فسواء فسرنا السجود بالخضوع والاستسلام، أو فسرناه بمعنى: لا يصلون، فعلى كلا المعنيين لا يدخل فيه سجود التلاوة، وهو سجود عارض يتعلق ببضع آيات من القرآن الكريم، فكيف تحمل آيات السجود التي يخاطب بها الكفار على هذا السجود العارض، وليس على الاستسلام لله والخضوع له، والانقياد لأحكام كتابه؟ فمن انقاد لأحكام القرآن لم يضره ألا يسجد عند قراءة آية التلاوة، وترك سجود التلاوة لا ينافي الإيمان بالله، ولا يلزم من تركه التكذيب، حتى ولو كان سجود التلاوة واجبًا، غايته أن يكون عاصيًا.
يقول القاضي أبو يعلى: «ذم الكفار على تركهم الإيمان، وترك السجود تكذيبًا ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٢] يعني: بما يجمعون في صدورهم من الكفر والشرك، وإذا ترك سجود القرآن على هذا الوجه فهو مذموم يستحق الوعيد.
فإن قيل: الكافر لا يستحق الذم على ترك ما ليس بواجب، فلما ذمهم على ترك السجود عند تلاوته دلَّ ذلك على وجوبه.
قيل له: إنما ذمهم على تركه على هذا الوجه الذي ذكرنا، وهو تركهم له تكذيبًا وكفرًا، وذلك يستحق الذم، وقد قيل: لما أضاف ذلك إلى جميع القرآن دل على أن المراد به ما ذكرنا» (١).
والدليل على ما ذكره أبو يعلى أن الذم للكفار لا يختص بالسجود، ما ذكره ابن القصار، قال: « .... لو سجدوا ألف مرة في النهار مع كونهم كفارًا كان الذم لاحقًا بهم، فعلمنا أن الذم لا يختص بالسجود، ويزيد هذا بيانًا قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ فلم يقع الوعيد إلا على التكذيب (٢).
قلت: السجود له حقيقة لغوية، وحقيقة شرعية، فاللغوية: هي الخضوع والاستسلام، وقد دل السياق أن المقصود به السجود اللغوي؛ لأن الآية تتحدث عن الكفار، ولهذا قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ
стр. 7772
بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٢، ٢٣، ٢٤].
فعلم أن الآيات لا تخاطب الكفار بسجود التلاوة، ولو كانت الآيات في سجود التلاوة لكان الخطاب فيها للمؤمنين؛ لأنه فرع من فروع الشريعة، فلمِّا خاطب به الكفار، علمنا أن المراد به الاستسلام لله، والخضوع والانقياد لكتابه، وهذا هو معنى السجود اللغوي المنفي عن القوم.
الدليل الثالث:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. [السجدة: ١٥].
وجه الاستدلال:
يقول ابن تيمية: «سماعه -يعني القرآن- سبب الأمر بالسجود، لكن السجود المأمور به عند سماع القرآن كما أنه ليس مختصًا بسجود الصلاة، فليس هو مختصًا بسجود التلاوة، فمن ظن هذا أو هذا فقد غلط، بل هو متناول لهما جميعًا كما بينه الرسول ﷺ » (١).
وذكر أيضًا: أن هذا الكلام يقتضي أنه لا يؤمن بآياته إلا من إذا ذكر بها خرَّ ساجدًا، وسبح بحمد ربه، وهو لا يستكبر، وهذا يَعُمُّ الآيات التي شُرِعَ فيها سجودُ التلاوة وغيرَها، ولا يجوز حملُه على تلك الآيات فقط، لأنها قليلة يسيرةٌ من حيث آيات الله ، فالذي إذا ذكر بجميع آيات القرآن يخرُّ ساجدًا هو المصلي، فإنه يذكر بآيات الله بقراءة الإمام، والإمام يذكر بقراءة نفسه، فلا يكون مؤمنًا حتى يخر سجدًا إذا ذكر بآيات الله (٢).
فالذي فهمته من كلام ابن تيمية ﵀: أن التذكير بآيات الله سبب وموجب للسجود، فإن كان التذكير بآية تلاوة فذلك ظاهر، والسجود يكون مباشرة، وإن كان التذكير بغيرها فالمؤمن يسجد كذلك، ولكن بعد الركوع والرفع منه، فهو سجود مرتب ينتقل إلى الركوع، وهو نوع من السجود لقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾
стр. 7773
[ص: ٢٤]، ثم إلى الخرور إلى الأذقان، والخلاصة: وجوب سجود المؤمن عند تذكيره بآيات الله، هذا خلاصة ما فهمته من كلام ابن تيمية ﵀.
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
وجوب السجود عند التذكير بآيات الله، إن كان مستفادًا من الحصر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ [السجدة: ١٥]، أي لا يؤمن بآياتنا إلا الذين إذا ذكروا بها ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾، فالذين لا يخرون سجدًا قد نفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الاستكبار.
والجواب أن يقال: إن كان المقصود من نفي الإيمان زواله بالكلية، فهذا شرط في الإيمان، فلا يصح أن يوجه هذا إلى حكم سجود التلاوة؛ لأن تركه لا ينافي الإيمان، حتى على القول بوجوبه.
وإن كان المقصود بالسجود سجود الصلاة، كان المقصود بترك السجود ترك الصلاة، وهو دليل على أن تارك الصلاة كافر، وهو ما فهمه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١).
وإن كان نفي الإيمان المقصود به نفي الكمال، فهو لا يدل على الوجوب، كما في قوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه (٢).
فالحصر وحده لا يدل على الوجوب، ولا ينافيه حتى نعلم إلى أي شيء يتوجه، بدليل أن الله قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ
стр. 7774
قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وانتفاء هذه الصفة لا يدل على انتفاء صفة الإيمان بالكلية؛ فكذلك استخدام الحصر في سجود التلاوة، لا يدل على وجوبه مرتبًا على انتفاء الإيمان، والله أعلم.
وقال ﷺ : (إنما شرع الرمي والطواف بالبيت وبين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله) (١)، وليس الذكر فيها واجبًا مع استخدام الحصر، والله أعلم.
الوجه الثاني:
ظاهر الآية أنها تتكلم عن السجود في الصلاة لسببين:
أحدهما: أنه ذكر من صفتهم بأنهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع، وإنما يترك الإنسان مضجعه من أجل الصلاة، وإلا فالدعاء لا يستدعي ترك الفراش، لأنه يمكنه أن يدعو الله وهو في فراشه.
السبب الثاني: ما نقل من سبب النزول، فقد ذكر المفسرون أن قوله: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، هذه الآية نزلت في قوم يصلون بين المغرب والعشاء.
стр. 7775
(ث-٦٤٣) وروى ابن جرير، قال: حدثنا ابن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي عروبة، قال قتادة،
قال أنس في قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، كانوا يتنفلون فيما بين المغرب والعشاء، وكذلك تتجافى جنوبهم.
قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة،
عن أنس في قوله: تتجافى جنوبهم عن المضاجع. قال: يصلون بين هاتين الصلاتين.
ورواه ابن جرير الطبري حدثني علي بن سعيد الكندي، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن سعيد، عن قتادة،
عن أنس ﵁، قال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، قال: ما بين المغرب والعشاء (١).
[صحيح] (٢).
وإذا كان المقصود به سجود الصلاة، فهل السجود في الصلاة سببه التذكير بالآيات، أو أن سجود الصلاة واجب للصلاة، فالصلاة شرعت في هيئة معينة، من قيام وركوع وسجود وجلوس، وليس أحدها سببًا للآخر، بل كل واحد منها ركن مقصود بنفسه، فلو كان السجود في الصلاة سببه التذكير بالآيات لسقط السجود إذا عجز عن الآيات، ولما فصل بينه وبين سببه بالركوع والرفع منه، ولما وجب تكرار السجود، ولهذا سجود التلاوة لا يكرر.
الوجه الثالث:
إن قصد بالتذكير بالآيات سجود التلاوة، فلا يجوز السجود إلا بالتذكير بآيات مخصوصة، ولو سجد في غيرها بطلت صلاته، مع أن ظاهر الآية يشمل التذكير بجميع الآيات؛ لأنها جمع مضاف، فيعم جميع الآيات، كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، وبقوله تعالى لنوح: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ فحمله نوح على العموم.
ولا مانع أن تكون الآيات في الآية من العام الذي أريد به الخصوص، ولا يستفاد من الآية وجوب سجود التلاوة؛ لما بينا في دلالة الحصر، فقد يراد به نفي الإيمان بالكلية، وقد يراد به نفي الكمال، وإذا حمل على سجود التلاوة تعين الحمل على نفي الكمال؛ لأن تارك سجود التلاوة لا ينفى عنه الإيمان بالكلية، والله أعلم.
الوجه الرابع:
ما المانع أن يكون المقصود بالسجود الخضوع، وبالتسبيح تنزيه الله وتعظيمه،
стр. 7776
وليس المقصود به التسبيح المعهود.
الدليل الرابع:
(ح-٢٧١٨) ما رواه مسلم في صحيحه من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي. يقول: يا ويله. (وفي رواية: يا ويلي). أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة. وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (أمر ابن آدم بالسجود) دليل على أن السجود واجب للأمر به.
• وأجيب من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
الاستدلال على الوجوب إما من أجل الأمر بالسجود، وإما من أجل ترتب الجنة على الامتثال. فأما الاستدلال بالأمر على الوجوب فقد سبق بيان أن هذا الأمر قد احتف به من القرائن ما يصرفه عن الوجوب، انظر مناقشة الدليل الأول.
وأما الاستدلال بالوجوب على عظم الجزاء، وهو الجنة.
(ح-٢٧١٩) فقد روى مسلم في صحيحه من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود (٢).
فكان الإكثار من السجود المستحب ليس سببًا في دخول الجنة فحسب، بل ومرافقة النبي ﷺ فيها.
الوجه الثاني:
ما أُمِرَ به الملائكةُ وإبليس من السجود لآدم محرَّمٌ على ذُرِّيَّته، كما قد حُرِّمَ
стр. 7777
ذلك علينا؛ فكيف يُستَدَلُّ بوجوبِ أحدهما على وجوبِ الآخر؟
فالمراد بالمقارنة: المقارنة بين امتثال ابن آدم لربه بالخضوع له بالسجود، والتي تشمل الواجب والمستحب، وبين معصية إبليس لربه برفض السجود والذي أوجب له النار، ولا يلزم منه أن تكون الموافقة في حكم الأمر الموجه لكل منهما.
الوجه الثالث:
دفعه النووي بأن هذا من كلام إبليس، فلا حجة فيه، قال النووي: فإن قالوا: حكاها النبي ﷺ ولم ينكرها. قلنا: قد حكي غيرها من أقوال الكفار ولم يبطلها حال الحكاية، وهي باطلة (١).
وهذا الوجه ضعيف، والله أعلم.
الدليل الخامس:
ذكر الحنفية بأن آيات السجود على ثلاثة أقسام:
قسم فيه الأمر الصريح.
وقسم تضمن استنكاف الكفرة حيث أمروا به.
وقسم فيه حكاية امتثال الأنبياء به.
وكل من امتثال الأمر، والاقتداء بالأنبياء، ومخالفة الكفرة واجب (٢).
• ويناقش:
أما دلالة الأمر على الوجوب فقد سبق الجواب عنها، وأن عمل الصحابة صارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب، وسيأتي ذكر ذلك عنهم.
وأما الاقتداء بالأنبياء، فيشمل الواجب والمستحب، وفعل الأنبياء لا يدل على الوجوب، بل الأصل فيه الاستحباب.
وأما استنكاف الكفرة، فهو مقيد حيث أمروا به، ولم يؤمروا بسجود التلاوة، وإنما أمروا بالصلاة ومنه السجود، ولذلك لا يستدل باستنكاف الكفرة على وجوب سجود
стр. 7778
الشكر، وليس من أدلة الوجوب عند الأصوليين استنكاف الكفرة من الفعل، فالكافر يستنكف حتى من العبادات المستحبة، وليس مطلوبًا منه الفعل حتى ينطق الشهادتين.
الدليل السادس:
سجود التلاوة يجوز فعله في الصلاة، فكان واجبًا كالسجود الأصلي؛ لأن زيادة السجود في الصلاة سبب لتغيير هيئة الصلاة، فلولا وجوبه لما جاز فعله فيها، ولذلك لا يجوز سجود الشكر في الصلاة؛ لعدم وجوبه.
ولأنه يترك له فعل الصلاة الواجب، وما يترك الواجب له فهو واجب.
• وأجيب بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن المتروك هو القيام في غير الفاتحة، وهو غير واجب.
الوجه الثاني:
أن سبب سجود التلاوة هو القراءة، والقراءة من الصلاة فجاز فعله فيها، وليس كذلك سجود الشكر؛ فإن سببه ليس من الصلاة، فلم يصح فعله فيها، فافترقا (١).
الدليل السابع:
(ث-٦٤٤) ما رواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف، عن معمر عن الزهري، عن ابن المسيب،
أن عثمان مرَّ بقاصٍ، فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان، فقال عثمان: إنما السجود على من استمع، ثم مضى ولم يسجد.
قال الزهري: «وقد كان ابن المسيب يجلس في ناحية المسجد، ويقرأ القاص السجدة، فلا يسجد معه، ويقول: إني لم أجلس لها» (٢).
[صحيح].
(ث-٦٤٥) وروى عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء،
عن ابن عباس قال: إنما السجدة على من جلس لها، فإن مررت فسجدوا فليس
стр. 7779
عليك سجود (١).
[صحيح].
وجه الاستدلال:
قوله: (على من سمعها) ظاهرة في الوجوب.
• ويجاب:
الظاهر لا يقدم على الصريح، وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ترك السجود، وأعلن على المنبر أن الله لم يفرض السجود بحضور كثير من الصحابة، فلم يعترض أحد، فكان إجماعًا.
• دليل من قال: يستحب السجود:
الدليل الأول:
الأصل عدم الوجوب حتى يثبت دليل صحيح صريح لا معارض له يقضي بالوجوب، ولم يثبت دليل على الوجوب (٢)
الدليل الثاني:
(ح-٢٧٢٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن عطاء بن يسار،
عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾. فلم يسجد فيها (٣).
ورواه ابن وهب في الجامع كما في التفسير منه، حدثنا أبو صخر، عن ابن قسيط، عن خارجة بن زيد بن ثابت،
عن أبيه، قال: عرضت النجم على النبي ﵇ فلم يسجد منا أحد (٤).
[أخطأ في إسناده أبو صخر بذكر خارجة بن زيد] (٥).
وجه الاستدلال:
لم ينقل أن زيد بن ثابت سجد، ولا أن النبي ﷺ أمره بالسجود، ونقل أن النبي ﷺ لم يسجد أيضًا، فلو كان السجود واجبًا لما تركه زيد، ولما أقره النبي ﷺ على تركه، ولسجد النبي ﷺ تبعًا لزيد.
• ونوقش هذا الدليل من خمسة وجوه:
الوجه الأول:
يحتمل أن يكون ترك السجود؛ لأنه لم يكن على طهارة، فلم يسجد (١).
• ويجاب:
الطهارة مختلف في وجوبها للسجود، وعلى التسليم بوجوبها، فلم يسأل النبي ﷺ زيدًا عن سبب تركه للسجود، ولم يعتذر زيد بأنه ترك السجود؛ لكونه محدثًا، فعلم أن السجود ليس بواجب.
الوجه الثاني:
لعل النبي ﷺ ترك السجود؛ لأن زيدًا لم يسجد، والمستمع تبع للقارئ (٢).
стр. 7782
• ويجاب:
بأن السجود لو كان واجبًا لما أقرَّ النبي ﷺ زيدًا على تركه، فإذا سجد زيد سجد النبي ﷺ ، والله أعلم.
الوجه الثالث:
يحتمل أنهما تركا السجود لأن زمن القراءة كان في وقت النهي (١).
• ويجاب:
بأن هذا مبني على أن السجود صلاة، وفيه خلاف، والأصح أنه ليس بصلاة، ولو كان الأمر كما ذكرتم لما أطلق زيد الترك وزمن القراءة؛ لأنه سيقتدى به، ولأخبره النبي ﷺ بسبب امتناعه من السجود حتى لا يُظَن أن الترك دليل الجواز، ولقال له: إذا قرأت السجدة في غير هذا الوقت فعليك أن تسجد، ولو قال له ذلك لنقله زيد في خبره، وفي ترك زيد ذكر ذلك في الخبر دليل على إبطال ما ادعوه.
الوجه الرابع:
احتج المالكية بحديث زيد بن ثابت بأن النبي ﷺ ترك السجود في المفصل، ومنه سورة النجم (٢).
• ويجاب:
ثبت سجود النبي ﷺ في سورة النجم كما في حديث ابن مسعود في الصحيحين، وترك النبي ﷺ السجود فيها كما في حديث زيد بن ثابت، وليس بينهما تعارض، بل هو محمول على جواز الترك، واستحباب الفعل، والقول بأن النبي ﷺ ترك السجود في المفصل منذ هاجر إلى المدينة قول ضعيف، فقد ثبت في حديث أبي هريرة في مسلم، سجود الرسول ﷺ في الانشقاق، وسجد معه أبو هريرة، وكان إسلام أبي هريرة في السنة السابعة من الهجرة.
قال الخطيب: «ليس في هذين الحديثين تضاد، ولا أحدهما ناسخ للآخر، وفيهما دليل على أن سجود التلاوة ليس بحتم؛ لأن النبي ﷺ سجد في النجم تارة، وترك
стр. 7783
السجود فيها تارة أخرى، والمستحب ألا يترك، وهذا اختلاف من جهة المباح» (١).
وسوف يأتي بحث السجود في المفصل في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى، وأعرض فيه أقوال فقهائنا إن شاء الله تعالى.
الوجه الخامس:
قال الحنفية: سجود التلاوة لا يجب عندنا على الفور، فلعلهم سجدوا بعد ذلك (٢).
• وأجيب:
بأن زيدًا قال: (فلم يسجد) فإطلاق النفي يقتضي أنهم لم يسجدوا مطلقًا، لا في الحال، ولا بعد ذلك، ولو كان رسول الله ﷺ أخَّر السجود لبين ذلك لزيد، فلما لم يبين ذلك دل على أنه ليس بواجب (٣).
الدليل الثالث:
(ث-٦٤٦) ما رواه البخاري من طريق هشام بن يوسف: أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة، عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي، -قال أبو بكر: وكان ربيعة من خيار الناس-
عما حضر ربيعةُ من عمر بن الخطاب ﵁: قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة، قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة، قال: يا أيها الناس، إنا نمرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ولم يسجد عمر ﵁.
وزاد نافع، عن ابن عمر ﵄: إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء (٤).
стр. 7784
وقوله: وزاد نافع ليس معلقًا، بل القائل ابن جريج،
فقد رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي مليكة به، وقال في آخره: قال ابن جريج: وزادني نافع، عن ابن عمر، أنه قال: لم يفرض السجود علينا إلا أن نشاء (١).
وجه الاستدلال:
قال ابن عبد البر: «أي شيء أبين من هذا عن عمر وابن عمر؟ ولا مخالف لهما من الصحابة فيما علمت، وليس قول من أوجبهما بشيء، والفرائض لا تجب إلا بحجة لا معارض لها، وباللّه التوفيق» (٢).
وكون عمر قال ذلك في خطبة الجمعة، وهي تجمع كبار الصحابة، ولم يعترض أحد منهم على قول عمر، لهذا عدَّه كثير من العلماء بمنزلة الإجماع، كالنووي، وابن قدامة، والزركشي، ومحمد بن عبد الباقي الزرقاني (٣).
قال النووي: «القول من عمر ﵁ في هذا الموطن والمجمع العظيم دليل ظاهر في إجماعهم على أنه ليس بواجب … » (٤).
وقال الزركشي الحنبلي: وهذا الذي قاله بمحضر من الصحابة، ولم ينكره أحد، فصار إجماعًا».
стр. 7785
قال ابن كثير: «لم يُنكره أحدٌ من الصحابة، فكان كالإجماع السُّكوتي» (١).
والإجماع السكوتي حجة، ودلالته ظنية، وليس كالإجماع القطعي؛ لأن الساكت لا ينسب له قول، ويحتمل وجوهًا كثيرة غير الرضا، فقد يرى المجتهد أنه بحاجة إلى مزيد وقت لينظر في المسألة، أو أنه مما يسوغ فيه الخلاف، أو ظن التأخير لمصلحة، أو أن رأي الحاكم يرفع الخلاف، أو خاف ألا يلتفت إلى قوله.
ونوقش هذا الاستدلال:
حاول الحنفية الرد على الاستدلال بالأثر بأجوبة، منها:
الجواب الأول:
أن هذا الأثر موقوف على عمر ﵁، وقول النبي ﷺ وفعله أولى (٢).
• وأجيب:
قول عمر ﵁ حجة ما لم يخالف نصًّا أو يخالفه صحابي آخر، ومع ذلك فالأثر لم يكن قولًا لعمر ﵁ وحده، بل لجميع الصحابة الذين شهدوا الصلاة، وأقروه على قوله، وقد اشتهر ذلك عن عمر بدليل وصوله إلينا، ومع ذلك لم يثبت أن أحدًا من الصحابة خالفه، فكان إجماعًا سكوتيًا كما سبق بيانه، والله أعلم.
الجواب الثاني:
أن قوله: (إن الله لم يكتبها علينا) أي في تلك الحال، حال قراءتها على المنبر؛ لما فيه من قطع للخطبة، وعمل كثير، والسنة في الخطبة الموالاة، فلما تعارض صار السجود غير واجب في هذه الحال، وإن سجد جاز، ولذلك كره المالكية قراءة آية السجدة في الخطبة كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى.
• ويجاب من وجهين:
الوجه الأول:
أن عمر ﵁ نفى وجوب السجود، والنفي مطلق لم يقيد في حال الخطبة.
стр. 7786
الوجه الثاني:
لو كان عمر ﵁ جعل السجود جائزًا مراعاة لموالاة الخطبة، لكانت الصلاة أولى بجعل السجود فيها جائزًا مراعاة لموالاة القراءة فيها، فأيهما أولى بالمراعاة كلام الخطيب أم كلام الله تعالى، وإذا كان سجود التلاوة لا يقطع الموالاة في أفعال الصلاة، والتي موالاتها شرط في صحتها، لم يقطع الموالاة في الخطبة والتي موالاتها سنة، وهذا دليل على أن سجود التلاوة جائز سواء أكان في الصلاة أم في الخطبة أم في غيرهما، والله أعلم.
الجواب الثالث:
أن الأثر يقول: (إن الله لم يفرض السجود) فالمنفي هو الفرضية، ونفيه لا يستلزم نفي الوجوب على أصول الحنفية في التفريق بين الفرض والواجب (١).
• ويجاب:
بأن التفريق بين الفرض والواجب اصطلاح فقهي حادث عند الحنفية، والصحابة لا يفرقون بينهما.
الجواب الرابع:
أن المقصود لم يكتب علينا تعجيل السجود، فسجود التلاوة عندنا لا يجب على الفور (٢).
• ويجاب:
أطلق زيد ﵁ ترك السجود منه ومن النبي ﷺ ، والإطلاق يقضي بأنهما لم يسجدا في الحال، ولا بعد ذلك، ولو أخرا السجود لنقل ذلك زيد، فلما لم ينقل علم أنه غير واجب.
الدليل الرابع:
(ح-٢٧٢١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه:
стр. 7787
أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فإذا هو يسأله عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع .... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
سجود التلاوة صلاة، وقد أفاد حديث طلحة بأنه لا يجب من الصلوات إلا الصلوات الخمس، فدل على أن سجود التلاوة ليس بواجب.
• ونوقش بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
الأصح في سجود التلاوة أنه ليس بصلاة خلافًا لقول الأكثر، وقد سبق ذكر الخلاف في المسألة.
الوجه الثاني:
بأن حديث طلحة بن عبيد الله في الواجبات ابتداء، فلا يدخل فيها الواجبات بسبب من العبد، كالصلاة المنذورة فإنها واجبة، ولم تذكر في الحديث، فكذلك سجود التلاوة.
الدليل الخامس:
يجوز سجود التلاوة على الراحلة بالاتفاق في السفر، فلو كانت واجبة لما أدِّيت بالإيماء من قادر على النزول كسجود صلاة الفرض (٢).
• وأجيب:
بأن سجدة التلاوة إن وجبت بالتلاوة على الأرض لم يسجدها على الدابة، وإن تلا آية السجدة على الدابة سجدها بالإيماء؛ لأنه يؤديها كما وجبت، فكانت صلاتها على الدابة لا ينافي الوجوب.
• ورد هذا:
بأن الصلاة المكتوبة لو وجبت على المصلي وهو على الدابة ما صح منه فعلها
стр. 7788
على الدابة، فهذا الجواب لا يدفع الإشكال، ولأن الوجوب عندكم ليس على الفور حتى يقال: لو حاول أن ينزل ربما فات وقتها بطول الفصل.
الدليل السادس:
لو كانت سجدة التلاوة واجبة لبطلت الصلاة بتركها كالصلبية (١).
• وأجيب بجوابين:
الأول: أن القياس على الصلبية فاسد؛ لأنها جزء من الصلاة، وسجدة التلاوة ليست جزءًا منها.
الثاني: أن ترك الواجب لا يبطل العبادة على الصحيح، بخلاف ترك الركن.
الدليل السابع:
إذا ترك سجدة التلاوة في الصلاة حتى فرغ منها لم يجب عليه إعادتها، فدل ذلك على أنها مستحبة.
• الراجح:
أن سجود التلاوة خارج الصلاة ليس بواجب.
стр. 7789
الفصل الثاني في سجود التلاوة داخل الصلاة
المبحث الأول سجود التلاوة في الصلاة الجهرية
المدخل إلى المسألة:
• إذا لم تجب سجدة التلاوة خارج الصلاة لم تجب داخل الصلاة من باب أولى؛ لأن المقتضي للسجود التلاوة، وليست الصلاة.
• زيادة السجود في الصلاة إذا وجد المقتضي لا يبطل الصلاة، سنة كان السجود أو واجبًا، كسجود التلاوة، والسهو على القول بأنه سنة، وكسجود المسبوق لسهو إمامه إذا لم يدرك سهوه؛ من أجل المتابعة.
• سجود التلاوة في الجهرية لا يؤدي إلى تخليط الصلاة على المأمومين في فريضتهم، ولهذا فعله النبي ﷺ ، وخلفاؤه الراشدون.
• خوف التخليط قد يُسَلَّم في الصلاة السرية، أما الجهرية فلا يتصور ذلك.
• لو تصور وجود من يجهل سبب السجود فإن ذلك قد يقع في أول مرة يفعل الإمام ذلك، فإذا فعله تعلم الجاهل، وانتشرت السنة.
• لا تترك السنة لجهل بعض الناس بها، ويمكن رفع الجهل بأن يقوم الإمام بدوره في توعية الناس بالسنن من خلال ما يلقيه على جماعته من دروس ومواعظ.
[م-٩٣٩] اختلف العلماء في سجود التلاوة في الصلاة الجهرية:
فقيل: يجب مطلقًا في الفرض والنفل، وهو مذهب الحنفية، ورواية عن
стр. 7790
أحمد، ورجحه ابن تيمية (١).
قال ابن تيمية: «قد تنازع الناس في وجوب سجود التلاوة، قيل: يجب، وقيل: لا يجب، وقيل: يجب إذا قرئت السجدة في الصلاة، وهو رواية عن أحمد» (٢).
وقيل: سنة مطلقًا في الفرض والنفل، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، واختاره بعض المالكية كابن وهب، وابن يونس، وابن بشير واللخمي (٣).
وقيل: يكره تعمد قراءة ما فيه سجدة لمن يصلي الفريضة ولو في فجر الجمعة للإمام؛ ولو لم يكن ذلك على وجه المداومة، كما لو اتفق له ذلك مرَّة، لأنها تشوش على المأموم، ثم ألحق به المنفرد حسمًا للباب، فإن قرأها بفرض عمدًا أو سهوًا سجد، ولا يكره تعمدها في النافلة، ولا يكره للمأموم الاقتداء بمن يتعمدها، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٤).
стр. 7791
وقيل عن مالك: لا يكره في مسجدٍ يقل أهلُه؛ لأنه لا يخلط عليهم (١).
• دليل من قال: يجب السجود مطلقًا:
ذكرنا أدلتهم ومناقشة استدلالهم بها في المسألة السابقة، فانظرها هناك رعاك الله.
• دليل من قال: يستحب السجود مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٢٧٢٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن هو ابن هرمز الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁، قال: كان النبي ﷺ يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١] (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٢٧٢٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال:
رأيت أبا هريرة ﵁ قرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد بها. فقلت: يا أبا هريرة، ألم أرك تسجد؟ قال: لو لم أر النبي ﷺ يسجد لم أسجد، هذا لفظ البخاري (٣).
ورواه البخاري ومسلم من طريق معتمر، عن أبيه، عن بكر، عن أبي رافع، قال: صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت له: قال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد بها (٤).
• ونوقش:
قال ابن المنير: «لا حجة فيها على مالك؛ حيث كره السجدة في الفريضة -يعني في المشهور عنه- لأنه ليس مرفوعًا» (٥).
стр. 7792
وقال ابن رجب: «أما حديث أبي هريرة: فغايته أن يدل على أن أبا هريرة جهر في قراءة صلاة العشاء، وسجد، وأخبر أنه سجد بهذه السجدة خلف النبي ﷺ ، ولم يقل: في صلاة العشاء، فيحتمل أنه سجد بها خلفه في صلاة جهر فيها بالقراءة غير صلاة العشاء، ويحتمل أنه سجد بها في غير صلاة؛ فإن القارئ إذا قرأ وسجد سجد من سمعه، ويكون مؤتمًا به عند كثير من العلماء، وهو مذهب أحمد وغيره» (١).
وقال ابن رجب أيضًا: «قد ذكرنا أن هذا الحديث إنما فيه التصريح بالسجود في صلاة العشاء عن أبي هريرة، وليس فيه تصريح برفع ذلك إلى النبي ﷺ » (٢).
يريد ابن رجب ﵀ أن يقول: إن سجود أبي هريرة فيها في الصلاة موقوف على أبي هريرة، وأن سجوده خلف النبي ﷺ ليس فيه ما ينفي أو يثبت أن سجوده خلف النبي ﷺ كان في صلاة.
وتعقب ذلك:
بأن ابن خزيمة رواه في صحيحه من طريق أبي الأشعث: أحمد بن المقدام، عن المعتمر، عن أبيه، عن بكر بن عبد الله، عن أبي رافع، عن أبي هريرة به، بلفظ: صليت خلف أبي القاسم فسجد بها (٣).
ورواه أبو عوانة في مستخرجه وابن المنذر في الأوسط من طريق يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن بكر بن عبد الله المزني به، بلفظ: صليت مع أبي القاسم فسجد فيها (٤).
وأشار إلى هذا ابن حجر في الفتح (٥).
الدليل الثالث:
(ح-٢٧٢٤) ما رواه مسلم من طريق مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر، يوم الجمعة: ﴿الم (١)
стр. 7793
تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾، [الإنسان: ١]، وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقين (١).
• ونوقش هذا:
بأن الحديث فيه أنه صلى بسورة السجدة، وليس فيه التصريح بالسجود.
• وأجيب:
بأن الفقهاء مجمعون على أن سورة السجدة فيها سجود، فمن زعم أن النبي ﷺ قرأها ولم يسجد فعليه الدليل (٢).
(ح-٢٧٢٥) وقد ذكر أبو بكر بن أبي داود في كتاب شريعة المغازي نقلًا من كتاب الأحكام الوسطى للأشبيلي، قال: أخبرنا عمي، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن أبان، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
غدوت على رسول الله ﷺ يوم الجمعة في صلاة الفجر، فقرأ سورة من المئين في الركعة الأولى فيها سجدة فسجد، ثم غدوت عليه من الغد فقرأ في الركعة الآخرة سورة من المئين فيها سجدة فسجد (٣).
[ضعيف جدًّا] (٤).
(ح-٢٧٢٦) وروى الطبراني في المعجم الأوسط والصغير من طريق أبي حفص عمرو بن علي، حدثنا معتمر بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن عمرو ابن مرة، عن الحارث،
عن علي ﵁ أن النبي ﷺ : سجد في صلاة الصبح بتنزيل السجدة.
قال الطبراني: لم يروه عن عمرو بن مرة إلا ليث، ولا عن ليث إلا معتمر، تفرد به عمرو بن علي، ولم يرو عمرو بن مرة عن الحارث إلا هذا الحديث (٥).
стр. 7794
[المعروف وقفه على علي ﵁] (١).
قال ابن حجر: «لم أر في شيء من الطرق التصريح بأنه ﷺ سجد لما قرأ سورة تنزيل السجدة في هذا المحل إلا في كتاب الشريعة لابن أبي داود من طريق أخرى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال غدوت على النبي ﷺ يوم الجمعة في صلاة الفجر فقرأ سورة فيها سجدة فسجد … الحديث وفي إسناده من ينظر في حاله، وللطبراني في الصغير من حديث علي أن النبي ﷺ سجد في صلاة الصبح في تنزيل السجدة، لكن في إسناده ضعف» (٢). اه
الدليل الرابع:
(ث-٦٤٧) وروى مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن الأعرج،
عن أبي هريرة، أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ ب ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فسجد فيها، ثم قام، فقرأ بسورة أخرى (٣).
[صحيح].
(ث-٦٤٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، عن علي بن سويد
стр. 7795
ابن مَنْجُوفٍ قال:
أخبرنا أبو رافع الصائغ قال: صلى بنا عمر صلاة العشاء الآخرة، فقرأ في إحدى الركعتين الأوليين ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، وسجدنا معه (١).
[صحيح].
(ث-٦٤٩) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند،
عن بكر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى عمر، فقال: إن فلانًا صلى بنا الفجر، فقرأ بسورة سجد فيها، فقال له عمر: أوقد فعل؟ قال: نعم، فصلى عمر من الغد، فقرأ بالنحل، وبني إسرائيل فسجد فيهما جميعًا (٢).
[رجاله ثقات إلا أنه منقطع بكر بن عبد الله لم يدرك عمر ﵁].
الدليل الخامس:
(ث-٦٥٠) وروى عبد الرزاق عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم،
عن الأسود، قال: رأيت عمر وعبد الله يسجدان في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ ثم قال: أو أحدهما (٣).
[صحيح وسواء كان الأثر عنهما أو عن أحدهما فكلاهما حجة] (٤).
стр. 7796
الدليل السادس:
(ث-٦٥١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن علية، عن علي بن زيد بن جدعان، عن زرارة بن أوفى، عن مسروق بن الأجدع قال:
صليت مع عثمان العشاء الآخرة فقرأ بالنجم، فسجد فيها، ثم قام، فقرأ بالتين والزيتون (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل السابع:
كل الأدلة التي ذكرتها في استحباب السجود خارج الصلاة يستدل بها على استحباب السجود داخل الصلاة، فمطلقها يشمل داخل الصلاة وخارجها.
• تعليل من قال: يكره تعمد قراءتها في الفريضة:
التعليل الأول:
كونها تشتمل على زيادة سجود في الفريضة، فإن لم يسجد دخل في وعيد: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١]. وإن سجد زاد في سجود الفريضة.
• واعترض عليهم:
قال القرطبي: «وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث». اه
وبأن تلك العلة موجودة في صلاة النافلة، ولا يكره تعمد السجود فيها.
وسبق بينت في المسألة السابقة أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] أي: لا يخضعون لحكمه، ولا يسلمون له، وهي في الكفار.
• وأجاب المالكية على هذا الاعتراض:
قالوا: إن السجود لما كان نافلة، والصلاة نافلة صار كأنه ليس زائدًا، بخلاف الفرض.
وهذا ليس بشيء؛ لأنهم قالوا: إذا تعمد قراءة سجدة في الفريضة فإنه يسجد، فلو كان السجود زيادة في الفريضة لمنعوه من السجود، فإن سجد بطلت صلاته، فإذا كانوا يأمرونه بالسجود إذا تعمد قراءتها لم تكن زيادة في صلاته، والله أعلم.
стр. 7797
التعليل الثاني:
قالوا: لأنه ربما يؤدي السجود في الصلاة إلى التخليط على المأمومين في فريضتهم.
وهذا التعليل يقتضي أن الجماعة المحصورة إذا كان لا يؤدي إلى التخليط فلا كراهة في تعمد قراءة سورة فيها سجدة، وروي ذلك عن الإمام مالك، والتزمه بعض المالكية.
وخوف التخليط قد يُسَلَّم لو كان ذلك يقع في صلاة سرية، أما صلاة الصبح فإنها جهرية، ولو تُصوِّر وجود من يجهل سبب السجود فإن ذلك قد يقع في أول مرة يفعل الإمام ذلك، فإذا فعله تعلم الجاهل، وانتشرت السنة، ولا تترك السنة لجهل بعض الناس بها، ويمكن رفع الجهل بأن يقوم الإمام بدوره في توعية الناس بالسنن من خلال ما يلقيه على جماعته من دروس ومواعظ، والله أعلم.
التعليل الثالث:
بأن أهل المدينة قد تركوا السجود فكان تركهم دليلًا على النسخ، وأن عمل أهل المدينة مقدم على حديث الآحاد.
قال الحافظ في الفتح: «أشار أبو الوليد الباجي في رجال البخاري إلى الطعن في سعد بن إبراهيم لروايته لهذا الحديث، وأن مالكًا امتنع من الرواية عنه لأجله، وأن الناس تركوا العمل به، لا سيما أهل المدينة».
• ويجاب:
أما الجواب عن التعليل بعمل أهل المدينة:
(ث-٦٥٢) بأن ابن أبي شيبة قد روى في المصنف، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة، قال:
صليت خلف عمر فقرأ في الركعة الأولى بسورة يوسف، ثم قرأ في الثانية بالنجم، فسجد، ثم قام، فقرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] (١).
[صحيح] (٢).
стр. 7798
فهذا عمر ﵁ مدني، وخليفة راشد، وسجد معه الصحابة وكبار التابعين، وهم من أهل المدينة، وكان سجوده في صلاة الصبح، وهي من الفرائض، فكان عمل أهل المدينة زمن عمر ﵁ ومعه الصحابة وكبار التابعين أحب إلينا من عمل أهل المدينة في عصر الإمام مالك عليه رحمة الله.
وأما الجواب عن التعليل بتفرد سعد بن إبراهيم:
فقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر، قال: «لم ينفرد به مطلقًا، فقد أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله (١).
وكذا ابن ماجه والطبراني من حديث ابن مسعود (٢).
وابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص (٣).
والطبراني في الأوسط من حديث علي (٤).
وأما دعواه أن الناس تركوا العمل به فباطلة؛ لأن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين قد قالوا به، كما نقله ابن المنذر وغيره، حتى إنه ثابت عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف والد سعد، وهو من كبار التابعين من أهل المدينة: (أنه أم الناس بالمدينة بهما في الفجر يوم الجمعة). أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وكلام ابن العربي يشعر بأن ترك ذلك أمر طرأ على أهل المدينة؛ لأنه قال: وهو لم يعلم بالمدينة، فالله أعلم بمن قطعه كما قطع غيره. اه وأما امتناع مالك من الرواية عن سعد، فليس لأجل هذا الحديث، بل لكونه طعن في نسب مالك، كذا حكاه ابن البرقي، عن يحيى بن معين، وحكى أبو حاتم، عن علي بن المديني قال: كان سعد بن إبراهيم لا يحدث بالمدينة، فلذلك لم يكتب عنه أهلها، وقال الساجي: أجمع أهل المدينة على صدقه، وقد روى مالك، عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عنه، فصح أنه حجة باتفاقهم، قال: ومالك إنما لم يرو عنه لمعنى معروف،
стр. 7799
فأما أن يكون تكلم فيه فلا أحفظ ذلك» (١).
• الراجح:
أن المصلي إذا مر بآية سجدة استحب له السجود، ويتأكد استحباب قراءة السجدة وهل أتى على الإنسان في فجر يوم الجمعة، وقد اختلف العلماء في التماس العلة في اختيار السورتين، على قولين:
فقيل: لاشتمالهما على ذكر المبدأ، والمعاد، وخلق آدم ودخول الجنة والنار.
قال ابن تيمية: «لا يستحب أن يقرأ بسورة فيها سجدة أخرى باتفاق الأئمة، فليس الاستحباب لأجل السجدة، بل للسورتين، والسجدة جاءت اتفاقًا؛ فإن هاتين السورتين فيهما ذكر ما يكون في يوم الجمعة من الخلق والبعث» (٢).
وقيل: لاشتمالها على سجدة.
قال ابن رجب: «وكان كثير من السلف يرى أن السجدة مقصودة قراءتها في فجر يوم الجمعة» (٣).
(ث-٦٥٣) واستدل لذلك بما رواه ابن أبي شيبة في المصنف من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، قال: ما صليت خلف ابن عباس يوم الجمعة الغداة إلا قرأ بسورة فيها سجدة (٤).
[صحيح وشريك وإن كان ضعيفًا إلا أنه ثقة في أبي إسحاق وسماعه قديم] (٥).
(ث-٦٥٤) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي،
عن ابن عون، قال: كانوا يقرؤون يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، فسألت
стр. 7800
محمدًا، فقال: لا أعلم به بأسًا (١).
[صحيح].
(ث-٦٥٥) وروى ابن أبي شيبة في المصنف من طريق مغيرة، عن إبراهيم، قال: كان يستحب أن يقرأ يوم الجمعة بسورة فيها سجدة (٢).
[رواية مغيرة عن إبراهيم فيها كلام].
وترجم ابن أبي شيبة في المصنف، فقال: من كان يستحب أن يقرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة فيها سجدة.
وجاء في مسائل حرب الكرماني، سمعت إسحاق يقول: لا بأس أن يقرأ الإمام في المكتوبة سورة فيها سجدةٌ، وأحب السور إلينا ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة؛ لما كان النبي ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى﴾ [إلانسان: ١] … (٣).
قال الحافظ ابن رجب: «وهذا يدل على أنه يستحب قراءةٌ فيها سجدةٌ، وأفضلها: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ .... وقد روي عن أحمد ما يشهد لهذا أيضًا، وأن السجدة مقصودة في صلاة الفجر يوم الجمعة؛ فإن أبا جعفر الوراق روى أن أحمد صلى بهم الفجر يوم الجمعة، فنسي قراءة آية السجدة، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو.
قال القاضي أبو يعلى: إنما سجد للسهو، لأن هذه السجدة من سنن الصلاة، بخلاف بقية السجدات في الصلاة؛ فإنها من سنن القراءة.
وقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا -يقصد والله أعلم ابن تيمية- والشافعية: أن تعمد قراءة سورة سجدة غير ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ في فجر الجمعة بدعةٌ، وقد تبين أن الأمر بخلاف ذلك.
وقد صلى الإمام أحمد صلاة الفجر يوم الجمعة ب ﴿الم﴾ السجدة، وسورة
стр. 7801
(عبس)، وهذا يدل أيضًا على أن إبدال ﴿هَلْ أَتَى﴾ بغيرها غير مكروه» (١).
ولا يمتنع أن يكون التفضيل غير معلل، كسائر القراءات المعينة، كقراءة سبح والغاشية في الجمعة، وقراءة (الكافرون) (والإخلاص) في سنة الفجر، والله أعلم.
стр. 7802
المبحث الثاني سجود التلاوة في الصلاة السرية
المدخل إلى المسألة:
• لا يصح في الباب شيء في سجود التلاوة في الصلاة السرية، ولو كان السجود سنة لفعله النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون.
• الأصل عدم المشروعية حتى يثبت الدليل المقتضي.
• لو كان السجود في السرية مشروعًا لفعل ولو مرة واحدة، ولو فعل لنقل، ولقد كان الصحابة حريصين على نقل كل ما يتعلق بالعبادات خاصة الصلاة، فعدم النقل بمنزلة نقل العدم.
• لا يمكن حمل الإعراض عن سجود التلاوة في السرية بأنه لم يثبت سبب السجود في حق الإمام، وهو التلاوة مع كثرة مواضع سجود التلاوة.
• إن كان النبي ﷺ وخلفاؤه تعمدوا ترك قراءة آيات السجدة في السرية، فهذا دليل على أن السجود لا يشرع، فسواء تركوا السجود، أو تركوا قراءة آية السجدة، فكلاهما دليل على نفي المشروعية.
• ما ترك النبي ﷺ فعله مع إمكان فعله فالسنة تركه؛ فالترك في العبادات سنة كالفعل.
• إذا تنازع الفقهاء في سنية عبادة فالأحوط تركها حتى تثبت المشروعية.
• لا حاجة لاستخدام القياس على الصلاة الجهرية؛ في عبادة تفعل جماعة وفي كل يوم.
• اضطرار المجتهد إلى دليل القياس إقرار منه على عدم وجود نص في المسألة.
• إذا ثبت أن العبادة ليس فيها نص فهذا وحده كاف للدلالة على عدم المشروعية.
[م-٩٤٠] اختلف العلماء في سجود الإمام للتلاوة في الصلاة السرية:
стр. 7803
فقيل: لا يكره للإمام قراءة آية السجدة في الصلاة السرية، وله السجود إذا قرأها، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، واستحب الشافعية تأخيرها في السرية إلى الفراغ منها؛ لئلا يشوش على المأموم، ومحله إذا قصر الفصل، فإن سجد الإمام لزم المأموم متابعته، فإن لم يتابعه بطلت صلاته (١).
قال النووي نقلًا عن صاحب البحر: «إذا قرأ الإمام السجدة في صلاة سرية، استحب تأخير السجود إلى فراغه من الصلاة» (٢).
وقيل: يكره للإمام قراءة آية السجدة في السرية، وإذا قرأها كره له السجود، فإن سجد الإمام فالمأموم مخير بين متابعته وتركه، ومتابعته أولى، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة (٣).
جاء في مسائل أحمد رواية أبي داود: «قلت: لأحمد: إذا سجد الإمام في الظهر، أسجد خلفه؟ قال: إن شئت لم تسجد، لأي شيء تسجد؟ أو قال: من أي شيء تسجد» (٤).
وقيل: يكره للإمام قراءة آية السجدة، وإن قرأها شرع له السجود، وهو مذهب الحنفية، وبه قال المالكية، إلا أنهم قالوا: إن قرأها إمام جهر بآية السجدة فقط ندبًا ليعلم الناس، فإن لم يجهر، وسجد تبعه مأمومه عند ابن القاسم؛ لأن الأصل عدم السهو. وقال سحنون: لا يتبع؛ لاحتمال سهوه؛ لأن أكثر الناس لا يقرؤها في الفريضة، وعلى كلا القولين: إن لم يتبعه المأموم لم تبطل صلاته (٥).
стр. 7804
فصار الخلاف على النحو التالي:
الأول: لا تكره قراءة الآية، ولا السجود في السرية، وهذا قول الشافعية.
الثاني: تكره القراءة والسجود إذا قرأ، وهذا قول الحنابلة.
الثالث: تكره القراءة، ولا يكره السجود إذا قرأها، وهذا قول الحنفية والمالكية.
هذا ما يتعلق بالإمام، فإذا سجد الإمام في السرية:
فقيل: يلزم المأموم متابعته، وهو مذهب الجمهور، وهو قول عند الحنابلة، اختاره القاضي أبو يعلى، وابن قدامة.
وقيل: المأموم مخير، والمتابعة أولى، وهذا هو المعتمد عند الحنابلة.
• دليل من قال: لا تكره القراءة ولا السجود ويستحب تأخيره:
الدليل الأول:
الكراهة حكم شرعي، يقوم على دليل شرعي، ولا يوجد نص من كتاب أو سنة، أو إجماع، أو قول صاحب لا مخالف له يدل على كراهة قراءة آية السجدة في الصلاة السرية.
• ويناقش:
نفي الكراهة لا يثبت المشروعية، فالأصل في العبادات الحضر، ولم يثبت أن النبي ﷺ ، ولا أصحابه سجدوا للتلاوة في الصلاة السرية.
الدليل الثاني:
(ح-٢٧٢٧) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار،
عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن،
стр. 7805
أو كما قال رسول الله ﷺ .... الحديث، والحديث فيه قصة (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (وقراءة القرآن) مفرد مضاف فيعم كل قراءة، ومنه قراءة آية السجدة، ومن خص القراءة بغير آية السجدة فقد خصص العام بلا مخصص.
• ونوقش:
لو كان السجود سنة لفعله النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون، فإن كان النبي ﷺ وخلفاؤه تعمدوا ترك قراءة آية السجدة في السرية، فيكون حديث معاوية بن الحكم قد خصص بالسنة الفعلية، وهو ثبوت الترك، لأن عدم النقل هنا بمنزلة نقل العدم، وإن كان النبي ﷺ وخلفاؤه قد تركوا السجود لها فقط، فيقال: لا يلزم من قراءة آية السجدة السجود لها في الصلاة السرية.
الدليل الثالث:
الأصل أن ما ثبت في الجهرية ثبت للسرية إلا بدليل يقوم على التفريق، ولا دليل، فكل قرآن لا يكره في صلاة الجهر لا يكره في صلاة السر، أصله ما ليس فيه سجدة، وهذا من أقوى أدلة القائلين بنفي الكراهة.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
لا حاجة لاستخدام القياس على الصلاة الجهرية في عبادة تفعل جماعة وفي كل يوم، بل إن اضطرار المجتهد إلى دليل القياس إقرار منه على عدم وجود نص في المسألة، وإذا ثبت أن العبادة ليس فيها نص فهذا وحده كافٍ للدلالة على أن السجود غير مشروع.
الوجه الثاني:
قياس السرية على الجهرية قياس مع الفارق، فالسرية لا يأمن الإمام إذا سجد أن يلبس على الناس صلاتهم، ولو كان السجود في السرية من السنة لفعل ولو مرة، وعدم فعل ذلك فترة التشريع يدل على عدم المشروعية، والله أعلم.
стр. 7806
• ورد هذا النقاش:
بأن سبب السجود هو تلاوة الآية، وقد وجد في الصلاة السرية.
• وأجيب على هذا الرد:
التلاوة لم تَثْبُتْ سببًا للسجود في السرية، فالنبي ﷺ وأصحابه لم يحفظ أنهم سجدوا في الصلاة السرية طيلة زمن التشريع، مع كثرة آيات السجدة في كتاب الله.
الدليل الرابع:
(ح-٢٧٢٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز،
عن ابن عمر، أن النبي ﷺ سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابه أنه قد قرأ تنزيل السجدة، قال: ولم أسمعه من أبي مجلز (١).
[ضعيف] (٢).
وليس في الحديث ما يدل على أن المأموم قد سجد مع النبي ﷺ إلا على افتراض أن سجود النبي ﷺ في الصلاة يوجب المتابعة على المأموم.
الدليل الخامس:
(ح-٢٧٢٩) ما رواه أبو يعلى في مسنده من طريق يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، حدثنا أبو إسحاق،
عن البراء قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في الظهر، فظننا أنه قرأ تنزيل السجدة (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
стр. 7809
الدليل السادس:
(ث-٦٥٦) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن إياس بن دغفل، عن أبي حكيمة،
أن ابن عمر، صلى بأصحابه الظهر فسجد فيها.
[موقوف ولم أقف على سماع أبي حكيمة من ابن عمر] (١).
الدليل السابع:
(ث-٦٥٧) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن حميد، عن بكر قال:
أخبرني من رأى، ابن الزبير، في حائط من حيطان مكة، قال: فصلى العصر، أو الظهر، قال: فسجد، فقال له رجل: إنك صليت خمس ركعات، فقال: إني قرأت بسورة فيها سجدة.
[ضعيف؛ لإبهام راويه] (٢).
الدليل الثامن:
(ث-٦٥٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع والفضل بن دكين عن أبي هلال،
عن أنس بن سيرين، أن ابن مسعود قرأ في الظهر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة وفي الأخرى بسورة من المثاني.
[ضعيف، أنس بن سيرين لم يسمع من ابن مسعود] (٣).
• دليل من قال: يكره القراءة والسجود في الصلاة السرية:
الدليل الأول:
لا يصح في الباب شيء في سجود التلاوة في الصلاة السرية، ولو كان السجود سنة لفعله النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون، وإذا ثبت عدم الفعل فلا يخرج عن أحد احتمالين: إما أنهم كانوا يتعمدون ترك آيات السجدة في قراءة السرية، أو أنهم كانوا
стр. 7810
يتلونها، ولا يسجدون، وسواء تركوا السجود، أو تركوا قراءة آية السجدة، فكلاهما دليل على نفي المشروعية، ولو كان السجود في السرية مشروعًا لفعل ولو مرة واحدة، ولو فعل لنقل، ولقد كان الصحابة حريصين على نقل كل ما يتعلق بالعبادات خاصة الصلاة، فعدم النقل بمنزلة نقل العدم، وما ترك النبي ﷺ فعله مع إمكان فعله فالسنة تركه؛ فالترك في العبادات سنة كالفعل.
الدليل الثاني:
الأصل عدم المشروعية حتى يثبت الدليل المقتضي.
الدليل الثالث:
أن الإمام إذا قرأها لا يخلو من حالين: إما أن يسجد لها أو لا.
فإن لم يسجد لها كان تاركًا للسنة، وإن سجد لها لبس على المأموم، فلا يعلم لأي سبب سجد، فتقابل المكروهان. فكان ترك السبب المفضي إليهما أولى.
• ويناقش:
إن كان المانع من السجود في السرية هو الخوف من التلبيس فإن الإمام يمكنه أن يجهر بآية السجدة، ليعلم المأموم سبب سجود الإمام، فيتبعه في فعله، ويمكن للإمام أن ينشر فقه المسألة على جماعته ليعلموا ذلك، وإذا لم يفعل هذا ولا ذاك فإن التلبيس قد يحصل مع المرة الأولى، ومع تكرار ذلك فإن المأموم سيتعلم حكم المسألة، فيندفع اللبس، ولأن المأموم مأمور بمتابعة إمامه حتى يثبت سهوه، والأصل عدم السهو، فإن سجد الإمام مرة ثانية تحقق المأموم من سهو إمامه، فلم يتابعه على السجدة الثانية، ونبَّه إمامه ليرجع، والله أعلم.
• ورد على هذا:
ليس المانع من السجود فقط هو خوف التلبيس، فإذا جهر الإمام بآية السجدة اندفع اللبس، وشرع السجود، فإن الإمام إذا جهر في السرية فقد خالف السنة في أمرين:
الأمر الأول: الجهر بآية السجدة، أو بموضع السجود منها وهذا يفوِّت سنية الإسرار في الصلاة السرية.
• وأجيب على هذا الرد:
أن الجهر ببعض الآية لا ينافي الإسرار، وقد كان النبي ﷺ يسمعهم الآية أحيانًا