← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

وإذا كان حكم التكبير في التلاوة فرعًا عن الخلاف في حكم تكبيرات الانتقال في الصلاة، فقد بحثت حكم تكبيرات الانتقال في مسألة مستقلة، وأدلة المسألة واحدة، فأغنى ذلك عن الكلام عليها في هذه المبحث، فارجع إليها إن شئت. فصارت الأقوال في مشروعية التكبير على ستة أقوال، كالتالي: - يكبر مطلقًا. - لا يكبر مطلقًا. - يكبر في الصلاة في الخفض والرفع، ولا يكبر خارجها. - يكبر في الصلاة، ويتخير خارجها. - يكبر في الخفض دون الرفع. - يكبر في الرفع دون الخفض. هذا موجز الخلاف، وإليك أدلتهم. • دليل من قال: يكبر مطلقًا: أما الاستدلال على مشروعية التكبير في الصلاة: الدليل الأول: (ح-٢٧٠٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أنه كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (١). وله شاهد من حديث ابن مسعود، رواه أبو داود الطيالسي، وأحمد، والنسائي، وأبو يعلى وغيرهم من طريق زهير، حدثني أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن الأسود، وعلقمة، عن عبد الله، قال: أنا رأيت رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع، وقيام وقعود، ويسلم عن يمينه، وعن يساره حتى يرى بياض خديه -أو خده- ورأيت أبا بكر وعمر يفعلان ذلك.

стр. 7737

[صحيح] (١). قال الترمذي: حديث عبد الله بن مسعود حديث حسن صحيح. وجه الاستدلال: قوله: (فيكبر كلما خَفَضَ وَرَفَع)، وفي لفظ ابن مسعود (في كل خفض ورفع) فلفظ: (كل) من ألفاظ العموم، فيشمل سجود التلاوة. • ويجاب: بأن هذا اللفظ ليس من ألفاظ المعصوم ﷺ ، ولو أنه جاء نصٌّ من المعصوم في سنة قولية، كأن يقول: (كبروا في كل خفض ورفع) لكان له من العموم ما يشمل سجود التلاوة وغيره، فالعموم الوارد في حديث أبي هريرة وفي حديث ابن مسعود هو نقل لحكاية فعل بلفظ من الصحابي، ولفظ الصحابي ليس له من العصمة ما للنص النبوي، وقد يكون مقصود الصحابي من العموم في الخفض والرفع المعهود في الصلوات، والغالب على أفعال الصلاة ليس فيها سجود التلاوة، والنصوص إنما تحمل على الغالب الكثير دون الأمر العارض والقليل، ومن القواعد: النادر لا حكم له. والأصوليون مختلفون في دخول الصورة النادرة التي لا تخطر على بال المتكلم

стр. 7738

لندرة وقوعه في دخولها في العموم؛ ولذا قال بعضهم لا تجوز المسابقة على الفيل وجوزها بعضهم والأصل في ذلك قوله ﷺ (لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ) فإنه ذو خف. ولو قلنا: إن العموم يشمل الصورة النادرة، فإن الاستدلال بعمومات سيقت لغير أحكام سجود التلاوة دليل على أن المسألة ليس فيها نص خاص يتعلق بالتكبير لسجود التلاوة، وإذا اتفق على عدم وجود نصٍّ في مسألة تكررت في عصر النبوة، فالأصل في العبادات الحضر، والله أعلم. الدليل الثاني: ثبت عن ابن مسعود أنه كان يسلم من سجدة التلاوة، (ث-٦٤١) فقد روى حرب الكرماني في مسائله، قال: حدثنا إسحاق، أخبرنا وكيع، عن شعبة، عن عطاء بن السائب، قال: كنت أمشي مع أبي عبد الرحمن السلمي نحو الفرات، فقرأ سجدة، فأومأ بها، ثم سلم تسليمة، ثم قال: هكذا رأيت ابن مسعود يفعله. [حسن] (١). وجه الاستدلال: فإذا شرع للتلاوة تَحَلُّلٌ، شرع لها تَحَرُّمٌ، فالتحلل مترتب على التَحَرُّم، ولا يعرف التحريم إلا بالتكبير. وقد سبق الجواب على أثر ابن مسعود عند الكلام على مشروعية تكبيرة الإحرام لسجود التلاوة، فارجع إليه. الدليل الثالث: سجدة التلاوة صلاة، فيشترط لها ما يشترط للصلاة، ومنه التكبير في الانتقال. • وأجيب: سبق الجواب على هذا عند الكلام على مشروعية تكبيرة الإحرام لسجود التلاوة، فارجع إليه.

стр. 7739

وأما الاستدلال على وجوب التكبير مطلقًا خارج الصلاة: الدليل الأول: (ح-٢٧٠٦) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر، وسجد وسجدنا معه. قال عبد الرزاق: وكان الثوري يعجبه هذا الحديث. قال أبو داود: يعجبه؛ لأنه كبر (١). [زيادة التكبير ليست محفوظة] (٢). • ويجاب عن الحديث: الجواب الأول: مخالفة الحديث لما هو أصح منه، فقد رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع به، وليس فيه ذكر التكبير. راجع تخريج الحديث. الجواب الثاني: لو فرضنا جدلًا أن الحديث محفوظ، فليس في الحديث دليل على مشروعية التكبير في الرفع من السجود. الدليل الثاني: القياس على سجود السهو بعد السلام بجامع أن كلًا منهما سجود منفرد خارج الصلاة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كبر لسجود السهو البعدي فكذلك سجود التلاوة. • ويناقش: سجود السهو ملحق بالصلاة، وتابع لها، فيعطى حكم أفعال الصلاة من التكبير والتسليم، ولهذا يشترط فيه الموالاة بينه وبين أفعال الصلاة على الصحيح؛ لأن السهو مرتبط بالصلاة ارتباط المسبب بالسبب، فالسهو: وهو موجب السجود حدث في الصلاة، فلا يفصل المسبب عن سببه، فكل زمن تفوت به الموالاة الواجبة بين

стр. 7740

أفعال الصلاة، فإنه يفوت به سجود السهو، والعكس صحيح، فإذا لم تفت الموالاة، وأمكن البناء على أفعال الصلاة صح تدارك سجود السهو، لذلك شرع في سجود السهو البعدي التسليم، بخلاف سجود التلاوة فهو مرتبط بالقراءة، والصلاة ليست سببًا فيه، ولا يشرع فيه التسليم على الصحيح، وإذا لم يشرع التسليم لم يشرع له التكبير، والله أعلم. الدليل الثالث: قياس سجدة التلاوة على السجدة الصلبية في الصلاة. • ويناقش: بأن الاستدلال بالقياس في هذا المحل لا يسوغ سواء أقلنا: إن التكبير في العبادة تعبدي غير معقول المعنى أم لا؛ لأننا قدمنا أن حقيقة القياس: قياس فرع لا نص فيه، على أصل ثبت حكمه بالنص. فإذا عرفنا أن الفرع الذي هو سجود التلاوة لا نصَّ فيه على مشروعية التكبير؛ لهذا اضطررنا لإثباته عن طريق القياس، وكانت هذه العبادة تفعل زمن التشريع، ويتكرر فعلها حتى لا يكاد يمرُّ أسبوع إلا وتقرأ فيه سورة السجدة في صلاة الصبح، ثم لا يوجد نصٌّ على مشروعية التكبير، فهذا دليل على أنه غير مشروع، فما الحاجة إلى استعمال القياس؟ • دليل من قال: لا يشرع التكبير مطلقًا: لا يوجد نصٌّ خاص في ثبوت التكبير في سجود التلاوة، لا في داخل الصلاة، ولا في خارجها، وكان النبي ﷺ يسجد للتلاوة في الصلاة وفي خارجها، فإما أن يكون النبي ﷺ قد كبَّر، فلماذا لم ينقل؟ وإما أن يكون النبي ﷺ لم يكبِّر، وهو الظاهر، فلا يشرع التكبير. وأما دعوى أن النبي ﷺ كان يكبِّر في سجود التلاوة، ثم لا ينقل الصحابةُ مثل ذلك حتى نضطر في الاستدلال إلى عمومات سيقت لغير سجود التلاوة، فهذا بعيد جدًّا، مع ما في ذلك من نسبة التقصير إلى صحابة رسول الله ﷺ ، فالصحابة كانوا حريصين كل الحرص على نقل كل ما يتعلق بالصلاة، حتى نقلوا إشارة أصبعه، واضطراب لحيته بالقراءة، وجهة انصرافه من الصلاة،

стр. 7741

ومقدار لبثه بعد السلام، أيكون التكبير من السنة، ثم يتتابع الصحابة على عدم نقل مثل ذلك؟ هذا من أبعد الاحتمالات، وهذا دليل كافٍ في اعتقاد عدم مشروعية التكبير لسجود التلاوة، والله أعلم. • دليل من قال: يكبر للخفض دون الرفع: استدلوا بحديث ابن عمر السابق، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر، وسجد، وسجدنا معه. قال عبد الرزاق وكان الثوري يعجبه هذا الحديث. قال أبو داود: يعجبه؛ لأنه كبر (١). [زيادة التكبير ليست محفوظة] (٢). • دليل من قال: يكبر للرفع من السجود دون الانحطاط له: قالوا: إن التكبير شرع للانتقال من الركن إلى ما يليه، ولم يوجد عند الانحطاط، ووجد عند الرفع من السجود. • ويناقش: قد يقال: إن التكبير للانحطاط انتقال من التلاوة إلى السجود. كما أن هذا القول ينتقض بتكبيرة الافتتاح في الصلاة، فإنه يكبر للافتتاح، ولم يسبق ذلك ركن ينتقل منه. كما أن الرفع من سجود التلاوة خارج الصلاة لا يوجد انتقال إلى ركن يليه، بل ينتقل من السجود إلى الخروج منه، وليس إلى ركن آخر؛ ومع ذلك قلتم بالتكبير؛ لأن الأصح أنه لا تسليم في سجود التلاوة، فإذا صح التكبير في الرفع من السجود صح التكبير في الخفض، بل هو أولى؛ لأنه تكبير داخل العبادة، كل ذلك على القول بأن التكبير مشروع في سجود التلاوة. • دليل من قال: بالتخيير: هذا القول يرى أن التكبير للإباحة، فإن كبر فقد قال به كثير من العلماء، وإن لم يكبر فالأمر واسع؛ لأنه لم يخالف سنة واضحة، والله أعلم.

стр. 7742

• الراجح: تعدد الأقوال في المسألة تنبئك أن الباب ليس فيه سنة كاشفة، ولو كان في الباب سنة لم تتشعب هذه الأقوال، فإن كان الاختيار لما عليه أكثر الأمة فهو التكبير مطلقًا في الصلاة وخارجها، فهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة، ورجع إليه مالك في آخر الأمر، ومن اهتدى بهدي هؤلاء فلن يضلَّ سعيه. وإن أردت أن تتشدد وتريد حجة على شرعية التكبير فلن تجد هذا في النصوص، لا في الصلاة، ولا في خارجها. وهذا ما اختاره لنفسي، والله أعلم.

стр. 7743

الفصل السادس في الذكر المشروع لسجود التلاوة المدخل إلى المسألة: • لا يصح في أذكار سجود القرآن شيء. • صفة سجود التلاوة يشبه من جهة الفعل صفة سجود الصلاة من السجود على الأعضاء السبعة. • لا يمكن خلو سجود التلاوة من الأذكار الذي هو المقصود من العبادة، ودلت عليه آية السجدة في قوله تعالى: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. • يقول في سجود القرآن ما يقول في سجود الصلاة؛ لأن ما أشبه سجود الصلاة في الفعل أشبهه في الأذكار. • ما يقوله في سجود الصلاة لا يخرج عن الدعاء والتسبيح، والدعاء على قسمين: معين، مطلق. • إذا دعا المصلي أحيانًا بما يناسب آية السجدة، وهو لا يعتقد سنيته، بل امتثالًا للأمر المطلق بالدعاء، ولم يداوم على ذلك حتى لا يأخذ صفة السنية، فأرجو ألا يكون به بأس. [م-٩٣٤] اختلف العلماء في الأذكار الواردة في سجدة التلاوة: القول الأول: قالوا: يقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة. ومعلوم أن ما يقوله في سجود الصلاة لا يخرج عن التسبيح والدعاء. والدعاء على قسمين: دعاء معين كما في حديث علي ﵁، ودعاء مطلق، كما في حديث: (وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء) (١).

стр. 7744

وهذا هو الأصح في مذهب الحنفية، ونص عليه الإمام أحمد، وذكره ابن المنذر في الإقناع، وقدمه القاضي حسين من الشافعية على غيره من الأذكار الواردة (١). ولم يتعرض له المتقدمون من أصحاب الإمام مالك، وكذلك فَعَل خليل في مختصره والقيرواني في الرسالة، وتكلم بذلك بعض المتأخرين منهم. قال ابن جزي: «ويسبح في السجدة أو يدعو، وورد في الحديث (اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود)» (٢). فقدم التسبيح والدعاء؛ لثبوته في سجود الصلاة، ثم عطف عليه الذكر الوارد مما لم يثبت عن النبي ﷺ ؛ لهذا ألحقت قول ابن جزي بهذا القول، والله أعلم. وقال القاضي حسين من الشافعية: والمستحب أن يقول: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثًا، فظاهر قوله ﵇: لما نزل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: اجعلوها في سجودكم، وهو في سورة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١] أكثر استحبابًا لقوله تعالى: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ٥] (٣). وقال إسحاق: ليقل ما جاء عن النبي ﷺ : (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين) و (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) (٤).

стр. 7745

وما قاله إسحاق فهو بعض ما ثبت في سجود الصلاة، فهو يرجع إلى هذا القول. • وحجة هذا القول مبني على مقدمتين ونتيجة: المقدمة الأولى: أن صفة سجود التلاوة يشبه في الفعل صفة سجود الصلاة من السجود على الأعضاء السبعة: الجبهة والأنف، واليدين والركبتين والقدمين، ومجافاة المرفقين عن الجنبين، وإقلال البطن عن الفخذين، ورفع أسافله على أعاليه، وتوجيه أصابعه إلى القبلة، وغير ذلك مما سبق في باب صفة سجود الصلاة، فأشبه سجود التلاوة سجود الصلاة في جميع صفاته الفعلية من غير فرق. المقدمة الثانية: لم يثبت في النصوص ما يقال في سجدة التلاوة، وكل ما ورد من الأذكار في سجود التلاوة فهو ضعيف، لا تقوم به حجة، ولا يمكن خلو السجود من ذكر؛ الذي هو مقصود العبادة، ودلت عليه سجدة التلاوة في سورة السجدة. فالنتيجة: أن ما أشبه سجود الصلاة في أفعاله أشبهه في أذكاره، فيشرع له أن يقول من الأذكار في سجود التلاوة وسجود السهو ما ثبت مشروعيته في سجود الصلاة، من تسبيح، ودعاء معين، ومطلق. • أما الدليل على التسبيح: (ح-٢٧٠٧) فلما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، وفيه: … ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه (١). (ح-٢٧٠٨) ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : من قال في ركوعه ثلاث مرات:

стр. 7746

سبحان ربي العظيم فقد تم ركوعه، وذلك أدناه. ومن قال في سجوده ثلاث مرات: سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده وذلك أدناه (١). [منقطع، ورفعه منكر، والمعروف وقفه على ابن مسعود من فعله] (٢). • وأما الدليل على الدعاء المعين في سجود الصلاة: (ح-٢٧٠٩) فلما رواه مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي، وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث (٣). ومن الدعاء المعين في السجود: (ح-٢٧١٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق منصور بن المعتمر، عن مسلم -هو ابن صبيح أبي الضحى- عن مسروق، عن عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن (٤). (ح-٢٧١١) ومنه: ما رواه مسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، أن عائشة نَبَّأَتْهُ أن رسول الله ﷺ كان يقول: في ركوعه وسجوده: سبوح

стр. 7747

قدوس، رب الملائكة والروح (١). (ح-٢٧١٢) ومنها ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وآخره، وعلانيته وسره (٢). إلى غير ذلك من الأدعية الواردة الصحيحة في السجود، أو في الصلاة، فإن إطلاق الدعاء في الصلاة يدخل فيه السجود دخولًا أوليًّا؛ لأنه محل الدعاء، وأكتفي بما ذكرته من الأدعية اقتصارًا؛ لأن الهدف المثال، وليس الاستيعاب، والله أعلم. • وأما الدليل على الدعاء المطلق في سجود الصلاة: (ح-٢٧١٣) فلما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يَبْقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم (٣). القول الثاني: مذهب الشافعية: استحب الشافعية أن يقول في سجوده: سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته. وإن قال: اللهم اكتب لي عندك بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود ﵇، فهو حسن.

стр. 7748

وإن قال فيه ما يقول في سجود الصلاة جاز، وقال به بعض الحنابلة (١). فقدم الشافعية ما ورد في سجود التلاوة على ضعفه على ما ورد في سجود الصلاة مع صحته، تقديمًا للمنصوص على القياس، وجعلوا الذكر الأول من قبيل المستحب، والذكر الثاني من قبيل الجائز. واستحسن بعض الحنابلة هذه الأدعية الواردة في سجود التلاوة بشرط أن يأتي بها بعد التسبيح؛ لأن التسبيح عند الحنابلة من واجبات السجود في الصلاة والتلاوة والشكر. جاء في المبدع: «يقول فيه -أي في سجود التلاوة- وفي سجود الشكر: سبحان ربي الأعلى، وجوبًا، وإن زاد ما ورد فحسن» (٢). وجاء في الإقناع: «يقول في سجودها ما يقول في سجود صلب الصلاة وإن زاد غيره مما ورد فحسن، ومنه: اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا وضع عني بها وزرًا واجعلها لي عندك ذخرًا وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود» (٣). • الدليل على استحباب الذكر الأول: (ح-٢٧١٤) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا خالد، عن أبي العالية، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجود القرآن: سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته (٤). [ضعيف] (٥).

стр. 7749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7750

• وأما الدليل على استحباب الذكر الثاني: (ح-٢٧١٥) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا محمد بن يزيد ابن خنيس، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج: يا حسن، أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. قال: الحسن: قال لي ابن جريج: قال لي جدك: قال ابن عباس: فقرأ النبي ﷺ سجدة ثم سجد، فقال ابن عباس: فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة (١). [ضعيف] (٢).

стр. 7751

وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. (ح-٢٧١٦) رواه أبو يعلى الموصلي من طريق اليمان بن نصر -صاحب الدقيق- حدثنا عبد الله بن سعد المزني قال: حدثني محمد بن المنكدر، حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عوف قال:

стр. 7752

سمعت أبا سعيد يقول: رأيت فيما يرى النائم كأني تحت شجرة، وكأن الشجرة تقرأ (ص)، فلما أتت على السجدة سجدَتْ، فقالت في سجودها: اللهم اغفر لي بها، اللهم حط عني بها وزرًا، وأحدث لي بها شكرًا، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته، فغدوت على رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: سجدت أنت يا أبا سعيد؟، قلت: لا، قال: فأنت أحق بالسجود من الشجرة، ثم قرأ رسول الله ﷺ سورة ص ثم أتى على السجدة وقال في سجوده ما قالت الشجرة في سجودها (١). [ضعيف] (٢). القول الثالث: استحب بعض الحنفية وبعض الشافعية أن يقول فيها: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا، وإن لم يفعل لم يضره (٣). القول الرابع: قالوا: يخير بين التسبيح وبين ما ورد من الدعاء في سجود التلاوة، اختاره بعض الحنابلة (٤).

стр. 7753

أما التسبيح فهو ثابت في سجود الصلاة، وأما الدعاء الوارد في سجود التلاوة، فلم يصح منه شيء، والله أعلم. القول الخامس: قالوا: الأولى أن يدعو فيه بما يليق بآية السجدة، فيقول في سجدة الإسراء: اللهم اجعلني من الباكين إليك والخاشعين لك، وفي سجدة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك وعلى أوليائك، نصَّ عليه القرطبي من المالكية، واختاره بعض الشافعية، وابن مفلح الصغير في المبدع (١). وهذا استحسان لم يرد به سنة، وإذا دعا به المصلي أحيانًا، وهو لا يعتقد سنيته في هذا الموضع، بل امتثالًا للأمر المطلق بالدعاء في السجود، فأرجو ألا يكون به بأس، ولا يلتزمه في كل سجدة حتى لا يأخذ صفة السنية، والله أعلم. • الراجح: القول الأول، وهو أن يقول فيه ما يقول في سجود الصلاة من التسبيح والاجتهاد فيه بالدعاء،، والتسبيح سنة في السجود خلافًا للحنابلة، والدعاء مستحب فيه بالاتفاق، وقد تكلمت على خلاف العلماء في حكم التسبيح في السجود في صفة الصلاة فارجع إليه إن شئت، والله أعلم.

стр. 7754

الفصل السابع حكم التشهد في سجود التلاوة المدخل إلى المسألة: • لم يرد في النصوص ما يدل على مشروعية التشهد لسجود التلاوة، والأصل عدم المشروعية. • مشروعية التشهد يستلزم مشروعية الجلوس، ولا جلوس لسجود التلاوة، فهي سجدة منفردة. • مشروعية التشهد من خصائص الصلاة، وسجدة التلاوة ليست صلاة. • ضابط الصلاة: ما افتتح بالتحريم، واختتم بالتسليم، وشرعت له قراءة الفاتحة، وسجدة التلاوة لا تحريم فيها ولا سلام، ولا قراءة. [م-٩٣٥] اختلف العلماء في حكم التشهد في سجود التلاوة: فقيل: لا يشرع، وهو مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).

стр. 7755

قال النووي: الصحيح عندنا في سجود التلاوة أنه يسلم، ولا يتشهد كصلاة الجنازة» (١). وقيل: يتشهد، وهو قول في مذهب المالكية، ووجه في مذهب الشافعية، وهو تخريج لأبي الخطاب من الحنابلة (٢). • دليل من قال: لا يتشهد: الدليل الأول: لم يرد في النصوص ما يدل على مشروعية التشهد لسجود التلاوة، والأصل عدم المشروعية؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف. وهذا الدليل كافٍ في الاستدلال على عدم المشروعية. الدليل الثاني: مشروعية التشهد يستلزم مشروعية الجلوس، ولا جلوس لسجود التلاوة، فهي سجدة منفردة. الدليل الثالث: التشهد من خصائص الصلاة ذات القيام والركوع والجلوس، وسجدة التلاوة ليست بصلاة على الصحيح. الدليل الرابع: ضابط الصلاة: ما افتتح بالتحريم، واختتم بالتسليم، وشرعت له قراءة الفاتحة، وسجدة التلاوة لا تحريم فيها ولا سلام، ولا قراءة.

стр. 7756

• دليل من قال: يتشهد: سجود التلاوة يفتقر إلى الإحرام والسلام، فافتقر إلى التشهد، كسجود الصلاة. • ويناقش: بأن الأصح في أقوال أهل العلم أن سجود التلاوة لا إحرام فيه، ولا سلام، وهو مذهب الجمهور، وقد سبق بحث حكم تكبيرة الإحرام لسجود التلاوة، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى البحث في حكم التسليم في سجود التلاوة. • الراجح: أن سجود التلاوة لا تشهد فيه، ولا يعرف التشهد لا في حديث صحيح، ولا ضعيف، ولا في أثر صحيح مأثور عن الصحابة ﵃.

стр. 7757

الفصل الثامن في التسليم لسجود التلاوة المبحث الأول الخلاف في حكم التسليم المدخل إلى المسألة: • الأصل في العبادات التوقيف، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يسلم من سجدة التلاوة، والأصل عدم المشروعية. • لو كان النبي ﷺ يسلم من سجود التلاوة لنقل؛ لأن مثل هذا تتوافر الدواعي على نقله وحفظه. • السلام شرع للتَّحلُّل من العبادة، وهو يستدعي سبق التحريمة، ولم يثبت التحريم لسجود التلاوة. • سجود التلاوة ليس بصلاة؛ لأن ضابط الصلاة، هو: ما افتتح بالتكبير، واختتم بالتسليم، وشرعت فيه قراءة الفاتحة، وسجود التلاوة لا قراءة فيه بالإجماع، ولا تحريم فيه على الصحيح، وذلك يعني نفي التسليم. • الأمر بالسجدة لا يدخل فيه الأمر بالتسليم، لا مطابقة، ولا تضمنًا، ولا التزامًا؛ لأن حقيقتهما مختلفة. [م-٩٣٦] اختلف العلماء في حكم التسليم في سجود التلاوة: فقيل: لا يسلم، وهو مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية، ونقل ذلك البويطي عن الشافعي في مختصره، وهو رواية عن الإمام أحمد، رجحها ابن تيمية (١).

стр. 7758

قال ابن تيمية: «وسجود القرآن لا يشرع فيه تحريم ولا تحليل، هذا هو السنة المعروفة عن النبي ﷺ ، وعليه عامة السلف، وهو المنصوص عن الأئمة المشهورين» (١). وقال ابن القيم: «أئمة الحديث والفقه ليس فيهم أحدٌ قطّ نقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه سلَّم منه، وقد أنكر أحمد السلامَ منه، قال الخطَّابي: وكان أحمد لا يعرف التسليم في هذا. وقال الحسن البصري: ليس في السجود تسليم. ويُذكر نحوه عن إبراهيم النخعي. وكذلك المنصوص عن الشافعي أنه لا يسلِّم فيه» (٢). وقيل: التسليم ركن، وهو الأظهر في مذهب الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة (٣).

стр. 7759

وقيل: التسليم مستحب، وهو رواية عن الإمام أحمد، وكان بعض السلف يُسَلِّم من سجود التلاوة، صح ذلك عن ابن مسعود ﵁، وسوف أذكره في الأدلة، كما صح ذلك عن أبي قلابة، وابن سيرين، وأبي عبد الرحمن السلمي، وعوف بن مالك أبي الأحوص، وهي حكاية أفعال، وأقلُّ ما تدل عليه الاستحباب، وقال ابن وهب: يسلم منها كالصلاة. فالتشبيه يحتمل أنه متوجه للصفة، إشارة إلى العدد، ويحتمل أنه قصد به حكم التسليم (١).

стр. 7760

وقال المرُّوْذي كما في بدائع الفوائد عن أحمد: «كان يعجبه أن يسلم فيه» (١). ونقل عبد الله: إذا رفع رأسه من السجود، إن شاء سلم، فإن لم يفعل فلا بأس (٢). وهذه الرواية عن أحمد صريحة بالاستحباب. فتبين بهذا أن الخلاف في التسليم محفوظ عن السلف، وليس كما قيل: إن عامة السلف على عدم مشروعية التسليم، وأكثر الروايات عن أحمد القول بالتسليم، وهو أحد القولين عن الإمام الشافعي، وهي المعتمد في مذهبه. فصارت الأقوال ترجع إلى قولين: أحدها: لا يشرع التسليم. الثاني: يسلم إذا سجد، على خلاف في حكمه، فقيل: ركن، وقيل: مستحب. • دليل من قال: لا يشرع التسليم: الدليل الأول: أنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه كان يسلم من السجدة، والأصل عدم المشروعية. الدليل الثاني: أن السلام للتَّحلُّل، وهو يستدعي سبق التحريمة، ولم تثبت لسجدة التلاوة تكبيرة للتحريم. • دليل من قال: يشرع التسليم: الدليل الأول: (ث-٦٤٢) روى حرب الكرماني في مسائله، حدثنا إسحاق، أخبرنا وكيع، عن شعبة، عن عطاء بن السائب، قال: كنت أمشي مع أبي عبد الرحمن السلمي نحو الفرات، فقرأ سجدة، فأومأ بها، ثم سلم تسليمة، ثم قال: هكذا رأيت ابن مسعود يفعله. [حسن] (٣).

стр. 7761

وإذا ثبت هذا عن الصحابي، فالصحابة أحرص الناس على الاتباع، فقد يكون أخذ ذلك من النبي ﷺ ، إما من فعله أو من إذنه، وذلك دليل على المشروعية. • ويناقش من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الأثر قد تفرد به عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، وعطاء ليس بالمتقن، وأبو عبد الرحمن السلمي له أصحاب فأين أصحابه عن مثل هذا الأثر الذي يحتاج إليه، ولا يعرف إلا عنده، فلم يروه أحد من أصحاب عبد الله. • ويجاب: بأن عطاء يقص شيئًا حدث له مع شيخه، حتى ذكر المكان الذي حصلت فيه هذه القصة، ومثل هذا يبعد أن يتطرق له الوهم، فالشأن ليس مجرد رواية تعتمد على الحفظ والضبط، قد يتطرق لها الوهم، هذا من جهة، وقد رواه عن عطاء شعبة، وهو من قدماء أصحابه. الوجه الثاني: فعل الصحابي ينقله من المحظور إلى الجائز، ولكن لا يمكن أن ينقله إلى الاستحباب فضلًا عن الوجوب، وقد تكرر فعله من النبي ﷺ ومن أصحابه، ولم ينقل ولو مرة واحدة أن النبي ﷺ كان يسلم من سجود التلاوة، ولا عرف هذا عن أصحابه إلا ما نقل عن ابن مسعود، وهذا بمنزلة نقل العدم؛ إذ لو كانوا يسلمون من سجود التلاوة لنقل؛ لأن مثل هذا تتوافر الدواعي على نقله وحفظه، إلا أن ثبوته عن ابن مسعود يجعل التسليم في حكم المباح، والأفضل تركه، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٢٧١٧) ما رواه عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (١). وهذا عام في كل صلاة، وسجود التلاوة صلاة.

стр. 7762

• وأجيب بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن حديث: (تحريمها التكبير) تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف عند أكثر أهل العلم، ومن حسنه اعتبر أن متنه مستقيم، وجاء من حديث أبي سعيد الخدري إلا أنه ضعيف جدًّا لا يصلح للاعتبار، وإذا كان تحريمها التكبير مجمعًا عليه، فليس التسليم مجمعًا عليه للمكتوبة كما مر عليك في صفة الصلاة، والله أعلم. الجواب الثاني: الأصح أن سجود التلاوة ليس بصلاة، وقد سبق بحث هذه المسألة في مبحث مستقل، وقد دل حديث عبادة في الصحيحين، أن رسول الله ﷺ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب (١). وجاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: من صلى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج (٢). ولفظ: (من صلى صلاة) من ألفاظ العموم. فدل حديث عبادة وحديث أبي هريرة مع حديث علي بن أبي طالب السابق: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) أن ضابط الصلاة: هو ما افتتح بالتكبير، واختتم بالتسليم، وشرعت فيه قراءة الفاتحة. فلم يدخل سجود التلاوة في ضابط الصلاة؛ لأنه لا قراءة فيه بالإجماع، ولا تحريم فيه على الصحيح، وذلك يعني: نفي التسليم؛ لأن التحلل مبني على التحريم. • الراجح: أن سجود التلاوة منعقد للسجود لا تحريم فيه ولا تسليم.

стр. 7763

المبحث الثاني في عدد التسليم [م-٩٣٧] هذه المسألة لا تتنزل على مذهب الحنفية والمالكية الذين لا يقولون بمشروعية التسليم في سجود التلاوة، وهو رواية عن أحمد. وسينحصر البحث في مذهب الشافعية والحنابلة القائلين بمشروعية التسليم لسجود التلاوة، وقد اختلفوا في عدد التسليم. فقيل: يجزئه تسليمة واحدة عن يمينه، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، وبه قال إسحاق (١). قال الرملي: «وسجد سجدة كسجدة الصلاة في أركانها وشروطها، وسننها … وسلَّم من غير تشهد كتسليم الصلاة» (٢). فجعل السلام في سجود التلاوة قياسًا على تسليم الصلاة، والتسليم في الصلاة عند الشافعية الأولى ركن، والثانية مستحبة (٣). وقال ابن مفلح في الفروع: «ويجزئ واحدة على الأصح فيهما» (٤). وقال عبد الرحمن بن قدامة في الشرح الكبير: «يجزئه تسليمة، نص عليه

стр. 7764

أحمد، وبه قال إسحاق» (١). وظاهر قوله: (يجزئه) لا ينفي مشروعية التسليمة الثانية؛ لأنه عبر عن القدر المجزئ، وليس عن المشروع، وقد علمت أن التسليم ركن في المشهور من مذهب الحنابلة، فتكون الثانية إما مباحة أو مستحبة. وقيل: يجب عليه تسليمتان، وهو رواية عن أحمد، وقال ابن وهب: يسلم منها كالصلاة، فيحتمل أنه أراد: يسلم تسليمتين كما في الصلاة فأراد من التشبيه العدد، ويحتمل أنه قصد به أنه يشرع التسليم كما يشرع في الصلاة (٢). جاء في الإنصاف: «وعنه -عن الإمام أحمد- تجب الثنتان» (٣). وهذا الخلاف تفريع عن القول الضعيف بأن التلاوة لها تسليم، ولهذا لن تجد أدلة مقنعة لقول ضعيف، فالقول الضعيف لا يستدل له إلا بما يشهد على ضعفه، والله أعلم، فتذكر هذا. • دليل من قال: يشرع تسليمة واحدة: هذا القول مبني على أن سجدة التلاوة صلاة، والصلاة لا يتحلل منها إلا بالتسليم، لعموم قوله: ﷺ : (وتحليلها التسليم). والخلاف في (أل) في قوله: (وتحليلها التسليم) هل أل للعهد، أم هي للجنس؟ فإن قلنا: للعهد، كان لابد من التسليمتين، لأنه المعهود من صلاة النبي ﷺ ، والتلاوة قياسًا عليه. وإن قلنا: إن (أل) للجنس، كفى تسليمة واحدة، بل يكفي قولك: (السلام عليكم) ولو لم تقل ورحمة الله وبركاته؛ لأنه يصدق على ذلك لفظ التسليم. ولأن سجدة التلاوة صلاة لا تشهد فيها، فكان المشروع فيها تسليمة واحدة،

стр. 7765

كصلاة الجنازة. وإذا علمنا أن سجدة التلاوة ليست صلاة، ولا تحريمة لها حتى يشرع لها تحليل، علمنا أن الخلاف في التسليم فرع عن القول بأن سجدة التلاوة صلاة، وقد سبق بحث هذه المسألة، وبيان الراجح، والله أعلم.

стр. 7766

الباب الثالث في حكم سجود التلاوة الفصل الأول في سجود التلاوة خارج الصلاة المدخل إلى المسألة: • الأصل عدم الوجوب إلا بدليل صحيح صريح سالم من المعارض. • سجد النبي ﷺ في سورة النجم، كما في حديث ابن مسعود، وترك زيد والنبي ﷺ السجود فيها، كما في حديث زيد بن ثابت، وليس بينهما تعارض، بل محمول أحدهما على جواز الترك، والآخر على استحباب الفعل. • أدق مقام في فهم النصوص، ودلالة الألفاظ، النظر في عمل الصحابة، حيث عاصروا التشريع، وقد فهم الصحابة من آيات سجود التلاوة أنها على الاستحباب، فكان فهمهم مقدمًا على مجرد إطلاق بعض النصوص. • يجوز سجود التلاوة على الراحلة بالاتفاق في السفر، فلو كانت واجبة لما أديت بالإيماء من قادر على النزول. [م-٩٣٨] بعد أن عرفنا شروط سجود التلاوة، وعرفنا صفته، ناسب أن ننتقل إلى بحث حكمه؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وقد أجمع العلماء على مشروعية سجود التلاوة (١)، واختلفوا في حكمه: فقيل: واجب، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (٢).

стр. 7767

وقيل: سنة، وهو مذهب الشافعية، والمعتمد عند الحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية، اختاره أكثرهم، وشهره ابن عطاء الله، وقال خليل: الأشبه بمذهب المدونة: السنية، وبه قال الأوزاعي وداود وأبو ثور (١). وقيل: فضيلة، اختاره بعض المالكية، كالقاضي عبد الوهاب، والباجي وابن الكاتب، وصدر به ابن الحاجب، ومن قاعدته: تشهير ما صدر به، وكونه فضيلة تقسيم اصطلاحي عند المالكية ينبني على الخلاف فيه: كثرة الثواب وقلته (٢).

стр. 7768

• دليل من قال: يجب السجود للتلاوة: الدليل الأول: ورد الأمر بالسجود في كتاب الله، قال تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. وقال تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ [الحج: ٧٧]. وجه الاستدلال: أمر الله بالسجود، والأصل في الأمر المطلق الوجوب. • ويناقش: الأمر المطلق المتجرد عن القرائن يدل على الوجوب في أصح أقوال أهل العلم، والمخالف يرى أن هذا الأمر قد احتف به من القرائن ما يصرفه عن الوجوب، انظر أدلة القول الثاني، ومن ذلك عمل الصحابة رضوان الله عليهم، فهم أعلم من غيرهم بدلالات الألفاظ، حيث تلقوا الأوامر الشرعية من النبي ﷺ ، بلا واسطة، وهي منقبة للصحابة وحدهم، بخلاف غيرهم فهو يتعامل مع النص بحسب ما تقتضيه الدلالة اللفظية فقط، وشتان بين هذا وذاك. فانظر يا رعاك الله كيف تلقى الصحابة هذه النصوص من النبي ﷺ ، وكيف عملوا بها، فالتطبيق العملي لهذه النصوص لدى الصحابة مقدم على مجرد الدلالة اللفظية للنص؛ لأن الأمر كما يأتي للوجوب فهو يأتي للاستحباب، فالمندوب مأمور به أيضًا، وهذا الذي لم يوفق له الظاهرية، ومن تأثر بمنهجهم. وقد فهم الصحابة من هذه النصوص أن سجود التلاوة على الاستحباب، ولم يتلقوه على أنه من الواجبات، ولا أظن أن هذا الفهم كان مبنيًّا على اجتهاد في دلالة هذه النصوص، وإلا لاختلفوا، وسوف يأتي النقل عنهم في أدلة القائلين بالاستحباب. يقول الطاهر بن عاشور في توكيد هذا الأصل: «يقصر بعض العلماء

стр. 7769

ويتوحّل في خَضخاض من الأغلاط حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ، ويوجّه رأيه إلى اللفظ مقتنعًا به، فلا يزال يقلِّبه ويحلِّله ويأمل أن يستخرج لُبَّه، ويهمل ما قدمناه من الاستعانة بما يحف بالكلام من حافات القرائن والاصطلاحات والسياق، وإنّ أدق مقام في الدلالة وأحوجه إلى الاستعانة عليها مقام التشريع، وفي هذا العمل تتفاوت مراتب الفقهاء، وترى جميعهم لم يستغنوا عن استقصاء تصرفات الرسول ﷺ ولا على استنباط العلل، وكانوا في عصر التابعين وتابعيهم يشدّون الرحال إلى المدينة ليتبصّروا من آثار الرسول ﷺ وأعماله وعمل الصحابة ومن صحبهم من التابعين. هنالك يتبيّن لهم ما يدفع عنهم احتمالات كثيرة في دلالات الألفاظ، وليتضح لهم ما يستنبط من العلل تبعًا لمعرفة الحكم والمقاصد. وفي هذا المقام ظهر تقصير الظاهرية وبعض المحدِّثين المقتصرين في التَفَقُّه على الأخبار» (١). الوجه الثاني: أن الأمر بالسجود المقصود به الأمر بالصلاة، وليس أمرًا بسجود التلاوة، وأطلق السجود على الصلاة؛ لكونه ركنًا فيها، بدليل أنه قرن بالأمر بالركوع، وقد اتفق العلماء على أن الركوع لا يكون قربة إلا إذا تقرب به داخل الصلاة، فلا يتقرب بالركوع خارج الصلاة، فكذلك أراد بالأمر بالسجود الأمر بالصلاة. • ويجاب: بأن الراجح في الأمر بالسجود في سورة الحج أنها سجدة تلاوة، صح ذلك عن عمر، وعثمان، وأبي موسى، وأبي الدرداء ﵃، وأحد القولين عن ابن عمر، وأحد القولين عن ابن عباس، وسيأتي مزيد إيضاح إن شاء الله تعالى عند الكلام على سجدة الحج. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١].

стр. 7770

وجه الاستدلال: ذمهم الله على ترك السجود، والذم لا يستحق إلا بترك واجب. • ونوقش: بأن العلماء قد اختلفوا في تفسيرها: فقيل: لا يسجدون: أي لا يصلون؛ وبه قال عطاء والكلبي ومقاتل (١). فأطلق السجود، وأراد به الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ والركوع لا يكون إلا في الصلاة، فكذلك السجود، ولأن الوعيد على ترك الصلاة ثابت بالقرآن ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣]. ولأن الله أضاف السجود إلى جميع القرآن، وسجود التلاوة يختص بمواضع منه. والثاني: وهو الأقرب: إذا تلي عليهم كتاب الله لا يخضعون لأحكامه، ولا يسلمون له، ولا يقبلون موجبه، بل يقابلون كتاب الله بالتكذيب المنافي للإيمان، قاله ابن جرير، ونسبه النحاس في إعراب القرآن لأهل التفسير (٢). وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره: «﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: كفار مكة لَا يصدقون بالقرآن ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] يعني: لا يخضعون لله تعالى ولا يوحدونه. ويقال: ولا يستسلمون لربهم، ولا يسلمون ولا يطيعون. ويقال: لا يصلون لله تعالى» (٣). وقال الثعلبي في تفسيره: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) و وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]: لا يخضعون، ولا يستكينون له، وقال الكلبي ومقاتل: لا يصلّون» (٤).

стр. 7771

فسواء فسرنا السجود بالخضوع والاستسلام، أو فسرناه بمعنى: لا يصلون، فعلى كلا المعنيين لا يدخل فيه سجود التلاوة، وهو سجود عارض يتعلق ببضع آيات من القرآن الكريم، فكيف تحمل آيات السجود التي يخاطب بها الكفار على هذا السجود العارض، وليس على الاستسلام لله والخضوع له، والانقياد لأحكام كتابه؟ فمن انقاد لأحكام القرآن لم يضره ألا يسجد عند قراءة آية التلاوة، وترك سجود التلاوة لا ينافي الإيمان بالله، ولا يلزم من تركه التكذيب، حتى ولو كان سجود التلاوة واجبًا، غايته أن يكون عاصيًا. يقول القاضي أبو يعلى: «ذم الكفار على تركهم الإيمان، وترك السجود تكذيبًا ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٢] يعني: بما يجمعون في صدورهم من الكفر والشرك، وإذا ترك سجود القرآن على هذا الوجه فهو مذموم يستحق الوعيد. فإن قيل: الكافر لا يستحق الذم على ترك ما ليس بواجب، فلما ذمهم على ترك السجود عند تلاوته دلَّ ذلك على وجوبه. قيل له: إنما ذمهم على تركه على هذا الوجه الذي ذكرنا، وهو تركهم له تكذيبًا وكفرًا، وذلك يستحق الذم، وقد قيل: لما أضاف ذلك إلى جميع القرآن دل على أن المراد به ما ذكرنا» (١). والدليل على ما ذكره أبو يعلى أن الذم للكفار لا يختص بالسجود، ما ذكره ابن القصار، قال: « .... لو سجدوا ألف مرة في النهار مع كونهم كفارًا كان الذم لاحقًا بهم، فعلمنا أن الذم لا يختص بالسجود، ويزيد هذا بيانًا قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ فلم يقع الوعيد إلا على التكذيب (٢). قلت: السجود له حقيقة لغوية، وحقيقة شرعية، فاللغوية: هي الخضوع والاستسلام، وقد دل السياق أن المقصود به السجود اللغوي؛ لأن الآية تتحدث عن الكفار، ولهذا قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ

стр. 7772

بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٢، ٢٣، ٢٤]. فعلم أن الآيات لا تخاطب الكفار بسجود التلاوة، ولو كانت الآيات في سجود التلاوة لكان الخطاب فيها للمؤمنين؛ لأنه فرع من فروع الشريعة، فلمِّا خاطب به الكفار، علمنا أن المراد به الاستسلام لله، والخضوع والانقياد لكتابه، وهذا هو معنى السجود اللغوي المنفي عن القوم. الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. [السجدة: ١٥]. وجه الاستدلال: يقول ابن تيمية: «سماعه -يعني القرآن- سبب الأمر بالسجود، لكن السجود المأمور به عند سماع القرآن كما أنه ليس مختصًا بسجود الصلاة، فليس هو مختصًا بسجود التلاوة، فمن ظن هذا أو هذا فقد غلط، بل هو متناول لهما جميعًا كما بينه الرسول ﷺ » (١). وذكر أيضًا: أن هذا الكلام يقتضي أنه لا يؤمن بآياته إلا من إذا ذكر بها خرَّ ساجدًا، وسبح بحمد ربه، وهو لا يستكبر، وهذا يَعُمُّ الآيات التي شُرِعَ فيها سجودُ التلاوة وغيرَها، ولا يجوز حملُه على تلك الآيات فقط، لأنها قليلة يسيرةٌ من حيث آيات الله ، فالذي إذا ذكر بجميع آيات القرآن يخرُّ ساجدًا هو المصلي، فإنه يذكر بآيات الله بقراءة الإمام، والإمام يذكر بقراءة نفسه، فلا يكون مؤمنًا حتى يخر سجدًا إذا ذكر بآيات الله (٢). فالذي فهمته من كلام ابن تيمية ﵀: أن التذكير بآيات الله سبب وموجب للسجود، فإن كان التذكير بآية تلاوة فذلك ظاهر، والسجود يكون مباشرة، وإن كان التذكير بغيرها فالمؤمن يسجد كذلك، ولكن بعد الركوع والرفع منه، فهو سجود مرتب ينتقل إلى الركوع، وهو نوع من السجود لقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾

стр. 7773

[ص: ٢٤]، ثم إلى الخرور إلى الأذقان، والخلاصة: وجوب سجود المؤمن عند تذكيره بآيات الله، هذا خلاصة ما فهمته من كلام ابن تيمية ﵀. • ويناقش من وجوه: الوجه الأول: وجوب السجود عند التذكير بآيات الله، إن كان مستفادًا من الحصر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ [السجدة: ١٥]، أي لا يؤمن بآياتنا إلا الذين إذا ذكروا بها ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾، فالذين لا يخرون سجدًا قد نفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الاستكبار. والجواب أن يقال: إن كان المقصود من نفي الإيمان زواله بالكلية، فهذا شرط في الإيمان، فلا يصح أن يوجه هذا إلى حكم سجود التلاوة؛ لأن تركه لا ينافي الإيمان، حتى على القول بوجوبه. وإن كان المقصود بالسجود سجود الصلاة، كان المقصود بترك السجود ترك الصلاة، وهو دليل على أن تارك الصلاة كافر، وهو ما فهمه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١). وإن كان نفي الإيمان المقصود به نفي الكمال، فهو لا يدل على الوجوب، كما في قوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه (٢). فالحصر وحده لا يدل على الوجوب، ولا ينافيه حتى نعلم إلى أي شيء يتوجه، بدليل أن الله قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ

стр. 7774

قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وانتفاء هذه الصفة لا يدل على انتفاء صفة الإيمان بالكلية؛ فكذلك استخدام الحصر في سجود التلاوة، لا يدل على وجوبه مرتبًا على انتفاء الإيمان، والله أعلم. وقال ﷺ : (إنما شرع الرمي والطواف بالبيت وبين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله) (١)، وليس الذكر فيها واجبًا مع استخدام الحصر، والله أعلم. الوجه الثاني: ظاهر الآية أنها تتكلم عن السجود في الصلاة لسببين: أحدهما: أنه ذكر من صفتهم بأنهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع، وإنما يترك الإنسان مضجعه من أجل الصلاة، وإلا فالدعاء لا يستدعي ترك الفراش، لأنه يمكنه أن يدعو الله وهو في فراشه. السبب الثاني: ما نقل من سبب النزول، فقد ذكر المفسرون أن قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، هذه الآية نزلت في قوم يصلون بين المغرب والعشاء.

стр. 7775

(ث-٦٤٣) وروى ابن جرير، قال: حدثنا ابن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي عروبة، قال قتادة، قال أنس في قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، كانوا يتنفلون فيما بين المغرب والعشاء، وكذلك تتجافى جنوبهم. قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس في قوله: تتجافى جنوبهم عن المضاجع. قال: يصلون بين هاتين الصلاتين. ورواه ابن جرير الطبري حدثني علي بن سعيد الكندي، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁، قال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، قال: ما بين المغرب والعشاء (١). [صحيح] (٢). وإذا كان المقصود به سجود الصلاة، فهل السجود في الصلاة سببه التذكير بالآيات، أو أن سجود الصلاة واجب للصلاة، فالصلاة شرعت في هيئة معينة، من قيام وركوع وسجود وجلوس، وليس أحدها سببًا للآخر، بل كل واحد منها ركن مقصود بنفسه، فلو كان السجود في الصلاة سببه التذكير بالآيات لسقط السجود إذا عجز عن الآيات، ولما فصل بينه وبين سببه بالركوع والرفع منه، ولما وجب تكرار السجود، ولهذا سجود التلاوة لا يكرر. الوجه الثالث: إن قصد بالتذكير بالآيات سجود التلاوة، فلا يجوز السجود إلا بالتذكير بآيات مخصوصة، ولو سجد في غيرها بطلت صلاته، مع أن ظاهر الآية يشمل التذكير بجميع الآيات؛ لأنها جمع مضاف، فيعم جميع الآيات، كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، وبقوله تعالى لنوح: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ فحمله نوح على العموم. ولا مانع أن تكون الآيات في الآية من العام الذي أريد به الخصوص، ولا يستفاد من الآية وجوب سجود التلاوة؛ لما بينا في دلالة الحصر، فقد يراد به نفي الإيمان بالكلية، وقد يراد به نفي الكمال، وإذا حمل على سجود التلاوة تعين الحمل على نفي الكمال؛ لأن تارك سجود التلاوة لا ينفى عنه الإيمان بالكلية، والله أعلم. الوجه الرابع: ما المانع أن يكون المقصود بالسجود الخضوع، وبالتسبيح تنزيه الله وتعظيمه،
следующие страницы →