← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7877

الدليل الثاني: (ح-٢٧٤٤) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر، قال: قلت: يا رسول الله، أفضلت سورة الحج على القرآن بأن جُعِل فيها سجدتان؟ فقال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما (١). [ضعيف] (٢).

стр. 7878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7879

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7880

الدليل الثالث: (ح-٢٧٤٥) روى ابن وهب في الجامع، كما في تفسير القرآن من الجامع، قال: وحدثني معاوية بن صالح عن عامر بن جَشِيبٍ، عن خالد بن معدان أن النبي ﷺ قال: فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين (١). [مرسل بإسناد حسن] (٢).

стр. 7881

قال البيهقي: «وهذا المرسل إذا انضم إلى رواية ابن لهيعة صار قويًا». الدليل الرابع: (ث-٦٧٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، عن منصور، عن ابن سيرين، عن ابن عمر، عن عمر أنه سجد في الحج سجدتين، ثم قال: إن هذه السورة فضلت على سائر السور بسجدتين (١). [صحيح] (٢). الدليل الخامس: (ث-٦٧٤) روى المستغفري، من طريق أبي بكر هو ابن عياش، حدثنا عاصم، عن زر قال: سجد عمر وعثمان ﵄ في الحج سجدتين (٣). [حسن، وقد صح عن عمر من غير هذا الطريق] (٤). الدليل السادس: (ث-٦٧٥) روى مالك في الموطأ، عن عبد الله بن دينار، أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر يسجد في سورة الحج سجدتين.

стр. 7882

[صحيح، وهو أحد القولين عن ابن عمر] (١). الدليل السابع: (ث-٦٧٦) روى عبد الرزاق، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: فضلت سورة الحج بسجدتين.

стр. 7883

[صحيح، وهو أحد القولين عن ابن عباس] (١). (ث-٦٧٧) روى الحاكم من طريق محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا يونس بن عبيد، عن بكر بن عبد الله المزني، عن صفوان بن محرز، أن أبا موسى ﵁ سجد في سورة الحج سجدتين، وأنه قرأ السجدة التي في آخر سورة الحج، فسجد، وسجدنا معه. [صحيح] (٢). الدليل الثامن: (ث-٦٧٨) ما رواه الطحاوي وأبو بكر النيسابوري في الزيادات على المزني من طريق شعبة، عن يزيد بن خمير، قال: سمعت خالد بن معدان، وعبد الرحمن بن جبير بن نفير يحدثان عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء: أنه سجد في الحج سجدتين. [صحيح] (٣).

стр. 7884

• دليل من قال: الحج فيها سجدة واحدة: الدليل الأول: إثبات سجدة التلاوة في سورة من السور طريقه التوقيف، ولم يأت في النصوص ما تقوم به الحجة، والأصل عدم السجود وبراءة الذمة إلا بدليل صحيح صريح، فالمرفوع من الأدلة إما ضعيف، وإما مرسل، والآثار عن الصحابة مختلفة، وإذا اختلف الصحابة فلا حجة في قول أحدهم إلا بمرجح من خارج قوله، ولا مرجح. • ويناقش: بأن هناك أكثر من مرجح، من ذلك أنه قول خليفتين راشدين: عمر وعثمان. ومنه أنه قول أكثر الصحابة. ومنه أن الذي ورد عنه القول بأنها سجدة واحدة كابن عباس وابن عمر قد جاء عنهما رواية أخرى أنها سجدتان، فكان قولهما الموافق للمرفوع الضعيف والمرسل الحسن أولى. الدليل الثاني: قال تعالى في سورة الحج: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. وجه الاستدلال: أن السجدة متى قرنت بالركوع كانت عبارة عن سجدة الصلاة كما في قوله تعالى لمريم: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] وتأويل الحديث فضلت الحج بسجدتين: يعني: إحداهما سجدة التلاوة، والأخرى سجدة الصلاة (١). ولأن سجود العزائم في القرآن غالبًا ما ترد إما بلفظ الإخبار، وإما على سبيل الذم لمن ترك السجود، بينما السجدة الثانية في الحج وردت بلفظ الأمر، وما رود بلفظ الأمر

стр. 7885

فهو سجود تعليم، كقوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحِجر: ٩٨]، فهذه الآيات ليس فيها سجود تلاوة، فكذلك قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾. وعلى هذا يأتي مذهب مالك إذا اعتبرته؛ لأن جميع ما لم ير فيه السجود جاء على سبيل الأمر، فهو محمول على سجود الصلاة، وجميع ما رأى فيه السجود جاء على سبيل الخبر، أو الذم لمن ترك السجود. فإن قيل: سجدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ جاءت على سبيل الخبر، ولا سجود فيها عنده. قيل له: الوعيد المذكور فيها يقوم مقام الأمر. فإن قيل: سجدة (حم) جاءت على سبيل الأمر، ويسجد فيها عنده. قيل له: المعنى فيها الإخبار عن فعل الكفار الذين لا يسجدون لله، ويسجدون للشمس والقمر، والنهي عن التشبه بهم في ذلك، ويدل على ذلك قوله في آخر الآية: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]؛ لأن المعنى في ذلك: فإن استكبر الكفار عن السجود لله فالذين عنده لا يستكبرون عن ذلك، وقد أجاز بعض العلماء السجود عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ ليكون عند ذكر الإخبار على الأصل الذي ذكرناه (١). • ويجاب بجوابين: الجواب الأول: الرواية مقدمة على تفسير الدراية، واجتماع عدد من الصحابة على اعتبارها سجدة تلاوة، منهم عمر وعثمان وابن عمر في أحد قوليه، وابن عباس في أحد قوليه، وأبو موسى وأبو الدرداء كل هؤلاء وفيهم خليفتان راشدان ذهبوا إلى أن سورة الحج فيها سجدتان، فهو دليل على أنهم أخذوا ذلك من النبي ﷺ ، لأنه لا مجال للاجتهاد، وهذه الآثار الصحيحة تعضد ما روي مسندًا بإسناد ضعيف، وما روي مرسلًا بإسناد حسن، والاحتجاج بالمرسل حجة عند الحنفية والمالكية، والله أعلم.

стр. 7886

الجواب الثاني: أن الراجح في النجم أن فيها سجدة تلاوة، والسجود فيها ورد بلفظ الأمر، لقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢]، وقل مثله في سورة العلق عند قوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، فلم يطرد ما قعدوه، ومالك لم يدع السجود في المفصل بناء على أن بعض الآيات جاءت بصيغة الأمر، بل لأنه يعتقد أن السجود في المفصل كان مشروعًا قبل الهجرة بما فيها سجود النبي ﷺ في النجم، فحين هاجر النبي ﷺ ترك السجود في المدينة، فإذا تبين أن النبي ﷺ سجد فيها بالمدينة كما أخبر أبو هريرة، صار السجود في المفصل مشروعًا، وسوف يأتي بحثه إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: (ث-٦٧٩) روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عكرمة بن خالد؛ أن سعيد بن جبير أخبره؛ أنه سمع ابن عباس وابن عمر يعُدَّان كم في القرآن من سجدة؟ قالا: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج أولها، والفرقان، وطس، و الم تَنْزِيلُ، وص، وحم السجدة، إحدى عشرة. [صحيح] (١).

стр. 7887

• ويجاب: بأنه قد صح عن ابن عباس وابن عمر أن سورة الحج فيها سجدتان، وليس أحد القولين بأولى من الآخر، فيتساقطا، بل في القول الآخر زيادة، فيصار إليها. • الراجح: القول بأن الحج فيها سجدتان أقوى من القول بأن فيها سجدة واحدة، والله أعلم.

стр. 7888

المبحث الثاني خلاف العلماء في سجدة سورة (ص) المدخل إلى المسألة: • ثبت عن النبي ﷺ أنه سجد في سورة ص كما في صحيح البخاري، وهو مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فمن قيد المطلق بكون السجود خارج الصلاة، فقد قيد النص بلا دليل. • سواء أكان سجود النبي ﷺ داخل الصلاة أم كان خارجها، فقد انعقد السجود بسبب التلاوة، وكل سجدة كان سببها التلاوة فإنه يجوز فعلها في الصلاة. • لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، أنه سجد عند ذكر قصة توبة داود بلا تلاوة، ولو سجدها أحد من غير تلاوة لعُدَّ ذلك بدعة. • سجود الشكر يفعل مرة واحدة، ولا يشرع تكراره، والسبب واحد، فلما تكرر السجود في سجدة ص عند قراءة سجدتها في موضع معين، علم أن السجود مرتبط بالتلاوة، والشكر تبع. • سجود الشكر المعهود لا يشرع للنعم القديمة، ولا المستمرة وإنما يشرع عند تجدد النعم، وارتفاع النقم، فلما شرعت سجدة (ص)، والنعمة قديمة خالف سجود الشكر المعروف. • من أثبت من الصحابة السجود في سورة ص في الصلاة مقدم على من نفاها؛ لأن المثبت مقدم على النافي؛ لأن عنده زيادة علم، ولأن من سجد فقد سجد امتثالًا؛ لأنه لا يوقف عليه بالرأي، ومن ترك السجود تركه اجتهادًا تبعًا للبراءة الأصلية. • كون سجدة ص سجدة توبة في أصل تشريعها، وفي شرع من قبلنا، لا يمنع أن تكون سجدة تلاوة في شريعتنا؛ لارتباط سجودها بالتلاوة، فغلب ذلك على أصل فعلها، كالسعي والرمل في الحج، لا ينظر إلى أصل حدوثه.

стр. 7889

[م-٩٥٠] اختلف العلماء في سجدة ص فقيل: سجدة تلاوة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وقولٌ في مقابل الأصح عند الشافعية، واختاره أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي من الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها من أصحابه ابنُ عقيل وأبو بكر، وبه قال طاوس، ومسروق، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن البصري، والأوزاعي، وإسحاق (١). وقيل: سجدة ص توبة نبيٍّ، سجدها داود شكرًا، وهو الأصح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة، وبه قال ابن وهب، وابن حبيب من المالكية (٢). ويترتب على الخلاف في جواز فعلها في الصلاة: فعلى القول الأول: يسجدها في الصلاة. وعلى الثاني: إن سجدها في الصلاة عالمًا عامدًا بطلت صلاته، وإن سجدها جاهلًا أو ناسيًا سجد للسهو، وهو الأصح في مذهب الشافعية والحنابلة، وقيل: لا تبطل، وهو قول للحنابلة.

стр. 7890

قال النووي في المجموع: «قال أصحابنا سجدة ص ليست من عزائم السجود، معناه: ليست سجدة تلاوة، ولكنها سجدة شكر. هذا هو المنصوص، وبه قطع الجمهور … وإن قرأها في الصلاة ينبغي ألا يسجد، فإن خالف وسجد ناسيًا أو جاهلًا لم تبطل صلاته، ولكن يسجد للسهو، وإن سجدها عامدًا عالمًا بالتحريم بطلت صلاته على أصح الوجهين» (١). وقيل: بالتخيير، اختاره أبو العالية، قال: كان بعض أصحاب النبي ﷺ يسجد في ص وبعضهم لا يسجد فأي ذلك شئت فافعل (٢). وليس كل خلاف وقع بين الصحابة يكون ثمرته التخيير بين القولين، بل يتحرى طالب العلم أقرب القولين إلى الحق، ولا يجوز للمجتهد أن يأخذ بأحد القولين من غير دليل على صحته؛ لأن الصواب واحد لا يتعدد، خاصة أن هذا الفعل زيادة في الصلاة، وإذا لم يتبين مرجح لأحدهما كان الاحتياط في ترك السجدة؛ لأن التارك قد ترك سنة على القول بصحة السجدة، وإذا لم تثبت السنة لم يشرع الفعل، فلا تثريب عليه في الترك، والله أعلم. • دليل من قال: سجدة سورة ص سجدة تلاوة: الدليل الأول: (ح-٢٧٤٦) ما رواه البخاري من طريق حماد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: (ص) ليس من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها (٣).

стр. 7891

وروى البخاري من طريق شعبة، عن العوام قال: سألت مجاهدًا، عن السجدة في (ص) قال: سئل ابن عباس فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وكان ابن عباس يسجد فيها (١). ورواه البخاري من طريق سهل بن يوسف، قال: سمعت العوام بنحوه .... وفيه: .... نبيكم ﷺ ممن أمر أن يقتدي بهم (٢). فالحديث اشتمل على أثر وسنة، أما الأثر: فقول ابن عباس عن ص ليست من عزائم السجود. وقوله: إن النبي سجد اقتداء بمن سبق، ويحتج بهذه الآية بعض الأصوليين ممن يرى أن شرع من قبلنا شرع لنا. وأما السنة: فهو في فعل النبي ﷺ حيث سجد فيها. وسواء أكان سجوده داخل الصلاة أم خارجها فقد انعقد السجود بسبب التلاوة، وكل سجدة كان سببها التلاوة فإنه يجوز فعلها في الصلاة، ومنه سجدة (ص). وهذا أصح دليل في سجدة (ص)، وهو من أفراد الإمام البخاري عليه رحمة الله. وأما قول ابن عباس ليست من عزائم السجود، فاختلف الفقهاء في تفسير العزائم: فقيل: ليست من العزائم أي ليست من الفرائض. ونفي الفريضة عند الحنفية، لا يستلزم نفي الواجب؛ لتفريقهم بين الفرض والواجب، وعليه تكون عزائم السجود: ما كان السجود فيها فرضًا، وما ليس من عزائم السجود ما كان السجود فيها واجبًا (٣). وقيل: عزائم السجود: أي المتأكد منها. وعلى هذا تكون سجدات التلاوة منقسمة إلى قسمين: سجدات يتأكد السجود فيها، وهي ما تسمى عزائم السجود، وأخرى يكون السجود فيها غير متأكد، كانقسام السنن إلى مؤكدة، وغير مؤكدة (٤).

стр. 7892

قال المازري: «قال بعضهم: معنى العزائم: أنها آكد مما سواها» (١). والتأكد يستفاد من الدلالة اللفظية للآية، بحيث يكون السجود فيها جاء بلفظ الأمر، أو بلفظ الذم لمن ترك السجود. جاء في المصباح المنير: «وعزائم السجود ما أمر بالسجود فيها» (٢). وقال ابن حجر: «والمراد بالعزائم: ما وردت العزيمة على فعله، كصيغة الأمر مثلًا، بناء على أن بعض المندوبات آكد من بعض عند من لا يقول بالوجوب» (٣). وقد يستفاد التأكد من إجماع أهل العلم على السجود فيها بخلاف السجدات التي وقع خلاف فيها. وهذا معنى عبارة الإمام مالك في الموطأ، رواية أبي مصعب الزهري، قال ﵀: «أجمع الناس على أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء» (٤). وفي رواية أخرى: الأمر المجتمع عليه عندنا .... » (٥). قال المازري: «ومعنى قوله: اجتمع الناس: أنهم أجمعوا على السجود فيها.

стр. 7893

ولم يرد: أنهم أجمعوا على ألا سجود إلا فيها، كما ظن به بعض الناس» (١). قال ابن رشد الجد: «الاختلاف في عزائم السجود معلوم بين السلف في المدينة. وقد يتأول قوله: (الأمر المجتمع عليه عندنا … )، على أنه إنما أراد أنه اجتمع على أن الأحد عشر من العزائم، ولم يجتمع على أن ما سواها من العزائم. وهو تأويل جيد محتمل، تصح به الرواية» (٢). وسجدة ص قد وقع الخلاف في عدها من سجدات التلاوة، فيكون السجود فيها ليس من عزائم السجود على هذا التفسير. وقيل: ما كان من العزائم فيفعل في الصلاة، وما كان من غير العزائم، فيسجد فيها خارج الصلاة. وهذا توجيه الشافعية في الأصح والحنابلة (٣). والمؤكد أن ابن عباس عندما قال: ليست من العزائم، لا يريد نفي السجود فيها، لأنه أتبعه بقوله: وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها. وما كان لابن عباس ولا لغيره أن يقول قولًا يخالف فيه فعل النبي ﷺ ، فكونها ليست من العزائم، لا ينفي مشروعية السجود فيها مطلقًا عند الحنفية والمالكية، وخارج الصلاة عند الشافعية والحنابلة، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٢٧٤٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن صالح، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو يعني: ابن الحارث، عن ابن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ص، فلما بلغ السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ الناس للسجود، فقال رسول الله ﷺ : إنما هي توبة نبي، ولكني

стр. 7894

رأيتكم تَشَزَّنْتُمْ للسجود، فنزل فسجد، وسجدوا (١). [ظاهره الصحة، لكنه معلٌّ، والسجود في (ص) ثابت في البخاري] (٢). الدليل الثالث: (ح-٢٧٤٨) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم بن البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا نافع بن يزيد، عن الحارث بن سعيد العتقي، عن عبد الله ابن منين من بني عبد كلال، عن عمرو بن العاص: أن النبي ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن: منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان. [ضعيف] (٣). ولا تكون السجدات خمس عشرة إلا إذا عدت سجدة ص منها. الدليل الرابع: (ث-٦٨٠) روى عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج، قال: أخبرني سليمان الأحول، أن مجاهدًا أخبره، عن ابن عباس قال: رأيت عمر قرأ (ص) على المنبر، فنزل، فسجد فيها، ثم علا المنبر. [صحيح] (٤).

стр. 7895

الدليل الخامس: (ث-٦٨١) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، قال: كنت لا أسجد في (ص) حتى حدثني السائب أن عثمان سجد فيها. [صحيح] (١). الدليل السادس: (ث-٦٨٢) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: في (ص) سجدة وتلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ

стр. 7896

اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. [صحيح موقوف، وهو أحد القولين عن ابن عباس] (١). قال القسطلاني: «فاستنبط -يعني ابن عباس- منه وجه سجود النبي ﷺ فيها، من الآية. والمعنى: إذا كان نبيكم مأمورًا بالاقتداء بهم، فأنت أولى. وإنما أمره بالاقتداء بهم ليستكمل بجميع فضائلهم الجميلة، وخصائلهم الحميدة، وهي نعمة ليس وراءها نعمة. فيجب عليه الشكر لذلك (٢). (ث-٦٨٣) وروى عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عكرمة بن خالد؛ أن سعيد بن جبير أخبره؛ أنه سمع ابن عباس وابن عمر يعُدَّان كم في القرآن من سجدة؟ قالا: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج أولها، والفرقان، وطس، والم تنزيل، وص، وحم السجدة، إحدى عشرة. [صحيح] (٣). (ث-٦٨٤) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبدة وصدقة سمعا ابن عمر يقول: في (ص) سجدة. [صحيح] (٤). • دليل من قال: لا يسجد في (ص): الدليل الأول: لم يرو عن النبي ﷺ أنه سجد هذه السجدة في الصلاة، فإن وجد ذلك في شيء من الروايات، وثبت جاز فعلها في الصلاة، وجاز فعل كل سجدة شكر مثلها والله أعلم (٥).

стр. 7897

• ويناقش من وجهين: الوجه الأول: ثبت أن النبي ﷺ سجد في ص، وهو مطلق، والمطلق جارٍ على إطلاقه، فمن قيد المطلق بكون السجود خارج الصلاة فقد قيَّد النص بلا دليل، وسواء أكان سجود النبي ﷺ داخل الصلاة أم خارجها فقد انعقد السجود بسبب التلاوة، وكل سجدة كان سببها التلاوة فإنه يجوز فعلها في الصلاة، ومنه سجدة (ص). الوجه الثاني: لو صح أننا نسجدها شكرًا لله على قبول توبة داود، فإن ذلك لا يعني جواز سجود كل سجدة شكر داخل الصلاة، فإن سجدة ص لا تنفك عن سببها، وهو التلاوة، والتلاوة من أفعال الصلاة، فجاز فعلها داخل الصلاة، فكأن التلاوة علة السجود، والشكر الحكمة من السجود، والحكم تبع لعلته، بخلاف سجدة الشكر المرتبطة بتجدد النعم، أو زوال النقم فإنها لا ارتباط لها بالتلاوة فلا يجوز فعلها في الصلاة، أرأيت القصر والفطر علته السفر، وحكمته المشقة، والحكم مرتبط بالعلة لا بالحكمة، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٢٧٤٩) ما رواه النسائي من طريق حجاج بن محمد، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ سجد في ص وقال: سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا (١). [رجاله ثقات إلا أنه معلٌّ بالإرسال] (٢).

стр. 7898

• ويجاب عن الاستدلال بأكثر من جواب: الجواب الأول: لو صح أن السجود في ص سجدة شكر، فلا يشبه الشكر المشروع عند سماع بشارة، أو زوال مكروه، فإن مثل هذا السجود يفعل مرة واحدة، ولا يشرع تكراره، فلما تكرر السجود في سورة ص عند قراءة آية معينة من سورة ص علم أن السجود مرتبط بالتلاوة، والشكر تبع. الجواب الثاني: سجود الشكر الخاص لا يشرع للنعم القديمة المستمرة، وإنما يشرع السجود على النعم المتجددة. يقول ابن القيم: «النعم نوعان: مستمرة، ومتجددة، فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شرع لها سجود الشكر» (١). فلما شرع السجود في سورة ص، وهو نعمة قديمة خالف السجود في ص سجدة الشكر المعهودة العارضة.

стр. 7899

الجواب الثالث: أنه لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنه سجد عند ذكر قصة توبة داود بلا تلاوة، ولو سجدها أحد من غير تلاوة لَعُدَّ ذلك بدعة، فكانت سجدة (ص) سجدة تلاوة وشكر. الدليل الثالث: (ث-٦٨٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، أنه كان لا يسجد في ص ويقول: توبة نبي. [صحيح، وهذا إسناد حسن] (١). • وأجيب بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن السجود في سورة (ص) ثبت عن النبي ﷺ ، والمرفوع مقدم على الموقوف. الجواب الثاني: من سجد من الصحابة في سورة ص في الصلاة قولهم مقدم على قول من نفاها؛ لأن المثبت مقدم على النافي؛ لأن عنده زيادة علم، ولأن من سجد فقد سجد امتثالًا؛ لأنه لا يوقف عليه بالرأي، ومن ترك السجود تركه اجتهادًا تبعًا للبراءة الأصلية، والنقل مقدم على الرأي.

стр. 7900

الجواب الثالث: من سجد في ص من الصحابة عددهم أكثر، منهم: عمر، وعثمان، وهما خليفتان راشدان، وابن عباس في أحد قوليه، وابن عمر، وتقديم الأكثر من طرق الترجيح عند التعارض، والله أعلم. الجواب الرابع: قول عبد الله: (إنها ليست بسجدة؛ لأنها توبة نبي)، فإن كثيرًا من مواضع السجود إنما هو حكايات عن قوم مدحوا بالسجود، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وهي من مواضع السجود للناس بالاتفاق. وقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] ونحوها من الآي التي فيها حكاية سجود قوم، فكانت من مواضع السجود (١). الجواب الخامس: الأئمة الأربعة متفقون على سجودها خارج الصلاة، وكونها توبة لداود ليس سببًا في السجود، وإلا لشرع السجود لتوبة آدم عند قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]. وفي توبة موسى عند قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]. وكذلك عند توبة الله على يونس في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠]. و كون سجدة ص سجدة توبة في أصل تشريعها، وفي شرع من قبلنا، لا يمنع أن تكون سجدة تلاوة في شريعتنا، فالنبي ﷺ سجد عند تلاوة الآية، وفي موضع معين منها، وليس لمجرد ذكر داود ﵇، فكانت التلاوة سببًا في السجود، فغلب

стр. 7901

ذلك على أصل فعلها، كما أن السعي في الحج كان الباعث عليه في أصله طلب الغوث من المخلوق، فتحول إلى شعيرة في ديننا، ولم ينظر إلى أصل حدوثه، ومثل ذلك الرمل فإن سبب مشروعيته إغاظة المشركين، ثم شرع بعد ذلك إلى يوم القيامة. الدليل الرابع: (ث-٦٨٦) روى عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: سجود القرآن عشر .... فذكرها، قلت: ولم يكن ابن عباس يقول في (ص) سجدة؟ قال: لا. [صحيح، وهو أحد القولين عن ابن عباس] (١). • ويجاب عنه بما أجيب به الأثر السابق. • الراجح: بعد استعراض أدلة الفريقين ومناقشتها أجد القول بمشروعية السجود فيها داخل الصلاة وخارجها أقوى حجة من القول الآخر، والله أعلم.

стр. 7902

المبحث الثالث خلاف العلماء في سجدات المفصل المدخل إلى المسألة: • سجود النبي ﷺ بالمفصل بالمدينة ثابت من حديث أبي هريرة في الصحيحين، والمثبت مقدم على النافي. • لم يثبت في حديث صحيح أن النبي ﷺ ترك السجود في الانشقاق أو في العلق. • ترك النبي ﷺ السجود في سجدة النجم خاصة حين سمع قراءتها من زيد ابن ثابت، في واقعة واحدة، ولم يثبت أنه استمر على الترك في كل العصر المدني، ولا أنه ترك السجود في غيرها من سجدات المفصل. • المتيقن أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وما ثبت يقينًا لا يرفع حكمه إلا بيقين. • حديث زيد يحتمل أن النبي ﷺ ترك السجدة نسخًا للحكم، ويحتمل أنه ترك ذلك؛ لجواز الترك، كما فعل عمر حيث سجد مرة وترك أخرى، وقال: إن الله لم يوجب علينا السجود إلا أن نشاء، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، والأصل عدم النسخ. • لا يستفاد من ترك السجدة في حديث زيد بن ثابت إلا كون السجود ليس واجبًا، فكان الفعل دليلًا على المشروعية، وكان الترك دليلًا على عدم الوجوب. • لو فُسِرَ فعلُ النبي ﷺ مع زيد على أنه نسخ لم يبق لنا سنة مسنونة، فإن السنن تفعل أحيانًا وتترك أحيانًا، وليس من شرط السنة المواظبة على فعلها. • لو كان الترك من قبيل النسخ لحفظ في النصوص ما يدل على رفع الحكم الأول صونًا للشريعة من اللبس. [م-٩٥١] اختلف أهل العلم في المفصَّل، أفيه سجداتُ تلاوةٍ أم لا؟

стр. 7903

فذهب الحنفية، والحنابلة، وبه قال الشافعي في الجديد إلى إثبات السجود في المفصَّل في ثلاث مواضعٍ منه: في سورة النَّجم، والانشقاقِ، والعلقِ، وهو رواية ابن وهب عن مالك، وبه قال ابن وهب وابن حبيب (١). وقال المالكية: لا سجود في المفصَّل، والسجودُ فيه منسوخ، وقال به الشافعي في القديم (٢). قال مالك كما في الموطأ: «الأمر عندنا أن عزائمَ سجودِ القرآنِ إحدى عشرةَ سجدةً. ليس في المفصَّل منها شيء» (٣). واختلف المالكية في الموقف من اختلاف الروايةِ عن مالك: فقال جمهور المتأخرين: هذا من الاختلاف في المذهب. واختار القاضي أبو محمد وغيرُه: أن ذلك لا يعد خلافًا في الحقيقة، فالسجود في الجميع مأمورٌ به، كما ذكر ابن وهب وابن حبيب، وإنما الإحدى عشرة: هي

стр. 7904

العزائم، فهي آكد مما عداها لا غير (١). وقيل: يباح السجود في المفصَّل، وهو روايةٌ عن مالك (٢). • دليل من قال: لا سجودَ في المفصَّل: الدليل الأول: (ح-٢٧٥٠) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن رافع، حدثنا أزْهَرُ بن القاسم، - قال محمد رأيته بمكة - حدثنا أبو قُدَامة، عن مطر الورَّاق، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيْءٍ من المفصَّل منذ تحوَّل إلى المدينة (٣). [منكر، وإسناده مضطرب] (٤).

стр. 7905

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7906

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 7907

• وأجيب بأجوبة منها: الجواب الأول: ضعف حديث ابن عباس، وقد كشف ذلك تخريج الحديث. الجواب الثاني: أن سجود النبي ﷺ بالمفصل بالمدينة ثابت من حديث أبي هريرة في

стр. 7908

الصحيحين، والمثبت مقدم على النافي. قال الطحاوي: «ما رويناه عن أبي هريرة من هذا يخالف ما رويناه عن ابن عباس فيه؛ لأن الذي رويناه عن ابن عباس فيه إخباره بترك رسول الله ﷺ السجود في المفصَّل بعد أن قدم المدينة، وفي هذا سجوده فيه بعد أن قدم المدينة، وكان هذا عندنا أولى؛ لأن إثبات الأشياء أولى من نفيها» (١). وقال ابن المنذر: « .... ولو ثبت - يعني: حديث ابن عباس- لكان أبو هريرة في موضع شاهد، وابنُ عباس في موضع نافٍ لشيء، والشاهد المخبر أولى من الشاهد النافي الذي ليس شاهدًا مخبرًا» (٢). الجواب الثالث: لو صح أن النبي ﷺ لم يسجد في المفصَّل في المدينة، لكان الترك ليس دليلًا على النسخ، وإنما دليل على عدم وجوب السجود؛ لأن مجرد الترك لا يكون نسخًا لِمَا ثبت مشروعية فعله حتى يأتي في الأدلة ما يدل على رفع الحكم الأول، وليس هناك ما يفيد ذلك، فكانت القاعدة الشرعية تقول: إذا أمر الرسول ﷺ بأمر كان على الوجوب، فإذا خالفه دلَّ ذلك على أن الأمر على الاستحباب، وإذا نهى عن شيء كان نهيه على التحريم، فإذا فعله كان ذلك قرينة على أن النهي للكراهة، إلا أن يأتي نصٌّ يدل على اختصاص ذلك بالنبي ﷺ . قال ابن رشد الحفيد: «وجه الجمع بين ذلك يقتضي ألا يكون السجود واجبًا، وذلك بأن يكون كل واحد منهم حدَّث بما رأى، من قال: إنه سجد، ومن قال: إنه لم يسجد» (٣). وهذا الجمع متوجه لو كانت الأحاديث في ترك السجود صحيحة، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٢٧٥١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط،

стр. 7909

عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي ﷺ : ﴿وَالنَّجْمِ﴾. فلم يسجد فيها (١). وجه الاستدلال: فحملوا هذا الفعل من النبي ﷺ أن هذا كان شأنه في المدينة حيث ترك السجود في المفصل، مع أنه لم ينقل عنه أنه استمر على الترك، وقالوا: وحديث زيد يؤيد ما روي عن ابن عباس موقوفًا من ترك السجود في المفصل بسند صحيح. • ويجاب بأكثر من جواب: الجواب الأول: القول بأن هذا كان شأنه في المدينة دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على أنه استمر على ترك السجود في المفصل طيلة العصر المدني، بل ثبت في حديث أبي هريرة في الصحيحين، سجود الرسول ﷺ في الانشقاق وفي مسلم سجوده في العلق وسجد معه أبو هريرة، وكان إسلام أبي هريرة في السنة السابعة من الهجرة. وسوف أسوقهما بأسانيدهما في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. الجواب الثاني: لو سلمنا أنه استمر على ترك السجود، فإنما ترك السجود في سجدة النجم، فتعميم هذا على سائر سجدات المفصل لا دليل عليه، بل النص ثابت بخلافه كما أسلفنا. ولهذا قال ابن تيمية: «إن السجود في النجم وحدها منسوخ؛ بخلاف اقرأ والانشقاق، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه سجد فيهما، وسجد معه أبو هريرة، وهو أسلم بعد خيبر. وهذا يبطل قول من يقول: لم يسجد في المفصل بعد الهجرة، وأما سور النجم: … (٢)، بل حديث زيد صريح في أنه لم يسجد فيها، قال هؤلاء: فيكون النسخ فيها خاصة لا في غيرها؛ لما كان الشيطان قد ألقاه حين ظن من ظن أنه وافقهم ترك السجود فيها بالكلية سدًّا لهذه الذريعة. وهي في الصلاة تأتي

стр. 7910

في آخر القيام وسجدة الصلاة تغني عنها فهذا القول أقرب من غيره، والله أعلم» (١). وقد سجد النبي ﷺ في سورة النجم كما في حديث ابن مسعود في مكة، وترك زيد والنبي ﷺ السجود فيها في واقعة واحدة كما في حديث زيد بن ثابت، ولا علاقة للمكان في الفعل والترك، بل ذكر مكة في حديث ابن مسعود وقع اتفاقًا، وليس بينهما تعارض، بل هو محمول أحدهما: على جواز الترك، والآخر: على استحباب الفعل، ولا يوجد أي نص يدل على رفع الحكم الأول بنص صحيح، وقد سقت خمسة احتمالات جوابًا على حديث زيد، بعضها أقوى من بعض، ذكرتها كلها في مسألة حكم سجود التلاوة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا. قال الخطيب: «ليس في هذين الحديثين تضاد، ولا أحدهما ناسخ للآخر، وفيهما دليل على أن سجود التلاوة ليس بحتم؛ لأن النبي ﷺ سجد في النجم تارة، وترك السجود فيها تارة أخرى، والمستحب ألا يترك، وهذا اختلاف من جهة المباح» (٢) الدليل الثالث: (ح-٢٧٥٢) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال: حدثنا عثمان بن فائد، قال: حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن المهدي بن عبد الرحمن بن عيينة بن خاطر، قال حدثتني عمتي أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: سجدت مع النبي ﷺ إحدى عشرة سجدة، ليس فيها من المفصل شيء: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج، وسجدة الفرقان، وسليمان سورة النمل، والسجدة، وفي ص، وسجدة الحواميم (٣). [ضعيف جدًّا] (٤).

стр. 7911

الدليل الرابع: (ث-٦٨٧) روى عبد الرزاق، قال: أخبرني ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: سجود القرآن عشر الأعراف، والنحل، والرعد، وبني إسرائيل، ومريم، والحج، والفرقان، وطس الوسطى، و الم تنزيل، وحم السجدة، قلت: ولم يكن ابن عباس يقول في (ص) سجدة؟ قال: لا. [صحيح] (١).

стр. 7912

فلم يعد فيها سجدات المفصل، ولا سجدة ص، ولا سجدة الحج الثانية. ورواه الطحاوي من طريق الخصيب بن ناصح، قال: حدثنا همام، عن ابن جريج، عن عطاء: أنه سأل ابن عباس ﵄ عن سجود القرآن، فلم يعد عليه في المفصل شيئًا (١). [حسن]. (ث-٦٨٨) روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عكرمة بن خالد؛ أن سعيد بن جبير أخبره؛ أنه سمع ابن عباس وابن عمر يعُدَّان كم في القرآن من سجدة؟ قالا: الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج أولها، والفرقان، وطس، و الم تنزيل، وص، وحم السجدة، إحدى عشرة. [صحيح] (٢). وهذه موافقة من ابن عمر لابن عباس على ترك السجود في المفصل. • ويناقش: بأن هذا موقوف عليهما، والموقوف لا يعارض به المرفوع، فإنه لا حجة لقول الصحابي إذا ثبتت السنة المرفوعة في السجود في المفصل كما في حديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود، والله أعلم. الدليل الخامس: (ث-٦٨٩) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن داود ابن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار قال: سألت أبي بن كعب في المفصل سجود؟ قال: لا (٣).

стр. 7913

[صحيح] (١). • ويجاب عن هذه الآثار بجوابين: الأول: مخالفتها للمرفوع. الثاني: مخالفتها لآثار أخرى عن الصحابة، والآثار الموافقة للمرفوع مقدمة على المخالف منها، وسوف نذكر هذه الآثار في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. • دليل من قال: في المفصل ثلاث سجدات: الدليل الأول: (ح-٢٧٥٣) ما رواه البخاري من طريق سليمان التيمي، عن بكر، عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد، فقلت له، قال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه. ورواه مسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه (٢). ورواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة ﵁، قال: سجدنا مع النبي ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ (٣). ولقد كان إسلام أبي هريرة في السنة السابعة من الهجرة ولم ينقل أن النبي ﷺ قرأ سورة الانشقاق أو العلق ولم يسجد، وفي هذا الحديث رد لمن قال: إن النبي ﷺ ترك السجود في كل سجدات المفصل في المدينة، وإنما ترك السجود عند سماع قراءة سورة النجم في واقعة واحدة، والترك لم يفسر بأنه رفع للحكم حتى يجزم بالنسخ، وقد فسره الفقهاء باحتمالات كثيرة، وقد سجد النبي ﷺ في الانشقاق والعلق، فلا يترك النص الواضح المتيقن لشيء متوهم.

стр. 7914

فمن ادعى ترك السجود في المفصل كله، أو ادعى الاستمرار على ترك السجود في سجدة النجم فقد وهم. الدليل الثاني: (ح-٢٧٥٤) ما رواه البخاري، من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (١). الدليل الثالث: (ح-٢٧٥٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت الأسود، عن عبد الله ﵁ قال: قرأ النبي ﷺ النجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ، أخذ كفًا من حصى أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا (٢). هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم مثله غير أنه لم يذكر (مكة). • وأجيب: بأن حديث زيد بن ثابت أنه قرأ النجم، فلم يسجد النبي ﷺ ، كان ذلك بالمدينة، وهو متأخر عن فعله بمكة، فيكون ناسخًا، وقد تأكد ذلك بمذهب ابن عباس، وابن عمر وأبي بن كعب ﵃ أجمعين. • ورد على هذا بأكثر من جواب: الجواب الأول: لو فسر فعله مع زيد على أنه نسخ لم يبق لنا سنة مسنونة، فإن السنن تفعل أحيانًا وتترك أحيانًا، وليس من شرط السنة المواظبة على فعلها. الجواب الثاني: المتيقن أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وما ثبت يقينًا لا يرفع حكمه إلا بيقين، لأن

стр. 7915

حديث زيد يحتمل أن النبي ﷺ ترك السجدة نسخًا للحكم، ويحتمل أنه ترك ذلك لجواز الترك، كما فعل عمر حيث سجد مرة وترك أخرى، وقال: إن الله لم يوجب علينا السجود إلا أن نشاء، وسبق تخريجه، والأصل عدم النسخ، ولو كان الترك من قبيل النسخ لحفظ في النصوص ما يدل على رفع الحكم الأول صونًا للشريعة من اللبس، كما نقل ذلك في بعض أحكام الصلاة التي مر عليها تغيير، كالتطبيق، وموضع وقوف الإمام إذا كانوا ثلاثة وغيرها من الأحكام التي تغيرت، فلما لم ينقل مثل ذلك كانت دعوى النسخ مجرد دعوى، لا دليل عليها، فلا يستفاد من ترك السجدة في حديث زيد بن ثابت إلا أن السجود ليس واجبًا، فكان الفعل دليلًا على المشروعية، وكان الترك دليلًا على عدم الوجوب، وأما دعوى النسخ فهو من أضعف الأقوال، والله أعلم. الجواب الثالث: كون ابن عباس وابن عمر وأبي بن كعب لا يرون السجدة في المفصل فقد عارضهم قول عمر وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، فينظر أقرب القولين إلى الحق؛ لأن الصواب واحد، لا يتعدد على الصحيح، فلا يؤخذ بأحد القولين من غير دليل على صحته، والله أعلم. الجواب الرابع: لو فرض أن ترك السجدة في النجم منسوخ بحديث زيد، فما دليلكم على نسخ السجدة في الانشقاق والعلق، فهذا الاستدلال أعم من الدليل. الدليل الرابع: (ث-٦٩٠) روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا قرة، قال: حدثنا محمد بن سيرين، قال: حدثنا أبو هريرة، قال: سجد أبو بكر وعمر ﵄ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ومن هو خير منهما. [صحيح] (١).
следующие страницы →