← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

والثاني: لا يسلم، نقل ذلك البويطي عن الشافعي في مختصره (١). وعلى القول بنفي التسليم؛ فلأن المقصود السجود، فلا يفعل غير المقصود. (ث-٦٢٩) وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا هشيم، عن خالد، عن أبي قلابة وابن سيرين: أنهما كانا إذا قرآ السجدة سلَّما (٢). [صحيح] (٣). (ث-٦٣٠) وروى عبد الرزاق عن الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، قال: كان يقرأ بنا، ونحن متوجهون إلى بني سليم إلى غير القبلة، فيمر بالسجدة فيومئ إيماء، ثم يسلم (٤). [حسن وسماع الثوري من عطاء قديم باتفاق أهل الجرح] (٥).

стр. 7667

(ث-٦٣١) وروى حرب الكرماني في مسائله، حدثنا إسحاق، حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن أبي الأحوص، أنه قرأ سجدة، فسجد فيها، ثم سلم. [صحيح] (١). (ث-٦٣٢) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن عبد الله بن مسلم، قال: كان أبي إذا قرأ السجدة، قال: الله أكبر، ثم سجد (٢). [عبد الله بن مسلم بن يسار فيه جهالة] (٣). وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم فيمن قرأ سجدة من سجود القرآن، فقالت

стр. 7668

طائفة: يكبر إذا سجد، كذلك قال ابن سيرين، وأبو قلابة، والنخعي، والحسن، ومسلم بن يسار، وأبو عبد الرحمن السلمي، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي وكان النخعي، والحسن البصري، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي يقولون: «يرفع رأسه من السجدة ويكبر» (١). ولم يتعرض ابن المنذر للتسليم. وستأتي المسألة إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل. وقد أردت من هذا النقل أن يقف الباحث على أن التكبير والتسليم في سجود التلاوة فيه خلاف عن السلف، وأما بيان الراجح فيه فسيأتي البحث عنه بشكل مستقل، وينظر في حجة الأقوال، والله أعلم. الجواب الثاني: قال ابن القيم: «قياسه على الصلاة ممتنع لوجهين: أحدهما: أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع؛ إذ لا قراءة فيه، ولا ركوع، ولا فرضًا، ولا سنة ثابتة بالتسليم، ويجوز أن يكون القارئ خلف الإمام فيه، ولا مصافة فيه، وليس إلحاق محل النزاع بصورة الاتفاق أولى من إلحاقه بصورة الافتراق. الثاني: أن هذا القياس إنما ينفع -لو كان صحيحًا- إذا لم يكن الشيء المقيس قد فعل على عهد النبي ﷺ ، ثم تقع الحادثة، فيحتاج المجتهد أن يلحقها بما وقع على عهده ﷺ من الحوادث أو شملها نصه، وأما مع سجوده وسجود أصحابه، وإطلاق الإذن في ذلك من غير تقييد بوضوء، فيمتنع التقييد به» (٢). الدليل الرابع: قال ابن عبد البر: إجماع من الفقهاء أنه لا يسجد أحد سجدة تلاوة إلا على طهارة» (٣).

стр. 7669

وحكى الإجماع كل من القاضي عياض، والنووي، وابن قدامة (١). • ويجاب: قال الزركشي: من نَقل الخلاف مقدم على من نقل الإجماع لمزيد الاطلاع (٢). وقال ابن تيمية: «وإذا نقل عالم الإجماع ونقل آخر النزاع … فليس لقائل أن يقول: نقلٌ لخلافٍ لم يثبت، فإنه مقابلٌ بأن يقال: ولا يثبت نقل الإجماع، بل ناقل الإجماع نافٍ للخلاف، وهذا مثبت، والمثبت مقدم على النافي. وإذا قيل: يجوز في ناقل النزاع أن يكون قد غلط فيما أثبته من الخلاف: إما لضعف الإسناد، أو لعدم الدلالة، قيل له: ونافي النزاع غلطه أجوز، فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه، أو بلغته وظن ضعف إسنادها وكانت صحيحة عند غيره، أو ظن عدم الدلالة، وكانت دالة، فكل ما يجوز على المثبت من الغلط يجوز على النافي مع زيادة عدم العلم بالخلاف» (٣). وما أكثر المسائل التي نقل فيها الإجماع والخلاف فيها محفوظ، مما حدا بالشوكاني أن يقول: «وأما دعوى الإجماع فهي من الدعاوى التي لا يهابها طالب الحق، ولا تحول بينه وبين مراده منه» (٤). نعم نقل الإجماع في المسألة مع اتفاق الأئمة الأربعة عليه يجعل طالب العلم لا يستعجل في مخالفته، وأن يقلِّب النظر في هذا الإجماع من جهة أمور منها: أولًا: ينظر في النقلة، والثقة في نقلهم، وأن يكون من العلماء الذين لهم وزنهم العلمي، وسعة إطلاعهم على الخلاف الفقهي، ولا أظن في فقهاء المذاهب أوسع

стр. 7670

نقلًا للخلاف من ابن عبد البر والنووي وابن قدامة. ثانيًا: أن يدقق النظر في الكثرة في نقل الإجماع، فربما قلد الناقلون للإجماع بعضهم بعضًا، فلا تدل الكثرة على شيء، فربما نقل الإجماع ابن المنذر، أو ابن حزم، وكان الباقي صدى لهذا النقل، بدليل أنك تجد ابن قدامة أو النووي أو غيرهما يحكون الإجماع في موضع غير منسوب، وفي موضع آخر ينسبونه لابن المنذر، فيكون الواقع أن الناقل للإجماع ابن المنذر، وابن المنذر له منهج واسع في حكاية الإجماع. ثالثًا: التحقق من الإجماع، هل أراد به من حكاه الإجماع المطلق، أم أراد به إجماع أصحابه من أهل المذهب، فبعض الفقهاء يطلق الإجماع ويريد به إجماع أصحابه، لا إجماع أهل العلم، وهذا الاحتمال مستبعد في هذه المسألة. رابعًا: النظر في الخلاف، أكان سابقًا لحكاية الإجماع، أم كان حادثًا بعد نقل الإجماع، فإذا انعقد الإجماع لم يلتفت إلى الخلاف الحادث بعده، وإذا اختلف الصدر الأول لم يكن اتفاق من بعدهم ملغيًا لخلافهم؛ لأن الأقوال لا تموت بموت أصحابها، بل إذا تفرد المتأخرون بقول لم يعرف عن أصحاب القرون المفضلة لم يقبل منهم؛ لأن الله أكمل دينه في حياة النبي ﷺ ، وما لم يكن قولًا في العصور المفضلة فليس من دين الله إلا أن تكون المسألة نازلة. فإذا راعينا هذه الملحوظات مع حكاية الإجماع المنقولة وجدنا أن الخلاف محفوظ في عصر الصحابة، وفي عصر التابعين، وأشار له البخاري في صحيحه، فهذا الأمر يقدح في صحة حكاية الإجماع، فالإجماع إنما يكون حجة إذا توفر شرطه بأن يكون محفوظًا من الخرق، وأما مجرد حكايته فلا تغني شيئًا. الدليل الخامس: (ث-٦٣٣) ما رواه البيهقي، قال: أخبرنا أبو سعيد شريك بن عبد الملك بن الحسن المهرجاني، ثنا أبو سهل بشر بن أحمد، ثنا داود بن الحسين البيهقي، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، ولا يقرأ إلا وهو طاهر

стр. 7671

ولا يصلي على الجنازة إلا وهو طاهر (١). [رجاله ثقات إلا أنه معلٌّ، لم يروه عن الليث إلا قتيبة بن سعيد، تفرد به عنه داود بن الحسين] (٢).

стр. 7672

الدليل السادس: القياس على سجود السهو. قال ابن قدامة: «ولأنه سجود، فيشترط له ذلك -يعني من الطهارة ونحوها- كسجود السهو» (١). • ويجاب: بأن التشابه في الهيئة بين سجود السهو والتلاوة لا يستلزم التطابق في الحكم؛ لأن العلة في سجود السهو خلل يعرض للصلاة بسبب نقص، أو زيادة: يقينًا أو

стр. 7673

شكًّا، ويشترط لصحته وقوعه سهوًا، فلو تعمد سببه بطلت صلاته، فهو سجود جبرانٍ وترغيمٌ للشيطان، مرتبط بالصلاة ارتباط المسبب بسببه. والعلة في سجود التلاوة: هي قراءة آية السجدة أو الاستماع إليها، داخل الصلاة أو خارجها، فسببه مشروع، وهو تلاوة كتاب الله، وهو سجود رفعة وكمال وخضوع واستسلام، فافترقا. الدليل السابع: (ث-٦٣٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبان العطار، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان، قال: تومئ برأسها إيماء، يعني الحائض (١). [سبق تخريجه في الأقوال]. ولو كان السجود لا يحتاج إلى طهارة، لأمرها بالسجود كما تسجد المرأة الطاهر من الحيض. • دليل من قال: لا يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة: الدليل الأول: لا يوجد دليل صحيح على اشتراط الطهارة، أو على استقبال القبلة، أو ستر العورة لسجود التلاوة، والأصل عدم الوجوب حتى يثبت ذلك بدليل صحيح، أو إجماع، أو قول صحابي لا مخالف له. الدليل الثاني: (ح-٢٦٨٢) ما رواه البخاري، من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (٢). وجه الاستدلال: المسلمون الذين سجدوا معه ﷺ لم يُنقل أن النبي ﷺ أمرهم بالطهارة،

стр. 7674

ولا سألهم، هل كنتم متطهِّرين أم لا؟ ولو كانت الطهارة شرطًا فيه للزم أحد الأمرين: إما أن يتقدم أمرُه لهم بالطهارة، وإما أن يسألهم بعد السُّجود ليبين لهم الاشتراط، ولم يَنْقل واحد منهما. فإن قيل: فلعلَّ الوضوءَ تأخرت مشروعيته عن ذلك، وهذا جواب بعض الموجِبين. قيل: الطهارة شُرِعت للصلاة معها، ولم يصلِّ قطّ إلا بطهارة، أتاه جبريل فعلَّمه الطهارةَ والصلاةَ (١). • ويناقش: بأن هذا كان بمكة، وهو حجة لمن قال: تسقط الطهارة إذا خاف فوت العبادة، ولم يكن حينها قد شرع التيمم؛ لأن التيمم شرع بالمدينة، فالمحدث لو تراخى حتى يتطهر فات السجود، فكان عليه أن يسجد حتى ولو كان محدثًا أولى من تفويت السجود؛ لأن الغاية لا تترك للعجز عن وسيلتها. وهذا الجواب على افتراض أن تكون الطهارة قد شرعت، وهناك احتمال كبير أن يكون فرض الطهارة لم يشرع بعد، لأن هذه أول سورة أنزلت فيها سجدة، ونزلت بعد حادثة المعراج، والتي شرع فيها الصلوات الخمس. (ح-٢٦٨٣) فقد روى البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله ﵁ قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ قال: فسجد رسول الله ﷺ ، وسجد من خلفه إلا رجلًا، رأيته أخذ كفًا من تراب، فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا، وهو أمية بن خلف (٢). وأحاديث تعليم جبريل للنبي ﷺ المواقيت من حديث ابن عباس وجابر ليس فيهما تعليم النبي ﷺ للطهارة، فقد يكون فرض الطهارة تأخر، كما هو الشأن في سائر

стр. 7675

التشريعات، فإنها لم تنزل دفعة واحدة، فإذا كانت الصلاة شرعت ركعتان، ثم أقرت صلاة السفر وزيد في الحضر، فربما تأخر فرض الطهارة. (ح-٢٦٨٤) ويدل له ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق يحيى بن بكير قالوا: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، عن أبيه، قال: لما أظهر رسول الله ﷺ الإسلام أسلم أهل مكة كلهم - وذلك قبل أن تفرض الصلاة - حتى إن كان ليقرأ السجدة فيسجدون، ما يستطيع أحدهم أن يسجد من الزحام، حتى قدم رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام وغيرهما، وكانوا بالطائف في أرضهم، فقالوا: تدعون دين آبائكم؟ فكفروا (١). [تفرد به ابن لهيعة، وهو ضعيف] (٢). وإذا كان السجود قبل فرض الصلاة، فلا يبعد أن يكون قبل فرض الطهارة. واستشكل بعضهم هذا: بأن سورة العلق، أول السور نزولًا، وفيها أيضًا سجدة، فهي سابقة على نزول النجم. وأجيب: بأن السابق من سورة العلق أولها، وأما بقيتها فنزلت بعد ذلك (٣). والمؤكد أن هذه الواقعة في العهد المكي، وأعداد المسلمين قليلة جدًّا، وفي وقت المعراج كان قد هاجر طائفة منهم إلى الحبشة، والأقل منهم من يستطيع أن يظهر إسلامه ممن له منعة من قومه، فلو فرض أن هذه الواقعة كانت بعد تشريع الطهارة، لم يمكن الجزم بأن أحدًا من المسلمين كان محدثًا، وقد كان الصحابة

стр. 7676

يحرصون على الجلوس مع النبي ﷺ على طهارة، وقصة أبي هريرة وحذيفة حين حادا عن الجلوس مع النبي ﷺ لكونهما جنبًا مشهورة، (والنبي ﷺ تيمم لرد السلام، وقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)، فلا يبعد أن يكون المتواجد من المسلمين على قلتهم في هذه الواقعة كان على طهارة، وإذا كان لا سبيل إلى القطع بأن جميعهم على طهارة، فلا سبيل إلى القطع أن بعضهم كان محدثًا، وأما سجود المشركين فلا حجة فيه. • ويناقش: هذا الاحتمال متوجه لو أنه جاء في النصوص ما يدل على اشتراط الطهارة لسجود التلاوة، فيساق هذا الاحتمال دفعًا للتعارض، أما إذا كان هذا النص لا يحفظ ما يعارضه، ولم يثبت في النصوص ما يدل على وجوب الطهارة لسجود التلاوة فسواء تأخر فرض الطهارة للصلاة، أو شرع معها فليس هناك ارتباط بين وجوب الطهارة للصلاة وبين وجوبه للتلاوة، فالعبادتان مختلفتان، وعلى التنزل أن ذلك كان في أول التشريع فحديث ابن عمر التالي ينقله عن فعل الصحابة وحدهم، وفي حال الكثرة والازدحام في المكان مما يدل على أن ذلك كان بالمدينة، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-٢٦٨٥) روى البخاري ومسلم من طريق يحيى، قال: أخبرنا عبيد الله قال: حدثني نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد، حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته (١). ورواه البخاري من طريق علي بن مسهر، قال: أخبرنا عبيد الله به، ولفظه: كان النبي ﷺ يقرأ السجدة، ونحن عنده … إلخ (٢). فقوله: (ونحن عنده)، ظاهره: أنه ليس ذلك في الصلاة؛ إذ لو كانوا في صلاة

стр. 7677

لقال: (ونحن معه)، وقد نصَّ على ذلك بعض الرواة. فرواه محمد بن بشر، عن عبيد الله به كما في صحيح مسلم، ولفظه: ( … ربما قرأ رسول الله ﷺ القرآن، فيمر بالسجدة، فيسجد بنا حتى ازدحمنا عنده، حتى ما يجد أحدنا مكانًا ليسجد فيه في غير صلاة) (١). تابعه عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر به، كما في مسند أحمد وسنن أبي داود، وفيه: ( … يقرأ علينا السورة في غير الصلاة فيسجد ونسجد معه ..... ) (٢). وجه الاستدلال: سجودهم جميعًا ومن البعيد جدًّا أن يكون كلهم إذ ذاك على وضوء، ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضئ وغيره. الدليل الرابع: (ح-٢٦٨٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (٣). وجه الاستدلال: فدل حديث عبادة مع حديث علي بن أبي طالب ﵄ السابق: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، أن ضابط الصلاة: هو ما افتتح بالتكبير، واختتم بالتسليم، وشرعت فيه قراءة الفاتحة. وحديث أبي هريرة: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج). رواه مسلم. ولفظ: (كل) من ألفاظ العموم، فدل هذا على أن سجود التلاوة ليس داخلًا في هذا العموم؛ لأنه لا قراءة فيه بالإجماع، ولا تحريم، ولا تسليم فيه على الصحيح.

стр. 7678

الدليل الخامس: (ح-٢٦٨٧) ما رواه مسلم، قال ﵀: حدثني محمد بن عمرو بن عباد ابن جبلة، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثنا سعيد بن حويرث، أنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام، فأكل، ولم يمس ماءً. قال: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، أن النبي ﷺ قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ. وزعم عمرو، أنه سمع من سعيد بن الحويرث (١). ورواه عبد بن حميد كما في المنتخب، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس. وفيه: إنما أمرتم بالوضوء للصلاة (٢). [سنده صحيح وفيه التعبير بالحصر ب (إنما)]. قوله: (إنما أمرتم بالوضوء للصلاة) المقصود أمر إيجاب، وإلا فالاستحباب مجمع عليه، والحديث دليل على أن الوضوء لا يجب لغير الصلاة، ومنه سجود التلاوة. وقد استدل به ابن تيمية على عدم وجوب الطهارة للطواف والتلاوة، وغفل أن يستدل به أيضًا على عدم وجوب الطهارة لمس المصحف. الدليل السادس: (ث-٦٣٥) روى البخاري ﵀ في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يسجد على غير وضوء (٣). وصله ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة قال: أخبرنا أبو الحسن، عن رجل زعم أنه كنفسه،

стр. 7679

عن سعيد بن جبير قال: كان عبد الله بن عمر، ينزل عن راحلته، فيهريق الماء، ثم يركب، فيقرأ السجدة، فيسجد، وما توضأ (١). وجه الاستدلال: قال ابن تيمية: «كان ابن عمر يسجد على غير وضوء، ومن المعلوم أنه لو كان النبي ﷺ بيَّن لأصحابه أن السجود لا يكون إلا على وضوء لكان هذا مما يعلمه عامتهم؛ لأنهم كانوا يسجدون معه، وكان هذا شائعًا في الصحابة، فإذًا لم يعرف عن أحد منهم أنه أوجب الطهارة لسجود التلاوة، وكان ابن عمر من أعلمهم وأفقههم وأتبعهم للسنة، وقد بقي إلى آخر الأمر، ويسجد للتلاوة على غير طهارة، كان هذا مما يبيِّن أنه لم يكن معروفًا بينهم أن الطهارة واجبة لها، ولو كان هذا مما أوجبه النبي ﷺ لكان ذلك شائعًا بينهم كشياع وجوب الطهارة للصلاة وصلاة الجنازة. وابن عمر لم يعرف أن غيره من الصحابة أوجب الطهارة فيها، ولكن سجودها على طهارة أفضل باتفاق المسلمين … ». إلخ كلامه ﵀ (٢). • ويجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أن ما رواه ابن أبي شيبة في إسناده رجل مبهم (٣).

стр. 7680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7681

الجواب الثاني: لو سلمنا أن الأثر صحيح عن ابن عمر ﵁، فهو قول صحابي فليس بحجة إما مطلقًا، وإما إذا خالفه صحابي آخر، وقد عارضه غيره، فهذا ابن مسعود صح عنه أنه يرى التسليم من سجود التلاوة، وهذا يدل على أنه في حكم الصلاة، فإذا كان له تحليل، كان له تحريم، فأشبه الصلاة، وأما سجود القراءة فلوجود عارض يمنع من القراءة، وهو حال السجود؛ فإنه حال منهي عن القراءة فيه، وهناك من العلماء من يرى صلاة الجنازة لا قراءة فيها، وهي داخلة في مسمى الصلاة، وتشترط لها الطهارة بالإجماع إلا خلافًا شاذًا عن الشعبي، فلا تلازم بين القراءة ووجوب الطهارة. ومن الآثار المعارضة لابن عمر: ما يروى عن عثمان، أنه أمر الحائض أن تومئ برأسها، فلولا أنه يرى أنها ممنوعة من السجود لأمرها بالسجود، كما تسجد المرأة الطاهر، إضافة إلى ذلك ما يروى عن ابن عمر نفسه أنه قال: لا يسجد إلا وهو طاهر، ولا يصلي الجنازة إلا وهو طاهر. فإن قلت: هذا الأثر معلٌّ. قيل قد روي عن ابن عمر بسند صحيح كالشمس، (ث-٦٣٦) فقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: كان ابن عمر يصيح عليهم إذا رآهم، يعني القصاص يسجدون بعد الصبح. قال عبد الرزاق: قال معمر: وأخبرنيه أيوب عن نافع (١). فالإسناد الأول قد قيل فيه: إنه من أصح الأسانيد، فلو كان ابن عمر لا يعتبر السجود داخلًا في مسمى الصلاة ما أنكر عليهم السجود في وقت النهي، فإنكاره دليل

стр. 7682

على أنه يراه داخلًا في مسمى الصلاة. فإن قيل: لعله نهاهم من أجل هيئة السجود، فالنهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب معلل بمشابهة المشركين. (ح-٢٦٨٨) لما رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة مرفوعًا: وفيه: … صَلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار … الحديث (١). فكانت هيئة السجود في التلاوة مشابهة لهيئة سجود الكفار للشمس، وكان النهي عن الصلاة في ذلك الوقت من أجل ما في الصلاة من السجود المشابه لسجود الكفار، لا من أجل مطلق الصلاة. • ويجاب عن ذلك بأكثر من جواب: الجواب الأول: لو كان النهي عن الصلاة لما فيها من السجود المشابه لسجود الكفار، لما نهى عن صلاة الجنازة، وليس فيها سجود، فكان النهي متوجهًا لمطلق الصلاة، وليس من أجل مطلق السجود. الجواب الثاني: أن النصوص تنهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر. (ح-٢٦٨٩) فقد روى مسلم من طريق يونس، أن ابن شهاب، أخبره، قال: أخبرني عطاء بن يزيد الليثي، أنه سمع أبا سعيد الخدري، يقول: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس (٢). ورواه البخاري من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب به، بلفظ: (لا

стр. 7683

صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس) (١). فالنهي متوجه للصلاة، وإذا أطلقت الصلاة بالنصوص فهي محمولة على الحقيقة الشرعية، وإذا كان السجود لا يسمى صلاة شرعًا فليس داخلًا في النهي، هذا هو مقتضى القواعد. الجواب الثالث: لو اعتبرنا السجود صلاة، لكان السجود بسبب التلاوة داخلًا في ذوات الأسباب، فهو لم يتحر السجود في ذلك الوقت من أجل السجود، نعم لو تقصد أن يقرأ آية سجدة من أجل السجود، وقلنا: السجود صلاة شرعًا، كان منهيًا عن ذلك في ذلك الوقت. (ح-٢٦٩٠) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: لا يتحرى أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها (٢). (ح-٢٦٩١) ورواه البخاري من طريق عبدة، عن هشام به، وفيه: … لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان، أو الشيطان، لا أدري أي ذلك، قال هشام (٣). ورواه مسلم من طريق عبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر، كلاهما عن هشام به، بلفظ: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بقرني الشيطان (٤). فالمنهي عنه هو تحري الصلاة في أوقات النهي، وتحري الصلاة هو ألا يكون له قصد إلا الصلاة في هذا الوقت، فلم يدخل فيه الصلوات ذوات الأسباب، فهي مشروعة لأسبابها، وقد ناقشت هذه المسألة عند الكلام على تحية المسجد في أوقات النهي في المجلد السابع، فارجع إليه بوركت.

стр. 7684

والخلاصة من هذا النقاش: أن المنقول عن ابن عمر من النهي عن سجود التلاوة في أوقات النهي دليل على أنه يراه داخلًا في مسمى الصلاة، والسند إليه أصح من السند الذي روي عنه أنه كان يسجد على غير وضوء، بل قيل عن إسناد معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: إنه من أصح الأسانيد، والأثر الثاني أشهر؛ لأن البخاري في صحيحه قد ساقه معلقًا عنه بصيغة الجزم، فاشتهر الثاني دون الأول، وعند الرجوع لمن رواه موصولًا نجد إسناده ليس بالقائم، فقد انفرد به زكريا بن أبي زائدة على اختلاف عليه، فقد رواه عنه اثنان، والأوثق منهما قد رواه بزيادة رجل مبهم، فالحكم له على من خالفه، فلا يصح، وعلى افتراض صحة الأثر فيجمع بينهما بحيث يحمل أثر ابن عمر الذي يجيز السجود بلا طهارة على أول التشريع بناء على البراءة الأصلية، ويحمل الأثر الثاني على أنه ناقل عنها، خاصة أن الذي رواه عنه هو سالم، وعن مشاهدة، فهو متأخر، فإذا جمعت أثر ابن مسعود، وأثر عثمان، وما وافقهما من أثر ابن عمر قدم ذلك على ما عارضها من الأثر الآخر لابن عمر، الذي لا يرى الطهارة، خاصة إذا وقفت على ما ورد من اختلاف في إسناده، والله أعلم. الدليل السابع: لم يوجد في النصوص إطلاق الصلاة على ما دون الركعة، فأقل ما صدق عليه إطلاق الصلاة في النصوص الشرعية، هو ما جاء من الإيتار بركعة واحدة، على خلاف بين الفقهاء في حكم الوتر بركعة واحدة، فالجمهور على الجواز خلافًا للحنفية. (ح-٢٦٩٢) فقد روى البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: سأل رجل النبي ﷺ وهو على المنبر، ما ترى في صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدة، فأوترت له ما صلى (١). وجه الاستدلال: قوله: (صلى واحدة) فأطلق على الركعة الواحدة صلاة، ولم يطلق على ما دون الركعة صلاة، ومنه السجدة.

стр. 7685

الدليل الثامن: قال تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠]. وجه الاستدلال: أن السحرة سجدوا، ولم يكونوا حينها على طهارة، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه. • ويناقش: بأن هذا السجود ليس من سجود التلاوة حتى يمكن الاحتجاج به، فسجود التلاوة: ما كان سببه تلاوة آية من آيات السجود، وليس منه سجود السحرة، فسجود السحرة سجود خضوع لله وتسليم له، والقياس عليه قياس مع الفارق، وعلى نفي الفارق لا يصح الاستدلال به إلا بمقدمتين: الأولى: صحة الاحتجاج بشرع من قبلنا. الثاني: التسليم بأنه لم يرد في شرعنا ما يخالفه، والمخالف ينازع في هاتين المسألتين، والله أعلم. • الراجح: بعد استعراض الأقوال أجدني بين قولين: قولٍ يراه الأئمة الأربعة وأكثر السلف حتى حكي إجماعًا على أن سجود التلاوة يشترط له ما يشترط للصلاة، وبين قول يخالفه روي عن الشعبي، وروي عن سعيد بن المسيب على اختلاف عليه. والآثار عن الصحابة قليلة وفيها اختلاف، والأثر الوحيد الصريح أنه لا يتوضأ مروي عن ابن عمر، ومعارض بآثار أخرى عنه، وعن بعض الصحابة فمن جهة الأقوال تكون الكفة لصالح من يقول: يشترط له الطهارة، وأما من جهة الأدلة فأجد أن الكفة تميل إلى القول بعدم الوجوب، فالمسألة ليست من المسائل الجلية، ولا أنها من الخلاف الضعيف، فالراجح سيكون بين قولين: قوي وأقوى، والقول بعدم وجوب الطهارة أقوى، وقد تحريت أن أعرض الأدلة والأقوال بقدر الإمكان بالحياد حتى يتبيَّن للقارئ أيُّ القولين أقوى، والله أعلم.

стр. 7686

الشرط الثاني في اشتراط النية لسجود التلاوة المدخل إلى المسألة: • العبادات التي تتميز بنفسها، ولا تلتبس بغيرها، فعلها لا يفتقر إلى نية، كالإيمان بالله، والتسبيح، وقراءة القرآن. • النية مشروعة في العبادة؛ لتمييز العبادات عن العادات؛ وتمييز العبادات بعضها عن بعض: كأن تكون هذه فريضة، وتلك نافلة. • نية الصلاة تكفي عن نية خاصة لأفعالها من قيام وركوع وجلوس وسجود. • ذهول المصلي عن النية داخل الصلاة ليس قَطْعًا لها، فيستصحب حكمها. • سبب سجود التلاوة لا يطلب تقصده في الصلاة، فلم تشمله نية ابتداء الصلاة. • سجود التلاوة يفتقر إلى نية خاصة تميزه عن سجود الصلاة. • سجود التلاوة فعل واحد عارض لسبب خاص، كالتلاوة، يقع مباشرة بعد وجود سببه، فمثله يبعد أن يسجد المكلف دون شعوره بسبب السجود، وقصد الفعل. • المأموم إذا سجد متابعة لإمامه كفاه، ولهذا سجد النبي ﷺ للسهو وتبعه الصحابة قبل علمهم أن السهو يوجب السجود. [م-٩٢٤] اختلف العلماء في اشتراط النية لسجود التلاوة، فقيل: لا تشترط النية مطلقًا، داخل الصلاة، ولا خارجها، وهو مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه عليٌّ الأجهوري، واقتصر عليه عبد الباقي الزرقاني في شرح المختصر، ورجحه الدسوقي في حاشيته (١).

стр. 7687

وقيل: تشترط مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه محمد الأمير المالكي في مجموعه، كما رجحه من الشافعية السيوطي وقال به الرملي في حق غير المأموم (١). قال ابن قدامة: «يشترط للسجود ما يشترط لصلاة النافلة من الطهارتين من الحدث والنجس … والنية، ولا نعلم فيه خلافًا … » (٢). وقال عبد الرحمن بن قدامة: يشترط له ما يشترط لصلاة النافلة، وذكر منها: النية في قول عامة أهل العلم (٣). وقال الشافعية: إن كان سجود التلاوة داخل الصلاة لم تشترط له النية، وإن كان خارج الصلاة، فالأصح أن النية شرط، وقيل: تستحب (٤).

стр. 7688

قال ابن الرفعة الشافعي: «ومن سجد للتلاوة في الصلاة كبَّر للسجود، وللرفع منه .... ولا يحتاج في هذه السجدة إلى نية اتفاقًا؛ لأن نية الصلاة تنسحب عليها (١). وقال النووي: «إذا سجد للتلاوة في غير الصلاة نوى، وكبَّر للإحرام» (٢). هذه هي الأقوال في المسألة، وسوف نذكر أدلتها عند الكلام على صفة سجود التلاوة،، فإنه لا يحسن أن أتكلم على صفة سجود التلاوة ثم لا أذكر من صفتها نية السجدة.

стр. 7689

الشرط الثالث في اشتراط قراءة آية السجدة كاملة المدخل إلى المسألة: • سجود التلاوة أهو متعلق بحرف السجدة، فإذا قرأ حرف السجدة، وكان المعنى تامًا سجد، أم هو متعلق بقراءة الآية كلها؟ الظاهر الثاني؛ لاتفاق الحنفية والشافعية -ممن تعرضوا للمسألة- على أن الاقتصار على حرف السجدة لا يوجب السجود. • إذا قرأ أكثر آية السجدة مع حرف السجدة سجد إعطاء للأكثر حكم الكل. [م-٩٢٥] اختلف الفقهاء في القارئ والسامع يقرأ، أو يسمع بعض آية السجدة، هل يكفي هذا في صحة سجدة التلاوة؟ فقيل: يشترط لصحة السجود قراءة جميع آية السجدة أو سماعها كلها، فإن سجد قبل إتمام آية السجدة، ولو بحرف لم تصح، نَصَّ على ذلك الشافعية (١). وعللوا عدم الصحة: بأنه فعلٌ للعبادة قبل دخول وقتها. جاء في تحفة المحتاج: فإن سجد قبل انتهائها بحرف فسدت؛ لعدم دخول وقتها (٢). وقال الحنفية: يكفي قراءة أكثر آية السجدة مع حرف السجدة، فلو قرأ الحرف الذي يسجد فيه وحده لم يسجد، ولو قرأ آية السجدة كلها إلا الحرف الذي فيه السجدة لم يسجد (٣).

стр. 7690

وتعليل الحنفية: بأنه يعطى الأكثر حكم الكل بشرط أن يقرأ الحرف الداعي للسجدة، والله أعلم. • الراجح: ليس في المسألة نص، ولعل قول الحنفية أقرب، والله أعلم.

стр. 7691

الشرط الرابع في اشتراط الفورية المدخل إلى المسألة: • العبادة وصفتها متلقاة من الشارع، ولم يثبت في النصوص وقوع سجود التلاوة متراخيًا. • لو كان سجود التلاوة لا يفوت بتأخيره لما زيد سجود التلاوة في الصلاة، وهو قدر زائد على ماهية الصلاة، ليس جزءًا منها. • ما شرع لسبب إذا فات لا يقضى قياسًا على صلاة الكسوف. • ما لا يجوز التطوع به ابتداءً، لا يجوز قضاؤه إذا فات. [م-٩٢٦] اختلف الفقهاء في اشتراط الفورية لسجود التلاوة: فقال الحنفية: سجدة التلاة على التراخي في غير الصلاة، وهو قول لبعض الشافعية، وأما في الصلاة فيجب فعلها فيها، إلا أن قراءة آيتين بعد آية السجدة لا تقطع الفورية، وقراءة أربع آيات تقطعها، واختلفوا في قراءة ثلاث آيات (١).

стр. 7692

وقال الشافعية في المعتمد، والحنابلة: إذا طال الفصل، ولو من عذر فات السجود، وهل تقضى؟ فيها قولان: الأصح عند الشافعية، وهو مذهب الحنابلة عدم القضاء (١). وهو مقتضى مذهب الإمام مالك، حيث نهى عن قراءة آية السجدة من المحدث، وفي وقت النهي، ولو كانت لا تفوت، لم يمنع من القراءة، وأخَّر السجود حتى يتطهر، ويذهب وقت النهي (٢). قال الرافعي: «سجدة التلاوة ينبغي أن تقع عقيب قراءة الآية، أو استماعها، فلو تأخر، نظر: إن لم يطل الفصل سجد، وإن طال فلا» (٣). وقال النووي مثله، وزاد: « … وهل تقضى؟ فيه قولان، حكاهما صاحب التقريب، وتابعوه عليهما: (أظهرهما)، وبه قطع الشيخ أبو حامد، والبندنيجي، والصيدلاني، وآخرون: لا تقضى … » (٤). • وجه القول بأن السجود على التراخي: أمرنا بالسجود، والأمر المطلق لا يقتضي الفورية بمقتضى الصيغة، فلا تجب الفورية إلا بدليل، وإلزام السجود على الفور تخصيص لوقت دون وقت، ولا يجوز

стр. 7693

ذلك إلا بدليل، والشارع طلب السجود، ولم يعين وقتًا، فجاز وقوعه عقيب الأمر، وجاز تأخيره عنه، فكان وقته موسعًا. يقول الكاساني: «دلائل الوجوب مطلقة عن تعيين الوقت، فتجب في جزء من الوقت غير عين، ويتعين ذلك بتعيينه فعلًا، وإنما يتضيق عليه الوجوب في آخر عمره، كما في سائر الواجبات الموسعة» (١). • وجه القول بأن السجود على الفور: الوجه الأول: العبادة وصفتها متلقاة من الشارع، ولم نقف في النصوص على صحة وقوعه متراخيًا من جهة العمل، ولو مرة واحدة؛ لبيان الجواز، فمن أخَّر السجود عن سببه لم يوقع السجود على الصفة الواردة، وكل عمل ليس عليه أمر الله ورسوله فهو رد. الوجه الثاني: لو كان سجود التلاوة لا يفوت بتأخيره لما زيد سجود التلاوة في الصلاة، فلما وقع سجود التلاوة في الصلاة، وهو قدر زائد على ماهية الصلاة، ليس جزءًا منها، كان ذلك دليلًا على ارتباط السجود بسببه، وأنه يفوت بتأخيره، فاغتفر فعله في الصلاة. • ونوقش: هذا دليل على وجوب السجود على الفور في الصلاة، والقائلون بالتراخي كالحنفية يلتزمون ذلك؛ لأنهم يقولون بأن سجود التلاوة وجب كاملًا في الصلاة، وأداؤه خارج الصلاة ناقص، فلا يتأدى الكامل بالناقص. وهذا الجواب لا يخلص الحنفية؛ لأن سجود التلاوة، لا فرق فيه بين فعله داخل الصلاة، وفعله خارجها، بل لو كان بالإمكان تأخيره لحفظت الصلاة عن زيادة سجود أجنبي ليس من ماهية الصلاة. دليل من قال: سجود التلاوة يدخله القضاء: القياس على قضاء بعض السنن، فقد قضى النبي ﷺ سنة الظهر بعد العصر

стр. 7694

كما في الصحيحين من حديث أم سلمة (١). • وأجيب: بأن قضاء النافلة لا يثبت إلا بنصٍّ، والنوافل التي دخلها القضاء هي تلك النوافل التي تتعلق بالأوقات، أما التي تتعلق بأسباب عارضة، كصلاة الخسوف والاستسقاء، والتلاوة فلا تقضى. • دليل من قال: سجود التلاوة لا يدخله القضاء: أن ما شرع لسبب إذا فات لا يقضى قياسًا على صلاة الكسوف. قال في المغني: سجدة التلاوة تتعلق بسبب، فإذا فات لم يسجد. ولأن ما لا يجوز التطوع به ابتداءً، لا يجوز قضاؤه إذا فات، والسجدة لا يتقرب بها إلى الله ابتداء على الصحيح، فإذا فعلت منفصلة عن سببها كان ذلك على صورة سجدة لا سبب لها، فلا تصح. • الراجح: أن سجود التلاوة على الفور، وأنه يفوت إذا طال الفصل، ولا يدخله القضاء، والله أعلم.

стр. 7695

الشرط الخامس أن يكون السجود في غير أوقات النهي عن الصلاة المدخل إلى المسألة: • النهي عن سجود التلاوة في وقت النهي مرتب على صحة إطلاق اسم الصلاة عليه، ولم يصح في النصوص إطلاق الصلاة على ما دون الركعة. • كون السجود جزءًا من أفعال الصلاة لا يعني أنه في نفسه صلاة، فالقيام بعض الصلاة، والتكبير بعض الصلاة، وقراءة أم القرآن بعض الصلاة، وهذه الأشياء لا تكون صلاة على وجه الاستقلال، فكذلك السجود. • أطلق الشارع على الفاتحة اسم الصلاة في حديث (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) رواه مسلم، وإنما قسم الفاتحة، ولا تسمى الفاتحة صلاة على وجه الاستقلال، فكذلك السجود. • يكره التعبد بالسجود بلا سبب من سهو، أو تلاوة، أو شكر على أحد قولي العلماء، ولو كان صلاة لاستقل بنفسه، ولم يكن محتاجًا في فعله إلى سبب. • التشابه في الهيئة بين سجود السهو والتلاوة لا يستلزم التطابق في الحكم، لأن سجود السهو سجود جبران نتيجة خلل عرض للصلاة فلو تعمد سببه بطلت صلاته، ومرتبط بالصلاة ارتباط المسبب بالسبب بخلاف سجود التلاوة. • إذا صحت سجدة الشكر بعد صلاة الصبح كما في توبة كعب بن مالك، فالقياس أن يصح فعلها بعد صلاة العصر؛ لعدم وجود فارق من حيث المعنى بين الوقتين، وإلا كان ذلك نزعة ظاهرية. [م-٩٢٧] اختلف العلماء في حكم سجود التلاوة في أوقات النهي. فقيل: إذا تلا آية السجدة قبل وقت النهي فلا يجوز فعلها في وقت النهي، وإن

стр. 7696

تلاها بعد الصبح، أو بعد العصر، جاز أداؤها فيها من غير كراهة، لكن الأفضل تأخيرها؛ ليؤديها في الوقت المستحب. وهذا مذهب الحنفية (١). وقيل: يسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس، رواه ابن القاسم عن مالك في المدونة، وهو المذهب عند أصحابه (٢). وقيل: لا يقرأ من سجود القرآن شيئًا بعد صلاة الصبح، ولا بعد صلاة العصر، وهذا نصَّ مالك في الموطأ، ومذهب الحنابلة، قال المرداوي: وعليه أكثر الأصحاب (٣). وقيل: يسجد لها بعد الصبح ما لم يسفر، ولا يسجد بعد العصر، وإن لم تتغير الشمس، وهذا قول مطرف وابن حبيب وابن الماجشون من المالكية (٤). فتبين من هذا أن المالكية يتفقون على أن الصبح إذا أسفر، أو اصفرت الشمس بعد العصر فلا سجود، ويختلفون قبل ذلك إذا صليت الصبح والعصر على ثلاثة أقوال في المذهب، أضعفها قول من فرق بين الصبح والعصر، فإنه لا وجه له في النظر؛ ولا دليل عليه من جهة الأثر.

стр. 7697

وقيل: يجوز سجود التلاوة في وقت النهي، وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها أبو الخطاب، وابن عقيل، وجماعة من الحنابلة (١). قال النووي: «مذهبنا: أنه لا يكره سجود التلاوة في أوقات النهى عن الصلاة، وبه قال سالم بن عمر، والقاسم بن محمد، وعطاء، والشعبي، وعكرمة، والحسن البصري» (٢). فهذه خمسة أقوال في المسألة، وسبب الخلاف راجع إلى الاختلاف في مسألتين: الأولى: هل سجود التلاوة صلاة يشترط له ما يشترط للصلاة؟ فمن قال: ليس بصلاة، لا يمنع من فعله في أي وقت. وقد سبق بحث هذه المسألة في فصل مستقل. المسألة الثانية: على القول بأنه صلاة، فإذا قرأ القرآن، فمر بآية سجدة، ولم يتقصد السجدة، فهل ينهى عن السجدة في وقت النهي، أم يجوز فعلها فيه إلحاقًا لها بذوات الأسباب؟ فالجمهور يذهبون في الجملة إلى أن النهي يشمل ذوات الأسباب، ومنها سجدة التلاوة، فلا يفعلها في وقت النهي. وقال الشافعية: ذوات الأسباب غير داخلة في النهي، ومنها سجدة التلاوة والشكر. وقد سبق بحث هذه المسألة في صفة الصلاة، في المجلد السابع.

стр. 7698

• دليل من قال: لا يسجد مطلقًا: هذا القول مبني على القول بأن سجدة التلاوة صلاة، وأن التطوع في أوقات النهي منهي عنه، سواء أقلنا: إن النهي للتحريم أم للكراهة، وأن إطلاق النهي عن الصلاة يشمل التطوع المطلق كما يشمل التطوع ذوات الأسباب. وقد ذكرنا أدلتهم في هاتين المسألتين، فلا حاجة إلى إعادة هذه الأدلة، فقد تركت ذكرها اختصارًا؛ وأذكر من الأدلة ما لم أذكره هناك، ومنها: (ث-٦٣٧) فقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: كان ابن عمر يصيح عليهم إذا رآهم، يعني: القصاص يسجدون بعد الصبح. قال عبد الرزاق: قال معمر: وأخبرنيه أيوب عن نافع (١). [صحيح خاصة الإسناد الأول، والإسناد الثاني صالح في المتابعات] (٢). • ونوقش: بأنه قد روي عن ابن عمر ما يعارضه. (ث-٦٣٨) فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يسجد على غير وضوء (٣). وقد وصله ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة قال: أخبرنا أبو الحسن، عن رجل زعم أنه كنفسه، عن سعيد بن جبير قال: كان عبد الله بن عمر، ينزل عن راحلته، فيهريق الماء، ثم يركب، فيقرأ السجدة، فيسجد، وما توضأ (٤). ولو كان يراه صلاة لوجبت له الطهارة. وأجيب بأن الأثر هذا معلٌّ، وسبق تخريجه (٥).

стр. 7699

ولو اعتبرنا السجود صلاة، لكان السجود بسبب التلاوة داخلًا في ذوات الأسباب، فهو لم يتحر السجود في ذلك الوقت من أجل السجود، نعم لو تقصد أن يقرأ آية سجدة من أجل السجود، وقلنا: إن السجود صلاة شرعًا، كان منهيًا عن ذلك في ذلك الوقت، كما لو دخل المسجد بقصد تحية المسجد. (ح-٢٦٩٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: لا يتحرى أحدكم، فيصلي عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها (١). فالمنهي عنه: هو تحري الصلاة في أوقات النهي، وتحري الصلاة هو ألا يكون له قصد إلا الصلاة في هذا الوقت، فلم يدخل فيه الصلوات ذوات الأسباب، فهي مشروعة لأسبابها. وقد ناقشت هذه المسألة عند الكلام على تحية المسجد في أوقات النهي في المجلد السابع، فارجع إليه بوركت. • دليل من قال: يسجد مطلقًا: هذا القول فرع: إما عن القول بأن سجدة التلاوة ليست بصلاة، وأنه لم يصح في النصوص إطلاق الصلاة على ما دون الركعة، ولأنه يكره التعبد بالسجود منفردًا على الصحيح دون أن يتقدمه سبب من سهو أو تلاوة، أو شكر على أحد قولي العلماء، ولو كان صلاة لاستقل بنفسه، ولم يكن محتاجًا لفعله إلى سبب، وكون السجود بعض الصلاة لا يكفي لجعل السجود وحده له حكم الصلاة، فالقيام بعض الصلاة، والتكبير بعض الصلاة، وقراءة أم القرآن بعض الصلاة، وهذه الأشياء لا تكون صلاة على وجه الاستقلال، فكذلك السجود. وهذه المسألة سبق وأن ذكرت أدلتها في مسألة مستقلة في هذا المجلد، فارجع إليه. وإما أن يكون هذا القول فرعًا عن القول بأن سجدة التلاوة صلاة، ولكنها من ذوات الأسباب، فلا تدخل في النهي، فالنهي عن التطوع في أوقات النهي يقصد به

стр. 7700

التطوع المطلق، ولهذا نهى الشارع عن تحري الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها. وهذه المسألة سبق بحثها في مسألة مستقلة، وذكرت أدلتها، فلا حاجة إلى تكرارها. • دليل من قال: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس: الدليل الأول: أن سجود التلاوة سنة مؤكدة، ففارق النوافل المحضة، فأشبه صلاة الجنازة. • ويناقش: لم يثبت في النصوص إطلاق اسم الصلاة على سجود التلاوة، وإذا لم تكن التسمية شرعية، فيمكن أن يكون معنى كونه صلاة أي محلًا للدعاء، (ح-٢٦٩٤) لما رواه مسلم من طريق هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصلِّ، وإن كان مفطرًا فليطعم (١). قال الجمهور: معناه فَلْيَدْعُ لأهل الطعام بالمغفرة والبركة. وقال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أي ادع لهم. وكما يقال: إن الطواف صلاة، وهو لا يأخذ حكم الصلاة، فيجوز فيه الكلام، والالتفات، ولا يبطل بالضحك، ومن صفته ترك الاستقبال، ولا ركوع فيه، ولا سجود، ولا تجب فيه قراءة الفاتحة، إلى غير ذلك من الأحكام التي يخالف فيها حكم الصلاة. الدليل الثاني: أن القول بالجواز قبل الاصفرار وقبل الإسفار من باب مراعاة خلاف من قال بوجوب سجدة التلاوة، ومراعاة الخلاف من أصول المالكية. • ويناقش: بأن مراعاة الخلاف ليس من أدلة الشرع، لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها، فالخلاف إما أن يكون ضعيفًا فيطرح، أو قويًا، ويستطيع الإنسان الخروج منه إلى قول يجمع بين القولين، ولا يحدث قولًا ثالثًا، فهذا مستحسن من باب الاحتياط، كما لو اختلفوا في الوجوب والاستحباب فيفعله الإنسان خروجًا من الخلاف،

стр. 7701

وطلبًا للسلامة من العهدة، ولا سبيل إلى مراعاة الخلاف بين قولين: أحدهما يقول: لا تسجد، والآخر يوجب السجود، ولا بين قولين: يقول أحدهما: تجب قراءة الفاتحة وراء الإمام، وآخر يقول: تحرم القراءة، والله أعلم. • دليل من قال: إن قرأها قبل وقت النهي منع من أدائها فيه، وإلا جاز. قالوا: إذا قرأها قبل وقت النهي، فيمنع من أدائها في وقت النهي؛ لأنها وجبت كاملة فلا تتأدَّى بالناقص، فالقضاء يحكي الأداء، بخلاف ما إذا وجبت في وقت النهي فتؤدي فيه كما وجبت. • ونوقش هذا: الصحيح أن سجود التلاوة مرتبط بسببه، وتأخيره عن سببه يؤدي إلى فواته، كصلاة الكسوف والخسوف، ولوكان يصح تأخيره عن سببه لأُخر إذا حصلت التلاوة في الصلاة، وإنما اغتفرت زيادة سجود التلاوة في الصلاة مع كونه ليس منها؛ لأنه مطلوب تأديته على الفور، ولفواته بالتأخير، وقضاء العبادة لا يصح إلا بدليل، ولم يصح في المسألة سنة يمكن التحاكم إليها، والأصل عدم صحة القضاء إلا بتوقيف، والله أعلم. • دليل من قال: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر، ولا يسجد بعد العصر: (ح-٢٦٩٥) يمكن أن يستدل لهذا القول بما رواه البخاري ومسلم في قصة توبة كعب بن مالك، وفيه: ( .... فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سَلْعٍ بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا) (١). وجه الاستدلال: فهذا النص دليل على صحة سجدة التلاوة بعد الصبح قياسًا على سجدة الشكر، ولم يأت نص يدل على جواز سجدة التلاوة بعد العصر.

стр. 7702

• ويناقش من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن سجود التلاوة والشكر صلاة، وبالتالي ليس داخلًا في عموم النهي. الوجه الثاني: على التسليم بأنه صلاة، فإذا صح فعل السجدة بعد صلاة الصبح فالقياس أن يصح فعلها بعد صلاة العصر؛ لعدم وجود فارق من حيث المعنى بين الوقتين، وإلا كان ذلك نزعة ظاهرية، فأوقات النهي مقسمة إلى قسمين: أوقات مغلظة: وهي التي يكون فيها وقت النهي محددًا بالوقت، كالصلاة عند طلوع الشمس، وعند الغروب، والنهي فيها معلل: بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار (١)، وحديث النهي عن الصلاة حين يقوم قائم الظهيرة معلل بأن جهنم تسجَّر حينئذٍ (٢).

стр. 7703

وأوقات ليست مغلظة، والنهي فيها لم يُنَصّ على علته، ويدخل وقت النهي بفعل المكلف، وليس بالوقت، كالنهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، فمن بادر بصلاة العصر دخل النهي في حقه قبل رجل لم يبادر بالصلاة في أول وقتها، وقد رأى بعض العلماء أن النهي عن الصلاة فيها من باب سدِّ الذرائع؛ حتى لا يتهاون الناس في الصلاة، فيتمادون إلى تحري التطوع عند الاصفرار، أو عند الإسفار. ولهذا جاء في مسائل أبي داود: «سئل أحمد عن الصلاة على الجنازة عند غروب الشمس، فقال: إذا تدلت الشمس للغروب فلا يصلى عليها. قيل لأحمد: الشمس على الحيطان مصفرة، قال: يصلى عليها ما لم تدلَّ للغروب» (١). فلا يقاس المغلظ على المخفف، ولكن يصح قياس وقت النهي المخفف على مثله؛ لعدم وجود فارق بينهما من حيث المعنى، والله أعلم. الدليل الثاني: يرى ابن الماجشون ومطرف أن النهي بعد العصر آكد منه بعد الصبح ولهذا فرقا في ركعتي الطواف، فقالا: يجوز أن يصلي ركعتي الطواف بعد الصبح ما لم يسفر، ولا يجوز له ذلك بعد العصر، وأجريا سجود التلاوة مجراها. وانتقد ذلك ابن عبد البر، فقال: وبعض أصحاب مالك يرى الركوع للطواف بعد الصبح، ولا يراه بعد العصر، وهذا لا وجه له في النظر؛ لأن الفرق بين ذلك لا دليل عليه من خبر ثابت، ولا قياس صحيح، والله أعلم» (٢). • الراجح: أن سجدة التلاوة ليست بصلاة، وأن فعلها جائز عند وجود سببها.

стр. 7704

الشرط السادس في اشتراط التلاوة أو الاستماع لمشروعية السجدة المدخل إلى المسألة: • السبب: جعل وصف ظاهر منضبط مناطًا لوجود حكم: أي يستلزم وجوده. • الثابت في النصوص أن السجود له سببان: تلاوة آية السجدة أو الاستماع إليها من القارئ. • إضافة السجود إلى التلاوة، فيه إشارة إلى أنه إذا كتبها، أو تهجَّاها، أو سمعها من آلة تسجيل، أو من حيوان معلَّم، لا يشرع له السجود. [م-٩٢٨] يشترط لمشروعية السجود أن يكون الإنسان إما تاليًا وإما مستمعًا لآية السجدة، وفي السامع بلا قصد الاستماع خلاف سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى. فلو كتب الإنسان آية السجدة دون تلاوتها لم يشرع له السجود؛ لأن السجود متلقى من الشارع، والثابت في النصوص أن السجود له سببان: التلاوة أو الاستماع إليها، فلا يدخل فيه السجود بسبب كتابتها، إلا أن يكون مع الكتابة تحريك اللسان بالقراءة، ولا يكفي قراءة القلب. وقد نص الحنفية على هذا: جاء في الجوهرة النيرة: «وفي إضافة السجود إلى التلاوة إشارة إلى أنه إذا كتبها، أو تهجَّاها لا يجب عليه السجود» (١). والدليل ما جاء في مسلم: «إذا قرأ ابن آدم آية السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، فيقول: يا ويله: أُمِر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود

стр. 7705

فأبيت فلي النار» (١). فقوله: (إذا قرأ، فسجد) فكان السجود مترتبًا على القراءة. وكذلك دل حديث ابن عمر على سجود المستمع. ولم يأت نص في سجود من كتب آية سجدة، والأصل في العبادات التوقيف، والله أعلم. ومثل الكتابة سماع الآية من جهاز التسجيل، وفي هذه المسألة خلاف يرجع إلى الاختلاف في اشتراط أن يكون القارئ صالحًا للإمامة، والفقهاء في هذا الشرط على قولين: قول يقول: لا يشترط، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، فيشرع السجود لسماع التلاوة من الكافر (٢). وقيل: يشترط، وهو مذهب المالكية، والحنابلة؛ لأن المستمع يسجد تبعًا للقارئ، والقارئ في الجهاز لا يصلح للاقتداء به، كما لو سمع آية السجدة من مجنون. وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بحث هذه المسائل عند بحث أحكام استماع التلاوة. وجاء في مراقي الفلاح: «ولا تجب سجدة التلاوة بسماعها من الطيور على الصحيح، وقيل: تجب، وفي الحجة: هو الصحيح؛ لأنه سمع كلام الله، وكذا الخلاف بسماعها من القرد المعلَّم، ولا تجب بسماعها من الصدى، وهو ما يجيب مثل صوتك في الجبال، والصحاري، ونحوه» (٣). وفي فتاوى الرملي: «سئل، هل يشرع سجود التلاوة لقراءة الطير، أو الصبيِّ والمحدث، والكافر، والجنب، والسكران، والحيوان، والملَك، والجنيِّ، والمرأة بحضرة الرجل أم لا؟ فأجاب: بأنه لا يشرع السجود لقراءة الطير، والحيوان، والجنب، والسكران، وشرع لقراءة الصبي، والمحدث، والكافر، والملَك، والجني، والمرأة بحضرة
следующие страницы →