عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (١).
[ضعيف] (٢).
стр. 8017
وجه الاستدلال:
أن الأحاديث المروية تبين أن المشروع عند رؤية المبتلى أن يحمد الله على العافية، ويذكر نعمة الله عليه بأنه فضله على كثير من خلقه.
• الراجح:
أنه لا يشرع سجود الشكر عند رؤية المبتلى، والله أعلم.
стр. 8018
الفصل الثاني في حكم سجود الشكر
المبحث الأول في حكم سجود الشكر خارج الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• لا يتقرب إلى الله بالسجود من غير سبب، وهذا ما عليه عامة العلماء.
• الصلاة والسهو سببان للسجود بالاتفاق، وكلاهما إما في الصلاة، أو مرتبط بها، وسجود الشكر لا يرتبط بالصلاة، والعلماء متنازعون في مشروعيته.
• قال ابن تيمية: سجود الشكر لا يجب بالإجماع، وفي استحبابه نزاع، وسجود التلاوة مشروع بالإجماع، وفي وجوبه نزاع.
• القول بكراهة سجود الشكر أو تحريمه قول ضعيف.
• حكم سجود الشكر متردد بين الاستحباب والإباحة، ولعل القول بالإباحة أظهر؛ لأن الأدلة المستدل بها على سجود الشكر لم يصح منها شيء، والأكثر غير صالح للاعتبار.
• ترك السجود مع دواعي الفعل أكثر من أن يحصى، وأظهرها فتح مكة، والنصر في بدر، وهزيمة الأحزاب، وفتح خيبر، وقائع أحدثت تحولات مصيرية في مستقبل الأمة، ولو كان سجود الشكر مطلوبًا لما غفل عنه النبي ﷺ وصحابته في هذه الأحداث العظيمة، فكان القول بالإباحة أقرب.
• ثبت سجود الشكر من فعل كعب بن مالك، وهو الأثر الوحيد الصحيح عن الصحابة، وقد بشر أبو بكر وعمر وعثمان بالجنة كما في حديث أبي موسى في الصحيحين، وبشر عكاشة بن محصن، وبشر غيرهم، ولم ينقل عن أحد منهم أنه سجد شكرًا.
стр. 8019
[م-٩٦٩] لا يختلف العلماء أن شكر النعمة واجب شرعًا وعقلًا. قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤].
والسجود من غير سبب ليس بقربة، ومكروه عند أكثر من أهل العلم (١).
وتنازعوا في مشروعية سجود الشكر خارج الصلاة مع الاتفاق على عدم وجوبه (٢):
فقيل: سنة، وبه قال محمد بن الحسن، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وعليه الفتوى، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، ورجحه داود الظاهري، وابن حزم (٣).
стр. 8020
وقيل: يكره، وبه قال أبو حنيفة، والإمام مالك، وهو المشهور من مذهبه (١).
جاء في المدونة: قال ابن القاسم: سألت مالكًا عن سجود الشكر، يبشر الرجل فيخر ساجدًا؟ فكره ذلك» (٢).
وقيل: جائز، أي مباح، وهو رواية عن أبي حنيفة، وحكي رواية عن مالك، اختاره ابن حبيب (٣).
قال المازري: «اختلف الناس في سجود الشكر، فالمشهور عن مالك كراهته وإنكاره. وحكى ابن القصار عنه الجواز، وبه قال ابن حبيب … » (٤).
وقال ابن تميم الحنبلي: يستحب لأمير الناس لا غير. قال في الفروع: وهو غريب بعيد (٥).
стр. 8021
• دليل من قال: السجود سنة:
الدليل لأول:
(ح-٢٧٧٣) ما رواه أبو داود من طريق أبي عاصم، عن أبي بكرة بكار بن عبد العزيز، أخبرني أبي: عبد العزيز
عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ أنه كان إذا جاءه أمر سرور -أو يسر به- خر ساجدًا شاكرًا لله تعالى (١).
[منكر] (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٢٧٧٤) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد ابن عبدة السهمي،
عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ بشر بحاجة فَخَرَّ ساجدًا (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 8022
الدليل الثالث:
(ح-٢٧٧٥) ما رواه أبو داود من طريق يحيى بن الحسن بن عثمان، عن الأشعث بن إسحاق بن سعد، عن عامر بن سعد،
عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من مكة نريد المدينة، فلما كنا قريبًا من عَزْوَرَ نزل، ثم رفع يديه فدعا الله ساعة، ثم خر ساجدًا فمكث طويلًا، ثم قام فرفع يديه فدعا الله ساعة، ثم خرَّ ساجدًا فمكث طويلًا، ثم قام فرفع يديه ساعة، ثم خرَّ ساجدًا - ذكره أحمد ثلاثًا - قال: إني سألت ربي وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدًا شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فخررت ساجدًا لربي شكرًا، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي لأمتي فأعطاني الثلث الآخر، فخررت ساجدًا لربي.
قال أبو داود: أشعث بن إسحاق أسقطه أحمد بن صالح حين حدثنا به، فحدثني به عنه موسى بن سهل الرملي (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الرابع:
(ح-٢٧٧٦) ما رواه النسائي من طريق حجاج بن محمد، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، أن النبي ﷺ سجد في ص وقال: سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا (٣).
[رجاله ثقات إلا أنه معلٌّ بالإرسال] (٤).
• ونوقش:
سجدة سورة ص، سببها التلاوة في حقنا؛ وإن كانت سجدة شكر في حق
стр. 8023
داود ﵇؛ لأن سجدة الشكر تختص بالنعم المتجددة، ولا تكرر، ولا ترتبط بالتلاوة، فكل سجدة يكون سببها التلاوة، فهي من سجود التلاوة.
الدليل الخامس:
(ح-٢٧٧٧) ما رواه البيهقي من طريق أبي عبيدة بن أبي السفر، قال: سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق،
عن البراء قال: بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن النبي ﷺ بعث عليَّ بن أبي طالب، وأمره أن يُقفِلَ خالِدًا ومن كان معه إلا رجل ممن كان مع خالد أحب أن يُعَقِّب مع علي فليُعَقِّبْ معه. قال البراء: فكنت ممن عقب معه، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي وصفنا صفًا واحدًا، ثم تقدم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت هَمْدانُ جميعًا، فكتب علي إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرَّ ساجدًا، ثم رفع رأسه، فقال: السلام على همدان، السلام على همدان (١).
[غريب من حديث إبراهيم بن يوسف، وهو أصح ما ورد مرفوعًا في الباب] (٢).
الدليل السادس:
(ح-٢٧٧٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، حدثنا ليث، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم،
عن عبد الرحمن بن عوف، قال: خرج رسول الله ﷺ ، فاتبعته حتى دخل نخلًا فسجد، فأطال السجود حتى خفت -أو خشيت- أن يكون الله قد توفاه -أو قبضه- قال: فجئت أنظر، فرفع رأسه، فقال: ما لك يا عبد الرحمن؟ قال: فذكرت ذلك له، قال: فقال: إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك إن الله يقول لك: من
стр. 8024
صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل السابع:
(ح-٢٧٧٩) ما رواه محمد بن نصر من طريق بقية، عن صفوان بن عمرو، قال: حدثني الحجاج بن عثمان السكسكي،
عن معاذ بن جبل، قال: أقبلت إلى النبي ﷺ فإذا به قائم يصلي، وسجد سجدة ظننت أن نفسه قبضت فيها، فقلت: رأيتك يا رسول الله سجدت سجدة، فظننت أن نفسك قد قبضت فيها، قال: إني صليت ما كتب لي ربي، فقال لي: يا محمد، ما أفعل بأمتك؟ قلت: يا رب أنت أعلم. قال: إني لن أخزيك في أمتك يا محمد، فسجدت لربي بها. وربك شاكر يحب الشاكرين (٣).
[ضعيف جدًّا] (٤).
стр. 8025
الدليل الثامن:
(ح-٢٧٨٠) ما رواه ابن عدي في الكامل من طريق يوسف بن محمد بن المنكدر، عن أبيه،
عن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الرجل مُغَيَّرَ الخلق خرَّ ساجدًا، وإذا رأى القرد خرَّ ساجدًا، وإذا قام من منامه خرَّ ساجدًا شكرًا لله (١).
[ضعيف جدًّا] (٢).
الدليل التاسع:
(ح-٢٧٨١) ما رواه البزار، كما في مختصره، قال: حدثنا الوليد بن عمرو بن سكين، حدثنا حبان بن هلال، حدثنا جعفر بن سليمان، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر رفعه قال: مر رجل بجمجمة إنسان، فحدَّث نفسه، فخرَّ ساجدًا،
стр. 8026
فقيل له: ارفع رأسك، فأنت أنت، وأنا أنا.
قال البزار: لا نعلمه عن جابر إلا من هذا الوجه، ولم أحسب جعفر بن سليمان سمع من ابن المنكدر، ولا روى عنه إلا هذا، على أنه روى عن من هو دونه في السن مثل بشر بن المفضل، وعبد الوارث.
[غريب، تفرد به البزار] (١).
• ويناقش:
هذه القصة حكاها النبي ﷺ في شرع من قبلنا، ولم يظهر لي وجه الشكر في هذا السجود، فالرجل حدث نفسه بشيء فخرَّ ساجدًا، فالسجود مرتب على حديث النفس، وإذا كنا لا نعلم بما حدث به نفسه فلا نستطيع الجزم بأن السجود كان شكرًا لله، فيمكن أن يكون حدث نفسه بشيء ثم رأى أنه لا ينبغي له ذلك، فخر ساجدًا نادمًا مما حدَّث به نفسه، ويحتمل أنه تذكر برؤية الجمجمة مصير العبد، فحدث نفسه بذنوبه، فخر ساجدًا ندمًا على ذنوبه، فما هي النعمة المتجددة التي حدثت لهذا الرجل حين رأى الجمجمة حتى يحمل الفعل على أنه من سجود الشكر، فكان سجوده بالتوبة أقرب منه إلى الشكر، وإذا حمل على الشكر؛ لكونه ما زال حيًّا، فهذه نعمة لم تتجدد حتى تكون سببًا للسجود، فلو تذكر الإنسان نعم الله عليه لم يشرع له السجود بالاتفاق حتى يكون ذلك بسبب نعم متجددة، بخلاف النعم القائمة، وتذكرها لا يكون بمنزلة تجددها، وإلا لكان العبد لا ينقطع عن السجود.
الدليل العاشر:
(ح-٢٧٨٢) ما رواه البخاري في الأدب المفرد، قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سلمة بن وردان قال:
سمعت أنسًا، ومالك بن أوس بن الحدثان، أن النبي ﷺ خرج يتبرز فلم يجد أحدًا يتبعه، فخرج عمر فاتبعه بفخارة، أو مطهرة، فوجده ساجدًا في مَشْرُبَةٍ، فتنحى، فجلس وراءه حتى رفع النبي ﷺ رأسه، فقال: أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدًا،
стр. 8027
فتنحيت عني، إن جبريل جاءني، فقال: من صلى عليك واحدة صلى الله عليه عشرا، ورفع له عشر درجات (١).
[ذكر سجود الشكر منكر، تفرد بذكره سلمة بن وردان، وهو ضعيف، وقد رواه جماعة عن أنس، وليس فيها ذكر للسجود، وهو المعروف] (٢).
الدليل الحادي عشر:
(ح-٢٧٨٣) ما رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق الحسن بن عمارة، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قيس بن أبي حازم،
عن جرير، قال: قال رسول الله ﷺ : لم يبق من طواغيت الجاهلية إلا بيت ذي الْخَلَصَةِ، فمن ينتدب لله ولرسوله؟ فقال جرير: أنا، فانتدب معه سبعمائة كلهم من أحمس، فلم يفجأ القوم إلا بنواصي الخيل، فقتلوا وخربوا البيت، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ ببشارة، وأخبره أنه لم يبق منه إلا كالبعير المهنى أو كالبعير الأجرب
стр. 8034
فخرَّ رسول الله ﷺ ساجدًا ثم قال: اللهم بارك لأحمس في خيلها ورجالها (١).
[منكر، والحديث في الصحيحين وليس فيه سجود الشكر] (٢).
الدليل الثاني عشر:
(ث-٧١٣) ما رواه البخاري ومسلم في قصة توبة كعب بن مالك، وفيه: .... فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سَلْعٍ، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا (٣).
وهذا الأثر الوحيد الصحيح في الباب، وعليه المعول في إثبات سجدة الشكر.
الدليل الثالث عشر:
(ث-٧١٤) رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا الوليد بن القاسم بن الوليد الهمداني، حدثنا إسرائيل، حدثنا إبراهيم يعني: ابن عبد الأعلى، عن طارق بن زياد، قال:
خرجنا مع علي إلى الخوارج فقتلهم، ثم قال: انظروا، فإن نبي الله قال: إنه سيخرج قوم يتكلمون بالحق، لا يجاوز حلقهم، يخرجون من الحق كما يخرج السهم من الرمية، سيماهم أن منهم رجلًا أسود مخدج اليد، في يده شعرات سود،
стр. 8035
إن كان هو فقد قتلتم شرَّ الناس، وإن لم يكن هو فقد قتلتم خير الناس، فبكينا، ثم قال: اطلبوا، فطلبنا فوجدنا المخدج، فخررنا سجودًا، وخر علي معنا ساجدًا، غير أنه قال: يتكلمون بكلمة الحق.
[ذكر سجود الشكر تدور على مجاهيل، والحديث في الصحيحين وليس فيه سجود الشكر، وفي مسلم أن عليًّا ﵁ كبر حين رآه، وهو المعروف] (١).
الدليل الرابع عشر:
(ث-٧١٥) فقد روى عبد الرزاق في المصنف، قال: عن الثوري، عن أبي سلمة، عن أبي عون قال: سجد أبو بكر حين جاءه فتح اليمامة.
[أبو عون لم يدرك أبا بكر] (٢).
الدليل الخامس عشر:
(ث-٧١٦) رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا حفص بن غياث عن موسى بن عبيدة عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: بُشر عمر بفتح فسجد.
[موسى بن عبيدة متروك] (٣).
الدليل السادس عشر.
قال ابن القيم: «لو لم تأت النصوص بالسجود عند تجدد النعم لكان هو محض القياس، ومقتضى عبودية الرغبة، كما أن السجود عند الآيات مقتضى عبودية الرهبة، وقد أثنى الله سبحانه على الذين يسارعون في الخيرات ويدعونه رغبًا ورهبًا» (٤).
• دليل من قال بكراهة سجدة الشكر:
الدليل الأول:
السجود خارج الصلاة ليس بقربة إلا على سبب مشروع متفق على مشروعيته،
стр. 8036
والعلماء متفقون على أن الصلاة والسهو سببان للسجود، وكلاهما إما في الصلاة، أو مرتبط بها، وسجود الشكر هو السبب الوحيد الذي لا يرتبط بالصلاة، والعلماء متنازعون في مشروعيته، ولم يصح حديث مرفوع عن النبي ﷺ أن الشكر سبب للسجود، ولو كان مشروعًا لفعله النبي ﷺ ، أو كان جائزًا لاتفق وقوعه منه، مع تجدد البشارات التي كانت تأتي إلى النبي ﷺ ، ولو فعلوه لنقل إلينا نقلا متظاهرًا؛ لحاجة العامة إلى فعله، فلما تركه النبي ﷺ كانت السنة تركه، وأكثر الأحاديث المرفوعة التي وردت في الباب، بل والآثار الواردة عن الصحابة عدا أثر كعب بن مالك غرائب، ومناكير، وتدور على مجاهيل، وهي غير صالحة للاعتبار، وانفراد المجاهيل بسنة دليل على ضعفها، وليس على تقويتها بالمجموع، والأصل عدم المشروعية.
جاء في التعليقة الكبرى للقاضي أبي يعلى: «واحتج المخالف: بأن نعم الله على نبينا ﷺ كانت ظاهرة، وآلاؤه لديه متواترة، من حين بُعث إلى أن قُبض، فمما أنعم الله: أنه اصطفاه بالرسالة، واجتباه للنبوة، وائتمنه على وحيه، وصيَّره سفيرًا بينه وبين خلقه، وجعله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وأيده بالبراهين الواضحة، والحجج اللائحة، والمعجزات الدالة على صدقِه، وصحةِ ما جاء به من عند ربه ، ثم مكّنه من أعداء الدين، وملَّكه رقابهم، وأموالهم، ولم ينقل عنه أنه سجد لشيء من ذلك شكرًا لله تعالى، فلو كان سجود الشكر مسنونًا مستحبًا، لما جاز أن يتركه عند هذه النعم المتجددة، ولو فعل، لنُقِل، فلما لم ينقل، دل على أنه لم يفعل، وأنه غير مسنون» (١).
• ونوقش هذا:
بأن ما ذكروه من عدم النقل غير مسلَّم، فقد نقل فعل السجود عن النبي ﷺ كما نقل عن جماعة من أصحابه، وإذا كانت آحادها لا تقوم بها حجة، فإن مجموعها صالحة للاحتجاج؛ فحالة الاجتماع تثير ظنًّا غالبًا، وهذا شأن كل ضعيفين اجتمعا، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ
стр. 8037
إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فكثرتها تدل على أن لها أصلًا، لا سيما وقد صح ذلك من فعل كعب بن مالك، وكون بعض العلماء لم يطلع على ذلك فهذا يعذر به، ولكن عدم اطلاعه ليس بحجة.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الخلاف: «وإنكار ورود سجود الشكر عن النبي ﷺ من مثل هذين الإمامين مع وروده عنه ﷺ من هذه الطرق التي ذكرها المصنف وذكرناها، من الغرائب» (١).
• ويجاب على هذا:
تقوية الضعيف بالشواهد والمتابعات، له شروطه، منها:
أن يكون الراوي مستقيم العدالة في دينه، وأن يكون الضعف في الراوي من قبل حفظه، وألا يخالف من هو أوثق منه، وأن يكون متنه مستقيمًا، فلا يخالف ظاهر النصوص الصحيحة، فسيئ الحفظ يمكن أن ينجبر إذا اعتضد بمثله أو أحسن، والذي لا يرى الاحتجاج بهذه الأحاديث يرى أن بعض هذه الأحاديث: إما من قبيل المنكر، كحديث أبي بكرة مرفوعًا: كان إذا أتاه أمر يسره خرَّ ساجدًا شكرًا لله، وحديث أنس بن مالك.
فقد خالف فيه الضعيف من هو أوثق منه، فمثله لا يصلح للاعتبار.
أو أن هذه الأحاديث مضطربة الإسناد، ولا مرجح، كحديث عبد الرحمن بن عوف.
أو أنها تدور على مجاهيل، كحديث سعد بن أبي وقاص، في إسناده أشعث بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص، مجهول العين، والراوي عنه رجل ضعيف، ومثله حديث معاذ بن جبل، وحديث جابر.
بقي في الباب حديث البراء، وهو ضعيف، تفرد به إبراهيم بن يوسف بن إسحاق، وأكثر العلماء متكلمون فيه، ومن قواه اغتر بتخريج البخاري له، وقد أجبت عن ذلك، وأن البخاري احتج به بأحاديث يسيرة جدًّا في المغازي، وهو باب يتساهل فيه، فلا يقبل منه، فإن قيل: لعله لقرابته يغتفر له تفرده. قيل: هو
стр. 8038
مخالف لظاهر عمل النبي ﷺ حيث فتح مكة، ولم يسجد شكرًا، وهو من أعظم فتوح الإسلام، وانتصر ببدر، وهو أول غزوة للمسلمين، وقتل فيها صناديد قريش، ولم يسجد النبي ﷺ ولا أصحابه شكرًا، وأرسل الله الريح على أهل الأحزاب، فكفى الله المؤمنين القتال، بعد أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، حتى نزلت آيات من الكتاب تذكرهم حالهم ونعمة الله عليهم.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١].
وفتح الله خيبر على المسلمين، فأغناهم بها من فقر، ولم ينقل أنهم سجدوا شكرًا، والعلماء بتقوية الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة طرفان ووسط، فهناك من لا يحتج بها مطلقًا، حتى ولو كان ضعفها خفيفًا، وهناك من المعاصرين من يتساهل في تقوية الحديث بطرقه حتى يجعل الحديث الواحد إذا اختلف على راويه، فروي عنه من وجهين بدلًا من أن يعلَّه بهذا الاختلاف، ويراه دليلًا على عدم ضبط الراوي، يذهب ليقوي أحد الوجهين بالآخر، مع أن مدارهما ومخرجهما على راوٍ واحد، وهذا من أضعف الطرق لتصحيح الحديث بطرقه، والحق أن الحديث الضعيف إذا توفرت شروط تقوية بعضه ببعض أنه صالح للاحتجاج في الجملة بشرط ألا تكون هناك أدلة أقوى منه، فتقدم عليه.
الدليل الثاني:
بشر النبي ﷺ بعض أصحابه بأنهم من أهل الجنة، ولم ينقل عن أحد منهم أنه سجد شكرًا، ولا نعمة أعظم من أن يبشر عبد، وهو بالدنيا بالنجاة من النار ودخول الجنة، قال تعالى ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥]. فهي أعظم من نعمة فرح العبد بدخوله الإسلام؛ لأن نعمة الإسلام، وإن كانت من أعظم النعم إلا أنها لا تضمن للعبد دخول الجنة حتى يموت موحدًا، ومن يضمن هذا؟
(ح-٢٧٨٤) فقد روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري أنه قال: لأكونن
стр. 8039
بواب رسول الله ﷺ اليوم، فجاء أبو بكر، فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال أبو بكر: فقلت: على رسلك، ثم ذهبت، فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل، ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في الْقُفِّ، وَدَلَّى رجليه في البئر كما صنع النبي ﷺ ، وكشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست … فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه، فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن؟ فقال: ائذن له، وبشره بالجنة. فجئت فقلت: ادخل، وبشرك رسول الله ﷺ بالجنة، فدخل، فجلس مع رسول الله ﷺ في الْقُفِّ عن يساره، وَدَلَّى رجليه في البئر، ثم رجعت فجلست … فجاء إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت على رسلك، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، على بلوى تصيبه. فجئته، فقلت له: ادخل، وبشرك رسول الله ﷺ بالجنة، على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القف قد ملئ، فجلس وِجَاهَهُ من الشق الآخر. قال شريك: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم (١).
وبشر النبي ﷺ عكاشة بأنه مع السبعين ألفًا ممن يدخل الجنة بغير حساب، ولا عذاب، ولم ينقل أنه سجد شكرًا (٢)، وقل: مثل ذلك في حوادث كثيرة مشابهة.
• ونوقش:
بأن هذه الأدلة تدل على أن سجود الشكر ليس بواجب، وهو متفق عليه،
стр. 8040
فالمستحب يفعل مرة ويترك أخرى، وتركه ليس دليلًا على نفي استحبابه، كيف وقد ثبت فعله عن كعب بن مالك، ولم ينكر أحدٌ فعلَه، حتى قال ابن القيم: «وفي سجود كعب حين سمع صوت المبشر دليل ظاهر أن تلك كانت عادة الصحابة» (١).
• ونوقش:
بأن النقل عن كعب صحيح، وأما القول بأن ما فعله واحد من الصحابة دليل على أن جميع الصحابة كان يفعله فهذا التعميم غير مقبول، ولا يلتزمه القائل في بقية ما ينقل من أفعال الصحابة، فالصحيح أنه إذا لم يثبت فعله إلا عن كعب بن مالك، فهذا ينفي البدعة عنه، ولا يقرر مشروعيته، وقد تركه من هو أفضل من كعب، وهو النبي ﷺ ، كما تركه من هو أعلم منه، كالخلفاء الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وفقهاء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
الدليل الثالث:
أن الله قد أنعم على كثير من الصحابة بالهداية إلى الإسلام، وهي من أعظم نعم الله على العبد، ولم ينقل عن أحد ممن أسلم على يدي النبي ﷺ أنه شكر نعمة الإيمان بالسجود.
• ونوقش هذا:
بأن حديث العهد بالإسلام قد أسلم، ولما يدخل الإيمان في قبله، فلا تتبين له عظم النعمة التي أنعم الله بها عليه حتى يشعر بحلاوة الإيمان، وذلك لا يكون إلا بعد ملازمة الطاعات، والابتعاد عن المحرمات، فإذا شعر بذلك يكون سجود الشكر قد فات وقته، والله أعلم.
• ويرد:
إن كان هذا يصدق في حق من أسلم، فإن المؤمنين كانوا يفرحون بإسلام الداخل في الإسلام، خاصة من كان إسلامه علامة فارقة في حياة المسلمين،
стр. 8041
كعمر بن الخطاب وحمزة، ومثل ذلك دخول الأنصار في الإسلام، ولم ينقل عن المسلمين أنهم سجدوا شكرًا لذلك.
الدليل الرابع:
(ح-٢٧٨٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق، ثابت،
عن أنس ﵁ قال: أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله ﷺ فبينا هو يخطب يوم جمعة، إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلكت الكراع، هلكت الشاء، فادع الله يسقينا. فمد يديه ودعا. قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح أنشأت سحابًا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عزاليها، فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، فلم نزل نمطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت، فادع الله يحبسه، فتبسم، ثم قال: حوالينا، ولا علينا، فنظرت إلى السحاب تصدع حول المدينة، كأنه إكليل (١).
وجه الاستدلال:
أنه ﷺ لم يسجد عند استجابة دعائه، ونزول الغيث مع كونه علامة من علامات النبوة، كما لم يسجد عند اندفاع نقمة المطر، فلو كان مستحبًا ما تركه ﷺ شكرًا لربه.
• وأجيب:
بأن الترك لا ينافي الاستحباب، وقد يكون من أسباب تركه كونه على المنبر، فكان في النزول مشقة.
• دليل من قال: يباح سجود الشكر:
(ث-٧١٧) استدل بما رواه البخاري ومسلم في قصة توبة كعب بن مالك، وفيه: .... فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض
стр. 8042
بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا (١).
وجه الاستدلال:
إذا ثبت فعله عن كعب بن مالك دل ذلك على إباحته، ولم نقل باستحبابه، وقد تركه من هو أفضل من كعب، وهو النبي ﷺ ، كما تركه من هو أعلم منه، كالخلفاء الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، وفقهاء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وهذا القول وسط بين القائلين بالاستحباب، وأدلتهم ضعيفة، وبين القائلين بعدم المشروعية، وقد فعله كعب بن مالك، والله أعلم، وبعض العبادات قد تحكم عليها بالإباحة من جهة جواز العمل، ولا تكون مستحبة؛ لكون النبي ﷺ لم يعملها، كما في قصة الرجل الذي كان يختم قراءته بسورة الإخلاص، ففعله مباح لإقرار الرسول ﷺ ، ولا يكون مندوبًا؛ لكون النبي ﷺ أكمل منه محبة لصفة الرحمن، ولم ينقل أنه كان يعمل ذلك، ولا أنه حث على الفعل، وسجدة الشكر من هذا الجنس من العبادات، إعمالًا لأدلة القائلين بالاستحباب، وعدم تجاهل حجج المانعين، والله أعلم.
• الراجح:
القول بكراهة سجود الشكر أو تحريمه قول ضعيف، وهو متردد بين الاستحباب والإباحة، ولعل القول بالإباحة أظهر؛ لأن أكثر الأدلة المستدل بها على سجود الشكر لا تصح، وأكثرها غير صالح للاعتبار، والأحاديث الصالحة للاحتجاج قليلة جدًّا، وترك السجود مع دواعي الفعل أكثر من أن يحصى، وأظهرها فتح مكة، والنصر في بدر، وهزيمة الأحزاب، وفتح خيبر، وقائع أحدثت تحولات مصيريه في مستقبل الأمة، ولو كان سجود الشكر مطلوبًا لما غفل عنه الصحابة في هذه الأحداث العظيمة، وهذا في الشأن العام، وأما الشأن الخاص فهو يكاد يتكرر في غالب الأيام، كالبشارة الواردة في حق بعض الصحابة من البشارة بالجنة
стр. 8043
لبعضهم، أو دخولهم في الإسلام، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، مما ورد ذكره في أدلة المسألة، والله أعلم.
стр. 8044
المبحث الثاني في حكم سجود الشكر داخل الصلاة
المدخل إلى المسألة:
• سجود التلاوة تابع للتلاوة، والتلاوة تكون في الصلاة وفي غيرها، فإذا قرئت السجدة في الصلاة سجد فيها تبعًا لسببها، وسجود الشكر سببه تجدد النعم، واندفاع النقم، ولا علاقة لهما بالصلاة، فكان سجوده في الصلاة زيادةً فيها.
• الزيادة في الصلاة عمدًا يبطلها، وسهوًا يشرع له سجود السهو إن كان من جنس أفعال الصلاة كالسجود.
• العبادات توقيفية، وقد صح عن النبي ﷺ سجود التلاوة داخل الصلاة، ولم يثبت مثل ذلك في سجود الشكر.
[م-٩٧٠] اختلف العلماء القائلون بمشروعية سجود الشكر، هل يسجد للشكر، وهو يصلي؟
فقيل: لا يسجد، ولو سجد عالمًا عمدًا بطلت صلاته، وهو مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١).
قال النووي: «اتفق أصحابنا على تحريم سجود الشكر في الصلاة، فإن سجدها فيها بطلت صلاته بلا خلاف» (٢).
стр. 8045
وقيل: يستحب سجود الشكر في الصلاة، اختاره بعض الحنابلة (١).
• دليل من قال: لا يسجد في الصلاة:
لأن سبب سجود الشكر لا تعلق له في الصلاة، فلو سجد في الصلاة كان حكمه حكم من زاد سجدة في الصلاة، فإن كان متعمدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا سجد للسهو.
• دليل من قال: يسجد للشكر في الصلاة:
الدليل الأول:
جاء في السجدة في سورة ص بما يدل على أنها سجدة شكر، ولم يمنع ذلك من سجودها في الصلاة.
(ح-٢٧٨٦) فقد روى النسائي من طريق حجاج بن محمد، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، أن النبي ﷺ سجد في ص وقال: سجدها داود توبة، ونسجدها شكرًا (٢).
[رجاله ثقات إلا أنه معلٌّ بالإرسال] (٣).
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن سجدة سورة ص، سجدة تلاوة؛ لأن سجدة الشكر مختصة بالنعم المتجددة، وليست مرتبطة بتلاوة الكتاب، فكل سجدة يكون سببها تلاوة الكتاب، فهي من سجود التلاوة.
стр. 8046
الوجه الثاني:
لو صح الحديث فليس فيه أن النبي ﷺ سجدها، وهو يصلي، فقد يكون سجدها خارج الصلاة.
الدليل الثاني:
القياس على سجدة التلاوة داخل الصلاة، فإن سجدة التلاوة ليست من ماهية الصلاة، فهي زيادة عليها، ومع ذلك فسجودها داخل الصلاة لم يبطل الصلاة، فكذلك سجود الشكر، وهو يتفق مع قواعد الحنفية القائلين بأن زيادة ما دون الركعة لا يبطل الصلاة، ولو كان عمدًا.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
بأن سجود التلاوة سببه القراءة، والقراءة جزء من الصلاة، فإذا وجدت القراءة وهي سبب السجود داخل الصلاة لم يمنع ذلك من السجود فيها، وسبب سجود الشكر لا علاقة له بالصلاة، فسجوده فيها زيادة عليها، والزيادة على الصلاة عمدًا يبطلها.
• ونوقش:
بأن سبب السجود وإن حصل خارج الصلاة، لكنه وصل إلى علم العبد، وهو يصلي، والسجود حالة امتنان وعرفان بنعمة الله عليه تغمر قلب العبد حال سماع الخبر، فيخر ساجدًا، ولو أجل السجود لفاتت مناسبته.
الوجه الثاني:
أن العبادة توقيفية، فثبت عن النبي ﷺ سجود التلاوة داخل الصلاة، ولم يثبت مثل ذلك في سجود الشكر، والأصل في العبادات المنع حتى يثبت دليل الجواز.
• الراجح:
القول بأن سجود الشكر لا يصح في الصلاة.
стр. 8047
أحكام الجماعة
الباب الأول في أحكام الجماعة في الصلوات الخمس
الفصل الأول في حكم صلاة الجماعة للرجال
المدخل إلى المسألة:
• لم يأت في كتاب الله ما يدل على وجوب صلاة الجماعة، وما استدل به من الآيات قد أجيب عنه بالبحث.
• التحاكم إلى آثار الصحابة في حكم صلاة الجماعة غير ممكن؛ لاختلافهم في حكم هذه المسألة، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة.
• ما ورد في السنة من النصوص في حكم صلاة الجماعة، فيه أحاديث صحيحة، إلا أن دلالتها معارضة بأخرى، فأحاديث تقضي بأن صلاة الجماعة فرض عين في المسجد، يقابلها نصوص أخرى تدل على أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة.
• الأصح في حديث أبي هريرة في قصة ابن أم مكتوم أنه معلٌّ سندًا ومتنًا، حتى قال الجوزجاني فيما نقله عنه الحافظ ابن رجب وأقرَّه: «إن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد من الفقهاء بظاهره».
• الحديث لا يعذر الأعمى الذي لا قائد له، والإجماع منعقد على قبول عذره.
• حديث أبي الدرداء: (ما من ثلاثة في قرية، لا يؤذن، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان)، قد تفرد به السائب بن حبيش، ولم يرو عنه غير زائدة، ففيه جهالة.
• حديث أبي هريرة في الهم بتحريق المتخلف عن الجماعة متفق عليه، ولا نزاع في صحته، ولا في دلالته على وجوب صلاة الجماعة، ويجب التوفيق
стр. 8048
بينه وبين ما يعارضه من أحاديث كثيرة تدل على أن صلاة الجماعة سنة.
• قال ابن تيمية: «معلوم أن التحريقَ بالنار لا يكون إلاّ عن كفرٍ أو كبيرةٍ عظيمة».
• كون التحريق همًّا وليس عزمًا، أو كونه ليس واجب النفاذ، أو ممتنعًا لذاته أو لغيره، كل ذلك لا يلغي دلالة الحديث على وجوب الجماعة، فالنبي ﷺ لم يكن ليقع منه هذا الهم لو كان المتوعد عليه جائز الترك، فالتوعد بالعقاب، -ولو كان نفاذه ممتنعًا- دليل على الوجوب، وهذا كافٍ في الدلالة.
• لو كان المانع من التحريق نسخ التعذيب بالنار، أو ما في البيوت من النساء والذرية لأمر بقتل المتخلف وحده بغير النار، ولم يقتل تارك الجماعة من عصر التشريع إلى يومنا هذا، والإجماع مستقر على منع قتله.
• ترك الجماعة لا يوجب القتل إجماعًا، ولا عقوبة محددة لتارك الجماعة، ولم يقل أحد من علماء المسلمين: إن المتخلف عن الجماعة يحرق عليه بيته، ولا أنه يجب قتله بغير التحريق.
• الراجح أن ذكر الجمعة في حديث ابن مسعود في مسلم وفي بعض طرق حديث أبي هريرة: ( … ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة)، غير محفوظ.
• قوله ﷺ : (ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام) وقوله: (إلى قوم لا يشهدون الصلاة) ف (أل) في الصلاة لعموم الصلوات التي تشرع لها الإقامة، ومنها الجمعة.
• لا يصح القول بأن الإحراق كان لترك مطلق الجماعة في المسجد؛ لأن الصلاة والجماعة لا تفوت بفوات الجماعة الأولى؛ لحديث: (من يتصدق على هذا)؟
• إذا كان تارك الصلاة يمهل حتى يخرج الوقت، وفي مذهب الحنابلة حتى يضيق وقت الثانية عن فعلها، فما بال تارك الجماعة يؤخذ قبل أن تفوت الصلاة والجماعة؟
• حمل بعض أهل العلم حديث أبي هريرة على وجوب الصلاة خلف النبي ﷺ وهو الذي يفوت بمجرد فوات الجماعة الأولى في مسجد النبي ﷺ ، وهذا وجه من وجوه الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وانظر بقية وجوه الجمع في البحث.
• إن قيل: لعل العقاب كان لترك الصلوات السابقة، قيل إذًا: فما الحاجة إلى
стр. 8049
خروج النبي ﷺ من المسجد بعد الإقامة وقبل أن يصلي مع الناس.
• يؤيد هذا الجمع حديث أنس وعائشة وكلاهما في الصحيحين: أن النبي ﷺ سقط من فرسه، فجاء بعض أصحابه يعودونه، فحضرت الصلاة، فصلوا معه، ولم يأمرهم بالصلاة جماعة في المسجد، والعذر لا يتجاوز غير المعذور.
• حديث يزيد بن الأسود وفيه: ( … ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة). وهذا من أقوى الأدلة على سنية صلاة الجماعة، وفي معناه حديث محجن بن الأدرع.
• اشتمل الحديث على سنة تقريرية بتصحيح فعلهما، وسنة قولية بالإذن لهما في المستقبل بالصلاة في الرحل، وقد وقع في حجة الوداع فيبعد أن يكون منسوخًا.
• حديث: (إذا صلى أحدكم في رحله … إلخ) فيه عمومان: (إذا) اسم الشرط عام في الوقت، وقوله: (أحدكم) عام في الأشخاص، ف (أحد) مفرد مضاف، فيعم، فيشمل الإذنُ الفذَّ كما يشمل الجماعةَ.
• قول النبي ﷺ : (إذا صلى) عام في الوقت، فمن خصص هذا العام بالسفر فعليه الدليل، وحديث محجن في الحضر.
• لم يستفصل النبي ﷺ ، أكان رحلهما بعيدًا أم قريبًا، أصلَّيا جماعة أم انفرادًا، وقد اشتهر عن الإمام الشافعي قوله: ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال.
• قال عتبان بن مالك لرسول الله ﷺ : (صَلَّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى)، فجاء فصلى حيث يريد، من أجل أن يصلي فيه وقت العذر من مطر أو سيل.
• ظاهر حديث عتبان جواز صلاته في بيته منفردًا؛ فلو كانت الجماعة واجبة لكانت صلاته في بيته منفردًا لا تجوز؛ لأن سقوط أحد الواجبين بالعذر لا يستلزم سقوط الآخر، فإذا سقط عنه الذهاب إلى المسجد؛ بقي عليه واجب الجماعة، فكان يمكنه الصلاة جماعة في البيت، ولو كان واجبًا لبيَّن النبي ﷺ له ذلك.
стр. 8050
• حديث أبي هريرة: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا)، وفي معناه: حديث أبي موسى وأُبَي بن كعب.
• المفاضلة بين شيئين إذا وردت مطلقة لا تنافي الوجوب، فقد يفاضل الله بين الخير المطلق والشر المطلق، ولكن إذا وردت مقيدة بعدد معين، فهذا يقتضي التشريك بينهما في أصل الفضل.
• التحريم والصحة قد يجتمعان، وأما الفضل والإثم فلا يجتمعان؛ لأنه لا يُعْلَم من أوامر الشارع ترتيب الفضل على فعل محرم؛ لأن هذه دعوة إلى فعله، فالمكروهات -فضلًا عن المحرمات- لا يذكر الشارع فضلًا في فعلها، فثبوت الفضل في العبادة أثر عن جوازها، وليس عن صحتها.
• حديث أبي ذر ﵁ حيث أمره النبي ﷺ إن أدرك الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها أن يصليها لوقتها، فإن أدركها معهم صلاها وكانت له نافلة. وظاهره: ولو صلاها منفردًا.
• كان أنس في إمرة عمر بن عبد العزيز على المدينة يصلي وحده في بيته أول الوقت، ويدع جماعة الأمير، ويقدم ذلك على الصلاة جماعة بعد وقتها المفضل؛ لأنه لا يظن بعمر بن عبد العزيز أنه يؤخر الصلاة خارج وقتها.
• لو كانت الجماعة واجبة في المسجد ما صلاها أنس في البيت، ولو كانت واجبة في غير المسجد لنظر أنس من يصلي معه من أهله وما أكثرهم.
• لو كان تخلف أنس ﵁ عن الجماعة لكبر سنه لما دعا ضيوفه إلى فعل صلاة العصر في بيته، وترك جماعة الأمير.
• فعل أنس ﵁ ليس أثرًا خالصًا، بل هو تطبيق عملي لوصية النبي ﷺ لأبي ذر، أن يصلي الصلاة لوقتها، والصلاة في أول الوقت ليست واجبة، فلو كانت الجماعة واجبة ما تركها أنس ﵁.
[م-٩٧١] قال ابن تيمية: «اتفق العلماء على أنها -يعني صلاة الجماعة- من
стр. 8051
أوكد العبادات، وأجل الطاعات، وأعظم شعائر الإسلام» (١).
فإن امتنع أهل بلد أو قرية كلهم عن إقامتها حتى تعطلت الشعيرة، فقال كثير من الفقهاء: للحاكم أو نائبه قتالهم حتى يعودوا لإظهارها، وليس ذلك لآحاد الناس (٢).
كما أجمعوا أن الجماعة شرط في إقامة الجمعة (٣).
واتفق الأئمة الأربعة على أن صلاة المرأة فرضها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وحكي إجماعًا (٤).
واختلفوا في حكم الجماعة للصلوات الخمس في حق الرجال:
فقيل: شرط لصحة الصلاة، وحكي رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل وابن أبي موسى، وابن تيمية، وبه قال أهل الظاهر، وهو ظاهر قول ابن عباس وأبي موسى (٥).
стр. 8052
قال الترمذي في الجامع: «وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء، فلم يجب، فلا صلاة له.
وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد، ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر» (١).
وقال غيرهم، ليست بشرط. والقائلون ليست بشرط، اختلفوا في حكمها:
فقيل: سنة مؤكدة، وهو قول الكرخي والقدوري، ونص عليه أكثر أصحاب المتون عند الحنفية، واختاره أكثر المالكية، وشهره خليل في التوضيح، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره الغزالي والبغوي وصححه الرافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢).
وقيل: فرض كفاية في حق الرجال، اختاره بعض الحنفية، وحكاه المازري وابن شاس عن بعض أصحاب مالك، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وذكره ابن تيمية وجهًا عند الحنابلة (١).