← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم تعبدون الله ، لا تشركون به شيئًا، فيقول الجبار : فبعزتي لأعتقنهم من النار، فيرسل إليهم، فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في غثاء السيل، ويكتب بين أعينهم هؤلاء عتقاء الله ، فيذهب بهم، فيدخلون الجنة، فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فيقول الجبار: بل هؤلاء عتقاء الجبار (١). فهؤلاء عتقاء الجبار، هم الذين قيل فيهم في حديث أبي سعيد الخدري: (لم يعملوا خيرًا قط). وهم الذين قيل فيهم في حديث أبي هريرة: (فيعرفون بآثار السجود). وهم الذين قيل فيهم في حديث أنس: (ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله ، لا تشركون به شيئًا). والذي يجمع هؤلاء أنهم لم يخرجوا بالشفاعة، وأن خروجهم بعد احتراقهم حتى صاروا حممًا، فيؤتَى بهم إلى نهر الحياة، فيصب عليهم، فينبتون كما تنبت الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْل. فلا يمكن أن تفهم حديث أبي سعيد، وقوله: (لم يعملوا خيرًا قط) إلا إذا جمعت بينه وبين حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وصار معنى: (لم يعملوا خيرًا قط) هذا النفي أسلوب عربي لا يعني النفي المطلق لعمل الجوارح، كما سأبينه في وجه مستقل إن شاء الله تعالى. الوجه الثاني: أن من استدل بهذا الحديث على عدم كفر تارك الصلاة لا يأخذ بظاهر الحديث، فالحديث ظاهره بأن هؤلاء ليس فيهم خير البتة، لقوله: (لم يعملوا خيرًا

стр. 807

قط) فلفظ: (خيرًا) نكرة في سياق النفي فيدخل فيه نفي كل خير، ومن ذلك نطقهم بشهادة التوحيد، ويؤيده بأن الله تدرج في الإذن بإخراج من كان في قلبه مثقال دينار من خير، ثم ما زال يأذن بإخراج من هو دون ذلك، حتى أذن في آخر الأمر بإخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من خير، حتى قال المؤمنون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، فهذا دليل على أنهم ليس فيهم مطلق الخيرية، بما في ذلك إقرارهم لله بالوحدانية، وإلا لكان هذا من الخير الذي عملوه، وقد قيل ذلك. فإن قالوا: هذا النص ليس على عمومه، فلابد للنجاة من النار أن يكونوا موحدين، ولا يكونون موحدين إلا بالإقرار بالوحدانية، ولا يكفي مجرد قول اللسان، وإلا لدخل في ذلك المنافقون، فلا بد أن يكون مع قول اللسان عمل بالقلب يصح به الإيمان، فهذا العموم مخصوص بنصوص أخرى تشترط عمل القلب لصحة الإيمان، والنجاة من النار. فيقال لهم: ونحن أيضًا خصصنا هذا العموم بنصوص أخرى تشترط الصلاة لصحة الإيمان، وتصرح بأن غير المصلي مشرك كافر، لاحَظَّ له في الإسلام، ولا سبيل له في النجاة، فاتفق الجميع بأن عموم الحديث غير مراد. الوجه الثالث: حمل النفي في قوله: (لم يعملوا خيرًا قط) على نفي الخير المسبب للنجاة من النار، وليس النفي لمطلق الخير، وهو أسلوب عربي، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، ولا يقصد بذلك نفي النسب عنه، وتقول: لست بولدي، ولا تريد من ذلك نفي النسب. وقال ﷺ : لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن (١). قال أبو عبيد القاسم بن سلام: « .... فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، واسم الإيمان غير زائل عنه؟

стр. 808

قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا عمله على غير حقيقة، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئًا، ولا عملت عملًا، وإنما وقع معناه هاهنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم، وغير عامل في الإتقان، حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا» (١). وقال ابن خزيمة: «هذه اللفظة: (لم يعملوا خيرًا قط) من الجنس الذي يقول العرب: ينفى الاسم عن الشيء، لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: (لم يعملوا خيرًا قط) على التمام والكمال، لا على ما أُوجب عليه، وأُمر به» (٢). ويؤيد ذلك أحاديث صحيحة جمعت بين القول بأنه لم يعمل خيرًا قط، مع إثبات عمل الجوارح. (ح-٣١١) فروى مسلم من حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، فأشار عليه رجل عالم بالخروج من أرضه تلك؛ لأنها أرض سوء، ثم أمره أن ينطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قومًا صالحين ليعبد الله معهم، فخرج حتى إذا انتصف في الطريق أدركه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط .... الحديث (٣). فهذا الرجل خرج تائبًا مهاجرًا، وهو من عمل الجوارح، ومع ذلك قالت فيه ملائكة العذاب: لم يعمل خيرًا قط. (ح-٣١٢) وروى أحمد والنسائي وغيرهما من طريق ابن عجلان، عن زيد ابن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ -قال: إن رجلًا لم يعمل خيرًا قط، وكان

стр. 809

يداين الناس، فيقول لرسوله: خذ ما تيسر، واترك ما عسر وتجاوز، لعل الله تعالى أن يتجاوز عنا .... (١). وإسناده حسن إن كانت كلمة (لم يعمل خيرًا قط) محفوظة. فهنا في الحديث قال: (لم يعمل خيرًا قط) مع تجاوزه عن المعسر احتسابًا، وهو من عمل الجوارح. الوجه الرابع: أن حديث أبي سعيد ذكر هلاك المشركين من اليهود والنصارى، ويبقى في الموقف فريقان: مؤمنون، ومنافقون كانوا يسجدون رياءً، ونص الحديث: (فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه). فكانت القسمة فريقين: مؤمنين ومنافقين: وكانت النجاة حالًا لمن لم يكتب الله لهم دخول النار، أو مآلًا لمن كتب الله لهم دخول النار وخرجوا منها إما بالشفاعة أو بالرحمة، وكل هؤلاء قد سجدوا لله في ذلك الموقف، ووصفهم الحديث: بأنهم كانوا في الدنيا يسجدون لله من تلقاء أنفسهم. وأما المنافقون فلا نجاة لهم من النار البتة، ولن تنالهم الشفاعة ولا الرحمة، فدل حديث أبي سعيد أن المشفعين والمرحومين هم من أهل السجود، وصار النفي عنهم: (لم يعملوا خيرًا قط) ليس على عمومه، والله أعلم. الوجه الخامس: لو صح حمل حديث أبي سعيد: (لم يعملوا خيرًا قط) على مطلق عمل الجوارح، وأنه لم يكن معهم إلا التوحيد، فيحمل ذلك على غير أمة محمد ﷺ ، فإن شريعتنا قد جاء فيها أحاديث صحيحة، صريحة الدلالة على كفر تارك الصلاة

стр. 810

وشركه، ولم يكن ذلك في شريعة مَنْ قبلنا. (ح-٣١٣) وفي حديث أنس ما يشير إلى ذلك، فقد روى أحمد وغيره من طريق يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس مرفوعًا، وفيه: (وفرغ الله من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار مع أهل النار، فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم تعبدون الله ، لا تشركون به شيئًا، فيقول الجبار : فبعزتي لأعتقنهم من النار، فيرسل إليهم، فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الْحِبَّةُ في غثاء السيل … ) (١). فإما أن يكون هؤلاء هم أهل القبضة في حديث أبي سعيد، وقد أثبت لهم العبادة ونفي الشرك. وإما أن يكون أهل القبضة بعدهم فلا يكونون من أمة محمد ﷺ ؛ لأن الحديث ذكر دخول ما بقي من أمة محمد النار، وخروجهم منها، وإذا خرجوا منها كان أهل القبضة من غير أمة محمد ﷺ ، فلا يكون فيه حجة على أن ترك الصلاة ليس كفرًا في شريعتنا، والله أعلم. هذه هي الأدلة الخاصة على أن تارك الصلاة ليس بكافر، وقد استدلوا بأدلة عامة ليست نصًّا في محل النزاع، نذكر منها: الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. * ونوقش هذا الدليل: بأن معنى قوله سبحانه: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي يغفر ما هو أقل من ذلك، وليس

стр. 811

معنى الآية: يغفر ما سوى ذلك، بدليل أن من سب الله، أو سب رسوله ﷺ ، أو جحد وجوب الصلاة، أو الزكاة، أو الحج، أو جحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة فإن ذنبه ليس مغفورًا، ولا يعتبر من الشرك. فإن سلم معنى: ﴿مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي ما سوى ذلك، فإن الجواب أن يقال: إن الآية من العام المخصوص بالنصوص الأخرى التي تدل على أن الكفر المخرج من الملة بمنزلة الشرك في عدم المغفرة، وقد جمع النبي ﷺ -لتارك الصلاة الكفر والشرك، في قوله: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في أدلة القول الثاني. الدليل الخامس: (ح-٣١٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك أن النبي ﷺ ، ومعاذ رديفه على الرحل، قال: يا معاذ ابن جبل، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا، قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، صدقًا من قلبه، إلا حرمه الله على النار، قال يا رسول الله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا، وأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا (١). (ح-٣١٥) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك الأنصاري، قال: غدا علي رسول الله ﷺ ، فقال: لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله، يبتغي به وجه الله، إلا حرم الله عليه النار، واللفظ للبخاري (٢). * ويجاب عن هذه الأدلة وما شابهها: أما الجواب عن حديث معاذ ﵁:

стр. 812

فإنه ذكر الشهادتين بقيد الصدق من القلب، ومن كان صادق القلب بالشهادتين فلابد أن يمنعه ذلك من ترك الصلاة؛ إذ ما من شخص يقول ذلك صادقًا من قلبه، ويخلص إلا حمله صدقه وإخلاصه على فعل الصلاة؛ فمن كان صادقًا في ابتغاء وجه الله فلابد أن يفعل ما يوصله إلى ذلك، ويتجنب ما يحوله بينه وبينه، وأعظم شيء هو الصلاة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]. * وأما الجواب عن حديث عتبان فمن وجوه: الوجه الأول: أن الحديث قيد النجاة بأن يقول: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، فمن ابتغى بتوحيده وجه الله هل يمكن أن يصر على ترك الصلاة، وهي ركن من أركان الإسلام؟ قال شيخنا ابن عثيمين: «واستدلوا بأحاديث مقيدة بما لا يمكن لمن اتصف به أن يدع الصلاة، مثل قوله ﷺ : (إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) فإن قوله: (يبتغي بذلك وجه الله) تمنع منعًا باتًّا أن يدع الإنسان الصلاة؛ لأن من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، فلا بد أن يعمل عملًا لما يبتغيه، وهو وجه الله، وأعظم عمل يحصل به رضا الله هو الصلاة، فهذا الحديث ليس فيه دليل على أن تارك الصلاة لا يكفر؛ لأنه مقيد بقيد يمتنع معه غاية الامتناع أن يدع الإنسان الصلاة» (١). لأن من قالها يبتغي بذلك وجه الله فإنه سيقوم بمقتضاها، ويعمل بما تقتضيه هذه الكلمة العظيمة من أداء الواجب وترك المحرم. الوجه الثاني: ظاهر حديث عتبان أن من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله أنه يحرم على النار، ولو لم يشهد للنبي ﷺ -بالرسالة، فهل تقولون بظاهر الحديث؟

стр. 813

فإن قالوا: لا تنفع الشهادة لله بالتوحيد إلا بالشهادة للنبي ﷺ -بالرسالة. قيل: الحديث لم يذكر ذلك. فإن قالوا: أخذنا ذلك من نصوص أخرى. قلنا: ونحن أخذنا ذلك من نصوص أخرى أن تارك الصلاة كافر، لا حَظَّ له في الإسلام. الوجه الثالث: حديث عتبان ﵁ له إطلاق غير مقصود بالإجماع، وهو أن من قال: لا إله إلا الله حُرِّم على النار فلا يضر مع التوحيد معصية، وإن ترك الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر الفرائض، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة. أو يقال: إن حديث: إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله. أنه يشترط في كل أحاديث الوعد ألا يقوم به مانع. ومثل حديث عتبان حديث أنس وابن عباس: عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تكلأ المسلمين في سبيل الله (١).

стр. 814

فهل يستدل بهذا الحديث على أن تارك الصلاة ليس بكافر؛ لأن الله وعد العين التي بكت من خشيته ألا تمسها النار، أو أن كل أحاديث الوعد لا تتحقق إلا بوجود شروطها، وانتفاء موانعها، ومن الموانع ترك الصلاة. الدليل السادس: (ح-٣١٦) ما رواه الترمذي، قال: حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا عبد الله، عن ليث بن سعد قال: حدثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن المعافري ثم الحبلي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول الله ﷺ : إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فَيَنْشُر عليه تسعة وتسعين سجلًّا كل سجل مثل مَدِّ البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أَظَلَمَكَ كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وَثَقُلَتِ البطاقة، فلا يَثْقُلُ مع اسم الله شيء. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (١). [صحيح] (٢).

стр. 815

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 817

وجه الاستدلال: أن الحديث لم يذكر في البطاقة غير الشهادة، ولو كان فيها غيرها؛ لقال: ثم تخرج له صحائف حسناته، فترجح سيئاته، وقد ذكر الرسول ﷺ -أن هذا الرجل من أمته، فهذا دليل على أن تارك الصلاة ليس بكافر في هذه الشريعة. * ونوقش من وجوه: الوجه الأول: نجاته بالبطاقة لا يعني أنه لا يوجد له عمل آخر، فالحديث منطوقه أن البطاقة هي التي كانت قادرة على ترجيح الميزان، مقابل السجلات، ولم تتعرض للأعمال الأخرى، لا في نفي ولا إثبات، فالحديث دليل على عظم التوحيد، والسلامة من الشرك، فالقول بأنه ليس له إلا حسنة واحدة، لفظة (واحدة) لفظة شاذة، لم يذكرها إلا الطالقاني، وله غرائب عن ابن المبارك، وهذا منها. وقد روى الحديث ابن أبي مريم، ويحيى بن بكير، وأبو صالح كاتب الليث ثلاثتهم رووه عن الليث، بلفظ: (إن لك عندنا حسنات)، وقد كشفت عن ذلك من خلال التخريج. وعلى فرض أن يكون المحفوظ في الحديث: (إن لك عندنا حسنة) فإن الحسنة تطلق ويراد بها الحسنات، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]. وقال تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [الأعراف: ١٥٦].

стр. 818

الوجه الثاني: ظاهر الحديث أن صاحب البطاقة نجا بالشهادة، ولم ينج بالشفاعة، بمعنى أنه لم يدخل النار أصلًا، وهذا يعني أنه لم يقع منه أي كفر أو شرك، سواءٌ أكان أصغر أم أكبر. وحديث (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) نص على أن ترك الصلاة من الكفر والشرك، وهذا يعني أنه قد أقام صلاته، والله أعلم. الوجه الثالث: في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الله الملائكة: أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود … فيخرجون من النار، قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة .... ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد). فإذا كان آخر من يخرج من النار يعرفون بآثار السجود، لقوله بعد إخراجهم: (ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد)، فكيف يكون حال من لم يدخل النار أصلًا كصاحب البطاقة؟ هل يمكن أن يكون ممن لا يعرف الصلاة؟ الوجه الرابع: صاحب البطاقة إما أن يكون قد أتى بالقول المجرد من غير صدق وإخلاص، أو يقين، وهذا باطل اتفاقًا. وإما أن يكون قد أتى بالنطق مقترنًا بأعمال القلب من إخلاص ويقين وصدق، وهذا شرط بالاتفاق. فيكون الجواب عن حديث البطاقة كالجواب عن حديث: (من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله فقد حرمه الله على النار) وقد سبق الجواب عنه، فيكون هذا الظاهر مقيدًا بما لا يمكن معه ترك الصلاة. الوجه الخامس: معلوم أن كل موحد، له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه، ولكن السر الذي ثَقَّل بطاقة ذلك الرجل، وطاشت لأجله السجلات، ولم يحصل

стр. 819

ذلك لغيره من أرباب البطاقات؛ هو قوة تصديقه ويقينه بها، ومعرفته الحقيقية لما تضمنته من النفي والإثبات، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله المختصة به، التي يستحيل ثبوتها لغيره، فهل يتصور أن يبلغ اليقين في قلبه لهذه الشهادة بمثل تلك المنزلة دون أن يكون له عمل ظاهر، خاصة في أعظم العبادات، وهي الصلاة؟ الدليل السابع: (ح-٣١٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا صدقة بن موسى، قال: حدثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله: فالشرك بالله، قال الله ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا: فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا: فظلم العباد بعضهم بعضًا، القصاص لا محالة (١). [ضعيف] (٢).

стр. 820

* وأجيب على هذا: أولًا: الحديث ضعيف، وفيه اختلاف في لفظه، ولا حجة في الضعيف. ثانيًا: لو صح فالحديث يتكلم عن تركه لصيام يوم، أو صلاة يوم لقوله: (من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها) ولا يتحدث عن ترك الصيام والصلاة بالكلية، فالحديث حجة على من قال: لا يكفر بترك صلاة واحدة، وهي مسألة خلافية سيأتي بحثها إن شاء الله تعالى. الدليل الثامن: الإجماع العملي على عدم كفر تارك الصلاة. قال ابن قدامة: «ولأن ذلك إجماع المسلمين؛ فإنا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة تُرِكَ تغسيلُه، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا مَنَع ورثته ميراثه، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فُرِّقَ بين زوجين لترك الصلاة من أحدهما؛ مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافرًا لثبتت هذه الأحكام كلها، ولا نعلم بين المسلمين خلافًا في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، ولو كان مرتدًّا لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام» (١).

стр. 821

* ويناقش هذا من وجهين: الوجه الأول: أن هناك فرقًا بين قولنا: تارك الصلاة كافر على سبيل العموم، وبين الحكم على معين بكفره، وتطبيق أحكام الردة عليه، من وجوب قتله، وتطليق زوجه، وغيرها من الأحكام. فترك الصلاة من حيث هو فعل كُفْرٌ، فيصح أن يقال: ترك الصلاة كفر. وأما تطبيق أحكام الردة على فاعل معين، من وجوب قتله، وتطليق زوجه، وغيرها من الأحكام، فهذا يحتاج إلى تفصيل: فإن كان ذلك قبل أن تقام الحجة على تارك الصلاة فهو مسلم ظاهرًا وباطنًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. قال ابن تيمية: «ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم كمن جحد وجوب الصلاة، والزكاة، واستحل الخمر؛ والزنا، وتأول؛ فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له، واستتابته -كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر- ففي غير ذلك أولى وأحرى … » (١). فإذا كانت إقامة الحجة شرطًا في كفر من جحد الصلاة كانت شرطًا في كفر من تركها تهاونًا وكسلًا من باب أولى. فإذا قامت عليه الحجة، سواء أكان ذلك عن طريق عالم أقام الحجة عليه، أم كان المجتمع الذي يعيش فيه، يختار علماؤه تكفير تارك الصلاة، واستفاض هذا العلم بين الناس حتى لا يتصور الجهل بمثل هذا الحكم. فإذا قامت عليه الحجة، أيكفر ظاهرًا وباطنًا بمجرد إقامة الحجة، أم يكون مسلمًا في الظاهر، وكافرًا فيما بينه وبين ربه، فإن مات على حاله لقي ربه كافرًا، وإن عاش بين المسلمين عومل معاملة المسلم، وجرت عليه أحكام الإسلام الظاهرة،

стр. 822

من التوارث وعدم تطليق زوجه منه، ودفنه في مقابر المسلمين ونحو ذلك، كما يعامل المنافق في الدنيا حتى يحكم حاكم شرعي بردته؟ احتمالان: أقواهما عندي أنه مسلم ظاهرًا كافر في الباطن، وبه نعرف الجواب عن قول ابن قدامة: «لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة ترك تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثته ميراثه، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فُرِّق بين زوجين لترك الصلاة من أحدهما؛ مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافرا لثبتت هذه الأحكام كلها» (١). فهذا الإجماع العملي المانع منه والله أعلم أنه لم يحكم بكفره حاكم شرعي، وجريان أحكام الإسلام الظاهرة لا تمنع أن يكون كافرًا في الباطن، كالمنافق فإنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة، وإن كان يلاقي ربه كافرًا. ولأن إهدار الدم، وإباحة المال، والتفريق بين الزوجين، والمنع من الدفن في مقابر المسلمين ليست لآحاد الناس خاصة إذا كان ذلك فيما يتنازع العلماء في كفره. فمن ارتكب مكفرًا مختلفًا في كفره لم تجر عليه أحكام المرتد، حتى يحكم بذلك حاكم شرعي، يتحقق من توفر الشروط، وانتفاء الموانع، ويكون لحكمه صفة الإلزام، ويرفع الخلاف في القضية المعينة. وبهذا نعرف لماذا كان الصحابة حين مات بعض المنافقين ممن لا يشكون في نفاقه، وبعضهم نزل القرآن بنفاقه -كَابْن أُبَيٍّ وأمثاله- لما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، ولم يمنعوا ميراثهم (٢). يقول ابن تيمية عليه رحمة الله: «إن كثيرًا من الفقهاء يظن أن من قيل: هو كافر فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث، ولا يورث، ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك؛ فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر،

стр. 823

ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كَابْن أُبَيٍّ وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته .... » (١). فقوله: حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته، فماذا يقصد ابن تيمية من قوله حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته،؟ الظاهر أنه يقصد بها الطريقة الشرعية التي توجب عقوبته، وذلك لا يكون إلا للحاكم الشرعي (القاضي)، فإذا حكم قاض شرعي بردته، ترتبت عليه أحكام الردة، والله أعلم. الوجه الثاني: أن كثيرًا من الناس يصلي أحيانًا، ويترك الصلاة أحيانًا، ومثل هذا في كفره نزاع بين الفقهاء سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى. قال ابن تيمية: «فإن كثيرًا من الناس؛ بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركوها بالجملة، بل يصلون أحيانًا ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام؛ فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض - كَابْنِ أُبَيٍّ وأمثاله من المنافقين - فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى .... » (٢). * دليل من قال: تارك الصلاة كافر: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].

стр. 824

وجه الاستدلال: منطوق الآية يشترط في إثبات الأخوة التوبة من الشرك، وذلك بالإقرار بالشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. ومفهوم الآية: أنه إذا انتفى أحد هذه الشروط انتفت الأخوة، والأخوة لا تنتفي إلا إذا خرج الإنسان من الدين، أما فعل الكبائر فلا تنتفي به الأخوة، ومنه الكفر الأصغر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا … ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ..... ﴾ الآية، [البقرة: ١٧٨]. فأثبت له الإخوة مع وجود القتل، مع أن قتال المسلم لأخيه سماه الشارع كفرًا، في قوله ﷺ : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر (١). * ونوقش هذا الدليل: بأن الاستدلال بانتفاء الأخوة بانتفاء أحد الشروط الثلاثة استدلال بالمفهوم، والاحتجاج بالمفهوم فيه خلاف، فهل تقولون بانتفاء الأخوة عن رجل تاب من الشرك، وأقام الصلاة، ولم يُزَكِّ؟ فأكثر القائلين بكفر تارك الصلاة لا يأخذون بمفهوم الآية في حق تارك الزكاة، وإذا أصبح حكم المفهوم معارَضًا من دليل آخر، ولو في بعض أفراده كان هذا دليلًا على ضعف الاحتجاج بالمفهوم في هذا الدليل فقد ذكر النبي ﷺ -عقوبة مانع زكاة الذهب والفضة، يوم القيامة، ومع ذلك قال فيه: (ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) (٢). ولو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة، والتفريق بين الصلاة والزكاة، مع أن الآية جمعت بينهما تفريق ضعيف.

стр. 825

الدليل الثاني: (ح-٣١٨) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. ورواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر (١). * ونوقش: تأوَّل القائلون بأن تارك الصلاة ليس بكافر حديث جابر إلى تأويلات لا يساعد عليها اللفظ، ولو فتح باب التأويل للنصوص لأدى ذلك إلى تعطيلها، والأصل عدم التأويل إلا أن يمنع من إرادة ظاهر الحديث مانع يجعل التأويل متعينًا بشرط أن يكون له وجه من اللغة، ومن تأويلاتهم للحديث: التأويل الأول: أن المراد بأنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر، وهي القتل.

стр. 826

* ويناقش: لا يعرف من النصوص الشرعية أن جاء التعبير عن القتل بلفظ (الكفر) حتى يمكن حمل الكفر عليه، كما أن القتل ليس عقوبة مختصة بالكافر حتى يحمل عليه الحديث، فقد يَحرُم قتل الكافر كالذمي والمعاهَد، والمستأمِن، ويجب قتل المسلم كما لو ارتكب ما يوجب قتله، ولا يقال: كَفَرَ، كما لو قَتَلَ معصومًا عمدًا، أو زنى وهو محصن، أو سعى في الأرض فسادًا ثم قُدر عليه قبل أن يتوب إلى غير ذلك من الذنوب. التأويل الثاني: أنه محمول على الجاحد، واستدلوا بأن الترك يأتي بمعنى الجحود بقوله تعالى: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧]. ولم يَكُ يوسف قد تلبس بكفر ثم تركه، وإنما عبر بالترك عن الجحود والإنكار. * ويرد هذا التأويل بأكثر من وجه: الوجه الأول: بأن الترك في اللغة: يطلق على مفارقة الشيء، يقال: ترك المنزل إذا فارقه، وترك طعامه وشرابه إذا رفضه واجتنبه، وعليه يحمل معنى قول يوسف ﵊. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤]. أي: فارِقْه كما هو. كما يطلق الترك على التخلية، يقال: تَرَكَ الشيء إذا خَلَّاه، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢]. أي يُخَلَّوْا وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ثم استُعيرَ الترك للإسقاط، فيقال: ترك حقه: إذا أسقطه، وترك ركعة من الصلاة: أي أسقطها. الوجه الثاني: أن الحكم معلق على الترك، فمن علقه على الجحود فقد خالف النص مرتين، مرة حين ألغى الوصف الذي رتب عليه الحكم، ومرة أخرى حين علق الحكم على وصف لا وجود له في النص، فالرسول ﷺ -يقول: (فمن تركها فقد كفر)، فلا يجوز

стр. 827

أن يقال: إن المعنى: من جحدها فقد كفر. الوجه الثالث: لو كان الحكم معلقًا بالجحود لم يكن لاختصاص الصلاة بهذا الحكم أي معنى، فكل من جحد حكمًا معلومًا من الدين بالضرورة فإنه يكفر بذلك، حتى ولو فعله، كالزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وغيرها من أحكام الشريعة المُجمَع عليها. التأويل الثالث: أن حديث جابر محمول على المُستَحِلِّ. ولا يساعد لفظ الحديث على هذا التحريف، فالحديث يقول: من تركها، وهم يقولون: من استحل تركها، فهذا من تقويل النبي ﷺ -ما لم يقله، ولو كان الحديث محمولًا على المستحل لما كان لتخصيص الصلاة أي معنى، فكل من استحل ما هو حرام مجمع على تحريمه فهو كافر ما لم يكن مثله يجهل. التأويل الرابع: حمل حديث جابر على الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة، أو أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو أن فعله فعل الكفار. * ويجاب عن هذا بأكثر من وجه: الوجه الأول: أن الرسول ﷺ -جعل الصلاة حدًّا فاصلًا بين الكفر والشرك وبين الإسلام، والمتحادان لا يجتمعان؛ لانفصال بعضهما عن بعض. الوجه الثاني: إذا ورد الكفر أو الشرك معرفًا بأل، حمل على الأكبر المخرج من الملة؛ لأنه يقتضي إثبات حقيقة الكفر من كل وجه، وعليه يحمل حديث: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة). وأما إذا ورد منكَّرًا، أو بصيغة الفعل كلفظ (كَفَرَ أو أَشْرَكَ) احتمل الأكبر، واحتمل الأصغر الذي يراد به التهديد والزجر. (ح-٣١٩) كالحديث الذي رواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : اثنتان في الناس هما بهم كفر:

стр. 828

الطعن في النسب والنياحة على الميت (١). فقوله: (كُفْر) ورد منكَّرًا، فيحمل على الأصغر. الوجه الثالث: عطف الشرك على الكفر فيه تأكيد قوي أن المقصود به هو الأكبر. ولا يستشكل إطلاق الشرك على الكفر، قال تعالى ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٥: ٣٨]. فأطلق الشرك على الكفر، ووجهه أن الشرك يدخل في عموم الكفر، وهو شعبة من شعب الكفر، وقد يطلق الكفر على الشرك، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠]. وهذا من أقوى الأدلة على كفر تارك الصلاة، ولعل هذا الحديث هو أقوى ما في الباب، ولا يملك معه الباحث إلا بالتسليم به، والحكم بمقتضاه. الدليل الثالث: (ح-٣٢٠) ما رواه أحمد، قال: حدثنا علي بن الحسن يعني ابن شقيق، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر (٢). [تفرد به حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة، وقد تكلم في روايته أحمد] (٣).

стр. 829

ولفظ (كَفَر) صيغة فعلية، ليست صريحة في الكفر الأكبر كحديث جابر. الدليل الرابع: (ح-٣٢١) روى مسلم من طريق الحسن، عن ضبة بن محصن، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ -قال: ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن

стр. 830

عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صَلُّوا (١). (ح-٣٢٢) وروى مسلم من طريق رزيق بن حيان، عن مسلم بن قرظة، عن عوف بن مالك، عن رسول الله ﷺ -قال: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة (٢). (ح-٣٢٣) وروى البخاري ومسلم من طريق بسر بن سعيد، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، قال: بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان (٣). وجه الاستدلال من الأحاديث الثلاثة: ففي حديث أم سلمة وعوف دليل على منابذة الولاة وقتالهم بالسيف إذا لم يقيموا الصلاة. وفي حديث عبادة لا تجوز منازعة الولاة وقتالهم إلا إذا أتوا كفرًا صريحًا، عندنا فيه من الله برهان. فدل هذا على أن ترك الصلاة من الكفر البواح الذي فيه من الله برهان، وإلا لما جاز منازعتهم لتركهم الصلاة، وأي منازعة أشد من قتالهم؟ * ونوقش هذا: بأن الحديث في قتال أئمة الجَوْر الذين لا يصلون، وليس في قتل المقدور عليه

стр. 831

منهم، وهناك فرق، فليس كل من جاز قتاله جاز قتله، فتارك الصلاة إن كان ممتنعًا عن أداء الصلاة جاز قتاله، كما يجوز قتال مانع الزكاة إذا امتنع عن أدائها، فإذا قدرنا عليه عزرناه حتى يصلي، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. فأمرنا بقتال البغاة حتى يرجعوا عن القتل، فإذا قدر عليهم أجبروا على ما وجب عليهم من الكف عن الاقتتال. الدليل الخامس: (ح-٣٢٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن (هو عبد الله بن يزيد المقرئ)، حدثنا سعيد (هو ابن أبي أيوب)، حدثني كعب بن علقمة، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ -أنه: ذكر الصلاة يومًا فقال: من حافظ عليها كانت له نورًا، وبرهانًا، ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور، ولا برهان، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأُبَيِّ بن خلف (١). [انفرد به عيسى بن هلال الصدفي، وليس بالمشهور] (٢).

стр. 832

الدليل السادس: الاستدلال بالإجماع على كفر تارك الصلاة. والذين حكوا الإجماع منهم من حكاه عن الصحابة. (ث-٧١) فقد روى الترمذي من طريق بشر بن المفضل، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، قال: كان أصحاب محمد ﷺ -لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (١). [رجاله ثقات، واختلف في لفظه ودلالته] (٢).

стр. 833

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 834

وتخصيص الصلاة دون سائر الواجبات الشرعية يبطل التأويل بأن المقصود به الكفر الأصغر الموجب للفسق. * ونوقش هذا الدليل من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن إسماعيل بن علية، وهو أثبت الناس في الجريري، وأرواهم عنه، رواه بلفظ: ما علمنا شيئًا من الأعمال قيل تركه كفر إلا الصلاة. فهذا هو الأقرب أن يكون محفوظًا من لفظه، ولم ينسبه للصحابة، وإنما نسبه لعلمه، وكونه قيل: إن ترك الصلاة كفر لا ينازع في ذلك أحد. الوجه الثاني: أن الإمام أحمد ﵀، وهو من أعلم الأئمة بالآثار، وأكثرهم عناية بها خاصة آثار الصحابة والتابعين، وهو ممن نقل عنه كفر تارك الصلاة في إحدى الروايتين عنه لم يحتج ولو مرة واحدة على كفره بالإجماع، ولو كان إجماع الصحابة محفوظًا لما غاب مثل هذا عن علم الإمام أحمد، وعن الاحتجاج به للمسألة، وأن الإمام مالكًا والزهري والشافعي ومكحولًا، أعلم وأفقه بالسنن والآثار من عبد الله بن شقيق، وإن كان عبد الله بن شقيق متقدمًا عليهم، فلو كان هناك إجماع قطعي لما غاب مثل ذلك عن هؤلاء الأئمة، ولما ساغ لهم خلافه. الوجه الثالث: الآثار الصحيحة عن بعض الصحابة في كفر تارك الصلاة رويت عن ابن مسعود، وعمر ﵄، ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، فقد يكون عبد الله بن شقيق حين رأى عدم وجود مخالف لهما من الصحابة حكاه إجماعًا عنهم.

стр. 835

وهذا على افتراض أن تكون حكاية الإجماع ثابتة عن عبد الله بن شقيق، فإن هذا هو معناه، وهذا يُسلَّم من حيث الاحتجاج بكفر تارك الصلاة، فإن الصحابي إذا كفر تارك الصلاة، وقال هذا بمجمع من الصحابة، ولم ينكر، ولم يُنْقَلْ خلافٌ فإنه حجة، ولكن من حيث دلالته على الإجماع القطعي فغير مسلَّم، وإنما يطلق عليه في الأصول الإجماع السكوتي، وهو إجماع ظني، وفي الاحتجاج به نزاع، والأصح أنه حجة، ولكن من خالفه لا يكون بمنزلة من خالف الإجماع القطعي، فإن مخالفة الإجماع القطعي يزري بالعالم، كيف إذا كان هذا العالم من أئمة هذا الدين، كالزهري، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، ومكحول، ورواية عن أحمد، وغيرهم؟ أيكون للصحابة إجماع، ثم يخفى على علم هؤلاء؟ ولسنا نعصمهم من الخطأ، ولكن نستبعد عليهم مجتمعين أن يكون ثَمَّ إجماع للصحابة في هذه المسألة، ثم لا يبلغ هؤلاء. ولهذا كانت عبارة المروزي أدق من حكاية ابن شقيق وأفقه. قال المروزي بعد أن ذكر الأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة، وآثار الصحابة، قال: «ذكرنا الأخبار المروية عن النبي ﷺ -في إكفار تاركها، وإخراجه إياه من الملة … ثم جاءنا عن الصحابة ﵃ مثل ذلك، ولم يجئنا عن أحد منهم خلاف ذلك، ثم اختلف أهل العلم بعد ذلك … » (١). هذا النص عن المروزي في غاية الإتقان، وصياغة فقهية محكمة، انتقل فيها من النصوص المرفوعة إلى آثار الصحابة، إلى دلالة هذه الآثار، إلى وقوع الخلاف بعد الصحابة ﵃، والنصوص المرفوعة وآثار الصحابة كافية في الاحتجاج، ولسنا بحاجة إلى حكاية إجماع قطعي في المسألة، والخلاف من لدن التابعين إلى يومنا هذا، وهو يحكى. الوجه الرابع: اعترض بعض المعاصرين بأن ابن شقيق قد روى عن جمع قليل من الصحابة،

стр. 836

فلا تصح منه دعوى الإجماع عن كلهم. * ورد هذا: «بأن عبد الله بن شقيق حاكٍ للإجماع، لا راوٍ عن الصحابة، وحاكي الإجماع لا يلزم أن يكون مدركًا لجميع من نقل عنهم الإجماع، فهذا محمد بن نصر المروزي، وابن عبد البر، والنووي، وابن تيمية، وابن القيم وغيرهم ينقلون إجماع الصحابة في مواضع كثيرة، ولم يقل أحد من العلماء: إنهم لم يسمعوا من الصحابة، فدعواهم مردودة» (١). وساق الحسن البصري بلاغًا عن الصحابة بكفر تارك الصلاة، والبلاغ مقطوع: (ث-٧٢) روى أبو بكر الخلال في السنة من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن أصحاب رسول الله ﷺ -كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك، فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر (٢). [ضعيف؛ لأنه بلاغ] (٣). هذا ما يتعلق بإجماع الصحابة، ومدى ثبوته عنهم. ومنهم من أطلق الإجماع، ولم ينسبه للصحابة. فقد نقل الإجماع من التابعين: أيوب بن أبي تميمة السختياني. (ث-٧٣) روى المروزي في تعظيم قدر الصلاة، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: ترك الصلاة كفر لا يُختلف فيه (٤). [صحيح] (٥).

стр. 837

* ويناقش: بأن الزهري خالفه، والزهري من التابعين، وخلافه معتبر، فلا يصح حكاية الإجماع، ولكن يؤخذ منه أن أيوب يقول بكفر تارك الصلاة، كما يقوله نافع وسعيد ابن جبير، والحسن البصري، وخالفهم الزهري حيث قال بفسقه. (ث-٧٤) فقد روى المروزي في تعظيم قدر الصلاة من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أنه سئل عن الرجل، يترك الصلاة. قال: إن كان إنما تركها أنه ابتدع دينًا غير دين الإسلام قتل، وإن كان إنما هو فاسق ضرب ضربًا مبرحًا وسجن (١). هذا ما وقفت عليه من خلاف في طبقة التابعين، والاحتجاج بالإجماع لا يكفي أن يوجد من ينقله لنا حتى يكون محفوظًا من الخرق، فهذا الحديث قد يكون رجاله عدولًا، ومتصل الإسناد، ومع ذلك يسقط الاحتجاج به لعدم سلامته من الشذوذ، فكذا الإجماع لا بد من سلامته من الخرق، فإذا وجد مخالف، ولو كان واحدًا بطل الاحتجاج به. وممن حكى الإجماع إسحاق بن راهويه، قال: «قد صح عن رسول الله ﷺ -أن تارك الصلاة عمدًا كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر» (٢). قول إسحاق: إن الإجماع من لدن النبي ﷺ -إلى عصر إسحاق غير صحيح، فالخلاف في التابعين معلوم، وبعد التابعين مشهور، فإما أن تكون عبارة الإمام إسحاق لم تحرر. أو يكون لها معنى آخر، فالإمام أبو حنيفة، ومالك والشافعي، والزهري ومكحول، ورواية عن أحمد لا يقولون بكفر تارك الصلاة، فيبعد على فقيه بمنزلة الإمام إسحاق ألا يكون قد أحاط علمه بهذه الأقوال، فتعين تأويل كلامه، أو حمله على كلام له آخر، نقله ابن عبد البر في التمهيد، وبه يزول الإشكال، جاء في

стр. 838

التمهيد: «قال إسحاق بن راهويه: كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ -إلى زماننا هذا: أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذرٍ حتى يذهب وقتها كافر، إذا أبى من قضائها، وقال: لا أصليها» (١). فهو يتحدث عن الممتنع، وليس مجرد التارك، والممتنع نقل الإجماع على كفره ابن تيمية، قال ابن تيمية: «متى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين» (٢). وقال أيضًا: «يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه، وأن يعاقبه على تركها، ويصبر على القتل، ولا يسجد لله سجدة، من غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بشر قط، بل ولا يُضرب أحد ممن يقر بوجوب الصلاة، إلا صلَّى، لا ينتهي الأمر به إلى القتل، وسبب ذلك أن القتل ضرر عظيم، لا يصبر عليه

стр. 839

الإنسان، إلا لأمر عظيم، مثل لزومه لدين، يعتقد أنه إن فارقه هلك، فيصبر عليه حتى يقتل، وسواء أكان الدين حقًّا أم باطلًا، أما مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطنًا وظاهرًا، فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من احتمال القتل قط» (١). كما أن الإجماع على كفر تارك الصلاة لا يتفق عليه حتى أولئك الذين يقولون بكفر تارك الصلاة فقد اختلفوا في كفر من ترك صلاة واحدة حتى خرج وقتها، فهناك من يقول: لا يكفر حتى يترك الصلاة بالكلية، وهناك من يشترط ترك أكثر من صلاة، فكيف يحتج بإجماع يخالفه بعض من يقول بكفر تارك الصلاة، أليست هذه المخالفة دليلًا على عدم صحة الإجماع المحكي من الإمام إسحاق الدليل السابع: وردت آثار من بعض الصحابة تدل على كفر تارك الصلاة، بعضها صريح الدلالة، وبعضها غير صريح، وبعضها ضعيف، من ذلك: (ث-٧٥) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لما طعن عمر احتملته أنا ونفر من الأنصار، حتى أدخلناه منزله فلم يزل في غشية واحدة حتى أسفر، فقال رجل: إنكم لن تفزعوه بشيء إلا بالصلاة قال: فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين قال: ففتح عينيه، ثم قال: أصلى الناس؟ قلنا: نعم قال: أما إنه لا حَظَّ في الإسلام لأحد ترك الصلاة، فصلى وجرحه يثعب دمًا (٢). [صحيح] (٣).

стр. 840

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 841

وجه الاستدلال: بأن الحظ هو النصيب، فيكون المعنى: لا نصيب له في الإسلام، وهذا يعني خروجه من الإسلام. * ونوقش هذا: بأن أثر عمر يحتمل معنيين، أحدهما ما تقدم. والثاني: أنه لا كبيرَ حَظٍّ له، كما قيل: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، أراد مستكمل الإيمان، ولا يجوز اعتقاد خروج الإيمان منه كله؛ إذ لو خرج الإيمان منه كله لكان إن مات في نفس فعل الزنا أو نفس السرقة كان كافرًا. ومنه قوله: من غشنا فليس منا، ومن ذلك قوله: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ولا إيمان لمن لا أمانة له (١).

стр. 842

* ورد هذا الجواب: إذا احتمل كلام عمر معنيين، فإن اعتبرناه من المجمل فإنه يتضح المراد بما

стр. 843

جاء مرفوعًا بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة. وحمل معنى كلام عمر ﵁ على موافقة المعنى المرفوع أولى من تعطيله بدعوى أنه مجمل يحتمل أحد معنيين، فيتعين المعنى الأول، وهو نفي النصيب، وليس نفي الكمال، والله أعلم. الدليل الثامن: (ث-٧٦) من الآثار ما رواه محمد بن نصر، قال: حدثنا إسحاق، أخبرنا وكيع، عن القاسم والحسن بن سعد، قالا: قيل لابن مسعود ﵁: إن الله تعالى يكثر ذكر الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]، قال عبد الله: ذلك على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى يا أبا عبد الرحمن إلا على تركها؟ قال: تركها الكفر (١). [صحيح، وهذا إسناد منقطع] (٢). (ث-٧٧) وروى عبد الله بن أحمد في كتاب السنة من طريق سفيان، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله، قال: من لم يُصَلِّ فلا دينَ له (٣). [حسن] (٤).

стр. 844

والأثر الأول أصرح في الدلالة؛ لأنه جعله في مقابل ما لا يختلف في فسقه، وهو تأخير الصلاة عن وقتها. قال ابن تيمية في شرح العمدة: «ويدل على ذلك أن عمر وابن مسعود وغيرهما من السلف جعلوا ترك الصلاة كفرًا، وتأخيرها عن وقتها إثمًا ومعصية، وفسروا بذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]، وقوله سبحانه تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ .... » (١). (ث-٧٨) ومنها ما رواه أبو بكر الخلال، حدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن جابر، حدثني عبد الله بن أبي زكريا، أن أم الدرداء حدثته، أنها سمعت أبا الدرداء يقول: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له (٢). [إسناده صحيح] (٣). إلا أن نفي الإيمان تارة يراد به نفي الإيمان الكامل، كالحديث الذي رواه البخاري ومسلم من طريق قتادة، عن أنس مرفوعًا: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٤). وتارة يراد به نفي الصحة، كحديث لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وقد يقال: إن هذا من قبيل المجمل، ويستعان بالنصوص المرفوعة لترجيح أحد المعنيين، وحديث جابر نص في أن تارك الصلاة كافر، فيتعين أن النفي متجه

стр. 845

للصحة، وليس للكمال، والله أعلم. وروي كفره عن علي وابن عباس ﵄ (١)، ولا يصح منها شيء. * الراجح: ظاهر الأدلة تدل على كفر تارك الصلاة، وهي مسألة خلافية، والخلاف فيها من الخلاف القوي، ولا ينبغي بل لا يسوغ أن يتهم من قال بكفره بأنه يتشبه بمذهب الخوارج، كما لا يسوغ أن يرمى من قال بعدم كفره بأنه متأثر بمذهب الإرجاء إلا أن يصرح بأن عدم كفره راجع لكون الصلاة عملًا، والعمل لا دخل له في مسمى الإيمان. أما إذا كان لا يرى الأدلة كافية لتكفيره فلا يسوغ أن يتهم ببدعة الإرجاء، وكنت أتشوف أن يفضي البحث إلى عدم كفره، ومن لا يحب ذلك؟ إلا أن الأحكام الشرعية لا تخضع لرغباتنا، وما تميل إليه نفوسنا، فأرى أن القول بكفره هو ظاهر النصوص، ومن قال به فهو سالم من التأويل المتكلف، وكما قلت: الخلاف ليس من قبيل الخلاف الضعيف، ولهذا جرى بين المذاهب الإسلامية، من لدن التابعين إلى يومنا هذا، والله أعلم.
следующие страницы →