• ورد هذا النقاش:
بأن سبب السجود هو تلاوة الآية، وقد وجد في الصلاة السرية.
• وأجيب على هذا الرد:
التلاوة لم تَثْبُتْ سببًا للسجود في السرية، فالنبي ﷺ وأصحابه لم يحفظ أنهم سجدوا في الصلاة السرية طيلة زمن التشريع، مع كثرة آيات السجدة في كتاب الله.
الدليل الرابع:
(ح-٢٧٢٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز،
عن ابن عمر، أن النبي ﷺ سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابه أنه قد قرأ تنزيل السجدة، قال: ولم أسمعه من أبي مجلز (١).
[ضعيف] (٢).
وليس في الحديث ما يدل على أن المأموم قد سجد مع النبي ﷺ إلا على افتراض أن سجود النبي ﷺ في الصلاة يوجب المتابعة على المأموم.
الدليل الخامس:
(ح-٢٧٢٩) ما رواه أبو يعلى في مسنده من طريق يحيى بن عقبة بن أبي العيزار، حدثنا أبو إسحاق،
عن البراء قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في الظهر، فظننا أنه قرأ تنزيل السجدة (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
стр. 7809
الدليل السادس:
(ث-٦٥٦) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن إياس بن دغفل، عن أبي حكيمة،
أن ابن عمر، صلى بأصحابه الظهر فسجد فيها.
[موقوف ولم أقف على سماع أبي حكيمة من ابن عمر] (١).
الدليل السابع:
(ث-٦٥٧) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن حميد، عن بكر قال:
أخبرني من رأى، ابن الزبير، في حائط من حيطان مكة، قال: فصلى العصر، أو الظهر، قال: فسجد، فقال له رجل: إنك صليت خمس ركعات، فقال: إني قرأت بسورة فيها سجدة.
[ضعيف؛ لإبهام راويه] (٢).
الدليل الثامن:
(ث-٦٥٨) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع والفضل بن دكين عن أبي هلال،
عن أنس بن سيرين، أن ابن مسعود قرأ في الظهر ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة وفي الأخرى بسورة من المثاني.
[ضعيف، أنس بن سيرين لم يسمع من ابن مسعود] (٣).
• دليل من قال: يكره القراءة والسجود في الصلاة السرية:
الدليل الأول:
لا يصح في الباب شيء في سجود التلاوة في الصلاة السرية، ولو كان السجود سنة لفعله النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدون، وإذا ثبت عدم الفعل فلا يخرج عن أحد احتمالين: إما أنهم كانوا يتعمدون ترك آيات السجدة في قراءة السرية، أو أنهم كانوا
стр. 7810
يتلونها، ولا يسجدون، وسواء تركوا السجود، أو تركوا قراءة آية السجدة، فكلاهما دليل على نفي المشروعية، ولو كان السجود في السرية مشروعًا لفعل ولو مرة واحدة، ولو فعل لنقل، ولقد كان الصحابة حريصين على نقل كل ما يتعلق بالعبادات خاصة الصلاة، فعدم النقل بمنزلة نقل العدم، وما ترك النبي ﷺ فعله مع إمكان فعله فالسنة تركه؛ فالترك في العبادات سنة كالفعل.
الدليل الثاني:
الأصل عدم المشروعية حتى يثبت الدليل المقتضي.
الدليل الثالث:
أن الإمام إذا قرأها لا يخلو من حالين: إما أن يسجد لها أو لا.
فإن لم يسجد لها كان تاركًا للسنة، وإن سجد لها لبس على المأموم، فلا يعلم لأي سبب سجد، فتقابل المكروهان. فكان ترك السبب المفضي إليهما أولى.
• ويناقش:
إن كان المانع من السجود في السرية هو الخوف من التلبيس فإن الإمام يمكنه أن يجهر بآية السجدة، ليعلم المأموم سبب سجود الإمام، فيتبعه في فعله، ويمكن للإمام أن ينشر فقه المسألة على جماعته ليعلموا ذلك، وإذا لم يفعل هذا ولا ذاك فإن التلبيس قد يحصل مع المرة الأولى، ومع تكرار ذلك فإن المأموم سيتعلم حكم المسألة، فيندفع اللبس، ولأن المأموم مأمور بمتابعة إمامه حتى يثبت سهوه، والأصل عدم السهو، فإن سجد الإمام مرة ثانية تحقق المأموم من سهو إمامه، فلم يتابعه على السجدة الثانية، ونبَّه إمامه ليرجع، والله أعلم.
• ورد على هذا:
ليس المانع من السجود فقط هو خوف التلبيس، فإذا جهر الإمام بآية السجدة اندفع اللبس، وشرع السجود، فإن الإمام إذا جهر في السرية فقد خالف السنة في أمرين:
الأمر الأول: الجهر بآية السجدة، أو بموضع السجود منها وهذا يفوِّت سنية الإسرار في الصلاة السرية.
• وأجيب على هذا الرد:
أن الجهر ببعض الآية لا ينافي الإسرار، وقد كان النبي ﷺ يسمعهم الآية أحيانًا
стр. 7811
في السرية، فإذا جاز إسماعهم الآية بلا مصلحة تعود لصلاة المأموم، فإن إسماعهم بعض الآية إذا كان لمصلحة الصلاة من باب أولى
الأمر الثاني: سلمنا أن الجهر ببعض الآية لا ينافي الإسرار، فيبقى السؤال الأهم، ألم يك ممكنًا أن يفعله النبي ﷺ في صلاته السرية إذا تلا آية سجدة بدلًا من ترك السجود؟ فإذا تركه النبي ﷺ مع إمكان فعله كانت السنة تركه وحتى لا يتهم الفاعل بالاستدراك على المشرع.
• دليل من قال: إذا سجد الإمام سجد المأموم وجوبًا:
(ح-٢٧٣٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا … وإذا سجد فاسجدوا … الحديث (١).
وفي الباب حديث أنس في الصحيحين (٢).
• وجه من قال: المأموم مخير بين ترك السجود ومتابعة الإمام:
الوجه الأول:
أن السبب في السجود: إما التلاوة، وإما الاستماع، ولم يتقرر هذا السبب في حق المأموم، فليس تاليًا ولا مستمعًا.
• ونوقش:
المتابعة سبب آكد من سبب التلاوة والاستماع؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الاختلاف على الإمام كما في حديث أنس مرفوعًا ( … إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا … وإذا سجد فاسجدوا … الحديث (٣).
ولأن ما ذكر يبطل بما إذا كان المأموم لا يسمع لبعده أو لطرش، فإنه يسجد عندكم، فبطل التعليل بعدم التلاوة أو الاستماع.
стр. 7812
الوجه الثاني:
أن المأموم لا يعلم سبب سجوده، لاحتمال أن يكون سجد سهوًا، فلم تلزمه متابعته.
• ونوقش:
بأن الأصل عدم السهو، فيتابعه حتى يتبين له أن سجوده عن سهو، كما لو سجد السجدة الثانية.
الوجه الثالث:
أن الإمام فعل مكروهًا في صلاته، فكان للمأموم ألا يتابعه.
• ونوقش:
لئن كان السجود مكروهًا في حق الإمام، فإن مخالفة الإمام محرمة، فلا يرتكب الحرام لأجل تجنب المكروه.
• دليل من قال: تكره قراءة الآية في السجدة وإن قرأها سجد:
أما كراهة قراءتها: فلما تقدم من أنه لو فعل ذلك وسجد اشتبه على المأمومين فيظنون أنه قد سها، وأنه قدم السجود على الركوع.
وأما مشروعية السجود إذا قرأها: فلأنه قد تقرر السبب في حقه، وهو التلاوة، وسجد المأموم لوجوب المتابعة، ألا ترى أن النبي ﷺ كما في حديث ابن عمر سجد، وسجد الناس معه.
• ويجاب:
لا نسلم أن التلاوة سبب للسجود في السرية؛ لعدم ثبوته سببًا في النصوص، وحديث ابن عمر ضعيف، وسبق تخريجه (١).
• الراجح:
يتنازع المسألة داعيان:
داعي السجود باعتبار التلاوة سبب للسجود، والكراهة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل شرعي، ولا دليل من جهة النصوص على الكراهة.
وداعي الترك: لأن سجود التلاوة لو كان مشروعًا لفعل ذلك في عصر التشريع،
стр. 7813
ولنقل ذلك في أفعال الصحابة، فكون الشافعية يستدلون بأحاديث سجود التلاوة في الصلاة الجهرية، لا يكفي في استحبابه في الصلاة السرية، إلا لو كانت الصلاة السرية لم تكن قائمة زمن التشريع، ولا يمكن حمل الإعراض عن سجود التلاوة في الصلاة السرية بأنه لم يثبت السبب في حق الإمام، وهو التلاوة، لأنه يبعد طيلة زمن التشريع وزمن الصحابة ألا يكون أحد من الأئمة قد قرأ آية سجدة في صلاته السرية، مع كثرة مواضع سجود التلاوة في القرآن، والتي تبلغ من أحد عشر موضعًا على أحد الأقوال إلى خمسة عشر، والترك في العبادات سنة كالفعل، وأنا أميل إلى داعي الترك؛ لأن فيه احتياطًا؛ لأن السجود الراجح فيه أنه سنة، وإذا تنازع الفقهاء في سنية عبادة فالأحوط تركها حتى تثبت المشروعية.
ولو سجد الإمام في السرية لم تفسد صلاته، وسجد المأموم؛ لأن استحباب فعله في الجهرية ينفي بطلان الصلاة بفعله في السرية، ولو كان السجود مفسدًا للسرية لحفظ في النصوص النهي عن فعله في السرية، فكان تركه زمن التشريع لا يجعله مستحبًا، فهو دائر بين الكراهة والجواز، والله أعلم.
стр. 7814
المبحث الثالث في سجود التلاوة للمنفرد
المدخل إلى المسألة:
• حكم المنفرد حكم الإمام.
• كل ما شرع للإمام شرع للمنفرد إلا بدليل.
• الإمامة لا يشترط لها النية، فلو صلى الإمام بنية الانفراد، واقتدى به آخر دون علمه صحت المتابعة على الصحيح.
• صلى النبي ﷺ منفردًا في صلاة الليل، ولحق به ابن عباس، وبنى على صلاته.
[م-٩٤١] اختلف الفقهاء في المصلي إذا كان منفردًا وقرأ آية سجدة:
فقيل: يستحب له السجود مطلقًا في الفرض والنفل كما يستحب للإمام، وهو مذهب الجمهور، ورواية عن الإمام مالك، اختارها بعض أصحابه كابن وهب واللخمي، وابن يونس، وابن بشير، ورجحه ابن عبد البر (١).
وقيل: يكره له السجود في الفرض، دون النفل كما يكره ذلك للإمام، وهو المعتمد في مذهب مالك (٢).
قال الدسوقي: «واعلم أن كراهة تعمد قراءة آيتها في الفريضة بالنسبة للفذ والإمام» (٣).
стр. 7815
وقال الزرقاني: «وكره تعمدها أي: السجدة بفريضة لفذ وإمام على المشهور» (١).
وقال أبو العباس القرطبي: «وأما في الفريضة: فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها، سواء كانت صلاة سرٍّ أو جهرٍ، جماعة أو فرادى» (٢).
وأدلة هذه المسألة هي أدلة المسألة السابقة؛ فقد تكلمت في المسألة السابقة عن حكم سجود الإمام في الصلاة الجهرية والسرية، وحكم الفذ حكم الإمام.
قال النووي: «وإن كان المصلي إمامًا فهو كالمنفرد فيما ذكرناه» (٣).
وقال في شرح المهذب: «قال أصحابنا: لا يكره قراءة السجدة عندنا للإمام، كما لا يكره للمنفرد سواء كانت صلاة سرية أو جهرية» (٤).
ولأن الإمامة لا يشترط لها النية، فلو صلى المنفرد وجاء من يقتدي به صحت المتابعة ولو لم يعلم الإمام، وهو مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال زفر خلافًا للمعتمد في مذهب الحنابلة (٥).
стр. 7816
(ح-٢٧٣١) لما رواه البخاري من طريق سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد،
عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ اتخذ حجرة -قال: حسبت أنه قال من حصير- في رمضان، فصلى فيها ليالي، فصلى بصلاته ناس من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد، فخرج إليهم فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فلما علم بهم) دليل على أن إمامته ﷺ كانت بلا علم منه، وأقرهم على الاقتداء به دون علمه ﵊.
(ح-٢٧٣٢) وروى الإمام مسلم من طريق سليمان (بن المغيرة)، عن ثابت،
عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ، يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل آخر، فقام أيضًا حتى كُنَّا رهطًا، فلما حَسَّ النبي ﷺ أَنَّا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله، فصلى صلاة لا يصليها عندنا، قال: قلنا له: حين أصبحنا: أفطنت لنا الليلة؟ قال: فقال: نعم، ذاك الذي حملني على الذي صنعت (٢).
فصحت نية الاقتداء من المأموم مع أن الإمام كان يصلي بنية الانفراد، وهذا دليل على أن حكم الإمام حكم المنفرد؛ إذ لو كانت إمامته تجعله مختلفًا عن حكم المنفرد ما صح الاقتداء به دون علمه، فما شرع للإمام شرع للمنفرد، والله أعلم.
стр. 7817
وقد سبق ذكر الأدلة في حق الإمام في المسألة السابقة، والأدلة نفسها في حق المنفرد وفاقًا وخلافًا، فارجع إليها إن شئت، والله أعلم.
стр. 7818
المبحث الرابع في المأموم يقرأ آية السجدة
المدخل إلى المسألة:
• المأموم في أفعاله تبعٌ لإمامه، لا يَخْتَلِف عليه.
• إذا تعارض الواجب والسنة قدم الواجب.
• متابعة الإمام واجبة وسجود التلاوة لغير المأموم سنة على الصحيح، فلا يترك الواجب لتحصيل سجود التلاوة.
• إذا سقط سجود السهو عن المأموم إذا سها مع كونه سجود جبران وتابع للصلاة، فمن باب أولى ألا يسجد للتلاوة؛ لأنه ليس جبرانًا ولا تابعًا للصلاة.
• إذا سجد المأموم لتلاوة نفسه إن لم تبطل صلاته بهذا الفعل فقد بطل اقتداؤه بإمامه لمخالفته إياه، وصار في حكم المنفرد على القول بجواز الانفراد عن المأموم بلا عذر، وعدَّها الشافعية من المفارقة بعذر.
• إذا فارق المأموم إمامه بلا عذر بطلت صلاته في قول أكثر أهل العلم، وقال الشافعية: تكره المفارقة؛ لأن الجماعة إن كانت سنة فلا تلزم بالشروع إلا في نفل الحج والعمرة، وإن كانت فرض كفاية فكذلك إلا في الجهاد وصلاة الجنازة والحج والعمرة.
[م-٩٤٢] اختلف الفقهاء في سجود المأموم إذا قرأ آية سجدة:
فقيل: لا يسجد المأموم ولا الإمام لا في الصلاة، ولا بعد الفراغ منها، وهو مذهب الأئمة الأربعة، ولو سجد في الصلاة عمدًا لا سهوًا، ففي بطلان صلاته قولان:
الأول: تبطل، وهو مذهب المالكية، والمعتمد عند الحنابلة، وبه قال الشافعية:
стр. 7819
إن نوى استمراره مأمومًا، فإن نوى مفارقته لم تبطل.
والقول الثاني: لا تبطل، وهو وجه في مذهب ا لحنابلة،، وبه قال الحنفية: لأن ما دون الركعة عندهم لا يفسد الصلاة (١).
جاء في مختصر القدوري: «وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام، ولا المأموم» (٢).
وجاء في الفواكه الدواني: «وإن سجدها المأموم دون إمامه، فإن كان عمدًا أو جهلًا بطلت صلاته، وأما سهوًا فلا؛ لحمل الإمام لسهوه اليسير، كما أنه لا تبطل صلاة المأموم بترك السجود خلف إمامه الساجد، ولو عمدًا … ولكنه أساء بعدم تبعيته الإمام» (٣).
وقال الرملي: «ولا يسجد -يعني المأموم دون إمامه- إلا إن نوى مفارقته، وهي مفارقة بعذر» (٤).
وقيل: يسجد المأموم إذا فرغ من الصلاة، وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية، والقاضي أبي يعلى من الحنابلة (٥).
стр. 7820
وقيل: يسجد المأموم لقراءة غير إمامه، وإذا سجد لسماع غير إمامه وهو في الصلاة، فمن باب أولى أن يسجد لقراءة نفسه؛ لأن السجود للتلاوة أقوى من السجود للاستماع، هذا مقتضى القواعد وإن لم ينصوا عليها (١).
وقيل: يسجد في النفل لقراءة غير إمامه دون الفرض، وهو قول في مذهب الحنابلة، ويلزم منه أن يسجد لقراءة نفسه (٢).
• دليل من قال: لا يسجد المأموم لقراءة نفسه وإذا سجد بطلت صلاته:
الدليل الأول:
المأموم في أفعاله تبع لإمامه، لا يختلف عليه، وقد ثبت النهي عن الاختلاف على الإمام.
(ح-٢٧٣٣) لما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا … وإذا سجد فاسجدوا … الحديث (٣).
وروى الإمام أحمد من طريق وهيب، حدثنا مصعب بن محمد، عن أبي صالح السمان،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إنما الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإن صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعون (٤).
[صحيح] (٥).
стр. 7821
فجمع بين الأمر والنهي: فالأمر بأن تكون أفعال المأموم تبعًا للإمام (إذا كبر فكبروا).
والنهي عن مخالفة الإمام، ولو كان ذلك من باب السبق، والأصل في الأمر الوجوب، وفي النهي التحريم، والنهي في العبادات يقتضي الفساد.
الدليل الثاني:
متابعة الإمام واجبة وسجود التلاوة لغير المأموم سنة على الصحيح، فإذا تعارض الواجب والسنة فلا يترك الواجب لتحصيل سجود التلاوة.
الدليل الثالث:
إذا سقط سجود السهو عن المأموم إذا سها مع كونه سجود جبران وتابع للصلاة، فمن باب أولى ألا يسجد للتلاوة؛ لأنه ليس جبرانًا ولا تابعًا للصلاة.
الدليل الرابع:
إذا كان المأموم يدع القعدة الأولى في الصلاة إذا سها إمامه فقام من الركعة الثانية ولم يقعد وذلك من أجل واجب المتابعة، بل اغتفر للمأموم إحداث زيادات في صلاته من أجل واجب المتابعة حتى ولو غير ذلك هيئة الصلاة، كما في المسبوق بركعة إذا دخل مع الإمام، فصلى مع الإمام ركعة، فجلس الإمام للتشهد وجب على المأموم الجلوس معه، وإن لم يكن موضعًا لجلوسه وهو زيادة في صلاته اغتفرت من أجل واجب المتابعة، وإذا صلى الإمام الركعة الثالثة كانت في حق المسبوق الركعة الثانية، ومع ذلك يدع القعدة الأولى والتشهد لواجب المتابعة، فإذا كان
стр. 7822
المأموم يتابع إمامه، ولو تغيرت هيئة الصلاة، بأن زاد فيها ما ليس منها، وترك فيها ما هو منها، فكيف يصح القول بأنه يسجد للتلاوة ويدع متابعة إمامه.
الدليل الخامس:
سجود المأموم عن الإمام مفارقة لإمامه؛ لانفصاله عنه في أفعاله، وأكثر العلماء على أنه لا يجوز مفارقة الإمام بلا عذر، فإذا فارق إمامه بطلت صلاته، وتلاوة آية السجدة ليست بعذر عند جمهور العلماء خلافًا للشافعية، حيث كرهوا المفارقة بلا عذر، واعتبروا المفارقة من أجل سجود التلاوة من المفارقة بعذر.
• دليل من قال: يسجد بعد الفراغ من الصلاة:
هذا القول مبني على مسألتين:
المسألة الأولى: أن سبب السجود وهو التلاوة قد تقرر في حق المأموم، والمتابعة مانعة من السجود أثناء الصلاة، وبالفراغ من الصلاة زال العذر.
المسألة الثانية: سجود التلاوة لا يجب عند الحنفية على الفور (١)، فوجود فاصل بين التلاوة والسجدة لا تفوت به السجدة، وعلى تقدير أن الفورية واجبة، فالفاصل اليسير مغتفر، وعلى تقدير أنه طويل فالتراخي كان لعذر المتابعة، ويقبل التأخير من المعذور ما لا يقبل من غيره، فيسجد بعد الفراغ من الصلاة.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن سجدة التلاوة عند مالك والشافعي وأحمد، ورواية عن أبي حنيفة على الفور، فإن أخر السجود وقصر الفاصل سجد، وإن طال لم يسجد؛ لفوات محله، ولا يقضى السجود، في أصح القولين؛ لأنه يفعل لعارض وقد زال، أشبه الكسوف، ولأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، ولا يوجد أمر بقضاء سجدة التلاوة.
وقال الحنفية: سجدة التلاوة في الصلاة على الفور، فإذا لم يسجد فيها لا يسجد بعدها؛ لأنه وجب كاملًا فلا يتأدى بالناقص، وأما خارج الصلاة فعلى
стр. 7823
التراخي، لأن الأمر بالسجود مطلق عن تعيين الوقت، فتجب في جزء من الوقت غير معين، ويتعين ذلك بتعيينه فعلًا وإنما يتضيق عليه الوجوب في آخر عمره كما في سائر الواجبات الموسعة، ويكره تأخيرها تنزيهًا إلا إذا كان الوقت مكروهًا، وعلى كلا القولين لا يؤخر سجدة التلاوة إلى بعد الفراغ من الصلاة.
الوجه الثاني:
سجدة التلاوة ليست جزءًا من الصلاة، فلو صح أن تقع التلاوة في الصلاة والسجدة بعد الفراغ منها لكان أولى مَنْ يفعلُ ذلك الإمامُ بدلًا من زيادة سجدة أجنبية في الصلاة، فلما كان الإمام إذا تلا آية سجدة سجد مباشرة، ولو أدى ذلك إلى تغيير هيئة الصلاة بزيادة سجود فيها، دل ذلك على أن السجود على الفور، وليس على التراخي.
• دليل من قال: يسجد المأموم لقراءة غير إمامه، ويلزم منه السجود لقراءة نفسه:
هذا القول ضعيف جدًّا، وأتمنى أن أكون واهمًا في نسبته للحنابلة، ولولا أن صاحب الإنصاف ذكره ما عرجت عليه، ولا أعلم له دليلًا أثريًّا، ولا دليلًا نظريًّا يسوِّغ هذا القول، ولا أدري إذا سجد أيستمر مأمومًا عندهم، أم كان هذا اختيارًا منه لمفارقة الإمام من أجل تحصيل السجدة؟
فالقول باستمراره مأمومًا بعيد، وهو قد انفصل عنه بأفعاله.
والقول بجواز مفارقته قول ضعيف، وإذا كان الشافعية لا يبطلون الصلاة بالمفارقة بلا عذر، فذلك لأن الجماعة عندهم سنة مؤكدة، والسنة لا تلزم بالشروع، بخلاف الحنابلة فهم يرون الجماعة واجبة وفي رواية شرطًا، فكيف يدع الواجب لتحصيل سجود التلاوة، وهو سنة لغير المأموم على الصحيح، فلا أدري ما وجه هذا القول، والله أعلم.
• دليل من فرق بين الفرض والنفل:
قد يكون هذا القول مبنيًّا على مقدمتين ونتيجة:
المقدمة الأولى: أن الجماعة في النفل سنة، كما لو كان يصلي مأمومًا
стр. 7824
في التراويح مثلًا.
المقدمة الثانية: أن النافلة لا تلزم بالشروع فيها على الصحيح من قولي أهل العلم إلا نفل الحج والعمرة.
النتيجة: إذا فارق إمامه في النفل لتحصيل سجود التلاوة، كان ذلك منه قطعًا للجماعة، وقطع النافلة جائز، وإن لم يكن ذلك هو الأفضل، والله أعلم.
• دليل من قال: لا يسجد المأموم لقراءة نفسه وإن فعل لم تبطل صلاته:
أما الحنفية فيرون أن ما دون الركعة إذا فعل في الصلاة ولو عمدًا لا يفسدها، وإن كان منهيًا عنه، فيلزمه الرجوع لإكمال صلاته مع إمامه، وهذا بناء على أن ما دون الركعة عندهم لا يطلق عليه صلاة، وأقل الصلاة ركعة.
قال السرخسي: «ما دون الركعة يحتمل الرفض، والركعة الكاملة لا تحتمله؛ ولأن زيادة ما دون الركعة لا يفسد الصلاة» (١).
وجاء في الهداية شرح البداية: «ولم يعيدوا الصلاة؛ لأن مجرد السجدة لا ينافي إحرام الصلاة» (٢).
وأما غيرهم ممن قال بهذا القول: فيرون أن المتابعة للإمام واجبة، وليست بشرط: والإخلال به لا يبطل الصلاة بخلاف الإخلال بالأركان والشروط، وقد تكلمت على هذه المسألة في شروط الصلاة.
• الراجح:
أن المأموم إذا سجد للتلاوة فقد أبطل اقتداءه بالإمام،
فعلى القول بأن الجماعة واجبة يخشى عليه أن تبطل صلاته؛ لأن قطع الواجب لا يجوز بعد الشروع فيه.
ولأن في فعله مفارقة لإمامه بلا عذر، وقد اختلف العلماء في جواز مفارقة
стр. 7825
الإمام، فمنهم من منعها مطلقًا كالحنفية والمالكية (١).
قال الدسوقي: «المأمومية تلزم بالشروع وإن لم تجب ابتداء كالنفل» (٢).
ومنهم من أجازها مطلقًا مع الكراهة وهو الأصح في مذهب الشافعية؛ لأن الجماعة عندهم فضيلة، فكان له تركها كما لو صلى بعض صلاة النافلة قائمًا ثم قعد (٣).
ومنهم من أجازها مع العذر كالحنابلة وقول في مذهب الشافعية (٤).
ونص المالكية على أن الإمام إذا أضر بالمأموم في الطول جاز له الانتقال، ولم يوسعوا العذر كالحنابلة.
ومذهب الحنابلة أعدل الأقوال، وقد دلت عليه السنة كما في حديث جابر ﵁ في قصة الأنصاري الذي فارق معاذ بن جبل حين أطال فيهم الصلاة واستفتح صلاته بسورة البقرة، وقد أقره النبي ﷺ ، وغضب من فعل معاذ، وقال له: أفتان أنت يا معاذ؟ كررها عليه.
وكالمفارقة في صلاة الخوف إذا كان العدو في غير جهة القبلة، وهي إحدى صفة صلاة الخوف.
ولأن تحصيل سجدة التلاوة ليس عذرًا يبيح مفارقة الإمام؛ لأنها لم تشرع في حقه.
وإن كان في جماعة ليست واجبة كالتراويح مثلًا، ففارق إمامه لتحصيل سجدة التلاوة، كان هذا الفعل مختلفًا فيه بناء على اختلافهم في حكم قطع النفل بعد الشروع فيه:
فقال الحنفية: يلزم بالشروع، فلو أفسد العبادة قضاها قياسًا على نفل الحج والعمرة (٥).
стр. 7826
وقال الشافعية والحنابلة: لا يلزم النفل بالشروع إلا نفل الحج والعمرة (١).
وقال المالكية: يلزم بالشروع، فإن قطع لعذر لم يجب القضاء، وإلا وجب (٢).
والصحيح قول الشافعية والحنابلة، وأن النفل لا يلزم بالشروع، فإذا سجد فقد أصبح منفردًا بفعله، والأولى ألا يفعل، فإن فعل فأرجو ألا يبطل نفله وإن بطل اقتداؤه بالإمام؛ لاختيار مفارقته، والله أعلم.
стр. 7827
المبحث الخامس في سجود الخطيب إذا تلا آية سجدة
المدخل إلى المسألة:
• إذا كان سجود التلاوة لا يقطع موالاة الصلاة في الصلاة الجهرية لم يقطع موالاة الخطبة من باب أولى.
• أُمِرنا بالسجود عند تلاوة آية السجدة، والعام جارٍ على عمومه في جميع أحوال القارئ، سواء أكان القارئ في صلاة أم في خطبة، أم في وقت نهي، ومن أخرج الخطيب من هذا العموم فعليه الدليل.
• إذا جاز النزول من المنبر لإشباع غريزة الأبوة، ولم يقطع ذلك نظم الخطبة لم يقطع السجودُ لله امتثالًا نظمها من باب أولى.
• المقصود من الخطبة حمد الله وتنزيهه وتعظيمه وموعظة المصلين، والسجود في الخطبة أبلغ ما يعظم به العبد ربه، وأقرب ما يكون إليه.
• قرأ عمر آية سجدة وهو يخطب يوم الجمعة فسجد، وكان في مجمع عظيم، وبحضور كبار الصحابة، ولم ينكر، ولا يعلم له مخالف.
• عمل أهل المدينة زمن عمر حين كان كبار الصحابة متوافرون، مقدم على عمل أهل المدينة زمن الإمام مالك زمن صغار التابعين.
• ترك السجود لكونه ليس واجبًا أولى من كراهة السجود، وقد فعله جماعة من الصحابة، ولا مخالف لهم.
[م-٩٤٣] إذا تلا الخطيب آية سجدة حال الخطبة، فهل يشرع له السجود؟ اختلف العلماء في ذلك:
стр. 7828
فقيل: يسجد مطلقًا، وهو قول الحنفية، والحنابلة، وبه قال أشهب من المالكية، واختاره ابن حزم (١).
وقيل: يكره تعمد قراءتها مطلقًا في الخطبة. قال العدوي: جمعة كانت أو غيرها، فإن قرأها لم يسجد، وهذا مذهب المالكية (٢).
وقال الشافعية: يسجد على المنبر إن أمكنه، أو أسفل منه إن قرب الفاصل، فإن سجد وطال الفصل، وجب استئناف الخطبة، وهو الجديد من قولي الشافعي.
وقيل: يستحب استئنافها، وهو القديم من قولي الشافعي (٣).
стр. 7829
فصارت الأقوال:
يسجد مطلقًا.
يكره مطلقًا.
يسجد على المنبر إن أمكنه، أو أسفل منه إن قرب الفاصل.
هذه أقوال المسألة، والله أعلم.
• دليل من قال: يسجد:
الدليل الأول:
(ح-٢٧٣٤) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو يعني ابن الحارث، عن ابن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح،
عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ص، فلما بلغ السجدة نزل، فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ الناس للسجود، فقال رسول الله ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تَشَزَّنْتُمْ للسجود، فنزل فسجد، وسجدوا (١).
[ظاهره الصحة، لكنه معلول، والسجود في سورة (ص) ثابت في البخاري] (٢).
الدليل الثاني:
(ث-٦٥٩) ما رواه البخاري من طريق هشام بن يوسف: أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة، عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي، -قال أبو بكر: وكان ربيعة من خيار الناس-
عما حضر ربيعةُ من عمر بن الخطاب ﵁: قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس … الأثر (١).
وجه الاستدلال:
بأن عمر فعل هذا بمحضر الصحابة، ولم ينكر، فكان إجماعًا سكوتيًا على جواز قراءة آية السجدة على المنبر، والسجود لتلاوتها.
стр. 7835
الدليل الثالث:
أمرنا بالسجود عند تلاوة آية السجدة، والعام جارٍ على عمومه في جميع أحوال القارئ، سواء أكان القارئ في صلاة أم في خطبة، أم في وقت نهي، ومن أخرج الخطيب من هذا العموم فعليه الدليل.
الدليل الرابع:
موالاة الصلاة أشد من موالاة الخطبة، وإذا كان سجود التلاوة لا يقطع موالاة الصلاة في الصلاة الجهرية لم يقطع موالاة الخطبة من باب أولى.
الدليل الخامس:
إذا كانت الأفعال والأقوال التي ليست من الخطبة لا تقطع نظم الخطبة ولا موالاتها، فمن باب أولى السجود لله في أثنائها.
ومن هذه الأفعال سؤال النبي ﷺ سليك الغطفاني، وهو يخطب الجمعة أصليت ركعتين، قال: لا، قال: قم فصل ركعتين. رواه البخاري ومسلم (١).
ومن ذلك: نزول النبي ﷺ من على المنبر حين شاهد الحسن والحسين، فحملهما، فوضعهما بين يديه، ثم عاد إلى خطبته.
(ح-٢٧٣٥) فقد روى أحمد، قال: حدثنا زيد بن حباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة قال:
سمعت أبي بريدة يقول: كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن والحسين، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما (٢).
[تفرد به حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة، وفي روايته عنه كلام] (٣).
• وأجيب بجوابين:
الأول: أن الحديث منكر، تفرد به الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، وقد وقفت على ذلك في تخريج الحديث.
الثاني: ظاهر الحديث أن قطع الخطبة والنزول منها فتنة دعا إليها محبة الولد فيكون مرجوحًا، فلا يقاس على ما هو مرجوح.
• ويجاب:
بأن فعل النبي ﷺ دال على الجواز، وليس على استحباب الفعل، فإذا جاز النزول من المنبر لإشباع غريزة الأبوة، ولم يقطع ذلك الخطبة لم يقطع الخطبةَ السجودُ لله امتثالًا، والمقصود من الخطبة حمد الله، وتنزيهه وتعظيمه، وموعظة المصلين، والسجود أبلغ ما يعظم به العبد ربه، وأقرب ما يكون إليه، حيث يضع العبد وجهه على الأرض امتثالًا لله.
قال ابن حجر: «فعل النبي ﷺ ذلك؛ لبيان الجواز، فيكون في حقه راجحًا ولا يلزم من فعل الشيء لبيان الجواز أن لا يكون الأولى ترك فعله، ففيه تنبيه على أن الفتنة بالولد مراتب، وإن هذا من أدناها، وقد يجر إلى ما فوقه فيحذر» (١).
• دليل من قال: يكره تعمد قراءتها فإن قرأها سجد:
الدليل الأول:
ذكر المالكية تعليلهم بأن السجود يخل بنظم الخطبة، فلا فرق عندهم بين قصر الفاصل وطوله.
الدليل الثاني:
قالوا: إن السجود في الخطبة لم يصحبه عمل، فهو يدل على نسخه (٢).
وذكر الباجي أن هذا مما لا يتابع عليه عمر، ولا عمل أحد بعده، ولعل عمر إنما فعل ذلك تعليمًا للناس، وخاف أن يكون في ذلك خلاف، فبادر إلى حسمه، وكان ذلك الوقت لم يعم كثير من الأحكام الناس، وقد تقررت الآن الأحكام،
стр. 7838
وانعقد الإجماع على كثير منها، وعرف الخلاف السائغ في سواها، فلا وجه لذلك مع ما فيه التخليط على الناس بالفراغ من الخطبة، والقيام إلى الصلاة (١).
• ويناقش:
بأن الله لم يقبض نبيه محمدًا إلا وقد أكمل الله دينه، ونزلت البشرى بذلك في حجة الوداع، وأحكامه استقرت، والنسخ أغلق بموت النبي ﷺ ، وقد فعل عمر ﵁ هذا الفعل بهذا المجمع العظيم، وبحضور كبار الصحابة ولم ينكر، فكان إجماعًا سكوتيًّا، فأيُّ العملين أحق بالاتباع؟: عمل أهل المدينة زمن عمر حين كان كبار الصحابة متوافرون، أم عمل أهل المدينة زمن مالك ولم يدرك مالك ﵀ من التابعين إلا صغارهم.
وقد سجد عمر ﵁، وترك السجود، ونقل لنا هذا في أثر واحد، والمالكية يحتجون بترك عمر للسجود على عدم وجوبه، وهو حق، ولا يحتجون بسجود عمر ﵁ على مشروعية السجود حال الخطبة، والأثر واحد (٢).
والزعم أن عمر سجد للتعليم، هذا قول مخالف للحقيقة؛ لأن عمر ﵁ سجد وترك وبيَّن لماذا ترك، بقوله: (يا أيها الناس إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه. وزاد نافع عن ابن عمر: إن اللّه لم يفرض السجود إلا أن نشاء) (٣).
стр. 7839
(ث-٦٦٠) ورواه مالك في الموطأ عن هشام بن عروة، عن أبيه،
أن عمر قرأ سجدة، وهو على المنبر، يوم الجمعة، فنزل، فسجد، وسجدنا معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى، فتهيأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم؛ إن الله لم يكتب علينا إلا أن نشاء، فلم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا (١).
وعروة لم يسمع من عمر ﵁.
فلم يعتذر عمر بتركها من أجل الخطبة، ولا أن سجوده كان لغرض التعليم، بل حسَّن فعل السجود فيها، ونفى الإثم بالترك، والقول بأن عمر سجد للتعليم قول مجانف عن الحقيقة.
كما أن الزعم بأنه هذا الفعل من عمر انفرد به، ولم يتابع عليه قول مخالف للحقيقة، فلم يكن السجود رأيًا لعمر ﵁ وحده، بل جاء ما يوافقه عن جماعة من الصحابة، ولا يعلم لهم مخالف، من ذلك:
(ث-٦٦١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس قال: أخبرنا بكر بن عبد اللَّه المزني، عن صفوان بن محرز قال:
بينا الأشعري يخطب يوم الجمعة إذ قرأ السجدة الآخرة من سورة الحج، قال: فنزل عن المنبر، فسجد، ثم عاد إلى مجلسه (٢).
[صحيح] (٣).
(ث-٦٦٢) ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا أبو إسحاق الكوفي، عن الشعبي،
عن النعمان بن بشير أنه قرأ سجد (ص)، وهو على المنبر، فسجد، ثم عاد إلى مجلسه (٤).
стр. 7840
[صحيح] (١).
(ث-٦٦٣) ومنها ما رواه ابن المنذر من طريق الليث، قال: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز،
عن السائب بن يزيد، أنه كان يقول: كان عثمان بن عفان يقرأ سورة داود وهو على المنبر، ثم ينزل فيسجد.
[صحيح] (٢).
(ث-٦٦٤) ومنها ما رواه أبو بكر النيسابوري في زياداته على المزني من طريق عبد الرحمن بن بشر، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عبدة بن أبي لبابة،
عن زر بن حبيش، قال: رأيت عمار بن ياسر قرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]، على المنبر، فسجد فيها.
[صحيح] (٣).
(ث-٦٦٥) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا زيد بن الحباب، عن عبد الرحمن بن شريح، قال: حدثني واهب المعافري،
عن أوس بن بشر، قال: رأيت عقبة بن عامر قرأ على المنبر السجدة، فنزل، فسجد (٤).
стр. 7841
[صحيح].
قال ابن المنذر: «ممن روينا عنه أنه نزل فسجد ثم عاد إلى موضعه عثمان بن عفان، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، والنعمان بن بشير، وعقبة بن عامر» (١).
يضاف لهم عمر بن الخطاب، فكيف بعد ذلك يقال: إن العمل ليس عليه، فهل عمل صغار التابعين زمن الإمام مالك في المدينة أولى من عمل خليفتين راشدين: عمر وعثمان مع مجموعة من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يعلم لهم مخالف.
•الراجح:
أن السجود جائز إذا قرأ آية سجدة، سواء كان على المنبر، أم كان في صلاة جهرية، وأن كل شيء لا يقطع موالاة الصلاة لا يقطع نظم الخطبة، والله أعلم.
стр. 7842
المبحث السادس في سجود التلاوة للمستمع
المدخل إلى المسألة:
• لا تلازم بين ثبوت أجر التلاوة على الاستماع وبين السجود لسماع آية السجدة.
• ترتب الأجر على الاستماع؛ لأنه لا عمل إلا بنية، وليس للإنسان إلا ما نوى، فما لم يقصد الاستماع فلا ثواب؛ لقوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) حتى صاغ الفقهاء قاعدة فقهية، فقالوا: لا ثواب إلا بنية.
• سجود التلاوة ليس مرتبًا على حصول ثواب التلاوة، وإنما معلق بسماع آية السجدة، فمن سمع أمر الله بطلب السجود شرع له الامتثال، سامعًا كان أم مستمعًا.
• قول الصحابة: (إنما السجود على من استمع) كلمة (على) ظاهرة إما في وجوب السجود أو في تأكده، وكلاهما لا ينفي جواز السجود من السامع؛ لانعقاد سببه، وهو سماع آية السجدة.
• إذا لم يشترط القصد في القارئ لم يشترط في المستمع، فلو أن الإنسان حصلت منه القراءة بلا قصد، فجاء على آية سجدة شرع له السجود، ولم يشترط القصد، فكذلك السامع.
[م-٩٤٤] اتفق العلماء على مشروعية سجود التلاوة للمستمع إذا كان القارئ صالحًا للإمامة، وسجد القارئ (١).
على اختلاف بينهم في حكمه، فالحنفية ورواية عن أحمد: على الوجوب،
стр. 7843
وقال غيرهم بالاستحباب.
وأدلة هذه المسألة هي أدلة الخلاف في القارئ، فلا حاجة لذكر أدلتها، وقد سبق بحثها ولله الحمد.
قال النووي: «سجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع، بلا خلاف» (١).
وقال الخطيب الشربيني: «(وتتأكد له) أي المستمع (بسجود القارئ) للاتفاق على استحبابه في هذه الحالة للمستمع» (٢).
والمقصود بالمستمع: المصغي للتلاوة، قال الله تعالى: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] أي أصغى بسمعه وهو غير غافل.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فطلب منهم القصد إلى الاستماع
واشترط المالكية أن يكون جلس قاصدًا باستماعه التعليم أو الحفظ من أحدهما، فإن جلس لمجرد السماع، أو لطلب الثواب أو من أجل تحصيل السجدة فقط، أو ليسمع الناس حسن قراءته لم يسجد المستمع (٣).
وأكثر هذه الشروط قد انفرد بها المالكية ولا دليل عليها، وإن كان بعضها وجيهًا كالجلوس ليسمع الناس حسن قراءته، لكن ذلك متعلق بقراءة القارئ، والمستمع له نيته،
وإذا كان الراجح في المستمع أنه ليس مرتبطًا بالقارئ ونيته، فيشرع له السجود لسماعه آية السجدة، سواء أسجد القارئ أم لم يسجد، وسواء أكان محسنًا في قراءته أم مسيئًا، فسماع آية السجدة سبب للسجود على أحد القولين، وقيل: بشرط قصد الاستماع، وما عداهما من الشروط لا دليل عليها، والله أعلم.
ومرد هذا الاختلاف اختلافهم في اشتراط صلاحية القارئ للإمامة لسجود المستمع، وسوف تأتينا هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
[م-٩٤٥] واختلفوا في السامع، وهو: من لم يقصد الاستماع، إذا سمع
стр. 7844
آية سجدة:
فقيل: السامع كالمستمع، وهو مذهب الحنفية، وقول عند المالكية وصفه الباجي بالشاذ، ووجه في مذهب الشافعية إلا أن الحنفية يقولون بالوجوب، وقال غيرهم: بالاستحباب (١).
وقال الشافعية: السامع كالمستمع إلا أن السجود في حق المستمع آكد، وهو الأصح المنصوص عن الإمام (٢).
وقيل: لا يسن له السجود، وهو مذهب المالكية، والحنابلة ووجه في مذهب الشافعية (٣).
قال النووي: «وأما الذي لا يستمع، بل يسمع عن غير قصد، ففيه أوجه. الصحيح المنصوص: أنه يستحب له، ولا يتأكد في حقه تأكده في حق المستمع.
стр. 7845
والثاني: أنه كالمستمع. والثالث: لا يسن له السجود أصلًا» (١).
• دليل من قال: لا يسن للسامع:
الدليل الأول:
قارئ القرآن مخاطب بالسجود إذا مر بآية سجدة بالاتفاق.
وكذلك المستمع ملحق به، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فطلب منهم عند سماعه الاستماع إليه، فإذا استمع كان حكمه حكم القارئ، ولم يختلف فيه.
وأما إذا لم يقصد الاستماع فلا يلزمه أحكام القرآن؛ لأن الأعمال بالنيات، وهذا لم يكن قارئًا، ولا مستمعًا.
ولأن الأصل أن السجود مخاطب به قارئ القرآن، ألحق به المستمع؛ لأنه شريكه بالأجر دون السامع فهو لم يشاركه في الأجر، فلم يشاركه في السجود.
قال إسماعيل بن إسحاق القاضي كما في التمهيد لابن عبد البر: «والذي يصلي خلف الإمام، حكمه في القراءة حكم من قرأ، إلا أن الله قد أشرك بين القارئ وبين المستمع المنصت، فهما شريكان في الأجر، وكذلك الذي يخطب يوم الجمعة والمستمع لخطبته» (٢).
ولأن المستمع كما يشترك في الأجر إذا سمع القرآن، فهو يشترك بالإثم إذا استمع إلى الحرام كالمستمع للأغاني، ولا يأثم من سمع الغناء ولم يقصد إلى استماعه.
• ويناقش:
ثبوت الأجر والإثم بالاستماع دون السماع، لا يجعله مخصوصًا بسجود التلاوة، فلا تلازم بين ثبوت أجر التلاوة وبين السجود لسماع آية السجدة، فالأجر يثبت للمستمع حتى ولو لم يسجد للتلاوة مع القارئ، ولأن اشتراط الاستماع لثبوت الأجر راجع إلى أنه لا ثواب إلا بنية، فما لم يقصد الاستماع فلا ثواب؛ لقوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى)، وأما السجود فسببه آية السجدة المتضمنة طلب السجود، فإذا سمع الأمر بالسجود كان