← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.

стр. 7946

• ويناقش: كون الركعة الثانية يتعلق بها قراءة، لا يعني انفصال القراءة بعضها عن بعض، بدليل أنه يستعيذ في الركعة الأولى لجميع قراءة الصلاة، ولا يعيد الاستعاذة في الركعات الأخرى على الصحيح، ولا يوجد نص، ولو ضعيفًا يُؤْثَر عن النبي ﷺ أنه تعوذ في غير الركعة الأولى، ولو كان التعوذ في الركعة الثانية محفوظًا لوجدنا من آثار الصحابة وعملهم ما تقوم به الحجة، وتحفظ به الشريعة، فكانت القراءة في الصلاة قراءة واحدة، والتعوذ في أولها تعوذ لجميعها، ولا يقطع قراءة المصلي إلا سكوت طويل، أو ذكر طويل غير مشروع، فأما السكوت اليسير والذكر المشروع فلا يقطع القراءة، وإذا لم يقطع سجود التلاوة قراءة المصلي مع أنه لا يختص بالصلاة، لم يقطع قراءته الركوع والسجود المختص بالصلاة من باب أولى. وإذا كانت القراءة في الصلاة قراءة واحدة، كانت الإعادة مرتبطة بطول الفصل، فإذا طال الفصل بين السجدة الأولى وبين إعادة الآية أعاد السجدة، وإذا قرب الفصل كفاه سجود واحد، سواء أكان ذلك في ركعة أم في ركعتين؛ ولأنه لو ترك السجود حتى طال الفصل فاتت السجدة على الصحيح، فكذلك إذا سجد، ثم أعاد الآية بعد طول الفصل استحب له إعادة السجدة، والله أعلم. الدليل الثاني: إعادة آية السجدة في الركعة الواحدة بمنزلة إعادتها في مجلس واحد، فتكفيه سجدة واحدة. بخلاف إعادتها في ركعتين فإنه بمنزلة إعادتها في مجلسين مختلفين، فلا بد من سجدتين. • ويجاب عنه: بأن القول بأن القراءة في الركعة الثانية بمنزلة القراءة في مجلسين دعوى في محل النزاع، فأين الدليل على هذه الدعوى، بل قام الدليل على أن القراءة في الصلاة قراءة واحدة لكونه يستعيذ لها استعاذة واحدة كما قدمت، والله أعلم. • دليل من قال: يتكرر السجود بإعادة الآية مطلقًا: أدلة إعادة السجدة بإعادة الآية داخل الصلاة هي الأدلة نفسها على إعادة

стр. 7947

السجدة خارج الصلاة. وقد ذكرت أدلتهم في المسألة السابقة، وتم مناقشتها، فارجع إليها إن شئت. • دليل من قال: يعيد السجدة في الركعتين، ولا يعيدها في الركعة إلا مع طول الفصل: أما الدليل على إعادة السجدة إذا أعادها في الركعة الثانية فقد تقدم الدليل والمناقشة في قول سابق. • وأما الدليل على أنه لا يعيدها في الركعة الأولى إلا مع طول الفصل: لأن القارئ لو قرأ آية السجدة، ولم يسجد حتى طال الفصل فات السجود على الصحيح؛ فكذلك إذا قرأها فسجد، ثم طال الفصل، وأعاد الآية كان مطالبًا بالسجود؛ لفوات التداخل مع طول الفصل، فكان طول الفصل بمنزلة تعدد السبب. وانظر بقية الأدلة في القول السابق على اشتراط قرب الفصل للاكتفاء بالسجدة الأولى عن الثانية. • الراجح: أن قراءة الصلاة قراءة واحدة، لا فرق بين الركعة الأولى والثانية، إن كان الفاصل قريبًا، ولم تختلف آية السجدة فيكفيه السجود الأول، وإن طال الفصل، أو اختلفت آية السجدة سجد ثانية، والله أعلم.

стр. 7948

الفصل الثاني في الاقتصار على قراءة آية السجدة بقصد السجود المدخل إلى المسألة: • سجود التلاوة لا يشرع إلا إذا وجد سببه، فالاقتصار على كلمة السجدة، أو آيتها بقصد السجود بمنزلة التحايل لإباحة السجود. • الأصل في السجود أنه لا يتقرب به ابتداء بلا سبب على الصحيح. • السجود شرع للتلاوة، ومن اقتصر على كلمة السجدة لا يسمى تاليًا، فهو خروج بالسجود عما وضع له. • الاقتصار على كلمة السجدة عمل محدث، لم يرد عن السلف، وأنكره بعضهم. [م-٩٥٩] اختلف العلماء في الاقتصار على قراءة آية السجدة، أو محل السجود فقط: فقيل: لا يكره مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية (١). وقال الشافعية: لو أراد أن يقرأ آية تتضمن سجدة ليسجد فيها، فإن لم يكن في صلاة، ولا في الأوقات المنهية لم يكره، وإن كان في الصلاة فأصح الوجهين المنع قياسًا على الرجل يدخل المسجد في أوقات النهي لا لغرض سوى تحية المسجد (٢).

стр. 7949

وكره مالك الاقتصار على قراءة السجدة وحدها، وخص المالكية الكراهة إن فعل ذلك لأجل أن يسجد، وإلا فلا كراهة. واختلف شيوخ المالكية في تأويل قول مالك: فقيل: المراد الاقتصار على كلمة السجدة مثل ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [مريم: ٥٨]، فلو قرأ جملة الآية التي هي منها، لم يكره (١). وقيل: المراد به جملة آية السجدة. قال المازري: وهو الأشبه؛ لأنه لا فرق بين قراءة كلمة السجدة أو جملة الآية، وهو مذهب الحنابلة (٢).

стр. 7950

فتلخص خلاف الفقهاء في الاقتصار على قراءة آية السجدة إلى ثلاثة أقوال: - لا يكره مطلقًا. - يكره مطلقًا. - يكره الاقتصار على كلمة السجدة فإن قرأ جملة الآية التي هي منها لم يكره. • وجه من قال: يكره: الوجه الأول: أن هذا عمل محدث، فلم يرد عن السلف، وهذا التعليل كافٍ في كراهته. الوجه الثاني: أن السجود شرع للتلاوة، ومن قرأ كلمة السجدة لا يسمى تاليًا، فهو خروج بالسجود عما وضع له. الوجه الثالث: أن الأصل في السجود أنه لا يتقرب به ابتداء بلا سبب على الصحيح، فيتخذ القارئ في اختيار كلمة السجدة حيلة للتوصل إلى السجود، فهو يدل على أن قصده من ذلك الاختصار التوصل إلى السجود. قال أشهب: وهو خلاف العمل. الوجه الرابع: أن هذا الفعل قد يوهم تفضيل آية السجدة على غيرها من القرآن، فإذا قرأ قبلها أو بعدها دفع هذا الوهم.

стр. 7951

• وجه من قال: لا يكره: الوجه الأول: قال الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وآية السجدة من القرآن، وهذا إذن بالفعل. الوجه الثاني: إذا ثبت الإذن بالفعل، فلا وجه للقول بالكراهة؛ لأن الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي، ولم يأت نهي من الشارع عن فعل ذلك، والأصل عدم الكراهة. الوجه الثالث: أن قراءة آية السجدة من بين الآي مقيس على قراءة سورة من بين السور، وهذا من باب قياس النظير على مثله. • دليل من قال: إن قرأ كامل الآية لم يكره، وإلا كره: قالوا: إن المكروه هو اختصار الآية، فإذا قرأ الرجل الآية كاملة لم يكره؛ لأنه لا اختصار حينئذٍ. • دليل من قال: إن كان في الصلاة كره تحريمًا، وإلا لم يكره: أن الصلاة منهي عن زيادة سجدة فيها إلا السجود لسبب، كما أن الأوقات المكروهة منهي عن الصلاة فيها إلا لسبب، فالقراءة في الصلاة بقصد السجود كالدخول إلى المسجد في الأوقات المنهية لا لغرض سوى صلاة التحية، فلا تباح الصلاة بهذا القصد. • الراجح: أنه يجوز قراءة آية السجدة كاملة والاقتصار عليها بشرط ألا يكون قصده في قراءتها السجدة، فإن كان قصده السجدة، أو اختصر الآية، بحيث لم يقرأ إلا كلمة السجدة، فإن القول بالكراهة أقرب، والله أعلم.

стр. 7952

الفصل الثالث في إسقاط آية السجدة أو كلمة السجدة أثناء القراءة المدخل إلى المسألة: • ترك السجود مع قراءة الآية أولى من إسقاطها فرارًا من السجود؛ لأن السجود مستحب على الصحيح، ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه. • من قرأ آية السجدة، ولم يسجد له أسوة بعمر الفاروق فقد تركه بمحضر من الصحابة، وعلق السجود بمشيئة القارئ ولم ينكر، ولا سلف لمن أسقط آية السجود فرارًا من السجدة. • إسقاط آية السجدة فرارًا من السجود مُخِلٌّ بترتيب الآيات، ولم يكن من عمل السلف. • الحدث، أو وقت النهي ليسا عذرًا لترك السجود، أو إسقاط آية السجدة؛ لأن سجود التلاوة على الصحيح ليس بصلاة. • إذا كان القارئ ممن يرى وجوب الطهارة لسجود التلاوة، فيمكنه التطهر، ثم السجود، وفوات الموالاة بين التلاوة والسجود مغتفر للعذر. • أصول الشريعة في جميع مواردها تفرق بين المعذور وغيره. [م-٩٦٠] اختلف العلماء في إسقاط آية السجدة من القراءة: فقيل: يكره، وظاهره مطلقًا من غير فرق بين أن يكون قد استجمع شروط السجود من طهارة، وسترة، وإباحة وقت، أم لا، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة (١).

стр. 7953

وقال المالكية: إن كان متطهرًا وفي وقت جواز النافلة كره مجاوزتها، وإن كان محدثًا، أو في وقت النهي لم يكره مجاوزة آية السجدة (١). • وجه القول بالكراهة: إذا أسقط القارئ آية السجدة، فإما أن يكون فرارًا من السجود، وهذا لم يكن من عمل السلف، ولأنه تشبه بمن يستنكف عن السجود. وإما أن يكون القارئ لم يستجمع شرط السجود كما لو كان محدثًا، أو في وقت النهي على القول بأن السجود صلاة. فإن كان تركه للسجود؛ لأنه يخشى طول الفصل لو ذهب ليتطهر، وكان ممن يرى فوات السجود بطول الفصل حتى ولو كان لعذر فإنه يسقط عنه السجود. وسقوط السجود لا يسوغ له إسقاط القراءة؛ لأن القارئ مأمور باتباع تأليف المصحف، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]. ولأنه في صورة هجر السجدة، وليس شيء من القرآن مهجورًا. ويرى بعض العلماء أن كل عبادة تفوت لا إلى بدل يجوز أداؤها بالتيمم، قياسًا على تيمم النبي ﷺ لرد السلام في الحضر، مع أن الطهارة ليست شرطًا، ولا واجبًا، والله أعلم. (ح-٢٧٥٧) فقد روى البخاري من طريق الأعرج، قال: سمعت عميرًا مولى ابن عباس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ حتى دخلنا

стр. 7954

على أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو الجهيم الأنصاري: أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه¬ السلام. وأخرجه مسلم (١). ففي الحالين يكره له إسقاط آية السجدة سواء أكان فرارًا من السجود أم كان ذلك لعدم تحصيل شرطه عند من يرى أنه صلاة. • دليل المالكية بأنه لا يكره تجاوز آية السجدة من المحدث ونحوه: قول المالكية مبني على مقدمتين ونتيجة: المقدمة الأولى: أن قراءة القرآن تجوز في كل وقت. المقدمة الثانية: سجود التلاوة صلاة، فلا يسجد إلا أن يكون القارئ أو المستمع متطهرًا، وفي غير وقت النهي. النتيجة: أنه إذا قرأ، وهو محدث، أو في وقت النهي شرعت له القراءة، لجواز القراءة في كل وقت، وجاز له تجاوز آية السجدة؛ لعدم تحصيل شرط السجود، فإن قرأ آية السجدة، وهو محدث كره له ذلك. • الراجح: الراجح أنه لا يدع قراءة الآية سواء سجد لها أو ترك السجود، وسبق لنا أن سجدة التلاوة ليست بصلاة، فيمكنه السجود للآية، ولو لم يكن على طهارة، ولو كانت القراءة في وقت النهي، والله أعلم.

стр. 7955

الفصل الرابع في السجود بالإيماء على الراحلة والسيارة المدخل إلى المسألة: • النفل مبنيٌّ على التخفيف. • إذا جاز للمتنفل أن يصلي في الحضر قاعدًا بلا عذر، والقيام من آكد أركان الصلاة، جاز للراكب والماشي سجود التلاوة في الحضر؛ لأن النفل أوسع من الفرض. • إذا جاز الإيماء بصلاة النافلة على الدابة مع أن الصلاة شرطها أعلى وأوكد؛ لوجوب القراءة، والطهارة، والسترة، جاز الإيماء بالسجود بما ليس بصلاة من باب أولى كسجدة التلاوة. • إذا سها المتنفل على الدابة سجد عليها، ولم يمنع وجوبه من صحة السجود، فإذا صح السجود الواجب على الدابة صح السجود المستحب من باب أولى. • العلة في جواز التنفل وسجود التلاوة على الدابة، أهو الركوب، أم السفر، أم مجموعهما؟ الأول الأصح، وهذا المعنى لا يختلف فيه بين الحاضر والمسافر. • الحكمة الشرعية في الرخصة: هو تيسير تحصيل النوافل على العبد حتى لا ينقطع عن قضاء حوائجه بسبب المحافظة على أوراده وطاعاته، وهذا لا فرق فيه بين الحضر والسفر. • الأوصاف في الأحاديث تارة تذكر على سبيل الشرطية، كاشتراط النافلة، فلا تصح الفريضة على الدابة، وتارة تذكر كوصف طردي لبيان الواقع كالسفر، والشرطية لا تؤخذ من مجرد الذكر؛ لأن الأصل عدم الاشتراط، وإلا لاشترط الجهاد كما ذكر ذلك في بعض الروايات. • لو كان السفر شرطًا لصحة النافلة على الدابة لفهم ذلك الصحابة الذين نقلوا لنا هذه السنة الفعلية، ولم أَقِفْ على نصٌّ واحد عن صحابي يشترط السفر للجواز. • الحاجة بالسجود على الدابة خارج المصر، كالحاجة داخل المصر، لأن الكلفة واحدة.

стр. 7956

[م-٩٦١] اختلف العلماء في سجود التلاوة على الراحلة، فنذكر صورة الاتفاق، ثم ننتقل إلى صورة الاختلاف: فالأئمة الأربعة متفقون على أن المسافر إذا قرأ السجدة، وهو يصلي النافلة على راحلته، أنه يومئ بها. قال الطحاوي: «لا يختلفون أن المسافر إذا قرأها، وهو على راحلته، أومأ بها، ولم يكن عليه أن يسجد على الأرض» (١). وقال النووي: «يجوز سجود التلاوة على الراحلة بالاتفاق في السفر» (٢). فذكرا قيد السفر، ولم يذكرا قيد الصلاة. وقال الرافعي: «سجود التلاوة في النافلة المقامة على الراحلة يجوز بلا خلاف تبعًا للنافلة، كسجود السهو فيها، وأما خارج الصلاة ففيها الوجهان المذكوران في سجود الشكر .... الأظهر من الوجهين عند الأئمة: أنه يجوز أداؤها على الراحلة بالإيماء» (٣). فكانت صورة الاتفاق عند الأئمة الأربعة تؤخذ من مجموع قول الطحاوي والرافعي، وأن المسافر إذا تلا آية السجدة، وهو يصلي النافلة على راحلته، أنه يومئ بالسجود، وقد نصَّ على ذلك ابن المنذر. قال في الأوسط: «ثابت عن النبي ﷺ أنه كان يصلي على راحلته تطوعًا مسافرًا، يومئ إيماء، فإذا ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصلي على راحلته يومئ إيماء، فللساجد سجود القرآن أن يومئ بها، استدلالًا بصلاة النبي ﷺ على الراحلة، على أني لا أعلم أن أحدًا من أهل العلم منع من ذلك، بل كل من أحفظ عنه من أهل العلم يرى أن ذلك جائز» (٤).

стр. 7957

وأما إذا تلا آية السجدة على الراحلة خارج الصلاة، أو في الحضر، فاختلفوا في سجودها على الدابة على النحو التالي: فقيل: يصح فعلها على الدابة، ولو لم يكن مسافرًا، وهو ظاهر كلام الإمام محمد بن الحسن، ومقتضى قول أبي يوسف من الحنفية، والإصطخري والطبري من الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، في مقابل المذهب، وظاهر اختيار البخاري في صحيحه، حيث أباحوا التنفل على الدابة في الحضر، فسجود التلاوة مثله أو أولى (١). وقال بِشْر بن غياث المريسي من الحنفية لا يصح فعلها على الدابة مطلقًا (٢). وقيل: إذا تنفل على الراحلة سجد لتلاوة الصلاة عليها تبعًا للنافلة، وإن تلاها

стр. 7958

خارج الصلاة لم يسجدها على الراحلة، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، ورجحه جماعة، منهم إمام الحرمين والغزالي (١). قال العز بن عبد السلام في اختصار نهاية المطلب: «إذا تنفل على الراحلة، سجد لتلاوة الصلاة وسهوها على الراحلة، وإن سجد خارج الصلاة؛ لتلاوة، أو شكر، فهي كصلاة الجنازة، لا يومئ بها على الأصح» (٢). يقصد الأصح عند إمام الحرمين، والله أعلم. وقال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: يصح فعلها على الدابة في السفر، وظاهره، ولو لم يكن في صلاة، على خلاف بينهم في السفر القصير. فقال المالكية: لا يومئ بها إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، وهو قول في مذهب الشافعية. وقال الجمهور: يصح في السفر القصير، كما لو كان خارج المصر، كقولهم في صلاة النافلة على الدابة (٣).

стр. 7959

جاء في المدونة: «وقال مالك فيمن قرأ سجدة، وهو على دابته مسافر، قال: يومئ إيماء» (١). فذكر السفر، ولم يذكر شرط الصلاة. فصار الخلاف في المسألة يرجع إلى خمسة أقوال، كالتالي: - يصح فعلها على الدابة مطلقًا. - لا يصح فعلها مطلقًا. وهذان قولان متقابلان: - يصح فعلها على الدابة تبعًا للنافلة. - يصح فعلها على الدابة بشرط أن يكون ذلك في سفر تقصر فيه الصلاة. - يصح فعلها في مطلق السفر، ولو لم تقصر فيه الصلاة، كما لو كان خارج المصر. فإذا وقفت يا رعاك الله على الأقوال، ننتقل بعد ذلك إلى ذكر الأدلة، وبالله التوفيق.

стр. 7960

• دليل من قال: يصح السجود على الدابة تبعًا للنافلة: هذا دليله الإجماع السابق الذي ساقه ابن المنذر، والطحاوي، والنووي، وهذه الصورة لم يختلف عليها الأئمة الأربعة، ولم يخالف فيها إلا بشر بن غياث من الحنفية، ولعله محجوج بالإجماع قبله. ولأن الإيماء إذا جاز في سجود النافلة، وهو جزء من الصلاة أصالة، جاز ذلك في السجود التابع الذي ليس جزءًا من النافلة، كسجود التلاوة، والله أعلم. • دليل من قال: لا يصح أن يومئ بالسجدة مطلقًا: منهم من يمنع ذلك؛ لأنه يرى أن سجدة التلاوة واجبة، فيكون التعليل عنده: أن الواجب لا يجوز أداؤه على الدابة من غير عذر، كامتناع أداء الفريضة على النافلة؛ لعلة الوجوب. ومن قال: سجود التلاوة سنة، علل المنع بأن سجدة التلاوة ركنها الأعظم إلصاق الجبهة بالأرض، وتجويزها بالإيماء تفويت لهذا الركن. وقياسًا على منع صلاة الجنازة على الدابة؛ لما فيها من تفويت ركنها الأعظم، وهو القيام. • ونوقش هذا: بأن القول بوجوب سجدة التلاوة قول ضعيف. وعلى التسليم، فالوجوب لا يمنع من الصحة، كما لو سها المصلي، وهو يصلي النافلة على الدابة سجد بالإيماء، وإن كانت السجدة واجبة. ولأن السجدة تبع لسببها، فإن وجد في الصلاة سجد فيها، وإن وجد السبب خارجها على الأرض، أو على الدابة سجد عليهما، حيث وجد السبب، والله أعلم. وأما القول بأن السجود على الدابة تفويت لركنها الأعظم، فأجاب الشافعية عنه بقولهم: إن الجِنازَة تندر في السفر، فلا يشق النزول لها، بخلاف سجدة التلاوة حيث تتكرر، فيشق ذلك؛ ولحرمة الميت حتى وقف النبي ﷺ لمرور الجنازة (١). ويمكن أن يقال: إن صلاة الجنازة لم يأت إذن بأدائها على الدابة، والأصل المنع، بخلاف السجدة، فجنسها مشروع على الدابة، كما في صلاة النافلة عليها.

стр. 7961

ولأن المقصود الأعظم من السجود هو الخضوع والتسليم، وهذا موجود بالإيماء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١ - ٢٢]. فالسجود هنا: ليس المقصود به وضع الجبهة بالأرض، بل الخضوع والتسليم؛ لأنه جعل في مقابل التكذيب. ولأن السجود بالإيماء بدل في بعض الأحوال، والبدل له حكم المبدل. • دليل من قال: يصح أن يومئ بالسجدة مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢٧٥٨) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي أبو الجماهر: حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد-، عن مصعب بن ثابت بن عبد اللّه ابن الزبير، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول اللّه ﷺ قرأ عام الفتح سجدةً، فسجد الناسُ كلُّهم، منهم الراكب، والساجد في الأرض، حتى إن الراكب ليسجد على يده (١). [منكر] (٢).

стр. 7962

الدليل الثاني: (ح-٢٧٥٩) ما رواه البخاري من طريق هشام قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة، نزل فاستقبل القبلة (١). وجه الاستدلال: أن الحديث مطلق، فيشمل السفر والحضر، ولم يستثْنِ إلا الفريضة، فلو كانت النافلة في الحضر مستثناة لذكرها.

стр. 7963

وقد ترجم البخاري في صحيحه، باب صلاة التطوع على الدواب، وحيثما توجَّهَتْ به (١)، وساق تحت الباب مجموعة من الأحاديث، منها: حديث عامر بن ربيعة: رأيت النبي ﷺ يصلي على ناقته حيث توجهت به (٢). وحديث جابر: كان يصلي التطوع، وهو راكب في غير القبلة (٣). وحديث ابن عمر: أنه كان يصلي على راحلته، ويوتر عليها، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (٤). وكلها أحاديث مطلقة لم تقيد بالسفر. لفظ السفر في بعض الروايات ليس قيدًا، بل هو مفهوم لقب لا دلالة له، وهو ماشٍ على القاعدة التي تقول: لا يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل بكل منهما (٥). ولأن ما نقل من صلاة المصطفى ﷺ في السفر فهو فرد من أفراده، لا يقتضي تقييدًا ولا تخصيصًا؛ فإذا جاء فرد من أفراد المطلق أو العام بما يوافق العام لم يقتضِ التقييد، ولا التخصيص، بل هو جارٍ على وفق العمل بالعام والمطلق، وإنما التقييد لو كان هذا الخاص أو المقيد يخالف العام والمطلق في الحكم فيحتاج إلى إخراجه بالتخصيص والتقييد من حكم العام والمطلق. ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] لا يقتضي تخصيص الصلاة الوسطى بالمحافظة، فكذلك الشأن في هذه المسألة. الدليل الثالث: من الآثار. (ث-٦٩٨) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع بن الجراح، عن مسعر، عن وبرة، قال: سألت ابن عمر، وأنا مقبل من المدينة، عن الرجل يقرأ السجدة على الدابة؟ قال: يومئ. [صحيح] (٦).

стр. 7964

(ث-٦٩٩) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن ثوير، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، أنه كان يقرأ السجدة، وهو على راحلته يومئ. [ضعيف] (١). وروى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن ثوير، قال: رأيت ابن الزبير يقرأ السجدة، وهو على راحلته، فيومئ. [ضعيف] (٢). (ث-٧٠٠) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر، عن عامر، عن أبي عبيدة، عن سعيد بن زيد قال: كان يقرأ السجدة على راحلته فيومئ. [ضعيف] (٣). (ث-٧٠١) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن إبراهيم قال: كانوا يصلون على رواحلهم ودوابهم حيث ما كانت وجوههم إلا المكتوبة والوتر، فإنهم كانوا يصلونهما على الأرض. [إبراهيم عن الصحابة مرسل] (٤). قال ابن حزم: «وقد روينا عن وكيع عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا يصلون على رحالهم ودوابهم حيثما توجهت بهم،

стр. 7965

وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين ﵃ عمومًا في السفر والحضر» (١). وإذا صلوا عليها سجدوا عليها. الدليل الرابع: أن النفل أوسع من الفرض، فإذا جاز للمتنفل في الحضر أن يصلي قاعدًا بلا عذر، والقيام من آكد أركان الصلاة، جاز للراكب والماشي سجود التلاوة في الحضر. ولأن ذلك لو كان من أحكام السفر لاختص بالسفر الشرعي الذي يبيح القصر والفطر، وقد ذهب جماهير العلماء إلى جواز التنفل على الدابة للراكب والماشي خارج المصر، ولو كان في مسافة لا تقصر فيه الصلاة، وهذا دليل على جوازه في الحضر، حيث لم يخرج عن حكم الحضر، ولم يخالف في ذلك إلا الإمام مالك ﵀. قال الطبري نقلًا من فتح الباري: «لا أعلم أحدًا وافقه على ذلك، وعلق الحافظ: ولم يُتَّفق على ذلك عنه» (٢). ولأن العلة في الجواز ليس السفر، وإنما علة الجواز: هو التردد ذهابًا وإيابًا، راكبًا وماشيًا، وهذا المعنى لا يختلف فيه بين الحاضر والمسافر. ولأن الحكمة الشرعية في جواز ذلك: هو تيسير تحصيل النوافل على العبد حتى لا ينقطع عن قضاء حوائجه بسبب المحافظة على أوراده وطاعاته، أو يحمله ذلك على تركها، والحرمان من الاستكثار من الطاعات، وهذا لا فرق فيه بين السفر وغيره، والله أعلم. ولأن الإيماء بالسجدة على الدابة خير من ترك السجدة بالكلية، أو ترك قراءة آيتها، لأن نزوله عن الدابة، فيه كلفة وانقطاع عن مقصوده، وقد يخشى على دابته أن تنفلت منه حين كانت وسائل النقل الرواحل، والكلفة نفسها موجودة في النزول من السيارة وقطع السير. ولأن سجود التلاوة ليس صلاة على الصحيح، حتى يُخرَّج على صلاة النافلة على الدابة، فيشترط له ما يشترط للنافلة، وإذا كان عبادة مستقلة فيمكن الراكب أن يسجد فيها بالإيماء، وهو نوع من الخضوع. (ث-٧٠٢) وقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، أنه سمع عبد الرحمن الأعرج، يقول:

стр. 7966

كان أبو هريرة يسجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فإذا قرئت، وكان خلف الإمام، فلم يسجد الإمام؛ قال: فيومئ برأسه أبو هريرة. [صحيح] (١). • دليل من قال: يومئ بالسجدة على راحلته في السفر الطويل: (ح-٢٧٦٠) روى البخاري من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به، يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته (٢). ورواه البخاري من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: قال سالم: كان عبد الله بن عمر ﵄ يصلي على دابته من الليل، وهو مسافر ما يبالي حيث ما كان وجهه، قال ابن عمر: وكان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة قِبَلَ أي وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة (٣). وجه الاستدلال: فإذا صح الإيماء بالسجود في السفر في صلاة النافلة والوتر، صح الإيماء بسجود التلاوة والشكر كذلك في السفر؛ لعدم الفارق، ولم يثبت أنه فعل ذلك في الحضر. والسفر قيد معتبر، وذلك أن السفر مظنة التخفيف، كما خفف عن المسافر شطر الصلاة الرباعية، وبعض السنن الرواتب، وأذن له في الفطر. ولأن الأصل في العبادات الحضر، قال الأثرم: قيل لأحمد بن حنبل الصلاة على الدابة في الحضر فقال: أما في السفر فقد سمعنا، وما سمعت في الحضر (٤). ولأن الأسفار التي حكى ابن عمر وغيره عن النبي ﷺ أنه صلى فيها على راحلته تطوعًا كانت مما تقصر فيها الصلاة، فالرخصة خرجت على ذلك، فلا ينبغي أن تتعدى؛ لأنه شيء وقع عليه البيان، كأنه قال: إذا سافرتم مثل سفري هذا فافعلوا

стр. 7967

كفعلي هذا، ولعموم (صلوا كما رأيتموني أصلي). • ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الأوصاف في الأحاديث تارة تذكر على سبيل الشرطية، كاشتراط أن تكون الصلاة على الدابة نافلة، فلا تصح الفريضة، وتارة تذكر كوصف طردي، ولا تساق بطريق الاشتراط، فلا يحسن أن تجعل شرطًا بمجرد الذكر، كذكر السفر؛ فلا يكون شرطًا؛ لأن الأصل عدم الاشتراط، وإلا لاشترط الجهاد لأنه ذكر في بعض الرويات. فالنصوص التي نقلت لنا هذه السنة كلها كانت من السنة الفعلية، تارة تأتي مطلقة دون ذكر وصف السفر، وتارة تفيد بأنه فعل ذلك في السفر، وهذه النصوص لا تقضي على النصوص المطلقة؛ لأنها فرد من أفرادها موافقة لها في حكمها، فلم تقتضِ تخصيصًا كما بينا ذلك فيما سبق. الوجه الثاني: لو كان السفر شرطًا لصحة النافلة على الدابة لفهم ذلك الصحابة الذين نقلوا لنا هذه السنة من فعل الرسول ﷺ ، ولم أَقِفْ على نص واحد عن فقيه صحابي يشترط أن يكون ذلك في السفر، كما نقلوا لنا اشتراطهم أن تكون الصلاة على الراحلة في غير الفريضة، والله أعلم. • دليل من قال: يشترط أن يكون ذلك خارج المصر ولو لم يكن مسافرًا: الأصل في العبادات المنع، قال الأثرم: قيل لأحمد بن حنبل: الصلاة على الدابة في الحضر؟ فقال: أما في السفر فقد سمعنا، وما سمعت في الحضر (١). وإذا قال مثل الإمام أحمد: ما سمعت في الحضر فحسبك به. وأما الأحاديث المطلقة في الصلاة على الدابة، والذي ظاهرها جوازها في الحضر، فهي محمولة على الروايات المقيدة في السفر. وإذا كان هذا في صلاة النافلة، فكذلك القول في سجدة التلاوة؛ لأنها صلاة، فهي معتبرة بصلاة النافلة.

стр. 7968

إلا أن السفر المراد منه حقيقته اللغوية، وهو السفور والظهور ومفارقة العمران، ولم يحمل على الحقيقة الشرعية؛ لأن النصوص وردت بجواز التنفل على الدابة خارج المصر على خلاف القياس، وداخل المصر ليس في معناه؛ فلا يلحق به؛ لأن الحاجة إلى الركوب خارج المصر أغلب. ولأن الغالب من حال المقيم اللبث والاستقرار، فأنيط الحكم بالغالب. وعلل بعض الفقهاء بأن النزول وربط الدابة خارج المصر فيه حرج، وليس كذلك داخل المصر. وهذا التعليل حين كانت الدواب وسيلة النقل، وقد تكون هذه الوسائل لا تزال موجودة في بعض حواضر العالم الإسلامي، وهي وسيلة كثير من الفلاحين في بعض البلدان الإسلامية، وما يجري على الدواب يجري على وسائل النقل المختلفة من سيارة، وطائرة، وقطار، والله أعلم. • ويناقش: لم يأت في النصوص لفظ: (خارج المصر)، وإنما ورد فيه لفظ: (السفر)، فلو كان السفر قيدًا معتبرًا لحمل على السفر الشرعي؛ لأن كل ألفاظ السفر في الكتاب والسنة محمولة على الحقيقة الشرعية، ولا تحمل على الحقيقة اللغوية إلا بقرينة، أو أن يتعذر حملها على الحقيقة الشرعية، وهذه ليست منه، وعليه: إما أن نقول: تجوز سجدة التلاوة على الدابة في الحضر، ويدخل فيه ما كان خارج المصر، إذا لم يبلغ مسافة القصر؛ لأنه شرعًا يشمله اللفظ، فالله عندما قال في كتابه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فدخل فيه ما كان خارج الحرم ممن لم يبلغ مسافة القصر، ويكون لفظ السفر الوارد في بعض الروايات جاء لبيان الواقع، وليس قيدًا للجواز، ولو كان الحضر مستثنى من الجواز لاستثني في النصوص كما استثنيت المكتوبة. وإما أن نقول: لا يجوز في الحضر، ويدخل في المنع ما كان خارج المصر؛ لأنه لا يزال في حكم الحضر شرعًا.

стр. 7969

وأما تأويل السفر في النصوص على السفر القصير، فهذا لا دليل عليه، والله أعلم. • الراجح: الذي أميل إليه أن الحكم لا يتعلق بالسفر، فمن قرأ آية التلاوة على الأرض سجد؛ لأن السجود على الأرض يلزم منه إلصاق الجبهة على الأرض ولا يسمى سجودًا إلا بذلك، ومن قرأ التلاوة على الدابة، فالسجود عليها بالإيماء، كما أن سجود السهو، إذا سها في النافلة، فإنه يسجد بالإيماء حتى على القول بوجوبه، ولا يلزمه أن ينزل ويسجد على الأرض؛ لأن صفة السجود على الدابة هو الإيماء فحسب، والله أعلم.

стр. 7970

الفصل الخامس في حكم الإيماء بالسجدة للماشي [م-٩٦٢] اختلف العلماء في الماشي يقرأ سجدة التلاوة، أيومئ بها، أم يسجد على الأرض؟ فقيل: يسجد على الأرض، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (١). قال في المبسوط: «ومن تلاها ماشيًا لم يجز أن يومئ لها؛ لأن السجدة ركن

стр. 7971

الصلاة، فكما لا يصلي الماشي بالإيماء، فكذلك لا يسجد بخلاف الراكب» (١). وقال المرداوي في الإنصاف: «وأما الماشي، فالصحيح من المذهب، أنه يسجد بالأرض» (٢). وقيل: يومئ، وهو وجه في مذهب الحنابلة، وبه قال الأسود بن يزيد، وعلقمة، وأبو عبد الرحمن السلمي، وعطاء، وبه قال الأوزاعي (٣). وقيل: يومئ المسافر دون المقيم، وهو قول في مذهب الحنابلة (٤). • دليل من قال: لا يومئ: لم ينقل عن النبي ﷺ أنه صلى ماشيًا، ولا عن صحابته رضوان الله عليهم، مع قيام السبب، وكثرة الأسفار، وسجدة التلاوة قياس عليها، والأصل في العبادات الحضر، ولا يصح قياس الماشي على الراكب لعدة وجوه: الوجه الأول: أن كل عبادة قام سببها على عهد النبي ﷺ ، ولم تفعل، ولم يمنع من فعلها مانع فهي غير مشروعة. • ويناقش: قياس سجدة التلاوة على سجدة النافلة إنما يصح لو كانت سجدة التلاوة صلاة، وقد سبق لنا أن الأصح أن سجدة التلاوة ليست بصلاة، ولا يشترط لها ما يشترط للصلاة، فبطل القياس. وكونه لم ينقل لنا أن النبي ﷺ سجد للتلاوة بالإيماء، وهو يمشي، يقابله أيضًا أنه لم ينقل لنا أن النبي ﷺ سجد على الأرض للتلاوة، وهو يمشي، على أنه لو نقل لم يعارض صحة السجود بالإيماء؛ لأن السجود على الأرض أكمل، والكمال لا ينافي صحة السجود إيماء، مع قيام الحاجة.

стр. 7972

ولأن العلة في صحة السجود إيماء من الراكب، هو ألا ينقطع سيره، وهذا المعنى موجود في الماشي، فالإيماء يكون بالرأس، وهو لا يوجب قطعًا للسير. الوجه الثاني: أن النص ورد في الراكب رخصة، والرخص لا يقاس عليها؛ لأنها خارجة عن القياس، فلا ترد إليه (١). • ونوقش: بأن الأصح من أقوال العلماء أن الرخصة تتعدى محلها إذا كانت معللة، فيقاس العفو عن يسير النجاسات بالعفو عن أثر الاستجمار، ويعطى من به سلس البول حكم المستحاضة في إلغاء أثر الحدث، ويحكم بطهارة الفأرة لعلة التطواف قياسًا على الهرة، فإذا صح السجود بالإيماء من الراكب، صح السجود بالإيماء من الماشي، وإذا صح السجود الواجب إيماء كما لو سها المتنفل، وهو راكب، صح السجود المستحب من الماشي من باب أولى، كسجود التلاوة. الوجه الثالث: على القول بأن الرخص يقاس عليها، فإن الماشي ليس في معنى الراكب، لأن الراكب كالمتنفل جالسًا، وهذا يصح بلا عذر، بخلاف الماشي فإنه متحرك بنفسه، والعمل الكثير في الصلاة ينافيها. • ويناقش: بأن الراكب متحرك كالماشي، ولو كان الراكب في حكم الجالس لوجب عليه استقبال القبلة، فإن المتنفل جالسًا يجب عليه استقبال القبلة، والفرق أن الراكب متحرك بغيره، والماشي متحرك بنفسه، وهذا لا يحدث فرقًا، والقياس بين الراكب والماشي ليس في سقوط القيام، حتى يقال: الراكب كالمتنفل جالسًا، وإنما في صحة السجود إيماء بدلًا من السجود على الأرض، وهو محل القياس. • دليل من قال: يومئ بالسجدة مطلقًا: الدليل الأول: أن الماشي سائر فأشبه الراكب، فيقاس عليه بجامع التيسير حتى لا تتعطل النوافل؛

стр. 7973

لأن الناس لا بد لهم من التنقل مشاةً وركبانًا، فلو قلنا: لا يجوز التنفل ماشيًا أدى إلى انقطاع الناس عن أحد أمرين: إما عن نوافلهم، وإما عن تنقلهم ومعايشهم، وهذا المعنى يعمُّ الراكبَ والماشي، وإذا جاز التنفل بالإيماء ماشيًا، جاز السجود بالإيماء للتلاوة؛ لأن ما صح في سجود الصلاة، صح في سجود التلاوة؛ لأن الصلاة شرطها أعلى وأوكد؛ لوجوب القراءة، والطهارة، والسترة، بخلاف التلاوة على الصحيح، والله أعلم. • ويناقش: لا يقاس الماشي على الراكب، فإذا صححنا التنفل من الماشي حتى لا ينقطع من أوراده وطاعاته، مع عدم نقله في السنة، فلا يلزم منه صحة السجود بالإيماء، لأن الماشي على الأرض سجوده عليها لا يكلفه الشيء الكثير، بخلاف الراكب، فإن نزول الراكب أكثر مشقة، فيمتنع الإلحاق، والله أعلم. • ويرد: إذا اختلفت المشقة في السجود على الأرض بين الركب والماشي، فإن انقطاع السير موجود فيهما، فالسجود بالإيماء لا يوجب انقطاع السير بخلاف السجود على الأرض، والسجود بالإيماء خير من تركه. الدليل الثاني: السجود بالإيماء يقوم مقام السجود على الأرض في حال العذر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فالآية دليل على صحة صلاة الفريضة من الماشي في حال الخوف، فإذا تصور وجود صلاة صحيحة بالإيماء من الماشي في حال الخوف، تصور وجود مثل ذلك في النفل مطلقًا، ألا ترى أن الفريضة لما صحت من الراكب في حال الخوف صحت النافلة من الراكب في حال السفر مطلقًا؟ وإذا صح السجود بالإيماء من الماشي، صح كذلك سجود التلاوة. • دليل من قال: يصح السجود بالإيماء من المسافر: هؤلاء قاسوا الماشي على الراكب، وحملوا النصوص المطلقة في تنفل الراكب على الدابة، على النصوص المقيدة في حال السفر، وأن السفر قيد معتبر، لأنه مظنة التخفيف، كما خفف عن المسافر شطر الصلاة الرباعية، وبعض السنن

стр. 7974

الرواتب، وأذن له في الفطر، فلا يقاس الحضر على حال السفر، فإذا صح إلحاق الماشي بالراكب فإن ذلك إنما يصح بشرط السفر فيهما، وإذا امتنع تنفل الماشي بالإيماء في الحضر، امتنع السجود بالإيماء من الماشي في الحضر، والله أعلم. وقد أجبت على هذا الدليل في مسألة الراكب في المسألة السابقة، فانظره هناك، فإنه يغني عن إعادته هنا، ولله الحمد. • الراجح: سجود التلاوة بالإيماء من الماشي لم ينقل لنا من السنة الفعلية، وكذلك لم ينقل أن النبي ﷺ سجد على الأرض، وهو يمشي، وإن كان هذا هو الأصل، ولا يحتاج إلى دليل، وقياسه على إيماء الراكب بالنفل، فيه بعض الأشكال، فالراكب أكثر مشقة في طلب السجود على الأرض، فإن كان يمكنه أن يسجد على الأرض ويخفف السجود إذا كان يرى السجود أنه قد يمنعه من السير، فهذا أحب إلى نفسي، وإن سجد بالإيماء فأرجو أن يكون أفضل من ترك السجود بالكلية، كما سجد أبو هريرة بالإيماء إذا كان خلف الإمام، ولم يسجد الإمام، والله أعلم.

стр. 7975

الفصل السادس استبدال سجدة التلاوة بالركوع المدخل إلى المسألة: • بدل العبادة لا يثبت إلا بتوقيف كالتيمم بدل عن الماء، ومسح الخف بدل عن غسله، والصيام بدل عن العتق. • الله أمرنا بالسجود، والركوع خلافه، فلا يقوم مقامه. • إذا كان الركوع لا ينوب عن السجود في الصلاة، فكذلك في التلاوة. • ليس المطلوب من سجدة التلاوة مطلق الخضوع، فلو سجد على خده أو على ذقنه أو خر على ركبتيه جالسًا بدلًا عن السجود على الجبهة لم يصح حتى يأتي بالسجود على الصفة الواردة. • اختلف المفسرون بتفسير الركوع في قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ فلا يترك المتفق عليه إلى المختلف فيه، ولو صح أن المقصود به الركوع، فهو في شرع من قبلنا. • الثابت عن النبي ﷺ السجود، وهو ما استمر عليه عمل النبي ﷺ وصحابته من بعده، فلا يقوم الركوع مقامه. • إذا ركع بدلًا عن السجدة فإن قصد به الركوع فلم يؤدِ سجدة التلاوة، وإن قصد به السجدة فقد أحالها عن صفتها، وذلك غير جائز. • الاكتفاء بالركوع عن سجدة التلاوة إما بنية التداخل أو بنية ترك السجود فهو يحتمل، وأما الركوع بنية سجدة التلاوة زائدًا على ركوع الصلاة بحيث يكون في الركعة الواحدة ركوعان: أحدهما للتلاوة، والآخر للصلاة، فهذا لا يصح. [م-٩٦٣] اختلف الفقهاء في المصلي يقرأ آية السجدة، فيركع، وينوي بالركوع بدلًا عن السجدة:

стр. 7976

فقيل: يجزئه ذلك، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، وابن حبيب من المالكية (١). وقيل: لا يجزئ الركوع عن سجود التلاوة، وهو مذهب الجمهور، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). قال النووي: «لا يقوم الركوع مقام السجود في حال الاختيار عندنا، وبه قال جمهور السلف والخلف، وقال أبو حنيفة: يقوم مقامه» (٣). • دليل من قال: يقوم الركوع مقام السجود: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]. وجه الاستدلال: قوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ إما أن يريد حقيقة الركوع، أو معناه: وهو الخضوع. فإن أراد به الحقيقة، فهو دليل على صحة قيام الركوع مقام السجود نصًّا،

стр. 7977

فالنبي داود خَرَّ راكعًا، ونبينا ﷺ سجد عند تلاوتها، اقتداء بهدي من سبقه، فكان الركوع قائمًا مقام السجود. وإن أراد بالركوع: الخضوع، وأن معناه: خر ساجدًا، فعبر بالركوع عن السجود، فلولا أن أحدهما يقوم مقام الآخر لم يعبر عنه به، فالصلاة فيها خضوعان: الركوع والسجود، فكان السجود مفعولًا عند التلاوة، فالقياس أن يكون الآخر مثله. • ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الركوع وإن كان خضوعًا، فالسجود أبلغ في الخضوع منه، فلا يوجد معناه فيه، وإذا كان الركوع لا ينوب عن السجود في الصلاة، فكذلك في التلاوة، وقوله: (وخَّر): دليل على أن المراد به السجود؛ لأن الخرور لا يكون إلا في السجود. الوجه الثاني: لو سلمنا أن داود خر راكعًا، فهذا في شرع من قبلنا، والثابت عن النبي ﷺ السجود، وهو ما استمر عمل النبي ﷺ ومن بعده عليه، فإذا تركه النبي ﷺ ولم يفعله ولا مرة واحدة مع إمكان فعله دلَّ ذلك على عدم جوازه، فلا يقوم الركوع مقامه. • ورد هذا النقاش بأكثر من وجه: الوجه الأول: الخرور في اللغة: هو السقوط، فكما يكون إلى السجود يكون إلى الركوع. الوجه الثاني: لا يقاس سجود التلاوة على سجود الصلاة، فسجود التلاوة يصح فيه التداخل، فلو تلا السجدة في مجلس واحد مرتين، اقتصر على سجود واحد مع قرب الفاصل -وقد سبق بحث هذه المسألة- بخلاف سجود الصلاة، فليس مبناه على التداخل حتى مع تقارب السجدتين. • ورد هذا الوجه: إن قصد بالركوع الصلاة والسجدة على نية التداخل، كما تتداخل تكبيرة الإحرام مع تكبيرة الركوع في حق المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا، فهذا يمكن

стр. 7978

قبوله، فيكون المقصود ركوع الصلاة الذي هو ركن فيها، فكأنه استغنى بالركوع عن سجود التلاوة، وعليه يحمل الأثر الوارد عن ابن مسعود، وأما الركوع بنية سجدة التلاوة زائدًا على ركوع الصلاة فهذا هو الذي لا يصح، وهو محل الخلاف. قال ابن يونس: «إن قصد به الركوع فلم يسجدها، وإن قصد به السجدة فقد أحالها عن صفتها وذلك غير جائز». الوجه الثالث: أن السجود عند التلاوة المقصود منه إظهار الخضوع، ألا ترى أن السجود غير مشروع بلا سبب حتى لا يلزم بالنذر، فالغرض منه: إظهار الخضوع، ومخالفة المستكبرين منهم، وذلك حاصل من الركوع، ولكن شرطه أن يكون بطريق هو عبادة، وهذا يوجد في الصلاة؛ لأن الركوع فيها عبادة كالسجود، ولا يوجد خارج الصلاة، وقد كان أبو هريرة إذا لم يسجد الإمام للتلاوة أومأ برأسه، جمعًا بين متابعة الإمام وإظهار الخضوع (١)، بخلاف ركوع الصلاة وسجودها فإنهما عبادتان مقصودتان، فلا يقوم أحدهما مقام الآخر، ولأنه لو ركع بسجدة الصلاة أدى ذلك إلى تكرر الركوع في ركعة، وهو ركن لم يوضع على التكرار. الدليل الثاني: (ث-٧٠٣) ما رواه الطبراني من طريق إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: من قرأ الأعراف، والنجم، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فشاء أن يركع بآخرهن ركع أجزأه سجود الركوع، وإن سجد فليضف إليها سورة (٢). وفي رواية: من قرأ الأعراف، والنجم، ﴿و اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فإن شاء ركع بها، وقد أجزأه عنه، وإن شاء سجد، ثم قام فقرأ السورة، وركع، وسجد (٣).

стр. 7979

[منقطع إلا أنه في حكم الموصول] (١). • الجواب عن أثر ابن مسعود ﵁: أثر ابن مسعود ليس نصًا في جواز استبدال السجدة بالركوع زائدًا على ركوع الصلاة، بل هو يحتمل أكثر من معنى، من ذلك: المعنى الأول: يحتمل أنه يرى تداخل سجدة التلاوة بركوع الصلاة، وما دام أن تكبيرة الركوع ركن، وسجدة التلاوة سنة، فتكون النية للركن، كما لو اجتمع للمسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا تكبيرة الإحرام التي هي ركن، وتكبيرة الركوع، فله أن يكبر للإحرام وتدخل تكبيرة الركوع تبعًا، فالصحيح من أقوال أهل العلم صحة تداخل التكبيرتين بشرط أن يكون نوى تكبيرة الإحرام. ويدل على صحة هذا التأويل: (ث-٧٠٤) ما رواه عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق سمعته يقول: قال ابن مسعود إذا كانت السجدة آخر السورة، فاركع إن شئت، أو اسجد، فإن السجدة مع الركعة. قلت: من حدثك هذا يا أبا إسحاق؟ قال: أصحابنا: علقمة،

стр. 7980

والأسود، والربيع بن خثيم (١). [رجاله ثقات] (٢). وجه الاستدلال: قوله: (فإن السجدة مع الركعة) والمعية لا تعني إلا تداخل العبادتين. المعنى الثاني: يحتمل أن عبد الله بن مسعود أراد الإشارة إلى أن السجدة ليست فرضًا، وله أن يدعها، ويكتفي بالركوع. ويدل على صحة هذا التأويل: (ث-٧٠٥) ما رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله قال: إذا كانت السجدة خاتمة السورة، فإن شئت ركعت، وإن شئت سجدت (٣). [صحيح]. ورواه ابن وهب في الجامع من طريق شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت الأسود قال: قال عبد الله: إذا قرأ أحدكم بسورةٍ في آخرها سجدةٌ، فإن شاء سجد، ثم قام

стр. 7981

فقرأ، وإن شاء ركع (١). [صحيح] (٢). ورواية الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، مقدمة على رواية معمر، وزائدة عن أبي إسحاق، وشعبة والثوري مع إمامتهما فهما من أصحاب أبي إسحاق القدماء، وروايتهما: (فإن شئت ركعت وإن شئت سجدت) فيها تخيير له بفعل السجود أو تركه إشارة إلى عدم وجوبه. وسواء رجحنا رواية الثوري وشعبة، أو رجحنا رواية معمر وزائدة، فلم يرد ابن مسعود أنه يركع بنية التلاوة مستقلًا عن ركوع الصلاة، بحيث يكون في الصلاة ركوعان: أحدهما للتلاوة، والآخر للصلاة، فهذا لا يعرف به سنة ولا أثر. وهذا معنى ما نقله أبو يعلى من رواية الأثرم عن أحمد، قال: «إذا كان السجود في آخر السورة، فقرأها في الصلاة، فإن شاء سجد، وإن شاء ركع. انتهى كلام أحمد. قال أبو يعلى: «ولم يرد بهذا أن الركوع يقوم مقام السجود، وإنما خيَّره إن شاء أسقط السجود أصلًا، وركع ركوع الصلاة؛ لأنه آخر السورة، وبهذا قال الشافعي ﵀» (٣). المعنى الثالث: تداخل سجدة التلاوة مع سجدة الصلاة، ويؤيد هذا التأويل: (ث-٧٠٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، ووكيع، قالا: حدثنا سفيان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: سألنا عبد الله عن السورة تكون في آخرها سجدة، أيركع أو يسجد؟ قال: إذا لم يكن بينك وبين السجدة إلا الركوع فهو قريب (٤). [صحيح].

стр. 7982

وجه الاستدلال: كأن ابن مسعود ﵁ يفرق بين أن تكون السجدة في وسط السورة فيسجد لها، وبين أن تكون سجدة التلاوة في آخر السورة، لا يفصل بينها وبين سجدة الصلاة إلا الركوع، فيرى أنه فاصل قريب، فيمكن أن تتداخل السجدتان، ويكتفي بسجدة الصلاة، والله أعلم. وهذا المعنى قد ذكره أبو يعلى وفسر به رواية أحمد: إن شاء سجدها، وإن شاء ركع، بلغنا عن ابن مسعود ﵁ ذلك ..... قال أبو يعلى: «فدل على أن ما بعد الركوع من السجود يقوم مقام سجود التلاوة، فيقع التداخل به، ولأنه إذا نوى أن يقيم ركوع الصلاة مقامها، قامت الركعة بسجودها مقام سجدة التلاوة، وسجدة التلاوة يصح فيها التداخل، ولهذا إذا تلا السجدة في مجلس واحد مرتين، اقتصر على سجود واحد؛ لأن الفصل متقارب، ولو كانا في مجلسين لم يتداخلا، كذلك هاهنا بين قراءة السجدة وبين سجدة الصلاة زمن يسير، فتداخلا، ويفارق هذا سجود الصلاة؛ لأنه ليس مبناه على التداخل مع تقارب السجدتين. ولا معنى لقولهم: إن هذا سجود، فلا يقوم الركوع مقامه، كسجود الصلاة، وذلك أننا نقول بموجبه، ونقول: بأن إحدى السجدتين قامت مقام الأخرى لتقاربهما، فأما أن نقول: الركوع قام مقامه فلا» (١). الدليل الثالث: (ث-٧٠٧) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا قرأ النجم يسجد فيها، وهو في الصلاة، فإن لم يسجد ركع (٢). • ويجاب بجوابين: الأول: أن حديث معمر عن أهل البصرة فيه ضعف، وهذا منه.

стр. 7983

الثاني: لو صح فليس فيه دلالة على إقامة الركوع مقام السجود، بل فيه دليل على أن ابن عمر لا يرى وجوب سجدة التلاوة، فكان تارة يسجد للتلاوة، وتارة يركع تاركًا لسجود التلاوة، كما كان عمر ﵁ يفعل مصرحًا بأن السجود ليس بواجب. • وجه من قال: لا يقوم الركوع مقام السجود: الوجه الأول: الله أمرنا بالسجود، والركوع خلافه، فلا يقوم مقامه كما في سجود الصلاة. الوجه الثاني: بدل العبادة لا يصح إلا بتوقيف، كالتيمم بدل عن الماء، ومسح الخف بدل عن غسله، فأين الدليل على أن النبي ﷺ أو أحدًا من أصحابه ركع بنية السجدة وزاد في الركعة الواحدة ركوعين، ركعة عن التلاوة، وركعة عن الصلاة، وإذ لم يثبت مثل هذا فالعبادات الأصل فيها المنع. الوجه الثالث: ليس المطلوب من سجدة التلاوة مطلق الخضوع، فلو سجد على خده أو على ذقنه أو خر على ركبتيه جالسًا مقام السجود على الجبهة لم يصح حتى يأتي بالسجود على الهيئة الشرعية الثابتة. • الراجح: أن الركوع لا يقوم مقام سجود التلاوة في الصلاة، والله أعلم.

стр. 7984

الفصل السابع القراءة بعد الرفع من سجود التلاوة المدخل إلى المسألة: • الانتصاب قائمًا بعد سجود التلاوة واجب، والقراة قبل الركوع قيل: مستحب، وقيل مباح. • لا نسلم أن سجود التلاوة يقطع القراءة، بدليل أنه إذا سجد ورفع قائمًا وأحب أن يقرأ كفته الاستعاذة الأولى. • لو كانت قراءته بعد سجود التلاوة قراءة مستأنفة لاستحب له إعادة الاستعاذة. • المصلي إذا رفع من سجدة التلاوة، ثم ركع قبل أن يقرأ فقد وقع الركوع بعد قراءة الصلاة، سواء قرأ بعد السجدة أم لا، والمحذور أن يتقدم الركوع على القراءة. • لا يمكن الجزم بأن قراءة عمر ﵁ بعد الرفع من السجدة كان سببه استحباب الترتيب بين القراءة والركوع، فقد يكون الحامل عليه من أجل تمكين كبير السن أو ثقيل البدن من اللحاق بالإمام من أجل تحقيق المتابعة. [م-٩٦٤] إذا رفع من سجدة التلاوة فلا بد من الانتصاب قائمًا، وهذا بالإجماع. قال النووي: «ولا خلاف في وجوب الانتصاب قائمًا؛ لأن الهوي إلى الركوع من القيام واجب» (١). وقال أيضًا: «وفي الإبانة والبيان وجه: أنه لو رفع من سجود التلاوة إلى الركوع ولم ينتصب أجزأه الركوع، وهو غلط، نبهت عليه؛ لئلا يغتر به» (٢).

стр. 7985

فإذا استوى قائمًا، فهل له أن يركع مباشرة، ولو لم يقرأ؟ فقال الحنفية: يكره أن يركع قبل أن يقرأ شيئًا من القرآن (١). • وجه القول بالكراهة: أنه إذا قام من السجدة ثم ركع مباشرة كان بانيًا للركوع على السجود والأصل أن يبني الركوع على القراءة. • ويناقش: الكراهة حكم شرعي يقوم على دليل شرعي، ولا دليل. ولأنه إذا ركع بعد أن استوى قائمًا فقد بنى الركوع على القيام، وليس على السجود، وهذا هو محله من الصلاة. وعبر المالكية والشافعية بالاستحباب (٢). قال الخطيب الشربيني: «ويستحب أن يقرأ قبل ركوعه في قيامه من سجوده شيئًا من القرآن» (٣). ولا يلزم من ترك المستحب الوقوع في المكروه. • دليل القول بالاستحباب: الدليل الأول: (ث-٧٠٨) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن حصين بن سبرة، قال:
следующие страницы →