← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

وطلبًا للسلامة من العهدة، ولا سبيل إلى مراعاة الخلاف بين قولين: أحدهما يقول: لا تسجد، والآخر يوجب السجود، ولا بين قولين: يقول أحدهما: تجب قراءة الفاتحة وراء الإمام، وآخر يقول: تحرم القراءة، والله أعلم. • دليل من قال: إن قرأها قبل وقت النهي منع من أدائها فيه، وإلا جاز. قالوا: إذا قرأها قبل وقت النهي، فيمنع من أدائها في وقت النهي؛ لأنها وجبت كاملة فلا تتأدَّى بالناقص، فالقضاء يحكي الأداء، بخلاف ما إذا وجبت في وقت النهي فتؤدي فيه كما وجبت. • ونوقش هذا: الصحيح أن سجود التلاوة مرتبط بسببه، وتأخيره عن سببه يؤدي إلى فواته، كصلاة الكسوف والخسوف، ولوكان يصح تأخيره عن سببه لأُخر إذا حصلت التلاوة في الصلاة، وإنما اغتفرت زيادة سجود التلاوة في الصلاة مع كونه ليس منها؛ لأنه مطلوب تأديته على الفور، ولفواته بالتأخير، وقضاء العبادة لا يصح إلا بدليل، ولم يصح في المسألة سنة يمكن التحاكم إليها، والأصل عدم صحة القضاء إلا بتوقيف، والله أعلم. • دليل من قال: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر، ولا يسجد بعد العصر: (ح-٢٦٩٥) يمكن أن يستدل لهذا القول بما رواه البخاري ومسلم في قصة توبة كعب بن مالك، وفيه: ( .... فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سَلْعٍ بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا) (١). وجه الاستدلال: فهذا النص دليل على صحة سجدة التلاوة بعد الصبح قياسًا على سجدة الشكر، ولم يأت نص يدل على جواز سجدة التلاوة بعد العصر.

стр. 7702

• ويناقش من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن سجود التلاوة والشكر صلاة، وبالتالي ليس داخلًا في عموم النهي. الوجه الثاني: على التسليم بأنه صلاة، فإذا صح فعل السجدة بعد صلاة الصبح فالقياس أن يصح فعلها بعد صلاة العصر؛ لعدم وجود فارق من حيث المعنى بين الوقتين، وإلا كان ذلك نزعة ظاهرية، فأوقات النهي مقسمة إلى قسمين: أوقات مغلظة: وهي التي يكون فيها وقت النهي محددًا بالوقت، كالصلاة عند طلوع الشمس، وعند الغروب، والنهي فيها معلل: بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار (١)، وحديث النهي عن الصلاة حين يقوم قائم الظهيرة معلل بأن جهنم تسجَّر حينئذٍ (٢).

стр. 7703

وأوقات ليست مغلظة، والنهي فيها لم يُنَصّ على علته، ويدخل وقت النهي بفعل المكلف، وليس بالوقت، كالنهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، فمن بادر بصلاة العصر دخل النهي في حقه قبل رجل لم يبادر بالصلاة في أول وقتها، وقد رأى بعض العلماء أن النهي عن الصلاة فيها من باب سدِّ الذرائع؛ حتى لا يتهاون الناس في الصلاة، فيتمادون إلى تحري التطوع عند الاصفرار، أو عند الإسفار. ولهذا جاء في مسائل أبي داود: «سئل أحمد عن الصلاة على الجنازة عند غروب الشمس، فقال: إذا تدلت الشمس للغروب فلا يصلى عليها. قيل لأحمد: الشمس على الحيطان مصفرة، قال: يصلى عليها ما لم تدلَّ للغروب» (١). فلا يقاس المغلظ على المخفف، ولكن يصح قياس وقت النهي المخفف على مثله؛ لعدم وجود فارق بينهما من حيث المعنى، والله أعلم. الدليل الثاني: يرى ابن الماجشون ومطرف أن النهي بعد العصر آكد منه بعد الصبح ولهذا فرقا في ركعتي الطواف، فقالا: يجوز أن يصلي ركعتي الطواف بعد الصبح ما لم يسفر، ولا يجوز له ذلك بعد العصر، وأجريا سجود التلاوة مجراها. وانتقد ذلك ابن عبد البر، فقال: وبعض أصحاب مالك يرى الركوع للطواف بعد الصبح، ولا يراه بعد العصر، وهذا لا وجه له في النظر؛ لأن الفرق بين ذلك لا دليل عليه من خبر ثابت، ولا قياس صحيح، والله أعلم» (٢). • الراجح: أن سجدة التلاوة ليست بصلاة، وأن فعلها جائز عند وجود سببها.

стр. 7704

الشرط السادس في اشتراط التلاوة أو الاستماع لمشروعية السجدة المدخل إلى المسألة: • السبب: جعل وصف ظاهر منضبط مناطًا لوجود حكم: أي يستلزم وجوده. • الثابت في النصوص أن السجود له سببان: تلاوة آية السجدة أو الاستماع إليها من القارئ. • إضافة السجود إلى التلاوة، فيه إشارة إلى أنه إذا كتبها، أو تهجَّاها، أو سمعها من آلة تسجيل، أو من حيوان معلَّم، لا يشرع له السجود. [م-٩٢٨] يشترط لمشروعية السجود أن يكون الإنسان إما تاليًا وإما مستمعًا لآية السجدة، وفي السامع بلا قصد الاستماع خلاف سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى. فلو كتب الإنسان آية السجدة دون تلاوتها لم يشرع له السجود؛ لأن السجود متلقى من الشارع، والثابت في النصوص أن السجود له سببان: التلاوة أو الاستماع إليها، فلا يدخل فيه السجود بسبب كتابتها، إلا أن يكون مع الكتابة تحريك اللسان بالقراءة، ولا يكفي قراءة القلب. وقد نص الحنفية على هذا: جاء في الجوهرة النيرة: «وفي إضافة السجود إلى التلاوة إشارة إلى أنه إذا كتبها، أو تهجَّاها لا يجب عليه السجود» (١). والدليل ما جاء في مسلم: «إذا قرأ ابن آدم آية السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، فيقول: يا ويله: أُمِر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود

стр. 7705

فأبيت فلي النار» (١). فقوله: (إذا قرأ، فسجد) فكان السجود مترتبًا على القراءة. وكذلك دل حديث ابن عمر على سجود المستمع. ولم يأت نص في سجود من كتب آية سجدة، والأصل في العبادات التوقيف، والله أعلم. ومثل الكتابة سماع الآية من جهاز التسجيل، وفي هذه المسألة خلاف يرجع إلى الاختلاف في اشتراط أن يكون القارئ صالحًا للإمامة، والفقهاء في هذا الشرط على قولين: قول يقول: لا يشترط، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، فيشرع السجود لسماع التلاوة من الكافر (٢). وقيل: يشترط، وهو مذهب المالكية، والحنابلة؛ لأن المستمع يسجد تبعًا للقارئ، والقارئ في الجهاز لا يصلح للاقتداء به، كما لو سمع آية السجدة من مجنون. وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بحث هذه المسائل عند بحث أحكام استماع التلاوة. وجاء في مراقي الفلاح: «ولا تجب سجدة التلاوة بسماعها من الطيور على الصحيح، وقيل: تجب، وفي الحجة: هو الصحيح؛ لأنه سمع كلام الله، وكذا الخلاف بسماعها من القرد المعلَّم، ولا تجب بسماعها من الصدى، وهو ما يجيب مثل صوتك في الجبال، والصحاري، ونحوه» (٣). وفي فتاوى الرملي: «سئل، هل يشرع سجود التلاوة لقراءة الطير، أو الصبيِّ والمحدث، والكافر، والجنب، والسكران، والحيوان، والملَك، والجنيِّ، والمرأة بحضرة الرجل أم لا؟ فأجاب: بأنه لا يشرع السجود لقراءة الطير، والحيوان، والجنب، والسكران، وشرع لقراءة الصبي، والمحدث، والكافر، والملَك، والجني، والمرأة بحضرة

стр. 7706

الرجل، ولو أجنبيًا» (١). والتفريق عند الشافعية قائم على أساس مشروعية القراءة، كل من كانت قراءته مشروعة فالسجود لسماعها مشروع، وكل من كانت قراءته غير مشروعة، فلا يشرع السجود لسماع قراءته، فالحيوان، والسكران، والجنب ليست القراءة منهم مشروعة، ومثله لو قرأ في صلاة الجنازة، أو في الركوع لم يشرع له السجود؛ لأن قراءته غير مشروعة، والله أعلم.

стр. 7707

الباب الثاني في صفة سجود التلاوة الفصل الأول في قصد القراءة والسجدة المدخل إلى المسألة: • العبادات التي تتميز بنفسها، ولا تلتبس بغيرها، فعلها لا يفتقر إلى نية، كالإيمان بالله، والتسبيح، وقراءة القرآن. • النية مشروعة في العبادة لتمييز العبادات عن العادات، وتمييز العبادات بعضها عن بعض: كأن تكون هذه فريضة، وتلك نافلة. • نية الصلاة تكفي عن نية خاصة لأفعالها من قيام وركوع وجلوس وسجود. • ذهول المصلي عن النية داخل الصلاة ليس قطعًا لها، فيستصحب حكمها. • سبب سجود التلاوة لا يطلب تقصده في الصلاة، فلم تشمله نية ابتداء الصلاة. • سجود التلاوة يفتقر إلى نية خاصة تميزه عن سجود الصلاة. • سجود التلاوة فعل واحد عارض لسبب خاص، كالتلاوة، يقع مباشرة بعد وجود سببه، فمثله يبعد أن يسجد المكلف دون شعوره بسبب السجود، وقصد الفعل. • المأموم إذا سجد متابعة لإمامه كفاه، ولهذا سجد النبي ﷺ للسهو وتبعه الصحابة قبل علمهم أن السهو يوجب السجود. [م-٩٢٩] اختلف العلماء في اشتراط النية لسجود التلاوة، فقيل: لا تشترط النية مطلقًا، داخل الصلاة، ولا خارجها، وهو مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه عليٌّ الأجهوري، واقتصر عليه

стр. 7708

عبد الباقي الزرقاني في شرح المختصر، ورجحه الدسوقي في حاشيته (١). وقيل: تشترط مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه محمد الأمير المالكي في مجموعه، كما رجحه من الشافعية السيوطي وقال به الرملي في حق غير المأموم (٢). قال ابن قدامة: «يشترط للسجود ما يشترط لصلاة النافلة من الطهارتين من الحدث والنجس … والنية، ولا نعلم فيه خلافًا … » (٣). وقال عبد الرحمن بن قدامة: يشترط له ما يشترط لصلاة النافلة، وذكر منها: النية في قول عامة أهل العلم (٤). وقال الشافعية: إن كان سجود التلاوة داخل الصلاة لم تشترط له النية، وإن

стр. 7709

كان خارج الصلاة، فالأصح أن النية شرط. وقيل: تستحب (١). قال ابن الرفعة الشافعي: «ومن سجد للتلاوة في الصلاة كبَّر للسجود، وللرفع منه .... ولا يحتاج في هذه السجدة إلى نية اتفاقًا؛ لأن نية الصلاة تنسحب عليها (٢). وقال النووي: «إذا سجد للتلاوة في غير الصلاة نوى وكبر للإحرام» (٣). • دليل من قال: تجب النية مطلقًا: أن سجدة التلاوة عبادة، والعبادات من شرطها النية. (ح-٢٦٩٦) لما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على المنبر، قال سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى … الحديث (٤). والنية شرعت إما لتمييز العبادة عن العادة، وإما لتمييز بعض العبادات عن بعض، كأن تكون هذه فريضة، وهذه نافلة، فالعبادات التي تتميز بنفسها، ولا تلتبس بغيرها، فعلها لا يفتقر إلى نية، كالإيمان بالله، والتسبيح، وقراءة القرآن. والسجود يتنوع منه سجود الصلاة، وسجود السهو، وسجود التلاوة، وسجود

стр. 7710

الشكر، فاحتاج إلى نية تميز بعضه عن بعض. ولا يمكن إضافة السجود للسهو أو للتلاوة إلا بقصده، وهذه هي النية، ونية الصلاة لا تشمل سجود التلاوة؛ لأنه لا ينوي سجود التلاوة حتى يوجد مقتضيه، فلم تشمله نية الصلاة. • دليل من قال: سجود التلاوة لا يحتاج إلى نية مطلقًا: سجود التلاوة تابع للقراءة، وهي لا تحتاج إلى نية، فيخص من عموم خبر (إنما الأعمال بالنيات). ولهذا لما كانت القراءة ليس لها إحرام، ولا سلام، لم يشرع الإحرام والسلام في سجود التلاوة تبعًا للقراءة، بخلاف سجود السهو؛ فإنه تابع لما يحتاج إلى نية، وهو الصلاة، وشرع التسليم منه إذا وقع بعد السلام. دليل من قال: النية لسجود التلاوة شرط إن وقع خارج الصلاة: قالوا: إن سجود التلاوة إذا عرض للقارئ وهو يصلي فنية الصلاة تشمله، فالمصلي إذا نوى الصلاة نوى الصلاة الشرعية بقيامها وركوعها وسجودها، وكل ما يجب لها، فذهوله عن النية، وهو في الصلاة ليس قطعًا لها، فيستصحب حكمها، والإمام والمنفرد إذا اختار من القراءة ما فيه سجدة فقد نوى السجود. وأما خارج الصلاة فهو يفتقر إلى نية؛ كسائر العبادات. • الراجح: لا يتصور أن المكلف يسجد للتلاوة، وهو لم يقصد السجود، فقد يتصور في سجود الصلاة لكثرة أفعالها المختلفة، فتكفيه نية الصلاة عن نية خاصة للقيام والركوع، والسجود، فقد يحصل ذهول عن النية، والذهول لا يعد قطعًا للنية، بخلاف سجود التلاوة، فهو فعل واحد عارض لسبب خاص، كالتلاوة، يقع مباشرة بعد وجود سببه فمثله يبعد أن يسجد المكلف دون شعوره بسبب السجود، وقصد الفعل؛ ولأن السجود يتنوع، منه سجود الصلاة، والشكر، والتلاوة، فيحتاج إلى نية للتمييز، كما تحتاج الصلاة إلى نية ليتميز الفرض من النفل. نعم قراءة السجدة قد ينازع في اشتراط النية لها، فقد يقرأ الرجل القرآن، وهو ساهٍ، فيمر بآية السجدة، فهل يشترط أن تكون القراءة مقصودة لمشروعية السجود؟

стр. 7711

قد أشرت في الشروط: أن الشافعية يشترطون أن تكون القراءة مقصودة عند الكلام على اشتراط أن يكون الرجل قارئًا أو مستمعًا. قال الرملي: «ولا سجود لقراءة جنب، وسكران، وساهٍ، ونائم .... » (١). وقال المغربي الرشيدي في حاشيته: «المراد بمشروعيتها: أن تكون مقصودة؛ ليخرج قراءة الطيور، والساهي، والسكران، ونحوهم» (٢). وقال في شرح المقدمة الحضرمية: «وأن تكون مقصودة، لا كقراءة نائم، وطير معلم، وغير مميز» (٣). واختلفوا في المستمع إذا لم يقصد السماع، هل يشرع له السجود؟ وهو راجع لاشتراط النية وسوف يأتي بحث المسألة في فصل مستقل. وإذا كان سجود التلاوة قد يفتقر إلى نية خاصة تميزه عن غيره من أنواع السجود، فقراءة القرآن ليس بحاجة إلى نية؛ لأن العبادات التي تتميز بنفسها، ولا تلتبس بغيرها، فعلها لا يفتقر إلى نية، كالإيمان بالله، والتسبيح، وقراءة القرآن، والله أعلم.

стр. 7712

الفصل الثاني في القيام من أجل أن يأتي بالسجدة وهو قائم المدخل إلى المسألة: • صفة العبادة توقيفية، ولم يثبت في السنة المرفوعة أن النبي ﷺ كان يقوم لسجود التلاوة. • لم ينقل أن النبي ﷺ كان يقوم لسجود التلاوة، وعدم النقل بمنزلة نقل العدم؛ لأن القيام لو كان صفة في السجود لنقل ذلك في السنة، ولحفظ كما تحفظ أحكام الشريعة. • استنباط القيام للسجود من قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾، وقوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ لا تساعد اللغة على ذلك، فالخرور: هو السقوط، سواء أكان ذلك من قيام أم من قعود. • إن حُمِل الخرور على السجود من القيام، فيحمل على سجود الصلاة، فهو يقع أول ما يقع من القائم، والآيات إنما تحمل على الغالب الكثير، وهو سجود الصلاة دون السجود العارض، كسجود التلاوة. • ثبت عن عائشة أنها إذا مرَّت بالسجدة قامت، فسجدت، وهذا الفعل من أم المؤمنين يجعل الفعل يخرج من ضيق البدعة إلى فسحة الجائز، ولكن لا يرقى إلى السنية. • كل عبادة انفرد بفعلها صحابي، وكان بالإمكان فعلها في عهد التشريع، ولم تفعل، فالقول بإباحتها متجه، خاصة إذا صدر هذا الفعل من صحابي فقيه ملازم للنبي ﷺ كعائشة ﵂. [م-٩٣٠] لا يختلف الفقهاء أن المصلي إذا مر بآية سجدة، وهو قائم أنه

стр. 7713

يسجد لها، وهو قائم، وإنما اختلفوا في الجالس إذا مر بآية سجدة، هل يستحب القيام؛ ليأتي بالسجدة، وهو قائم؟ فقيل: يستحب، وهو مذهب الحنفية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، اختاره منهم القاضي حسين، والبغوي، ونص عليه في الإقناع، ورجحه ابن تيمية، وقال: اختاره طائفة من أصحاب الإمام أحمد (١). وقيل: لا يستحب، وهو ظاهر مذهب المالكية حيث لم يتعرضوا له في فروعهم، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، وهو المنصوص عن الإمام أحمد (٢). جاء في الفروع: قيل لأحمد: يقوم، ثم يسجد، قال: يسجد، وهو قاعد (٣). • دليل من قال: لا يستحب القيام: قال النووي: «لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ ، ولا عمن يقتدى به من السلف» (٤). وقال إمام الحرمين: «لم أر لهذا أصلًا ولا ذكرًا» (٥). • ويناقش: قوله: لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ هذا مسلَّم، وأما نفي ثبوته عمن يقتدى به من السلف فغير مسلَّم، فقد ثبت هذا عن أم المؤمنين عائشة ﵂ كما سيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى، ولكن النووي ضعفه؛ لأنه لم يقف على توثيق راويه، والله أعلم.

стр. 7714

• دليل من قال: يستحب القيام لسجود التلاوة: الدليل الأول: من الكتاب، قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩]. وقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. وجه الاستدلال: أن الخرور: هو السقوط من قيام. • ونوقش هذا الاستدلال بجوابين: الجواب الأول: الخرور في اللغة بمعنى السقوط، وهو يحصل من القائم كما يحصل من القاعد، يقول كعب بن مالك فيما رواه البخاري ومسلم في قصة توبته، وفيه: .... فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ .... يا كعب أبشر، قال: فخررت ساجدًا … الحديث (١). الجواب الثاني: على التسليم أن الخرور لا يكون إلا من قيام، فإن قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾: يحتمل الحقيقة، ويحتمل المجاز. فإن حُمِل الخرور على المجاز، وأن قوله: (خَرُّوا سُجَّدًا) كناية عن الخضوع والانقياد والاستسلام والقبول، فلا دليل فيه على استحباب الخرور من قيام. ويؤيد ذلك أن هذا الخرور علق بسماع آيات الله، فهو ليس خاصًا بآيات السجدة، ولا يشرع السجود بمجرد سماع الآيات، فكان الخرور كناية عن الخضوع لأحكام القرآن، بتصديق أخباره، والعمل بمحكمه، والتسليم له. فإن قيل: هذا الحمل يصدق على آية السجدة في سورة مريم، ولكنه لا يصدق على آية الإسراء؛ إذْ لا تحتمل مثل هذا التأويل، لأنه نص على أن الخرور للأذقان، فكان المقصود به خرور الوجه، وهذا لا يكون إلا بالسجود الحقيقي.

стр. 7715

فالجواب: أن التعبير بالوجه لا يلزم منه إرادة العضو من الإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، [لقمان: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]، فإسلام الوجه لله في الآية: أراد به إخلاص العبادة والقصد، وقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي مصيب في عمله، فعبر عن الإخلاص بإسلام الوجه لله، وأطلق البعض، وأراد به الكل. وإن حمل الخرور على الحقيقة، فيحمل على سجود الصلاة، فهو يقع أول ما يقع من القائم، والآيات إنما تحمل على الغالب الكثير، وهو سجود الصلاة دون السجود العارض كسجود التلاوة .. وإن حمل على سجود التلاوة، فالآية تتحدث عن خرور القائم، وهذا لا نزاع فيه، فالقائم لا يستحب له الجلوس إذا أراد السجود، وإنما الخلاف في قيام القاعد ليخرَّ قائمًا، وهذه الآيات ليست نصًّا فيه، وهذا ما نصَّ عليه بعض المالكية. قال بعض المالكية: إن عرض له السجود، وهو قائم، هوى لها ندبًا من قيامه، ولا يجلس ليأتي بها من جلوس. ومفهومه: أنه إنْ عرض له السجود، وهو جالس، سجد لها من جلوس، والله أعلم (١) الدليل الثاني: (ح-٢٦٩٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أم المؤمنين أنها أخبرته: أنها لم تر رسول الله ﷺ يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسن، فكان يقرأ قاعدًا، حتى إذا أراد أن يركع، قام فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية، ثم ركع (٢). وجه الاستدلال: تحريه ﷺ مع قعوده أن يقوم ليركع، ويسجد، وهو قائم دليل على أنه أفضل؛ إذ

стр. 7716

هو أكمل وأعظم خشوعًا؛ لما فيه من هبوط رأسه وأعضائه الساجدة لله من القيام (١). • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: الاستدلال بالقياس دليل على عدم وجود دليل في المسألة؛ لأن حقيقة القياس قياس فرع لم يرد فيه نصٌّ مرفوع على أصل ثَبَت بالنص، فإذا اعترفنا أن الفرع الذي هو سجود التلاوة لا يوجد فيه نص مع تكرر وقوعه في قراءة النبي ﷺ كان ذلك دليلًا على عدم مشروعية القيام لسجود التلاوة، والله أعلم. الوجه الثاني: بأن عائشة ﵂ نقلت لنا صفتين في قراءة النبي في النفل، الصفة الأولى: ما تقدم الاستدلال به من قولها: كان يقرأ قاعدًا، حتى إذا أراد أن يركع، قام، فقرأ نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية، ثم ركع (٢). الصفة الثانية: ما رواه مسلم من طريق خالد -يعني الحذاء- عن عبد الله بن شقيق، سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، وجاء فيه: … كان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد، وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد، وهو قاعد … الحديث (٣). وقد جمع بينهما الإمام ابن خزيمة، فقال: « … في رواية خالد، عن عبد الله ابن شقيق، عن عائشة: فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد. فعلى هذه اللفظة هذا الخبر ليس بخلاف خبر عروة وعمرة عن عائشة؛ لأن هذه اللفظة التي ذكرها خالد دالةٌ على أنه كان إذا كان جميع القراءة قاعدًا ركع قاعدًا، وإذا كان جميع القراءة قائمًا ركع قائمًا، ولم يذكر عبد الله بن شقيق صفة صلاته إذا كان بعض القراءة قائمًا وبعضها قاعدًا، وإنما ذكره عروة وأبو سلمة وعمرة عن عائشة؛ إذا كانت القراءة في الحالتين جميعًا، بعضها قائمًا، وبعضها

стр. 7717

قاعدًا، فذكر أنه كان يركع، وهو قائم، إذا كانت قراءته في الحالتين كلتيهما، ولم يذكر عروة ولا أبو سلمة ولا عمرة: كيف كان النبي ﷺ يفتتح هذه الصلاة التي يقرأ فيها قائما وقاعدًا، ويركع قائمًا، وذكر ابن سيرين، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة، ما دل على أنه كان يفتتحها قائمًا … ثم روى ابن خزيمة بإسناده من طريق ابن سيرين، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي قائمًا وقاعدًا، فإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع قائمًا، وإذا افتتح الصلاة قاعدًا ركع قاعدًا. قال ابن خزيمة: «فهذا الخبر يبين هذه الأخبار كلها، فعلى هذا الخبر إذا افتتح الصلاة قائمًا ثم قعد، وقرأ، انبغى له أن يقوم، فيقرأ بعض قراءته، ثم يركع، وهو قائم، فإذا افتتح صلاته قاعدًا قرأ جميع قراءته، وهو قاعد، ثم ركع، وهو قاعد اتباعًا لفعل النبي ﷺ » (١). فلم يكن قيام النبي من أجل أن يسجد، وهو قائم، وإنما من أجل أنه افتتح القراءة قائمًا، فأحب أن يسجد قائمًا، فلم يكن في هذا الحديث حجة على مسألة الباب، والله أعلم. الدليل الثالث: (ث-٦٣٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا شعبة، عن شميسة أمِّ سلمة، عن عائشة، أنها كانت تقرأ في المصحف، فإذا مرت بالسجدة قامت، فسجدت. [صحيح] (٢).

стр. 7718

• ويجاب: بأن هذا الفعل من أم المؤمنين يجعل الفعل يخرج من ضيق البدعة إلى فسحة الجائز، ولكن لا يرقى إلى السنة؛ لأن هذا الفعل يظهر أنه اجتهاد من عائشة، فلوكان متلقى من النبي ﷺ لوجدت هذا الفعل محفوظًا في السنة، ومحفوظًا من فعل بعض الصحابة، فلا يعرف هذا الفعل عن غير عائشة ﵂، ولهذا الإمام أحمد، وهو من أعلم الأئمة بآثار السلف وعلى رأسهم الصحابة، لما قيل له: يقوم، ثم يسجد، قال: يسجد، وهو قاعد (١). ولا تثريب ولا حرج على مؤمن فضل اتباع هدي أم المؤمنين ﵂، فحسبك بها ديانة وعلمًا وفقهًا وأكثر من روى عن رسول الله ﷺ من أهل بيته من النساء، حِب رسول الله ﷺ ، وزوجة خير البرية، وبنت الصديق خير الناس بعد الأنبياء، والله أعلم. الدليل الرابع: يستحب القيام لسجود التلاوة تشبيهًا له بصلاة النفل. • ويجاب: هذا القياس فرع عن القول بأن سجود التلاوة صلاة، وقد ناقشت هذا الدليل، وبينت أن الصحيح في سجود التلاوة أنه ليس بصلاة، وإذا لم يكن بصلاة لم يعط حكم صلاة النافلة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يقال: ما الحاجة إلى القياس في

стр. 7719

عبادة فعلت في زمن التشريع، وتكررت، ولم ينقل أن النبي ﷺ كان يقوم لسجود التلاوة، فإن عدم النقل هنا بمنزلة نقل العدم؛ لأن القيام لو كان صفة في السجود لنقل ذلك في السنة، ولحفظ كما تحفظ أحكام الشريعة، فإن عرض سجود التلاوة وهو قائم سجد وهو قائم، وإن عرض، وهو جالس سجد وهو جالس، ولم يتكلف القيام، والله أعلم. • الراجح: أرى أن القول بالجواز قول وسط بين القول بالاستحباب، والقول بأنه لا يشرع، وإذا فعلته أم المؤمنين فهذا كافٍ في القول بجوازه، وهكذا كل عبادة انفرد بفعلها صحابي، وكان بالإمكان فعلها في عهد التشريع، ولم تفعل، فالقول بجوازها متجه، خاصة إذا صدر هذا الفعل من صحابي فقيه ملازم للنبي ﷺ كعائشة، والله أعلم.

стр. 7720

الفصل الثالث في تكبيرة الإحرام لسجود التلاوة المدخل إلى المسألة: • لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كبَّر للإحرام لسجود التلاوة مطلقًا، لا داخل الصلاة، ولا خارجها، والأصل في العبادات الحظر. • سجود التلاوة ليس بصلاة على الصحيح؛ لأن ضابط الصلاة: ما افتتح بالتكبير، واختتم بالتسليم، وشرعت له قراءة الفاتحة، ولا قراءة في سجود التلاوة. • سجود التلاوة سببه قراءة آية السجدة، والصلاة ليست سببًا فيه، والقراءة ليس لها إحرام، ولا سلام، فكذلك ما ترتب عليها. [م-٩٣١] إذا سجد للتلاوة داخل الصلاة لم يكبر للإحرام؛ لأنه متحرم بالصلاة، ولا أعلم فيه خلافًا. وإذا سجد للتلاوة خارج الصلاة، فاختلفوا: هل للسجود إحرام زائدًا على ركعة الهوي؟ فقيل: لا تشرع تكبيرة الإحرام، وهو مذهب الجمهور، من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، واختاره أبو جعفر الترمذي من الشافعية، واتفق الشافعية على شذوذه (١).

стр. 7721

قال خليل: «سجد بشرط الصلاة بلا إحرام وسلام قارئ ومستمع … » (١). قال المرداوي في الإنصاف: «ظاهر قوله (ويكبر إذا سجد) أنه لا يكبر للإحرام وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب .... » (٢). وقيل: يكبر تكبيرتين الأولى للإحرام وهي ركن، والثانية للهوي وهي مستحبة، وهذا المعتمد في مذهب الشافعية، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة، وصححه في الرعاية (٣). وقيل: التكبير للإحرام مستحب، وهو وجه ثالث في مذهب الشافعية، وصححه الغزالي (٤). • دليل من قال: يكبر للإحرام: الدليل الأول: (ح-٢٦٩٨) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مَرَّ بالسجدة كبر، وسجد وسجدنا معه. قال عبد الرزاق: وكان الثوري يعجبه هذا الحديث. قال أبو داود: يعجبه؛ لأنه كبر (٥). [زيادة التكبير ليست محفوظة] (٦).

стр. 7722

• ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: أن زيادة لفظ التكبير في الحديث وهم، تفرد به أحمد بن الفرات، عن عبد الرزاق، وحديث عبد الرزاق في المصنف من رواية الدَّبَري عنه ليس فيه لفظ

стр. 7723

التكبير، كما أن كل من رواه عن عبد الله العمري لم يذكر لفظ التكبير، كما رواه عبيد الله بن عمر الثقة، عن نافع في الصحيحين وليس فيه لفظ التكبير. الوجه الثاني: لو سلمنا أن لفظ التكبير محفوظ، فليس في الحديث إلا تكبيرة واحدة، وهي تكبيرة الهوي للسجود، فأين الدليل على وجود تكبيرتين، إحداهما للإحرام، والأخرى للسجود؟ الدليل الثاني: أنه ثبت عن ابن مسعود أنه كان يسلم من سجدة التلاوة، (ث-٦٤٠) فقد روى حرب الكرماني في مسائله، حدثنا إسحاق، أخبرنا وكيع، عن شعبة، عن عطاء بن السائب، قال: كنت أمشي مع أبي عبد الرحمن السلمي نحو الفرات، فقرأ سجدة، فأومأ بها، ثم سلم تسليمة، ثم قال: هكذا رأيت ابن مسعود يفعله. [حسن] (١). فإذا شرع للتلاوة تَحَلُّلٌ، شرع لها تَحَرُّمٌ، فالتحلل مترتب على التَحَرُّم. • ونوقش: ثبوت التسليم عن ابن مسعود، وترتيب التحريم عليه يجعل التحريمة جائزة، ولكن لا يمكن القول باستحبابها فضلًا عن اشتراطها، وسجود التلاوة يتكرر فعله من النبي ﷺ ، ومن أصحابه، ولم ينقل عن أحد منهم -غير ابن مسعود- أنه سلم من سجود التلاوة إذا سجد خارج الصلاة، وإذا لم يثبت عنهم التسليم لم يثبت التحريم، ولهذا جعل الحنفية ترك التحريمة من قبيل الجائز، ولم يجعل الفعل محرمًا، قال في بدائع الصنائع: «ولو ترك التحريمة يجوز عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز» (٢)، والله أعلم. الدليل الثالث: سجدة التلاوة صلاة، فيشترط لها ما يشترط للصلاة، ومنه تكبيرة الإحرام.

стр. 7724

• ونوقش هذا: سجود التلاوة ليس بصلاة على الصحيح؛ لأن ضابط الصلاة: ما افتتح بالتكبير، واختتم بالتسليم، وشرع فيه قراءة الفاتحة، ولا قراءة في سجود التلاوة، وسبق بحث هذه المسألة، فارجع إليه إن شئت. ولأن سجود التلاوة ليس من الصلاة، وإنما هو عارض فيها، فكيف يتصور أداء صلاة داخل الصلاة؟ وكون مطلق السجود ركنًا في الصلاة، لا يعني: أن كل ركن في الصلاة يكون صلاة خارج الصلاة، فقراءة الفاتحة ركن في الصلاة، وإذا قرأها خارج الصلاة لم تكن صلاة. والفارق بين سجدة التلاوة وبين الصلاة أظهرُ وأكثرُ من الجامع؛ إذْ لا قراءة فيها، ولا ركوع، ولا تسليم فيها على الأصح، ولا مصافة فيها، وليس إلحاق محل النزاع بصورة الاتفاق أولى من إلحاقه بصورة الافتراق (١). ولأن هذا القياس إنما ينفع -لو كان صحيحًا- إذا لم يكن الشيء المقيس قد فعل على عهد النبي ﷺ ، ثم تقع الحادثة، فيحتاج المجتهد أن يلحقها بما وقع على عهده ﷺ من الحوادث أو شملها نصه، وأما مع سجوده وسجود أصحابه، ولم ينقل عنهم أنهم كبروا تكبيرتين إحداهما للإحرام، والثانية وللسجود، فلا يصح القياس (٢). • دليل من قال: يسجد بلا إحرام: الدليل الأول: الأمر تعلق بمطلق السجود، فمن سجد فقد امتثل الأمر، ومن أوجب التحريمة أو استحبها فعليه الدليل، ولا يوجد في النصوص ما يدل على مشروعية تكبيرة الإحرام لسجود التلاوة، لا داخل الصلاة، ولا خارجها، والأصل عدم المشروعية، وصفة العبادة توقيفية، والأصل فيها الحظر.

стр. 7725

الدليل الثاني: سجود التلاوة سببه قراءة آية السجدة، والصلاة ليست سببًا فيه، والقراءة ليس لها إحرام، ولا سلام، فكذلك ما ترتب عليها. الدليل الثالث: قياس سجود التلاوة خارج الصلاة على سجود السهو خارج الصلاة، فكلاهما ماهيته السجود، وكلاهما لا يشرع في ابتدائه تكبيرتان. ولأن الصلاة أفعال مختلفة من قيام، وقراءة، وركوع، وسجود، وبالتحريمة تصير الأفعال فعلًا واحدًا، وأما سجدة التلاوة فماهيتها فعل واحد، فاستغنت عن التحريمة. • الراجح: أنه لا تشرع تكبيرة الافتتاح لسجود التلاوة، والله أعلم.

стр. 7726

الفصل الرابع في رفع اليدين في تكبير سجود التلاوة المدخل إلى المسألة: • رفع اليدين في العبادة توقيفي، لا مجال للاجتهاد فيه. • لم يثبت رفع اليدين في سجود التلاوة، لا في داخل الصلاة، ولا في خارجها، والأصل في العبادات الحظر، ومن زعم مشروعيتهما فعليه الدليل. • رفع اليدين ليس ملازمًا لتكبيرة الافتتاح؛ لثبوته مع تكبير الركوع والرفع منه، وقد يوجد التكبير بلا رفع لليدين، كالتكبير للسجود والرفع منه، والمحكَّم النص، وليس الرأي القياس. • الأصح أن سجدة التلاوة لا تحريم لها، ولا سلام. • لم يأخذ الحنابلة بأحاديث رفع الأيدي للسجود في الصلاة فلا يصح قياس سجود التلاوة عليها؛ لأن ما لم يصح حجة في الأصل، لا يصح حجة في الفرع من باب أولى. • السجود في الصلاة لا ترفع فيه الأيدي كما دل عليه حديث ابن عمر في الصحيحين، فكذلك سجود التلاوة. [م-٩٣٢] اختلف العلماء فقيل: لا يشرع له رفعهما مطلقًا لا داخل الصلاة، ولا خارجها، وهذا مذهب الحنفية والمالكية (١).

стр. 7727

وقيل: يستحب له رفعهما مطلقًا داخل الصلاة وخارجها، وهذا مذهب الحنابلة (١). قال في الإقناع: «وإن سجد في صلاة، أو خارجها، استحب رفع يديه» (٢). وقيل: إن كان داخل الصلاة فلا يشرع له رفعهما، وإن كان خارج الصلاة استحب له رفعهما، وهذا مذهب الشافعية، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة، وقال عبد الرحمن بن قدامة: «وهو قياس المذهب؛ لقول ابن عمر: وكان لا يفعل ذلك في السجود» (٣). • دليل من قال: لا يشرع له رفع يديه مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢٦٩٩) ما رواه البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود (٤).

стр. 7728

وجه الاستدلال: قوله: (وكان لا يفعل ذلك في السجود) (أل) في السجود للعموم، فتشمل كل سجود، ومنه سجود التلاوة وسجود الصلاة. قال عبد الرحمن بن قدامة: ويتعين تقديمه على حديث وائل بن حجر؛ لأنه أخصُّ منه (١). فإن قيل: يحتمل أن تكون (أل) للعهد، فيحمل على السجود المعهود المتحدث عنه، وهو سجود الصلاة. فالجواب: إذا ثبت عدم الرفع في سجود الصلاة، فالشمول اللفظي يعم سجود التلاوة، فمن ادعى ثبوته في سجود التلاوة فعليه الدليل، والأصل عدم المشروعية. الدليل الثاني: رفع اليدين في العبادة توقيفي، لا مجال للاجتهاد فيه، وليس ملازمًا لتكبيرة الافتتاح؛ لثبوته مع تكبير الركوع والرفع منه، وقد يوجد التكبير بلا رفع لليدين، كالتكبير للسجود والرفع منه، فكان ثبوته متوقفًا على النص، ولم يثبت رفعهما في سجود التلاوة، لا في داخل الصلاة، ولا في خارجها، والأصل في العبادات الحظر، ومن زعم مشروعيتهما فعليه الدليل. الدليل الثالث: سجود التلاوة ليس بصلاة كما بينا في مسألة مستقلة، فلا يصح قياسه على الصلاة، ولو كان صلاة لم يصح القياس؛ لأن رفع الأيدي تعبديٌّ غيرُ معقول المعنى، ومن شرط القياس معنى جامع أو علة جامعة بين الفرع والأصل، ولو كان الرفع معقول المعنى فالسجود في الصلاة ليس من المواضع التي ترفع فيها الأيدي على الصحيح في قول أكثر أهل العلم، كما دلَّ على ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين، وإنما ثبت الرفع في تكبيرة الإحرام بالاتفاق، وفي الركوع والرفع منه على الأصح، وعند القيام من التشهد الأول في أحد القولين، فالسجود ليس من المواضع التي ترفع فيها الأيدي، وسجود التلاوة لا إحرام فيه، ولا تكبير على

стр. 7729

الصحيح، فلا يشرع فيه رفع الأيدي، والله أعلم. • دليل من قال: يشرع رفع اليدين مطلقًا داخل الصلاة وخارجها: أما الاستدلال على رفع اليدين في الصلاة، فاستدلوا بأدلة منها: الدليل الأول: (ح-٢٧٠٠) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا البختري الطائي يحدث، عن عبد الرحمن بن اليحصبي، عن وائل بن حجر الحضرمي، أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، فكان يكبر إذا خفض، وإذا رفع، ويرفع يديه عند التكبير، ويسلم عن يمينه وعن يساره. [في إسناده اليحصبي مجهول] (١). الدليل الثاني: (ح-٢٧٠١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث، أنه رأى نبي الله ﷺ يرفع يديه في صلاته، إذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بها فروع أذنيه. [صحيح إلا أن ذكر الرفع إذا سجد وإذا رفع من السجود ليس محفوظًا] (٢). الدليل الثالث: (ح-٢٧٠٢) ما رواه أحمد من طريق إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر ويفتتح الصلاة، وحين يركع، وحين يسجد. [منكر، والمعروف أنه كان يكبر فقط، ليس فيه رفع اليدين] (٣). (ح-٢٧٠٣) وروى أبو طاهر المخلص في المخلصيات من طريق ابن

стр. 7730

أبي عدي، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . قال ابن صاعد: ليس أحد يقول: يرفع يديه إلا ابن أبي عدي، وغيره يقول: يكبر (١). [شاذ، والمحفوظ أنه كان يكبر في كل خفض ورفع، كما هي رواية الصحيحين عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة] (٢). الدليل الرابع: (ح-٢٧٠٤) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الثقفي، عن حميد، عن أنس، أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في الركوع والسجود. [شاذ، والمحفوظ وقفه على أنس، وليس فيه الرفع في السجود] (٣). • ويجاب عن هذه الأحاديث من وجهين: الوجه الأول: هذه الأحاديث إما شاذة أو منكرة؛ لمخالفتها لما هو أصح منها، وقد سبق تخريجها في صفة الصلاة، والجواب عليها، والشاذ من الحديث ليس صالحًا للاعتبار بكثرة الشواهد؛ لأن الشاذ من قبيل الوهم، ومن باب أولى أن المنكر ليس صالحًا للاعتبار، والله أعلم. الوجه الثاني: لم يأخذ الحنابلة بأحاديث رفع الأيدي للسجود في الصلاة فلا يصح قياس سجود التلاوة عليها؛ لأن ما لم يصح حجة في الأصل، لا يصح حجة في الفرع من باب أولى (٤).

стр. 7731

قال عبد الرحمن بن قدامة: «ويتعين تقديمه -يعني حديث ابن عمر: وكان لا يفعل ذلك في السجود- على حديث وائل بن حجر؛ لأنه أخص منه، ولذلك قدم عليه في سجود الصلاة، كذلك هنا» (١). • وأما الدليل على رفع اليدين خارج الصلاة: قال ابن قدامة: «لأنها تكبيرة افتتاح» (٢). يعني: فشرع معها رفع اليدين قياسًا على رفع اليدين بالصلاة. ولأن تكبيرة سجود التلاوة تكبيرة في محل قراءة، فأشبهت تكبيرة الركوع، فيشرع معها رفع اليدين. • ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أنها تكبيرة افتتاح، فلو كانت تكبيرة افتتاح لشرع معها تكبيرة أخرى للهوي، ولشرع معها التحلل بالتسليم؛ لأن كل عبادة لها تحريم فلها تحليل، والأصح أن سجدة التلاوة خارج الصلاة لا تحريم لها، ولا سلام، وأن التكبير فيها -على القول بمشروعيته خارج الصلاة- فهو سنة للانتقال، ولم يثبت في السنة المرفوعة نصٌّ على مشروعية التكبير لسجود التلاوة خارج الصلاة، وسوف يأتي بحثه إن شاء الله تعالى في مسألة مستقلة. الوجه الثاني: لو صح أنها تكبيرة افتتاح، فلا يصح القياس على الصلاة، فقد تكرر معنا في أكثر من موضع أن حقيقة القياس: قياس فرع لا نصَّ فيه، على أصل فيه نصٌّ؛ لعلة جامعة بينهما، فإذا كان الرفع غير معقول المعنى فكيف يصح القياس؟ ولو ساغ القياس لكان قياس التلاوة على تكبير السجود في الصلاة أولى من قياسه على تكبيرة الافتتاح؛ فإن السجود في الصلاة لا ترفع فيه الأيدي، كما

стр. 7732

دل عليه حديث ابن عمر في الصحيحين، فكذلك سجود التلاوة. وكيف يصح القياس، وهذا الفرع أعني سجود التلاوة قد فُعِل في عهد النبي ﷺ ، وتكرر فعله؟ فإما أن يكون النبي ﷺ قد رفع فيه يديه، فلا حاجة إلى إثبات الحكم بالقياس، بل بالنص، وإما أن يكون النبي ﷺ قد ترك الرفع، فيكون إثبات الرفع بالقياس معارضة للسنة، فيكون قياسًا فاسدًا، والله أعلم. ولأن رفع اليدين لسجود التلاوة، إن كان في الصلاة فمسبوق بالإحرام، فلا يدخل إحرام على إحرام، وإذا انتفت التحريمة انتفى رفع اليدين. وإن كان خارج الصلاة، فلم يثبت التكبير لسجود التلاوة حتى يثبت رفع اليدين فيه. وسوف يأتينا إن شاء الله تعلى حكم التكبير لسجود التلاوة، والله أعلم. • دليل من قال: يشرع رفع اليدين خارج الصلاة فقط: اعتمد الشافعية على استحباب رفع اليدين خارج الصلاة على القول بأنه يشرع لسجود التلاوة تكبيرتان: الأولى للإحرام، وهي شرط. والثانية: للهوي للسجود، وهي مستحبة. وفرعوا على ذلك استحباب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام. وقد ناقشت حكم تكبيرة الإحرام في المسألة التي قبل هذه، وأجبت عليها، وبينت أنه لا يوجد في النصوص ما يدل على مشروعية تكبيرة الإحرام لسجود التلاوة، لا داخل الصلاة، ولا خارجها، والأصل عدم المشروعية، وصفة العبادة توقيفية، والأصل فيها الحظر. وأن سجود التلاوة سببه القراءة، والقراءة ليس لها إحرام، ولا سلام، فكذلك ما ترتب عليها. ولأن الصلاة أفعال مختلفة من قيام، وقراءة، وركوع، وسجود، وبالتحريمة تصير الأفعال فعلًا واحدًا، وأما سجدة التلاوة فماهيتها فعل واحد، فاستغنت عن التحريمة. • الراجح: أنه لا يشرع رفع الأيدي لسجود التلاوة، والله أعلم.

стр. 7733

الفصل الخامس في التكبير لسجود التلاوة المدخل إلى المسألة: • لا يوجد نصٌّ خاص في ثبوت التكبير لسجود التلاوة، لا في داخل الصلاة، ولا في خارجها، لا في الخفض، ولا في الرفع. • غياب النص في العبادة مع قيام الحاجة إليه لو كان مشروعًا دليل على عدم المشروعية. • إثبات تكبير التلاوة عن طريق قياسه على سجدة السهو، أو على سجود الصلاة لا يصح في الاستدلال. • القياس إنما يجري إذا لم يكن المقيس قد فُعِل على عهد النبي ﷺ ، فيحتاج المجتهد أن يلحقه بما وقع على عهده ﷺ ؛ لوجود علة أو معنى جامع، وأما مع سجوده ﷺ وتكرر ذلك منه، فلا يصح الاستدلال بالقياس. • قول الصحابي عن النبي ﷺ كان يكبر في كل خفض ورفع ما سيق في سجود التلاوة، بل في سجود الصلاة، فالمقصود في الخفض والرفع المعهود في الصلوات، والنصوص إنما تحمل على الغالب الكثير، دون الأمر العارض والقليل. • سجد النبي ﷺ للتلاوة، فإما أن يكون النبي ﷺ قد كبَّر، فلماذا لم ينقل؟ وإما أن يكون النبي ﷺ لم يكبِّر، وهو الظاهر، فلا يشرع التكبير، وأما دعوى أن النبي ﷺ كان يكبِّر في سجود التلاوة، ثم لا ينقل الصحابةُ مثل ذلك، فهذا بعيد جدًّا، مع ما في ذلك من نسبة التقصير إلى صحابة رسول الله ﷺ وحاشاهم. [م-٩٣٣] اختلف الفقهاء في حكم التكبير للتلاوة على أقوال: فقيل: يكبر إذا سجد وإذا رفع، سواء أكان ذلك في صلاة أم لا، وهذا ظاهر

стр. 7734

الرواية عند الحنفية (١)، والمذهب عند الشافعية والحنابلة، وبه قال المالكية في الصلاة اتفاقًا، وكذا خارج الصلاة في رواية، وإليه رجع الإمام مالك، وهو المشهور في المذهب (٢). وعليه فالتكبير في الخفض والرفع مطلقًا يصح أن يقال: هو مذهب الأئمة الأربعة. قال خليل: «وكبَّر لخفضٍ ورفعٍ، ولو لغير صلاة» (٣). وقال بَهْرَامُ المالكي: «وكبَّر لخفض ورفع بصلاة اتفاقاً، وكذا بغير صلاة، وإليه رجع» (٤). وهذا أحد الأقوال الأربعة في مذهب المالكية. وقيل: لا يكبر مطلقًا، وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو وجه في مذهب الشافعية، حكم عليه النووي بالشذوذ (٥).

стр. 7735

قال ابن عابدين: «وعن أبي حنيفة: لا يكبر أصلًا» (١). وقيل: يكبر في الصلاة قولًا واحدًا، وأما خارج الصلاة، فقيل: لا يكبر، كان يقول به الإمام مالك ثم رجع عنه (٢). وقيل: يكبر في الصلاة، ويتخير خارج الصلاة، إشارة إلى إباحته، وهو اختيار ابن القاسم من المالكية (٣). وقيل: يكبر في الخفض، ولا يكبر في الرفع، وهو رواية الحسن بن زياد، عن أبي حنفية، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، والخرقي من الحنابلة (٤). وقيل: عكسه، لا يكبر عند الانحطاط، ويكبر عند الرفع، وهو رواية عن أبي حنيفة (٥). وقيل: يكبر في الخفض، وأما في الرفع فالأمر واسع، وإن كبر فهو أحب، اختاره القيرواني في الرسالة (٦). والجمهور على أن تكبير الخفض والرفع في سجود التلاوة سنة (٧). ومذهب الحنابلة: التكبير واجب؛ كتكبيرات الانتقال في الصلاة (٨).

стр. 7736

وإذا كان حكم التكبير في التلاوة فرعًا عن الخلاف في حكم تكبيرات الانتقال في الصلاة، فقد بحثت حكم تكبيرات الانتقال في مسألة مستقلة، وأدلة المسألة واحدة، فأغنى ذلك عن الكلام عليها في هذه المبحث، فارجع إليها إن شئت. فصارت الأقوال في مشروعية التكبير على ستة أقوال، كالتالي: - يكبر مطلقًا. - لا يكبر مطلقًا. - يكبر في الصلاة في الخفض والرفع، ولا يكبر خارجها. - يكبر في الصلاة، ويتخير خارجها. - يكبر في الخفض دون الرفع. - يكبر في الرفع دون الخفض. هذا موجز الخلاف، وإليك أدلتهم. • دليل من قال: يكبر مطلقًا: أما الاستدلال على مشروعية التكبير في الصلاة: الدليل الأول: (ح-٢٧٠٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أنه كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (١). وله شاهد من حديث ابن مسعود، رواه أبو داود الطيالسي، وأحمد، والنسائي، وأبو يعلى وغيرهم من طريق زهير، حدثني أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود، وعلقمة، عن عبد الله، قال: أنا رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع، وقيام وقعود، ويسلم عن يمينه، وعن يساره حتى يرى بياض خديه -أو خده- ورأيت أبا بكر وعمر يفعلان ذلك.

стр. 7737

[صحيح] (١). قال الترمذي: حديث عبد الله بن مسعود حديث حسن صحيح. وجه الاستدلال: قوله: (فيكبر كلما خَفَضَ وَرَفَع)، وفي لفظ ابن مسعود (في كل خفض ورفع) فلفظ: (كل) من ألفاظ العموم، فيشمل سجود التلاوة. • ويجاب: بأن هذا اللفظ ليس من ألفاظ المعصوم ﷺ ، ولو أنه جاء نصٌّ من المعصوم في سنة قولية، كأن يقول: (كبروا في كل خفض ورفع) لكان له من العموم ما يشمل سجود التلاوة وغيره، فالعموم الوارد في حديث أبي هريرة وفي حديث ابن مسعود هو نقل لحكاية فعل بلفظ من الصحابي، ولفظ الصحابي ليس له من العصمة ما للنص النبوي، وقد يكون مقصود الصحابي من العموم في الخفض والرفع المعهود في الصلوات، والغالب على أفعال الصلاة ليس فيها سجود التلاوة، والنصوص إنما تحمل على الغالب الكثير دون الأمر العارض والقليل، ومن القواعد: النادر لا حكم له. والأصوليون مختلفون في دخول الصورة النادرة التي لا تخطر على بال المتكلم

стр. 7738

لندرة وقوعه في دخولها في العموم؛ ولذا قال بعضهم لا تجوز المسابقة على الفيل وجوزها بعضهم والأصل في ذلك قوله ﷺ (لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ) فإنه ذو خف. ولو قلنا: إن العموم يشمل الصورة النادرة، فإن الاستدلال بعمومات سيقت لغير أحكام سجود التلاوة دليل على أن المسألة ليس فيها نص خاص يتعلق بالتكبير لسجود التلاوة، وإذا اتفق على عدم وجود نصٍّ في مسألة تكررت في عصر النبوة، فالأصل في العبادات الحضر، والله أعلم. الدليل الثاني: ثبت عن ابن مسعود أنه كان يسلم من سجدة التلاوة، (ث-٦٤١) فقد روى حرب الكرماني في مسائله، قال: حدثنا إسحاق، أخبرنا وكيع، عن شعبة، عن عطاء بن السائب، قال: كنت أمشي مع أبي عبد الرحمن السلمي نحو الفرات، فقرأ سجدة، فأومأ بها، ثم سلم تسليمة، ثم قال: هكذا رأيت ابن مسعود يفعله. [حسن] (١). وجه الاستدلال: فإذا شرع للتلاوة تَحَلُّلٌ، شرع لها تَحَرُّمٌ، فالتحلل مترتب على التَحَرُّم، ولا يعرف التحريم إلا بالتكبير. وقد سبق الجواب على أثر ابن مسعود عند الكلام على مشروعية تكبيرة الإحرام لسجود التلاوة، فارجع إليه. الدليل الثالث: سجدة التلاوة صلاة، فيشترط لها ما يشترط للصلاة، ومنه التكبير في الانتقال. • وأجيب: سبق الجواب على هذا عند الكلام على مشروعية تكبيرة الإحرام لسجود التلاوة، فارجع إليه.

стр. 7739

وأما الاستدلال على وجوب التكبير مطلقًا خارج الصلاة: الدليل الأول: (ح-٢٧٠٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر، وسجد وسجدنا معه. قال عبد الرزاق: وكان الثوري يعجبه هذا الحديث. قال أبو داود: يعجبه؛ لأنه كبر (١). [زيادة التكبير ليست محفوظة] (٢). • ويجاب عن الحديث: الجواب الأول: مخالفة الحديث لما هو أصح منه، فقد رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع به، وليس فيه ذكر التكبير. راجع تخريج الحديث. الجواب الثاني: لو فرضنا جدلًا أن الحديث محفوظ، فليس في الحديث دليل على مشروعية التكبير في الرفع من السجود. الدليل الثاني: القياس على سجود السهو بعد السلام بجامع أن كلًا منهما سجود منفرد خارج الصلاة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كبر لسجود السهو البعدي فكذلك سجود التلاوة. • ويناقش: سجود السهو ملحق بالصلاة، وتابع لها، فيعطى حكم أفعال الصلاة من التكبير والتسليم، ولهذا يشترط فيه الموالاة بينه وبين أفعال الصلاة على الصحيح؛ لأن السهو مرتبط بالصلاة ارتباط المسبب بالسبب، فالسهو: وهو موجب السجود حدث في الصلاة، فلا يفصل المسبب عن سببه، فكل زمن تفوت به الموالاة الواجبة بين

стр. 7740

أفعال الصلاة، فإنه يفوت به سجود السهو، والعكس صحيح، فإذا لم تفت الموالاة، وأمكن البناء على أفعال الصلاة صح تدارك سجود السهو، لذلك شرع في سجود السهو البعدي التسليم، بخلاف سجود التلاوة فهو مرتبط بالقراءة، والصلاة ليست سببًا فيه، ولا يشرع فيه التسليم على الصحيح، وإذا لم يشرع التسليم لم يشرع له التكبير، والله أعلم. الدليل الثالث: قياس سجدة التلاوة على السجدة الصلبية في الصلاة. • ويناقش: بأن الاستدلال بالقياس في هذا المحل لا يسوغ سواء أقلنا: إن التكبير في العبادة تعبدي غير معقول المعنى أم لا؛ لأننا قدمنا أن حقيقة القياس: قياس فرع لا نص فيه، على أصل ثبت حكمه بالنص. فإذا عرفنا أن الفرع الذي هو سجود التلاوة لا نصَّ فيه على مشروعية التكبير؛ لهذا اضطررنا لإثباته عن طريق القياس، وكانت هذه العبادة تفعل زمن التشريع، ويتكرر فعلها حتى لا يكاد يمرُّ أسبوع إلا وتقرأ فيه سورة السجدة في صلاة الصبح، ثم لا يوجد نصٌّ على مشروعية التكبير، فهذا دليل على أنه غير مشروع، فما الحاجة إلى استعمال القياس؟ • دليل من قال: لا يشرع التكبير مطلقًا: لا يوجد نصٌّ خاص في ثبوت التكبير في سجود التلاوة، لا في داخل الصلاة، ولا في خارجها، وكان النبي ﷺ يسجد للتلاوة في الصلاة وفي خارجها، فإما أن يكون النبي ﷺ قد كبَّر، فلماذا لم ينقل؟ وإما أن يكون النبي ﷺ لم يكبِّر، وهو الظاهر، فلا يشرع التكبير. وأما دعوى أن النبي ﷺ كان يكبِّر في سجود التلاوة، ثم لا ينقل الصحابةُ مثل ذلك حتى نضطر في الاستدلال إلى عمومات سيقت لغير سجود التلاوة، فهذا بعيد جدًّا، مع ما في ذلك من نسبة التقصير إلى صحابة رسول الله ﷺ ، فالصحابة كانوا حريصين كل الحرص على نقل كل ما يتعلق بالصلاة، حتى نقلوا إشارة أصبعه، واضطراب لحيته بالقراءة، وجهة انصرافه من الصلاة،
следующие страницы →