَّ منه حال سماع القرآن بالآية الكريمة ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، كما قال الإمام أحمد: إن هذه الآية نزلت في الصلاة، فيكون سقوطها عن المأموم ليس من أجل تحمل الإمام لها، ولكن من أجل سماع القرآن.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب القراءة في السرية دون الجهرية (٢).
وفي ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه أريد أن أتبنى فيها مذهب الشافعية، وأن وجوب متابعة المأموم لإمامه لا تعني ارتباط صلاته بصلاة إمامه صحة وفسادًا، فلكل صلاته، وإنما المأموم مأمور بعدم الاختلاف على إمامه في الأفعال، فإذا ركع وجب على المأموم الركوع، وكذلك إذا سجد، أو جلس، وهكذا.
стр. 7652
فإذا كان هذا هو الراجح فإن كان إخلال الإمام بالأفعال فالمأموم سوف ينبه إمامه إلى فعله، ولا يتابعه عليها، فإن قدر أنه تابعه ساهيًا وجب عليه ما وجب على الإمام؛ لاشتراكهما في السهو.
وإن قدر أن الإخلال في القراءة، فإن كان فيما يجهر فيه الإمام، فسوف ينبهه المأموم؛ ليرجع عن سهوه.
وإن قدر أنه ترك قراءة الفاتحة في السرية، أو في الركعات السرية، فالمأموم قد قرأ فيها، فيكون فساد الركعة من صلاة الإمام، وليس على المأموم شيء؛ فإذا لم يقرأ فيها الإمام، كان عليه الإتيان بركعة عوضًا عن الركعة الفاسدة، ولم يجب على المأموم متابعته، هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
стр. 7653
كتاب سجود التلاوة
تعريف سجود التلاوة (١):
هو التعبد لله بالسجود امتثالًا عند تلاوة آية سجدة، أو الاستماع لها على الصحيح داخل الصلاة وخارجها.
وأضيف السجود إلى التلاوة، قال العيني: والإضافة فيه من قَبِيل إضافة المسبب إلى السبب، كخيار العيب، وخيار الرؤية، وصلاة الظهر، وحج البيت، وأقوى وجوه الاختصاص اختصاص المسبب بالسبب (٢).
والمقصود بالتلاوة: ليس مطلق التلاوة، وإنما تلاوة آيات مخصوصة، شرع السجود عند قراءتها، أو الاستماع إليها، ف (ال) في التلاوة للعهد الذهني.
فإن قيل: لماذا ذكر سجود التلاوة، ولم يذكر في التسمية معه السماع؟ فكان ينبغي أن يضاف إلى التلاوة السماع.
أجاب العيني بأحد جوابين:
إما لأن التلاوة لا خلاف في كونها سببًا للسجود بخلاف السماع ففيه نزاع.
وإما لأن التلاوة أصل في الباب؛ لأنها إذا لم توجد لم يوجد السماع، فهي
стр. 7654
مترتبة على التلاوة (١).
ويكفي في الإضافة أن يضاف الشيء إلى سبب أو وصف مناسب، ولو لم يعم كل أسبابه وأوصافه، كما أضاف الله الجنة تارة إلى السلام، فقال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، [الأنعام: ١٢٧]، وأحيانًا إلى الزمن، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠]، وأحيانًا يضيفها إلى أهلها قال تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، وأحيانًا يضيفها إلى وصف مناسب قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ [فاطر: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت: ٢٨]، فهذا التنوع في الإضافات يدل على عدم اشتراط الاستيعاب في دلالة الإضافة.
ويستفاد من إضافة السجدة إلى التلاوة: أنه لا يشرع السجود لو كتب الإنسان آية السجدة دون تلاوتها؛ لأن السجود متلقى من الشارع، والثابت في النصوص: هو السجود بسبب التلاوة أو الاستماع إليها، فلا يدخل فيه: السجود بسبب كتابتها إلا أن يكون مع الكتابة تحريك اللسان بالقراءة، ولا يكفي قراءة القلب، وسيأتي مزيد بحث للمسألة في الشروط إن شاء الله تعالى.
стр. 7655
الباب الأول شروط سجود التلاوة
الشرط الأول في اشتراط الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة
المدخل إلى المسألة:
• لا يوجد دليل صحيح على وجوب الطهارة لسجود التلاوة، والأصل عدم الوجوب.
• وجوب الطهارة لسجود التلاوة مرتب على صحة إطلاق اسم الصلاة عليه، ولم يصح في النصوص إطلاق الصلاة على ما دون الركعة.
• إطلاق السجدة على الركعة، كحديث: (من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) دليل على ركنية السجود في الصلاة، لا على أن السجود يستحق مسمى الصلاة على وجه الاستقلال.
• أطلق الشارع على الفاتحة اسم الصلاة في حديث (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) رواه مسلم، وإنما قسم الفاتحة، ولا تسمى الفاتحة صلاة على وجه الاستقلال، فكذلك السجود.
• نُقِلَ الإجماع على اشتراط الطهارة لسجود التلاوة، إلا أن من نَقلَ الخلاف مقدمٌ على من نقل الإجماع؛ لأن ناقل الإجماع نافٍ للخلاف، وهذا مثبت، والمثبت مقدم على النافي.
• التشابه في الهيئة بين سجود السهو والتلاوة لا يستلزم التطابق في الحكم، لأن سجود السهو سجود جبران نتيجة خلل عرض للصلاة، فلو تعمد سببه بطلت صلاته، ومرتبط بالصلاة ارتباط المسبب بالسبب بخلاف سجود التلاوة.
[م-٩٢٣] سجود التلاوة إن وقع داخل الصلاة دخلت شروطه مع شروط
стр. 7656
الصلاة، فإذا استقل سجود التلاوة عن الصلاة، فهل يكون السجود وحده صلاة، بحيث يشترط له ما يشترط للصلاة، أم أن السجود وحده لا يعد صلاة، كما لا تعد قراءة الفاتحة، والقيام مستقلًا، والجلوس مستقلًا صلاة؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فقيل: سجود التلاوة صلاة، فكل ما يشترط للصلاة يشترط له، وهو مذهب الأئمة الأربعة، حتى قال النووي في الروضة: «بلا خلاف» (١).
واعتبر ابن رشد الخلاف من الخلاف الشاذ.
ويترتب على هذا القول: اشتراط الطهارة من الحدث بالماء، ولا يجوز أداؤها بالتيمم إلا عند فقده، كما يشترط لها الطهارة من الخبث في البدن، والثوب، والبقعة، ويشترط ستر العورة، واستقبال القبلة.
كما يشترط الكف عن كل ما يفسد الصلاة من قول، أو فعل.
قال النووي: «أما شروطه: فيفتقر إلى شروط الصلاة، كطهارة الحدث، والنجس، وستر العورة، واستقبال القبلة، وغيرها، بلا خلاف» (٢).
وقال في بداية المجتهد: «اتفق المسلمون على أن الطهارة شرط من شروط
стр. 7657
الصلاة … ولم يختلفوا أن ذلك شرط في جميع الصلوات إلا في صلاة الجنازة، وفي السجود -أعني سجود التلاوة- فإن فيه خلافًا شاذًّا» (١).
وقيل: ليس بصلاة، والطهارة له مستحبة، فيجوز سجوده على غير وضوء، وإلى غير القبلة، ومع نجاسة الثوب، وكشف العورة، إلى غير ذلك من الأحكام التي تترتب على القول بأنه لا يُعَدُّ صلاة، وهو أحد القولين عن ابن عمر، وبه قال الشعبي، ويروى عن ابن المسيب، وهو ظاهر كلام محمد بن الحسن من الحنفية، ونص عليه القدوري في التجريد، وصاحب الطراز من المالكية، واختاره ابن حزم، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (٢).
قال ابن القيم: وهذا قول كثير من السلف، حكاه عنهم ابن بطَّال في شرح البخاري (١).
وقال ابن القاسم: نهى مالك عن قراءة آية السجدة على غير وضوء، وفي
стр. 7660
أوقات النهي، قال ابن القاسم: والذي أرى أنه لا شيء عليه (١).
• دليل من قال: يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
فأمر بالسجود، ومطلقه يشمل السجود في الصلاة، والسجود خارجه،
стр. 7661
والسجود في الصلاة يشترط له الطهارة بلا خلاف، فكذلك سجود التلاوة.
• وأجيب:
بأن الأمر بالركوع والسجود أمر بالصلاة، وإنما عبر بالركوع والسجود عن الصلاة؛ لأنهما من أعظم أركانها، وهي تدل على أن الصلاة لا تقوم إلا بالركوع والسجود، وهكذا في كل جزء عُبِر به عن الكل فهو دليل على ركنية ذلك الجزء، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فلا يقصد بها تحرير الرقبة وحدها دون سائر الجسد، وإنما عُبِر بالرقبة؛ لأن حياة العبد لا تستقل دون هذا العضو، بخلاف اليد، والقدم.
والدليل على أن السجود المراد به داخل الصلاة: أنه قرن بالأمر بالركوع، وقد اتفق العلماء على أن الركوع لا يكون قربة إلا إذا تُقِرب به داخل الصلاة، فلا يُتَقرب بالركوع خارج الصلاة، وقد جاء إطلاق السجدة على الركعة في قوله ﷺ : (من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، والمراد: من أدرك ركعة، فدل على أن هذا من المطلق الذي أريد به خاص، وهو: الصلاة.
الدليل الثاني:
إطلاق السجود على الصلاة دليل على أنه صلاة.
(ح-٢٦٧٩) روى البخاري من طريق عبيد الله، قال: أخبرني نافع،
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صليت مع رسول الله ﷺ سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء - زاد مسلم والجمعة - ففي بيته (١).
وفي الباب حديث حفصة في البخاري (٢).
وإذا كان السجود صلاة، لم يقبل بغير طهور.
(ح-٢٦٨٠) لما رواه مسلم في صحيحه من طريق أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، قال:
стр. 7662
دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة (١).
• ويجاب عن هذا الاستدلال:
الجواب الأول:
كل ما كان جوابًا عن الدليل الأول فهو جواب عن هذا الدليل، فإطلاق السجود على الصلاة دليل على ركنيته في الصلاة، لا على أنه يستحق مسمى الصلاة على وجه الاستقلال، كما أطلق الشارع على الفاتحة اسم الصلاة في حديث أبي هريرة، في قوله: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) رواه مسلم. وإنما قسم الفاتحة، ولا تسمى الفاتحة صلاة على وجه الاستقلال.
الجواب الثاني:
قال ابن حزم في المحلى: «لا يكون بعض الصلاة صلاة إلا إذا تمت كما أمر بها المصلي، ولو أن امرءًا كبَّر وركع، ثم قطع عمدًا لما قال أحد من أهل الإسلام: إنه صلى شيئًا، بل يقولون كلهم: إنه لم يصلِّ، فلو أتمها ركعة في الوتر، أو ركعتين في الجمعة والصبح والسفر والتطوع لكان قد صلى بلا خلاف، ثم نقول لهم: إن القيام بعض الصلاة، والتكبير بعض الصلاة وقراءة أم القرآن بعض الصلاة فيلزمكم على هذا ألا تجيزوا لأحد أن يقوم، ولا أن يكبر، ولا أن يقرأ أم القرآن، ولا يجلس، ولا يسلم إلا على وضوء، فهذا ما لا يقولونه، فبطل احتجاجهم. وبالله تعالى التوفيق» (٢).
الجواب الثالث:
إطلاق اسم السجود على سجود الصلاة، والشكر، والتلاوة، وسجود التحية كما في شريعة يعقوب من قبيل الاشتراك اللفظي، وحقائقها مختلفة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
стр. 7663
تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فجمعت الآية بين صلاة الله، وصلاة الملائكة، وهما مختلفتان حقيقة، وإن اشتركتا في اللفظ، وكالاشتراط في إطلاق لفظ القرء على الطهر والحيض، وحقيقتهما متضادة، وكإطلاق الزكاة على زكاة النفس، والمال، وهكذا، فهل تشترط الطهارة إذا أردنا أن نصلي على النبي ﷺ ؛ لأنه شمله اسم الصلاة.
الدليل الثالث:
أن سجود التلاوة عبادة يفتتح بالتكبير، ويختتم بالتسليم، فيصدق عليه مسمى الصلاة،
(ح-٢٦٨١) لما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية،
عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (١).
[تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم، ومن حسَّنه اعتبر أن متنه مستقيم، وجاء من حديث أبي سعيد الخدري إلا أنه ضعيف جدًّا].
• وأجيب عن هذا بجوابين:
الجواب الأول:
قال ابن تيمية: «وسجود القرآن لا يشرع فيه تحريم ولا تحليل، هذا هو السنة المعروفة عن النبي ﷺ ، وعليه عامة السلف، وهو المنصوص عن الأئمة المشهورين» (٢).
فإن كان المقصود بنفي التحريم تكبيرة للتحريم زيادة على تكبيرة الهوي، بحيث يكبر تكبيرتين الأولى للإحرام والثانية للهوي كما يراه الشافعية، فهذا صحيح، وإن كان المنفي مطلق التكبير للهوي، فأكثر السلف يرون التكبير للهوي، ولو كان خارج الصلاة.
وقال ابن القيم: «أئمة الحديث والفقه ليس فيهم أحدٌ قطّ نَقَل عن النبي ﷺ ، ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه سلَّم منه، وقد أنكر أحمد السلامَ منه، قال الخطَّابي: وكان أحمد لا يعرف التسليم في هذا.
стр. 7664
وقال الحسن البصري: ليس في السجود تسليم.
ويُذكر نحوه عن إبراهيم النخعي.
وكذلك المنصوص عن الشافعي أنه لا يسلِّم فيه» (١).
ولم يتعرض ابن القيم لنفي التكبير، ووجَّه كلامه لنفي التسليم.
وسجود التلاوة إن كان داخل الصلاة، فإنه يكبر للهوي والرفع في قول الأئمة الأربعة، وليس له تسليم مستقل، كسجود السهو.
وإن كان خارج الصلاة فالتسليم وارد عن ابن مسعود ﵁، وعن أبي قلابة، وابن سيرين، وأبي الأحوص، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وإحدى الروايتين عن الإمام الشافعي.
(ث-٦٢٨) فقد روى حرب الكرماني في مسائله، حدثنا إسحاق، أخبرنا وكيع، عن شعبة، عن عطاء بن السائب، قال: كنت أمشي مع أبي عبد الرحمن السلمي نحو الفرات، فقرأ سجدة، فأومأ بها، ثم سلَّم تسليمة، ثم قال: هكذا رأيت ابن مسعود يفعله.
[حسن] (٢).
وكل شيء يخرج منه بتسليم فإنه يلج فيه بتكبير، ولأن الخلاف في نفي التسليم أكثر من الخلاف في نفي التكبير.
وجاء عن أحمد أكثر من رواية في التسليم، والمعتمد في مذهبه أن التسليم ركن، قال المرداوي في الإنصاف: «نصَّ عليه، وعليه أكثر الأصحاب» (٣).
стр. 7665
وروى حرب الكرماني في مسائله، قلت لأحمد: الرجل يقرأ القرآن، فيسجد، أيسلِّم؟ قال: نعم. قلت: تسليمة خفيَّة عن يمينه؟ قال: نعم.
وقيل: لأحمد: أيتشهد إذا قرأ السجدة؟ قال: لا، ويسلم (١).
ونقل الأثرم عنه: يسلم، ولا يتشهد.
ونقل المروذي في بدائع الفوائد عن أحمد: أنه كان يعجبه أن يسلِّم فيها.
ونقل عبد الله: إذا رفع رأسه من السجود، إن شاء سلَّم، فإن لم يفعل فلا بأس.
وسأله الكوسج: هل يكبر إذا سجد، أو يسلم إذا رفع رأسه؟
قال: يكبر إذا سجد، أما التسليم، لا أدري ما هو.
قال إسحاق: «بل يكبر إذا سجد، ويرفع رأسه بالتكبير، ثم يقول عن يمينه: السلام عليكم» (٢).
ونصَّ أحمد في هذه الرواية على التكبير، ونفى علمه بالتسليم.
وهذه هي الرواية الوحيدة التي نقل فيها عن الإمام أحمد عدم علمه بالتسليم.
والمنصوص عن مالك نفي التسليم، وفي التكبير له قولان، آخرهما القول به.
قال ابن القاسم كما في المدونة: «إذا قرأها، وهو في غير صلاة، فكان يضعف التكبير قبل السجود وبعد السجود، ثم قال: أرى أن يكبر … وكان لا يرى السلام بعدها» (٣).
والمنصوص عن الشافعي في السلام قولان:
أحدهما: يسلم، نقله المزني عنه، وأبو الطيب الطبري في التعليقة الكبرى في الفروع، وهو المعتمد في مذهب الشافعية (٤).
стр. 7666
والثاني: لا يسلم، نقل ذلك البويطي عن الشافعي في مختصره (١).
وعلى القول بنفي التسليم؛ فلأن المقصود السجود، فلا يفعل غير المقصود.
(ث-٦٢٩) وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا هشيم، عن خالد،
عن أبي قلابة وابن سيرين: أنهما كانا إذا قرآ السجدة سلَّما (٢).
[صحيح] (٣).
(ث-٦٣٠) وروى عبد الرزاق عن الثوري، عن عطاء بن السائب،
عن أبي عبد الرحمن، قال: كان يقرأ بنا، ونحن متوجهون إلى بني سليم إلى غير القبلة، فيمر بالسجدة فيومئ إيماء، ثم يسلم (٤).
[حسن وسماع الثوري من عطاء قديم باتفاق أهل الجرح] (٥).
стр. 7667
(ث-٦٣١) وروى حرب الكرماني في مسائله، حدثنا إسحاق، حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن أبي الأحوص، أنه قرأ سجدة، فسجد فيها، ثم سلم.
[صحيح] (١).
(ث-٦٣٢) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن عبد الله بن مسلم، قال: كان أبي إذا قرأ السجدة، قال: الله أكبر، ثم سجد (٢).
[عبد الله بن مسلم بن يسار فيه جهالة] (٣).
وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم فيمن قرأ سجدة من سجود القرآن، فقالت
стр. 7668
طائفة: يكبر إذا سجد، كذلك قال ابن سيرين، وأبو قلابة، والنخعي، والحسن، ومسلم بن يسار، وأبو عبد الرحمن السلمي، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي وكان النخعي، والحسن البصري، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي يقولون: «يرفع رأسه من السجدة ويكبر» (١).
ولم يتعرض ابن المنذر للتسليم.
وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل.
وقد أردت من هذا النقل أن يقف الباحث على أن التكبير والتسليم في سجود التلاوة فيه خلاف عن السلف، وأما بيان الراجح فيه فسيأتي البحث عنه بشكل مستقل، وينظر في حجة الأقوال، والله أعلم.
الجواب الثاني:
قال ابن القيم: «قياسه على الصلاة ممتنع لوجهين:
أحدهما: أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع؛ إذ لا قراءة فيه، ولا ركوع، ولا فرضًا، ولا سنة ثابتة بالتسليم، ويجوز أن يكون القارئ خلف الإمام فيه، ولا مصافة فيه، وليس إلحاق محل النزاع بصورة الاتفاق أولى من إلحاقه بصورة الافتراق.
الثاني: أن هذا القياس إنما ينفع -لو كان صحيحًا- إذا لم يكن الشيء المقيس قد فعل على عهد النبي ﷺ ، ثم تقع الحادثة، فيحتاج المجتهد أن يلحقها بما وقع على عهده ﷺ من الحوادث أو شملها نصه، وأما مع سجوده وسجود أصحابه، وإطلاق الإذن في ذلك من غير تقييد بوضوء، فيمتنع التقييد به» (٢).
الدليل الرابع:
قال ابن عبد البر: إجماع من الفقهاء أنه لا يسجد أحد سجدة تلاوة إلا على طهارة» (٣).
стр. 7669
وحكى الإجماع كل من القاضي عياض، والنووي، وابن قدامة (١).
• ويجاب:
قال الزركشي: من نَقل الخلاف مقدم على من نقل الإجماع لمزيد الاطلاع (٢).
وقال ابن تيمية: «وإذا نقل عالم الإجماع ونقل آخر النزاع … فليس لقائل أن يقول: نقلٌ لخلافٍ لم يثبت، فإنه مقابلٌ بأن يقال: ولا يثبت نقل الإجماع، بل ناقل الإجماع نافٍ للخلاف، وهذا مثبت، والمثبت مقدم على النافي.
وإذا قيل: يجوز في ناقل النزاع أن يكون قد غلط فيما أثبته من الخلاف: إما لضعف الإسناد، أو لعدم الدلالة، قيل له: ونافي النزاع غلطه أجوز، فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه، أو بلغته وظن ضعف إسنادها وكانت صحيحة عند غيره، أو ظن عدم الدلالة، وكانت دالة، فكل ما يجوز على المثبت من الغلط يجوز على النافي مع زيادة عدم العلم بالخلاف» (٣).
وما أكثر المسائل التي نقل فيها الإجماع والخلاف فيها محفوظ، مما حدا بالشوكاني أن يقول: «وأما دعوى الإجماع فهي من الدعاوى التي لا يهابها طالب الحق، ولا تحول بينه وبين مراده منه» (٤).
نعم نقل الإجماع في المسألة مع اتفاق الأئمة الأربعة عليه يجعل طالب العلم لا يستعجل في مخالفته، وأن يقلِّب النظر في هذا الإجماع من جهة أمور منها:
أولًا: ينظر في النقلة، والثقة في نقلهم، وأن يكون من العلماء الذين لهم وزنهم العلمي، وسعة إطلاعهم على الخلاف الفقهي، ولا أظن في فقهاء المذاهب أوسع
стр. 7670
نقلًا للخلاف من ابن عبد البر والنووي وابن قدامة.
ثانيًا: أن يدقق النظر في الكثرة في نقل الإجماع، فربما قلد الناقلون للإجماع بعضهم بعضًا، فلا تدل الكثرة على شيء، فربما نقل الإجماع ابن المنذر، أو ابن حزم، وكان الباقي صدى لهذا النقل، بدليل أنك تجد ابن قدامة أو النووي أو غيرهما يحكون الإجماع في موضع غير منسوب، وفي موضع آخر ينسبونه لابن المنذر، فيكون الواقع أن الناقل للإجماع ابن المنذر، وابن المنذر له منهج واسع في حكاية الإجماع.
ثالثًا: التحقق من الإجماع، هل أراد به من حكاه الإجماع المطلق، أم أراد به إجماع أصحابه من أهل المذهب، فبعض الفقهاء يطلق الإجماع ويريد به إجماع أصحابه، لا إجماع أهل العلم، وهذا الاحتمال مستبعد في هذه المسألة.
رابعًا: النظر في الخلاف، أكان سابقًا لحكاية الإجماع، أم كان حادثًا بعد نقل الإجماع، فإذا انعقد الإجماع لم يلتفت إلى الخلاف الحادث بعده، وإذا اختلف الصدر الأول لم يكن اتفاق من بعدهم ملغيًا لخلافهم؛ لأن الأقوال لا تموت بموت أصحابها، بل إذا تفرد المتأخرون بقول لم يعرف عن أصحاب القرون المفضلة لم يقبل منهم؛ لأن الله أكمل دينه في حياة النبي ﷺ ، وما لم يكن قولًا في العصور المفضلة فليس من دين الله إلا أن تكون المسألة نازلة.
فإذا راعينا هذه الملحوظات مع حكاية الإجماع المنقولة وجدنا أن الخلاف محفوظ في عصر الصحابة، وفي عصر التابعين، وأشار له البخاري في صحيحه، فهذا الأمر يقدح في صحة حكاية الإجماع، فالإجماع إنما يكون حجة إذا توفر شرطه بأن يكون محفوظًا من الخرق، وأما مجرد حكايته فلا تغني شيئًا.
الدليل الخامس:
(ث-٦٣٣) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو سعيد شريك بن عبد الملك بن الحسن المهرجاني، ثنا أبو سهل بشر بن أحمد، ثنا داود بن الحسين البيهقي، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع،
عن ابن عمر، أنه قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، ولا يقرأ إلا وهو طاهر