← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

أوكد العبادات، وأجل الطاعات، وأعظم شعائر الإسلام» (١). فإن امتنع أهل بلد أو قرية كلهم عن إقامتها حتى تعطلت الشعيرة، فقال كثير من الفقهاء: للحاكم أو نائبه قتالهم حتى يعودوا لإظهارها، وليس ذلك لآحاد الناس (٢). كما أجمعوا أن الجماعة شرط في إقامة الجمعة (٣). واتفق الأئمة الأربعة على أن صلاة المرأة فرضها في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وحكي إجماعًا (٤). واختلفوا في حكم الجماعة للصلوات الخمس في حق الرجال: فقيل: شرط لصحة الصلاة، وحكي رواية عن أحمد، اختارها ابن عقيل وابن أبي موسى، وابن تيمية، وبه قال أهل الظاهر، وهو ظاهر قول ابن عباس وأبي موسى (٥).

стр. 8052

قال الترمذي في الجامع: «وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ أنهم قالوا: من سمع النداء، فلم يجب، فلا صلاة له. وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد، ولا رخصة لأحد في ترك الجماعة إلا من عذر» (١). وقال غيرهم، ليست بشرط. والقائلون ليست بشرط، اختلفوا في حكمها: فقيل: سنة مؤكدة، وهو قول الكرخي والقدوري، ونص عليه أكثر أصحاب المتون عند الحنفية، واختاره أكثر المالكية، وشهره خليل في التوضيح، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره الغزالي والبغوي وصححه الرافعي، وهو رواية عن الإمام أحمد (٢).

стр. 8053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8055

وقيل: فرض كفاية في حق الرجال، اختاره بعض الحنفية، وحكاه المازري وابن شاس عن بعض أصحاب مالك، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وذكره ابن تيمية وجهًا عند الحنابلة (١).

стр. 8056

وقيل: سنة على الكفاية، نص عليه اللخمي، وابن رشد الجد من المالكية (١). وقيل: فرض عين على الرجال، وليست شرطًا، اختاره كثير من الحنفية، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره منهم أبو ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر والخطابي، ورجحه ابن حبان وإسحاق، ونصَّ على ذلك الإمام أحمد، وهو المشهور من مذهبه، وبه قال عطاء، والأوزاعي (٢).

стр. 8057

قال ابن رجب: «وأكثرهم على أنه لو ترك الجماعة لغير عذر، وصلى منفردًا، أنه لا يجب عليه الإعادة، ونصَّ عليه الإمام أحمد» (١). هذه هي الأقوال في المسألة، وقد تبين لك أن المالكية والشافعية لا يختلفون

стр. 8058

أن الجماعة ليست فرض عين. قال الماوردي: «فأما الجماعة لسائر الصلوات المفروضات فلا يختلف مذهب الشافعي وسائر أصحابه، أنها ليست فرضًا على الأعيان» (١). قلت: وكذلك الإمام مالك وأصحابه، لا يؤثر عن أحد منهم أنه قال: إن الجماعة فرض عين. وأما الإمام أحمد فالمنصوص عنه روايتان، هما قولان في مذهب الحنفية: الأولى: أنها سنة. والثانية: أنها واجبة على الأعيان، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة. ولأصحاب الإمام أحمد قولان: أنها فرض كفاية، وأنها شرط، وهذان القولان يحكيان رواية عن الإمام أحمد، ولا يصحان رواية عنه، وإنما هما وجهان في المذهب. وسواء كانا وجهين أو روايتين فهما قولان محفوظان في المسألة في المذاهب الأخرى. إذا عرفت هذا أخي الكريم، فلنجمل الأقوال في المسألة: فمن العلماء من قال: الجماعة سنة، ومنهم من قال: واجبة. والقائلون بالسنية منهم من أطلق السنية، ومنهم من جعلها مؤكدة، وهذان أدلتهما واحدة، ومنهم من قال: سنة على الكفاية. والقائلون بأن الجماعة واجبة، منهم من قال: شرط للصحة. ومنهم من قال: واجبة على الأعيان وليست شرطًا، ومنهم من قال: فرض على الكفاية، والله أعلم. • دليل من قال: صلاة الجماعة فرض: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢].

стр. 8059

الاستدلال به من وجوه: الوجه الأول: قوله: ﴿فَلْتَقُمْ﴾ أمر، والأصل في الأمر الوجوب (١). • ونوقش هذا: بأن الله لم يقل: وإذا كنت فيهم فأقم لهم الصلاة حتى يكون ذلك أمرًا بإقامتها، وإنما قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ … ﴾ وهذا خبر عن أمر يفعله باختياره (٢)، فكأنما قال: إذا كنتم جماعة، وصليتم، فأقم لهم الصلاة على هذه الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، فالأمر بالاستعاذة ليس أمرًا بالقراءة، فالأمر بالقراءة يستفاد من غير هذه الآية. الوجه الثاني: أن الله أمرهم بإقامة الصلاة جماعة في حال الخوف، ففي حال الأمن من باب أولى، فلو كانت الجماعة سنة لسقطت بعذر الخوف. ولو كانت الجماعة فرض كفاية لسقطت بفعل الطائفة الأولى، فلما أمرهم بالجماعة مرة أخرى بقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ كان ذلك دليلًا على وجوبها على الأعيان. • وأجيب: بأن هذه الصفة من صلاة الخوف، إنما أمروا بها على هذه الصفة ليس مراعاة لإقامة الجماعة حال الخوف، فالخوف عذر تسقط به الجماعة وإن لم يكن عذرًا في سقوط الصلاة؛ وإنما لأن هذه الصفة كانت لدفع تربص المشركين بالصحابة وقت الصلاة. (ح-٢٧٨٧) ويدل لذلك ما رواه مسلم من طريق زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر قال: غزونا مع رسول الله ﷺ قومًا من جهينة، فقاتلونا قتالًا شديدًا، فلما صلينا الظهر، قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسول الله ﷺ ذلك، فذكر ذلك لنا رسول الله ﷺ . قال: وقالوا: إنه ستأتيهم صلاة

стр. 8060

هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر، قال: صفَّنا صفين، والمشركون بيننا وبين القبلة. قال: فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا، وركع فركعنا، ثم سجد، وسجد معه الصف الأول. فلما قاموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول، وتقدم الصف الثاني، فقاموا مقام الأول، فكبر رسول الله ﷺ وكبرنا وركع، فركعنا، ثم سجد وسجد معه الصف الأول، وقام الثاني. فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعًا سلم عليهم رسول الله ﷺ . قال أبو الزبير: ثم خص جابر أن قال: كما يصلي أمراؤكم هؤلاء (١). فلما كان المشركون يتربصون بالمسلمين وقت الصلاة؛ ليصيبوا منهم غِرَّةً، نزل جبريل بهذه الصفة، فكان ذلك من أجل دفع خطر العدو؛ ولأنهم: إما أن يصلوا منفردين، أو يصلوا معًا مجتمعين، أو يصلوا مجموعتين على صفتين بحسب مكان العدو، فتارة يكون العدو في جهة القبلة، وتارة يكون في غير جهتها مما هو معلوم في صفة صلاة الخوف. فلو صلوا منفردين انشغل كل واحد منهم بنفسه، فلم يُؤْمَنْ العدو عند انشغالهم بالصلاة، مع تفاوتهم في الفراغ منها، ولو صلوا معًا لأدَّى ذلك إلى الظَّفَر بهم، فأمر الله تعالى نبيه أن يصلوا على هذه الصفة من أجل القيام بمصلحة الصلاة والحراسة معًا، فلم يكن الأمر بالصلاة على هذه الصفة دليلًا على وجوب الجماعة. الوجه الثالث: لقد شُرعَ للمصلي أن يترك كثيرًا من واجبات الصلاة من أجل إقامتها جماعة حال الخوف؛ كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، و مفارقة الإمام قبل السلام، والتخلف عن متابعة الإمام، فدل ذلك على وجوب الجماعة، ولو لم تكن واجبة لم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها؛ لأن الواجب لا يترك إلا لما هو أوجب منه، ولا يترك الواجب لتحصيل سنة (٢).١

стр. 8061

• ورد هذا بجوابين: الجواب الأول: أن هذه الأمور المحظورة التي ارتكبت في الصلاة، وتلك الواجبات التي تركت لم تترك مراعاة لإقامة الجماعة، بل فعلت من أجل درك الوقت، فقد يخرج وقت الصلاة قبل أن يتمكنوا من الصلاة حال الأمن، ولذلك لم تترك الصلاة حال المسايفة عند جماهير أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فهل يقال: لما تركت الجماعة حال المسايفة، وكان بالإمكان صلاتها جماعة بعد الفراغ من القتال دلَّ ذلك على أن الجماعة ليست واجبة، فإذا كانت هذه الطريقة من الاستدلال غير صحيحة، فكذلك طريقة الاستدلال على وجوب الجماعة من آية الخوف ليست دلالة صحيحة، فالآية دليل على أن الخوف ليس عذرًا في تأخير الصلاة عن وقتها، على أي صفة أُدِّيت جماعة أو منفردين، ركبانًا أو راجلين، حتى ولو تركت بعض واجبات الصلاة، بل وبعض أركانها من أجل المحافظة على الوقت فإن ذلك يغتفر، وكل ذلك ليس من أجل المحافظة على الجماعة، كما ظنه بعض أئمة أهل العلم. الجواب الثاني: القول بأن الواجبات لا تترك لتحصيل مستحب، فيه نظر؛ لأن قياس صلاة الخوف على صلاة الأمن قياس فاسد، مثله قياس صلاة المسافر على الحضر، فلو اعترض أحد بأنه لا يجوز القصر في السفر؛ لأنه في هذه الحال سوف يترك بعض أركان الصلاة لتحصيل مستحب، فلو أتم المسافر صلاته الرباعية لصحت صلاته عند أكثر أهل العلم، وإذا صلى المسافر خلف مقيم وجب عليه الإتمام، ولو كان الإتمام زيادة في صلاته ما جازت متابعة الإمام، ومثله يقال في الجمع؛ فإنه يترك فريضة الوقت، وهي من أهم شروط العبادة؛ لتحصيل الجمع، وهو سنة، فهذا الإلزام ليس بسديد، والله أعلم.

стр. 8062

الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وجه الاستدلال: قال الكاساني: أمر الله تعالى بالركوع مع الراكعين، وذلك يكون في حال المشاركة في الركوع، فكان أمرًا بإقامة الصلاة بالجماعة، ومطلق الأمر لوجوب العمل (١). ولأن الركوع لا يتقرب به وحده إلا بالصلاة، فكان الأمر بالركوع أمرًا بالصلاة، وكان قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمرًا بفعلها مع جماعة المصلين. • ونوقش هذا الاستدلال بأكثر من جواب: الجواب الأول: الآية فَصَلَتْ بين الأمر بإقامة الصلاة وبين الأمر بالركوع بالأمر بإيتاء الزكاة، فلو أراد بالركوع الصلاة يكون ذلك تكرارًا مع وجود فاصل بين الأمرين، فلا تُعْلَم حكمة من هذا الفصل إلا أن يحمل الركوع على الخضوع والاستسلام لأحكام الله، والذي هو شرط لقبول العبادة، ويكفي أن شيخ المفسرين أبا جعفر الطبري لم يذكر في تفسير الآية إلا الخضوع. قال أبو جعفر: «وأما تأويل الركوع، فهو الخضوع لله بالطاعة. يقال منه: ركع فلان لكذا وكذا، إذا خضع له» (٢). وقال الأضبط السعدي: لا تهين الضعيف علك أن تركع يومًا والدهر قد رفعه ومثله آية المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، فالآية لا تطلب منَّا أن نؤدي زكاة أموالنا، ونحن راكعون في الصلاة، وإنما تطلب منا أن نقيم الصلاة ونؤدي زكاة أموالنا مع الخضوع والتسليم الكامل لله وحده، وكان ترتيب الآية موافقًا لترتيب الآية موضع الاحتجاج، وأفضل ما يُفَسَّرُ به القرآنُ هو القرآن نفسه.

стр. 8063

والترتيب في القرآن له حكم بليغة، كما قال بعض الفقهاء في آية الوضوء حين ذكر ممسوحًا بين مغسولات، فأخذوا منه وجوب الترتيب، وإلا لذكر المغسولات، ثم الممسوحات. ومثل الركوع: السجود، فقد يذكر في القرآن بمعنى الخضوع، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١ - ٢٢]. فأضاف الله السجود إلى جميع القرآن، وسجود التلاوة يختص بمواضع منه. فمعنى الآية: إذا تلي عليهم كتاب الله لا يخضعون لأحكامه، ولا يسلمون له، ولا يقبلون موجبه، بل يقابلون كتاب الله بالتكذيب المنافي للإيمان، قاله ابن جرير، ونسبه النحاس في إعراب القرآن لأهل التفسير (١). وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره: «﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: كفار مكة لَا يصدقون بالقرآن ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ يعني: لا يخضعون لله تعالى، ولا يوحدونه. ويقال: ولا يستسلمون لربهم، ولا يسلمون ولا يطيعون. ويقال: لا يصلون لله تعالى» (٢). وقال مثله الثعلبي في تفسيره (٣). فالمقصود أن الركوع والسجود يأتيان بمعنى الخضوع، وهو المراد من الآية والله أعلم. الجواب الثاني: أن الآية نزلت في اليهود، وشريعتهم في الصلاة تختلف عن شريعتنا، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وكون شرع من قبلنا شرعًا لنا -على القول بهذا الدليل المختلف فيه بين الأصوليين- فهو مشروط ألا يأتي في شرعنا ما يخالفه، والمخالف ينازع في تحقق هذا الشرط، حيث يدعي أن صلاة الجماعة في شريعتنا ليست واجبة، فلا تكون الآية حجة على المخالف.

стр. 8064

الجواب الثالث: المعية تأتي بالاشتراك والاجتماع في فعل من الأفعال، ولا يلزم منه المشاركة بالزمن، قال تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٩٣]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، وقوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥]، وقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] والآيات كثيرة. فكانت المعية لا تستلزم إلا المشاركة في الفعل، ولا يلزم منه المصاحبة في الزمن، إلا بقرينة، كما لو قلت: دخلت مع زيد، وانطلقت مع عمرو، هذا إذا فسرنا الركوع بالفعل الخاص في الصلاة، وأما إذا فسرناه بالخضوع، وهو الأظهر، فلا حاجة إلى هذا التأويل، والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-٢٧٨٨) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدكم أنه يجد عرقًا سمينًا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء. ورواه الإمام مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد به (١). ورواه البخاري من طريق حفص بن غياث، ومسلم من طريق أبي معاوية، واللفظ له، كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة

стр. 8065

العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس. ثم أنطلق معي برجالٍ معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار (١). وجه الاستدلال: قوله: (فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)، فلو كانت الجماعة سنة لم يحرق عليهم بيوتهم، وأموال المسلم معصومة بأدلة قطعية. ولو كانت فرض كفاية لسقطت عنهم بفعل النبي ﷺ وأصحابه، فدل على أنها فرض عين. • مناقشة دلالة حديث أبي هريرة على الوجوب: هذا أقوى دليل استدل به القائلون على جوب الجماعة، ولعله الدليل الوحيد، وإذا سَلِم لهم هذا الاستدلال سَلِم لهم القول بوجوب الجماعة، فإن الحكم الشرعي يكفي لثبوته دليل واحد صحيح. وحتى يكون الدليل حجة على المطلوب لا بد أن يتوفر فيه شروط أربعة: الشرط الأول: ثبوته، فلا حجة في الدليل الضعيف. الشرط الثاني: صحة دلالته على الحكم نصًّا أو ظاهرًا؛ إذ لا يلزم من صحة الدليل صحة دلالته على المطلوب، فإذا تخلف المدلول عن الدليل، أو قام في الأدلة ما يقدح في دلالة الحديث على المطلوب لم يصح الاستدلال بالحديث (٢). الشرط الثالث: كونه مُحْكمًا لم ينسخ، فإن وجد ما يدل على النسخ لم يكن حجة، وقدم الناسخ. الشرط الرابع: كون الدليل سالمًا من المعارضة، فإن عارضه دليل مثله أو أقوى منه فلا حجة للمستدل؛ لأنه إذا تساوى الدليلان لم يقدم أحدهما على الآخر إلا بحجة (٣).

стр. 8066

يقول الشريف التلمساني في مفتاح الأصول: «اعلم أن الأصل النقلي -يعني: الدليل النقلي من السنة- يشترط فيه: أن يكون صحيح السند إلى الشارع صلوات الله عليه، متضح الدلالة على الحكم المطلوب، مستمر الأحكام، راجحًا على كل ما يعارضه» (١). وهذه الشروط الأربعة ليست محل خلاف عند الأصوليين، فلا يكفي ورود الدليل في الشرع للقول بموجبه حتى تتحقق في الدليل هذه الشروط الأربعة، صحته، وصحة دلالته، واستمرار حكمه، وسلامته من المعارض، فإذا تحققت سلم الاستدلال، ووجب التسليم (٢). ولننظر في تحقق هذه الشروط الأربعة. أما الشرط الأول: وهو الكلام في الدليل من جهة ثبوته. فحديث أبي هريرة هذا قد رواه عنه الأعرج وأبو صالح السمان، وهما من كبار أصحابه، ومن أصح أسانيد أبي هريرة. قال البخاري: «أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة» (٣). وقد خرجه البخاري ومسلم، وهما من أصح الكتب بعد كتاب الله. ومن اشتغل بالحديث قطع بصحة سنده، فلا ينبغي لطالب علم أن ينازع في صحة سنده. قال ابن رجب: «وهذا الحديث: ظاهر في وجوب شهود الجماعة في المساجد،

стр. 8067

وإجابة المنادي بالصلاة؛ فإن النبي ﷺ أخبر أنه هَمَّ بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة، ومثل هذه العقوبة الشديدة لا تكون إلا على ترك واجب» (١). الشرط الثاني: في صحة دلالة حديث أبي هريرة على الحكم. اختلف العلماء في صحة دلالته حديث أبي هريرة على وجوب صلاة الجماعة في المسجد، وقد أورد بعض العلماء ما يطعن في هذه الدلالة، ومنها القوي ومنها الضعيف، وسوف أعرض لها، وأناقش سلامتها على المطلوب. الاعتراض الأول: أن قوله في الحديث: (لا يشهدون الصلاة) أطلق الصلاة، وقد جاء في بعض طرق حديث أبي هريرة: (لا يشهدون الجمعة). (ح-٢٧٨٩) فقد رواه البيهقي من طريق عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن جعفر بن برقان، عن يزيد الأصم، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لقد هممت أن آمر فتياني أن يجمعوا حزمًا من الحطب، ثم أنطلق فأحرق على قوم بيوتهم، لا يشهدون الجمعة (٢). وأخرجه عبد الرزاق، ولم يذكر لفظه، وأحال على لفظ سابق (٣). وكذلك رواه أبو الأحوص، عن عبد الله بن مسعود. (ح-٢٧٩٠) فقد روى مسلم من طريق زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص سمعه منه، عن عبد الله أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجالٍ يتخلفون عن الجمعة بيوتهم (٤). فحديث ابن مسعود نص في الجمعة، فيحمل المطلق منهما على المقيد. قال ابن عبد البر: «يحتمل أن يكون حديث ابن مسعود، مفسرًا لحديث

стр. 8068

أبي هريرة، حديث هذا الباب، فيكون قوله في حديث هذا الباب: (ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها). أي: صلاة الجمعة» (١). والله أعلم. ونقل ابن بطال وابن عبد البر عن يحيى بن معين أنه قال: إن الحديث في الإحراق على من تخلف عن الصلاة معه ﷺ هو في الجمعة، لا في غيرها (٢). فعلى تقدير أن تكون الصلاة هي الجمعة لا دليل فيه؛ لأن الجماعة فيها شرط، وعلى تقدير أن تكون الصلاة العشاء أو الفجر، فيه دليل على وجوب الجماعة، وإذا تردد الحال وقف الاستدلال. • ورد هذا: بأن ذكر الجمعة في حديث ابن مسعود غير محفوظ (٣)، ولو صح فهو فرد من

стр. 8069

أفراد العموم لا يقتضي تخصيصًا. وكذلك ذكر الجمعة في حديث أبي هريرة شاذ، تفرد به معمر، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة به. وقد رواه كل من: وكيع، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وأبي بكر بن خلاد، وكثير بن هشام، والفضل بن موسى، وعمرو بن قيس الملائي، عن جعفر بن برقان به، ولم يذكروا الجمعة. بل ورد نفي ذكر الجمعة من طريق كثير بن هشام، وهو أروى الناس عن جعفر بن برقان، كما رواه يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي، عن يزيد بن الأصم به، بنفي ذكر الجمعة (١).

стр. 8070

كما روى حديث أبي هريرة جماعة من أصحابه ولم يذكروا الجمعة: فرواه حميد بن عبد الرحمن كما في البخاري، وهمام بن منبه كما في مسلم، وعجلان مولى فاطمة بنت عتبة والد محمد بن عجلان كما في المسند، وصحيح ابن خزيمة، وأبو حازم كما في مسند السراج، وأبو رافع كما في المسند، وسعيد المقبري كما في مسند أحمد، ومسند أبي داود الطيالسي، وغيرهم عن أبي هريرة

стр. 8071

بإطلاق ذكر الصلاة بلا تعيين، لتشمل جميع الصلوات التي تشرع لها الإقامة، وتدخل فيها الجمعة دخولًا أوليًّا (١).

стр. 8072

ورواه الأعمش، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة كما في الصحيحين، بلفظ: أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا. ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا، فيصلي بالناس. ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق

стр. 8073

عليهم بيوتهم بالنار. هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري بنحوه (١). وذكر المنافقين في الحديث لم يروه عن أبي هريرة إلا أبو صالح، تفرد به عنه الأعمش، وسيأتي بيان الاختلاف فيه لاحقًا إن شاء الله تعالى. ورواه الأعرج، عن أبي هريرة، في الصحيحين بلفظ: والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم: أنه يجد عرقًا سمينًا، أو مرماتين حسنتين، لشهد العشاء. رواه البخاري عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، وهذا لفظه. ورواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد به، بنحوه، وفيه: ( … ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها. يعني صلاة العشاء) (٢). وقد فهم جماعة من أهل العلم أن رواية أبي صالح دليل على أن الوعيد بالتحريق ورد في صلاة العشاء والفجر. وأن رواية الأعرج تدل على أنها صلاة العشاء، فيكون الوعيد ورد على التعيين في صلاة العشاء، أو فيها وفي الفجر، ويكون دخول بقية الصلوات عن طريق المعنى (٣).

стр. 8074

ويستدلون على ذلك: (ح-٢٧٩١) بما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لقد هممت أن أقيم الصلاة، صلاة العشاء، ثم آمر فتياني فيخالفوا إلى بيوت أقوام يتخلفون عن صلاة العشاء، فيحرقون عليهم بحزم الحطب، ولو علم أحدهم أنه يجد مرماتين حسنتين، أو عظمًا سمينًا لشهد الصلاة (١). [انفرد الحميدي عن سفيان بهذا اللفظ] (٢).

стр. 8075

ورواه عجلان مولى المُشْمَعِلّ عن أبي هريرة، بلفظ: (لينتهين رجال ممن حول المسجد، لا يشهدون العشاء أو لأحرقن حول بيوتهم بحزم الحطب). [عجلان مولى المشمعل: لا بأس به إلا أنه قد خالف الأعرج وأبا صالح السمان وحميد بن عبد الرحمن وجماعة رووه عن أبي هريرة، ولم يقل أحد منهم: لا يشهدون العشاء] (١). ورواية الأعرج عند البخاري والتي فيها: ( … والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدكم أنه يجد عرقًا سمينًا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء). قال الحافظ ابن رجب: «وفي ذكر النبي ﷺ شهود العشاء في تمام الحديث ما يدل على أن صلاة العشاء الموبخ على ترك شهودها هي المراد» (٢). وفرق بين اللفظين: بين لفظ الأعرج من رواية سفيان، عن أبي الزناد، عنه: (لقد هممت أن أقيم صلاة العشاء، ثم آمر فتياني فيخالفوا إلى بيوت أقوام يتخلفون عن صلاة العشاء).

стр. 8076

وفي لفظ عجلان: (لا يشهدون صلاة العشاء). وبين رواية الأعرج عند البخاري، وذلك بالتعريض بالمتخلف أنهم لو وجدوا عرَضًا من الدنيا زهيدًا لحملهم ذلك على شهود العشاء. والذي يظهر لي أن ذكر العشاء والفجر جاء في سياق بيان أن الصلاة ثقيلة على المنافقين، وأثقلهما صلاة العشاء والفجر، كما تفيده صيغة أفعل، ثم أتبع ذلك بهمه بتحريق من لم يشهد الصلاة، ولم يذكر العشاء أو الفجر على سبيل تعيين التحريق بهما، حتى ولو كان التخلف عنهما هو المناسبة التي سيق لها الحديث، فالرسول ﷺ لم يقصر الأمر على المناسبة، بدليل قوله ﷺ : (ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام) وقوله: (إلى قوم لا يشهدون الصلاة) ف (أل) في الصلاة لعموم الصلوات التي تشرع لها الإقامة، وهي الصلوات الخمس، فيكون دخول الصلوات الخمس باللفظ، وليس بالمعنى، نعم يستفاد من ذكر العشاء والفجر نفي التخصيص بالجمعة، وليس تعيين التحريق فيهما. يقول ابن تيمية: «ومن حمل ذلك على ترك شهود الجمعة، فسياق الحديث يبين ضعف قوله، حيث ذكر صلاة العشاء والفجر، ثم أتبع ذلك بهمه بتحريق من لم يشهد الصلاة» (١). وسواء أكان دخول غير العشاء والصبح باللفظ، أم كان دخولها بالمعنى فلا فرق؛ لأن أحدًا من أهل العلم لم يفرق بين الصلوات الخمس في حكم الجماعة، وحتى الظاهرية الذين مقتضى أصول مذهبهم الجمود على الظاهر، لم يفهموا من ذكر العشاء والفجر اختصاص الوجوب بهما، بل ذهبوا إلى وجوب الجماعة في سائر الصلوات الخمس (٢).

стр. 8077

وقال النووي في شرح مسلم: «جاء في رواية أن هذه الصلاة التي هَمَّ بتحريقهم للتخلف عنها هي العشاء. وفي رواية: أنها الجمعة. وفي رواية يتخلفون عن الصلاة مطلقًا، وكله صحيح، ولا منافاة بين ذلك» (١). وقوله: (كله صحيح) إن كان ذلك يعني في حديث أبي هريرة فلا يصح ذكر الجمعة فيه؛ لأن معمر بن راشد لو انفرد بحديث عن العراقيين لتوقف فيه، فكيف إذا خالف كل من رواه من أهل العراق عن شيخه، بل وخالف كل من روى الحديث عن أبي هريرة من غير طريق شيخه. وإن قصد أنه صحيح عن ابن مسعود، فذلك محتمل، وإن كنت أميل إلى أن ذكر الجمعة في حديث ابن مسعود لا يصح عنه أيضًا، كما سبق بيانه في التخريج، ولو صح عن ابن مسعود فإن ذلك لا يعني اختصاص الجمعة بالتحريق؛ لاختلاف مخرج حديث أبي هريرة عن حديث ابن مسعود، فحديث أبي هريرة ورد في الصلوات الخمس، وحديث ابن مسعود ورد في الجمعة، وإثبات كل واحد منهما لا يستلزم نفي الآخر، ولا تخصيصه. ولهذا قال ابن دقيق العيد: «يحتاج أن ينظر في تلك الأحاديث التي بينت فيها تلك الصلاة، أهي الجمعة، أو العشاء، أو الفجر، فإن كانت أحاديث مختلفة قيل بكل واحد منها» (٢). وقال ابن الملقن: «إن جعلت الألف واللام في قوله: (ثم آمر بالصلاة)، للجنس فهو عام، وإن جعلت للعهد، ففي رواية: أنها العشاء، وفي أخرى: الفجر، وفي أخرى: الجمعة، وفي أخرى: يتخلفون عن الصلاة مطلقًا، ولا تضاد بينها لجواز تعدد الواقعة، نعم إذا كانت هي الجمعة، فالجماعة شرط فيها. ومحل الخلاف إنما هو في غيرها» (٣).

стр. 8078

وحَمْلُ اختلاف الأحاديث على تعدد الواقعة، بعيد جدًّا، وإن كان هذا سبيل الحافظ ابن حجر وشيخه ابن الملقن في التعامل مع اختلاف الروايات. وقال ابن العطار في شرح العمدة: «واختلف في الألف واللام في (الصلاة) هل هي لمعهود صلاة، أو للجنس؟. فمن قال: للعهد: اختلف فيها، ففي رواية: أنها العشاء، وفي رواية أنها الجمعة. ومن قال: للجنس، حمله على جميع الصلوات مطلقًا، وكله صحيح لا منافاة فيه» (١). قلت: المراد بالجنس ليس الجنس الذي يستغرق جميع الصلوات كما هو ظاهر كلامه، بل جنس مخصوص، أي جميع الصلوات التي تشرع لها الإقامة، لقوله ﷺ : (ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام … ) الحديث، ولذلك لم أستخدم في الاستدلال لفظ (الجنس)، حتى لا يفهم منه الاستغراق، والله أعلم. الاعتراض الثاني في دلالته على الحكم: قوله ﷺ : (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس .. ). قالوا: فيه دليل واضح على أن حضور الجماعة ليس بفرض على الأعيان؛ لأن النبي ﷺ لا يخبر عن نفسه بما يكون فيه معصية؛ لكونه ﷺ هَمَّ بالتوجه إلى المتخلفين قبل أن يصلي مع الجماعة، فلو كانت الجماعة الأولى فرض عين، وأقيمت الصلاة بحضرته ﵊، ما كان له أن يدع الجماعة الواجبة، ويخرج من المسجد بعد إقامة الصلاة، ويذهب لتحريق البيوت عليهم؟! وقد أراد النبي ﷺ معاقبتهم بالتحريق قبل أن تفوت الجماعة الأولى، وإذا كانت الجماعة لا تفوت بفوات الجماعة الأولى على الصحيح كما دل عليه هم النبي ﷺ ؛ ولحديث أبي سعيد: (من يتصدق على هذا؟)،، وهو مذهب الحنابلة القائلين بوجوب صلاة الجماعة فكيف أراد النبي ﷺ معاقبتهم قبل التحقق من فوات الصلاة، ومن فوات الجماعة الأولى. وإذا كانت الصلاة في أول الوقت ليست واجبة بالإجماع، وكان يمكن للنبي ﷺ

стр. 8079

أن يصليها مع فتيانه جماعة أخرى، فكذلك المتخلف عن الجماعة الأولى يمكنه استدراك الواجب وذلك بالصلاة مع جماعة أخرى، فكيف يحرق بالنار قبل التحقق من فوات الصلاة وتعذر الجماعة الأخرى؟ وإذا كان تارك الصلاة، وهو أشد من ترك الجماعة الأولى لا يقتل في المشهور من مذهب الحنابلة، حتى يخرج وقت الصلاة المتروكة، ويصر على تركها، ويضيق وقت الصلاة الثانية عن فعلها. وقال المالكية وأكثر الشافعية: إن كانت المتروكة هي الأولى من المجموعتين لم يجب قتله بترك الأولى، واستحسنه ابن قدامة من الحنابلة. فما بال تارك الجماعة يقتل قبل فوات الجماعة، وقبل أن يدعى لفعلها، وترك الجماعة أخف من ترك الصلاة؟ فالجماعة مختلف في وجوبها، وترك الصلاة مجمع على تحريمه، وكثير من العلماء على كفره. فإن قيل: لعل العقاب كان لترك الصلوات السابقة. قيل إذًا: فما الحاجة إلى خروج النبي ﷺ من المسجد بعد الإقامة وقبل أن يصلي مع الناس؟ ما دام أن العقاب متوجهًا للصلوات السابقة، وليس للصلاة الحاضرة، فما كان هناك معنى لترك الجماعة بعد إقامتها، وتعين الوقت لوجوبها على الحاضرين بالشروع، فالواجب الموسع إذا شرع فيه تعين الوقت للوجوب، وإقامة الصلاة من الشروع فيها. • وتعقب هذا الاعتراض بوجهين: الوجه الأول: أن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، قال ابن تيمية: «كونه يدع الجمعة والجماعة الواجبة لأجل عقوبة المتخلفين فإن هذا من باب الجهاد الذي قد يضيق وقته، فهو مقدم على الجمعة والجماعة. ولو أن ولي الأمر كالمحتسب وغيره تخلف بعض الأيام عن الجمعة؛ لينظر من لا يصليها فيعاقبه جاز ذلك. وكان هذا من الأعذار المبيحة لترك الجمعة، فإن

стр. 8080

عقوبة أولئك واجب متعين، لا يمكن إلا بهذا الطريق» (١). وقول ابن تيمية: «فإن عقوبة هؤلاء واجب متعين، يقصد والله أعلم بغير عقوبة القتل والتحريق؛ لأن هذه العقوبة لو كانت واجبة متعينة لفعلت في القرون المفضلة، ولم يحفظ أنها فعلت منذ ذلك الصدر إلى يومنا هذا. ويقول ابن القيم: «ولو صلَّاها وحده لكان هناك واجبان: واجبُ الجماعة، وواجبُ عقوبة العُصاة وجهادهم؛ فتَرَكَ أدنى الواجِبَيْن لأعلاهما، كالحال في صلاة الخوف» (٢). وقال أبو الفضل العراقي: «هل يجوز للإمام أو نائبه ترك صلاة الجمعة لأجل أخذ من في البيوت لا يصلي الجمعة، أو يرتكب ما يجب إزالته أو يكون هذا خاصًا بالنبي ﷺ ، وليس لأحد فعل هذا اليوم؛ لأنه يؤدي إلى ترك الجمعة، وهي لا تعاد؟ فالجواب: أن أصحابنا ذكروا من الأعذار في الجمعة والجماعة من له غريم يخاف فوته، والظاهر أن أرباب الجرائم في حق الإمام ونائبه كالغرماء، حتى إذا خشي أن يفوتوه إن شهد الجماعة أو الجمعة كان له ذلك، والله أعلم» (٣). • ورد هذا الوجه: قولهم: يجوز ترك الجماعة والجمعة لما هو أوجب منه. وقولهم: يجوز ترك أدنى الواجبين لأعلاهما. كيف يكون التحريق أوجب من حضور الجمعة والجماعة، ولم يثبت أن النبي ﷺ ترك الجمعة والجماعة من أجل التحريق، فلو ثبت أن النبي ﷺ تركهما أو ترك إحداهما من أجل التحريق لصح القول بأن التحريق أوجب من حضور الجمعة والجماعة، فإذا كان التحريق والقتل المتوعد به لا يجوز بالإجماع، كيف يكون هذا أوجب من حضور الجمعة والجماعة؟! ولي وقفة إن شاء الله تعالى في مناقشة الهم بالتحريق، والله أعلم. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ أراد أن يعاقب تارك الجماعة في حال إخلاله بها، لا بعد ذلك؛ وقد كان

стр. 8081

يمكنه أن يؤخر العقوبة حتى يصلي وتنقضي صلاته. والنبي ﷺ سوف يصليها جماعة مع فتيانه الذين ذهبوا معه إلى بيوت المتخلفين، والخروج من المسجد بعد النداء منهي عنه إذا كان لغير عذر، وقد دل حديث أبي هريرة على أن هذا من الأعذار المبيحة. غايته أن الإمام أو نائبه له أن يؤخر الصلاة عن أول الوقت لمصلحة شرعية، والصلاة في أول الوقت ليست واجبة، وقد استخلف من يصلي بالناس في أول الوقت؛ لئلا تفوتهم فضيلة أول الوقت. قال ابن حجر: «ليس فيه -يعني حديث أبي هريرة- دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين». وهذا يصح في ترك الجماعة، ولا يصح تخريجه على ترك الجمعة، وقد جوز ابن تيمية ﵀ ترك الجمعة لمعاقبة المتخلفين. • ورد هذا: إذا كان الإخلال في الجماعة الأولى لا يلزم منه فوات الجماعة؛ كما في فعل النبي ﷺ وكما في حديث أبي سعيد السابق: (من يتصدق على هذا)؟ وهو حديث صحيح. فلم يتوجه العقاب حال الإخلال بالجماعة الأولى، بل وقبل التحقق من فواتها؟ لأن النبي ﷺ سيشرع بالإحراق من حين خروجه من المسجد، وقد يكون ذلك قبل التحقق من فوات الجماعة الأولى، فهل يكون تارك الجماعة أشد حكمًا من تارك الصلاة؟ الاعتراض الثالث في دلالته على الحكم:: أن الهم بالتحريق خاص بترك الصلاة خلف النبي ﷺ ، ولا شك أن فضل الصلاة خلفه ﵊ ليس كصلاة خلف غيره، ولهذا وصف هؤلاء الرجال المتخلفين عن الصلاة معه بوصف لا يليق بمسلم؛ لأنه أشار إلى أن الشيء الحقير الذي لا قدر له آثر عندهم من صلاة العشاء خلفه ﷺ . والدليل على أن حديث أبي هريرة محمول على ترك الصلاة خلفه أن النبي ﷺ لما سقط من فرسه، وجاء بعض أصحابه لعيادته، فأدركتهم الصلاة، صلوا معه، ولم يأمرهم بالصلاة جماعة في المسجد؛ مع قرب المسجد، ولئن كان النبي ﷺ معذورًا

стр. 8082

في ترك الجماعة في المسجد فهم غير معذورين، ولا يفهم من هذا إلا أن الصلاة خلفه -ولو في البيت- أفضل من الصلاة خلف غيره، ولو كان ذلك في المسجد. (ح-٢٧٩٢) فقد روى الشيخان البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا … وذكر الحديث (١). وله شاهد من حديث عائشة في الصحيحين. (ح-٢٧٩٣) ويدل له ما رواه الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن نبي الله ﷺ قال: لو أن أحدكم يعلم أنه إذا شهد الصلاة معي كان له أعظم من شاة سمينة أو شاتين لفعل، فما يصيب من الأجر أفضل. [انفرد به أبو رافع، عن أبي هريرة] (٢). الاعتراض الرابع في دلالته على الحكم:: قوله: (فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) ظاهره أنه أراد قتلهم حرقًا بالنار؛ إذ لو لم يرد ذلك لقال: فأحرق بيوتهم، ولم يقل: عليهم. وفي صحيح مسلم من طريق همام بن منبه، عن أبي هريرة: ( … ثم تُحَرَّق بيوت

стр. 8083

على من فيها) (١). فما هو الموجب لإحراقهم؟ فإما أن يكون ذلك لترك الجماعة، وإما لترك الصلاة، وإما أن يكون ذلك لنفاقهم، لا تخرج القسمة عن هذه الاحتمالات الثلاثة. أما الاحتمال الأول: أن يكون الإحراق لترك الجماعة. فهذا هو أقواها، بل لا يصح غيره، وهو ظاهر حديث أبي هريرة لقوله: (لا يشهدون الصلاة) ولم يقل: (لا يصلون)، والهم بالتحريق لا ينافي القول بأن الجماعة سنة مؤكدة؛ لأمور: الأول: أنه أخبر بأنه هَمَّ بذلك، والهم دون العزم، ولا يلزم من الهم بالشيء العزم على فعله (٢). ولو هم الرجل بالصدقة، أو الهبة، أو البيع، أو بالطلاق، لم يلزمه شيء؛ لأنه مجرد هَمٍّ في النفس، فالنبي ﷺ أخبر بأنه هَمَّ بالتحريق، ولم يعزم على الفعل. والواجب لا يكفي فيه الهم، بخلاف العزم، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾

стр. 8084

[آل عمران: ١٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]. وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١]. قال القرطبي في تفسيره: «وقوله ﵇: (لقد هممت) لا يدل على الوجوب الحتم؛ لأنه همَّ، ولم يفعل، وإنما مخرجه مخرج التهديد والوعيد للمنافقين الذين كانوا يتخلفون عن الجماعة والجمعة» (١). الثاني: لو كان الهم بالتحريق عقوبة مستحقة لكانت واجبة النفاذ، لم يدعه النبي ﷺ ، ولا تركه أصحابه، ولا تركه أصحاب القرون المفضلة إلى عصرنا هذا، ولا يتصور أن الزمن خلا من تارك للجماعة. قال ابن حجر: «كونه ﷺ ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا ما عفا عنهم. قال القاضي عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجة؛ لأنه ﵇ همَّ ولم يفعل، زاد النووي: ولو كانت فرض عين لما تركهم» (٢). الثالث: ترك الجماعة لا يوجب القتل إجماعًا، ولا عقوبة محددة لتارك الجماعة، ولم يقل أحد من علماء المسلمين: إن المتخلف عن الجماعة تُحَرَّق عليه بيته، ولا أنه يجب قتله بغير التحريق، فكيف يستدل بالهم بعقوبة لم تفعل، ولا يجوز فعلها بالإجماع على وجوب الجماعة، فعلم أن الغرض من الإخبار بالهم الزجر. قال الماوردي: «لا يجوز حرق الدور، ونهب الأموال بالتخلف عن الجماعة بالإجماع» (٣). الرابع: لو اعْتُذِر بترك الإحراق؛ لعلة التعذيب بالنار، وهو منهي عنه، أو من أجل تعدي العقاب إلى غير المكلف من النساء والذراري، فإنه بالإمكان قتله بغير النار، أو تعزيره بما دون القتل من جلد وغيره، فلم يفعل النبي ﷺ أكثر من التهديد بالتحريق، ولا يستخدم التهديد بما لا يجوز؛ إلا لغرض الزجر.

стр. 8085

الخامس: القول بأن الجماعة سنة مؤكدة لا ينافي الهم بمعاقبة المتخلف؛ لأن ترك السنن المؤكدة، -والتي هي من شعائر الإسلام الظاهرة، وتشرع إقامتها جماعة، وقد يؤول تركها إلى تعطيل المساجد- يجوز العقاب على تركها إذا تتابع الناس على التهاون بها، فالرسول ﷺ لم يقل ذلك في حق رجل أو رجلين تخلفا، وقد كانت الصلاة تفوت آحاد الصحابة ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ، كما سبق التنبيه له في حديث أبي سعيد، حين قال: من يتصدق على هذا. وإنما قال ذلك في حق جماعة اعتادوا على ترك الجماعة. ففي البخاري ومسلم: (ثم أُخالفَ إلى رجالٍ يتخلفون). وفي رواية للبخاري: (ثم أخالف إلى منازل قوم، لا يشهدون الصلاة). فقوله: (رجال)، (وقوم) إشارة إلى كثرتهم. وقوله: (يتخلفون)، (لا يشهدون) دليل على استمرار ذلك منهم، ومواظبتهم على الترك، كما تفيده صيغة المضارع. والعقاب على ترك السنن المؤكدة جارٍ على أصول الحنفية والمالكية، حيث يستحق صاحبه الزجر والذم والعقاب. يقول ابن عابدين: «الإثم منوط بترك الواجب، أو السنة المؤكدة؛ لتصريحهم بإثم من ترك سنن الصلوات الخمس على الصحيح، وتصريحهم بإثم من ترك الجماعة، مع أنها سنة على الصحيح» (١). وقول بعض أهل العلم: إذا رتبتم الإثم على تركها، كان الخلاف معكم خلافًا لفظيًّا غير صحيح، فإن أحدًا من أهل العلم لم يقل بوجوب السنن الرواتب، ويأثم بتركها عند الحنفية. ويقول ابن عبد البر: «وهذا عندنا على أن شهود الجماعة من السنن المؤكدة،

стр. 8086

التي تجب عقوبة من أدمن التخلف عنها من غير عذر» (١). فانظر كيف علق العقوبة على الإدمان على تركها. بل إن المالكية في قول لهم: إن من ترك ثلاث سنن مؤكدة عمدًا بطلت صلاته، وسهوًا يشرع له سجود السهو (٢)، وقد تكلمت عن ذلك في كتاب السهو. وقال ابن قدامة عن حكم الوتر: «وهو سنة مؤكدة، قال أحمد: من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل له شهادة» (٣). والحكم بفسقه، ورد شهادته ضرب من العقاب. ويقول ابن تيمية: «والمصر على ترك الصلاة في الجماعة رجل سوء، ينكر عليه، ويزجر على ذلك، بل يعاقب عليه، وترد شهادته، وإن قيل: إنها سنة مؤكدة» (٤). فلم يجعل ابن تيمية القول بأنها سنة مؤكدة مانعًا من عقاب المصر على ترك الصلاة في جماعة المسلمين. كل ذلك يدل على أن الهم بالعقاب ليس بمنزلة العقاب، فلا يستفاد منه وجوب الجماعة، بل هو دليل على كراهية ترك الجماعة كراهية شديدة، ولا يبلغ الأمر بالترك تحريم الفعل، والله أعلم. • ويرد على هذا بأكثر من وجه: الوجه الأول: أن العقاب في الشريعة على قسمين: أحدها: عقوبة سواء أكانت مقدرة أم غير مقدرة. والثاني: التوعد بها، سواء توعد بها في الدنيا، أم في الآخرة، أم بهما معًا. وكل ذنب عوقب عليه الشخص، أو توعد عليه بالعقاب فهو ليس من صغائر الذنوب، فضلًا أن يُدَّعى أنه مترتب على ترك السنن، فمحال أن يتوعد النبي ﷺ

стр. 8087

بإحراق بيوت قوم على ترك سنة، وهو الشفيق بأمته، عزيز عليه ما يعنتهم، حريص عليهم، بالمؤمنين رؤوف رحيم، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. وحديث أبي هريرة من القسم الثاني، وهو التوعد بالعقوبة، وليس بإيقاع العقوبة، وإذا كان يتوعد بهذه العقوبة الشنيعة في الدنيا، فما بالك بالآخرة. والعقاب بالزجر قد يتصور في حق مرتكب المكروه، وفي حق تارك السنن المؤكدة، أما الهم بالتحريق، وإن لم يكن واجب النفاذ فلا يتصور إلا في حق مرتكب عظائم الأمور، ودعني من اصطلاح الفقهاء في العقاب على ترك السنن، وقد قال النبي ﷺ لمن أقسم لا يزيد على الفرائض ولا ينقص منها: أفلح إن صدق، متفق عليه، فلا يعلم أن أحدًا توعد بالتحريق في الدنيا على ذنب فعله إلا على ترك الجماعة، فلم يتوعد بهذا آكل الربا، ولا آكل مال اليتيم، ولا قاذف المحصنات، ولا قاطع الأرحام ولا الماشي بالنميمة لإفساد ما بين الناس، مع عظم هذه الذنوب، وأثرها السيئ في الدين والمجتمع، فعلم أن ترك الجماعة من كبائر الذنوب. قال ابن تيمية: «معلوم أن التحريقَ بالنار لا يكون إلا عن كفرٍ أو كبيرةٍ عظيمة» (١). الوجه الثاني: القول بأنه مجرد همٍّ، وليس عزمًا، ليس بصحيح؛ لأن الهم أعم من العزم، فكل عزم هم، وليس العكس، وقد يطلق أحدهما على الآخر، وكون الرسول ﷺ أكد الهَمَّ بالقسم (والذي نفسي بيده لقد هممت) فهو قرينة من السياق على أنه أراد به العزم، وليس مجرد حديث النفس. وإذا أعلن الهم وخرج من كونه مكنونًا في الصدر تحول إلى وعيد صريح، وإعلانه كافٍ في ردع المتخلف، وبيان عظم ذنبه. الوجه الثالث: لا يصح القول بأن النبي ﷺ هدد بما لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، نعم تَرْكُه للفعل يدل على أنه ليس بواجب النفاذ، ونفي الوجوب لا يستلزم نفي الجواز.

стр. 8088

• ورد هذا: بأن النبي ﷺ قد يأمر بما لا يجوز له فعله اجتهادًا منه، ويجوز عليه الخطأ على رأي الجمهور، إلا أنه لا يُقَرُّ على ذلك، سواء أكان ذلك بالتسديد بالوحي، أم كان ذلك بالتنبه للخطأ واستدراكه. (ح-٢٧٩٤) فقد روى البخاري من طريق بكير، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما (١). وإذا كان التحريق ممتنعًا في حق الكفار، ففي حق المسلم من باب أولى. ولي وقفة مع هذا الحديث قريبًا إن شاء الله تعالى. وتجويز الخطأ في حقه ﷺ له شواهد كثيرة من كتاب الله، كتحريم العسل ابتغاء مرضات أزواجه، وعبوسه في وجه الأعمى، وقبوله الفدية في أسرى بدر، وقبوله عذر المتخلفين قبل أن يتبين الذين صدقوا من الكاذبين، وكل ذلك في كتاب الله، إلى غيرها من الحوادث، وهو معصوم فيما يبلغ عن ربه، ولا يقر على خطأ. الوجه الرابع: الزعم بأن الهم بالعقوبة واجب النفاذ ليس بصحيح، كشأن آيات الوعيد وأحاديثه، فقد يتخلف الوعيد لأسباب منها: - قد يتخلف الوعيد لمانع، فالأمور لا تترتب إلا مع توفر شروطها، وانتفاء موانعها. فالله توعد القاتل وآكل الربا بالخلود في النار. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. وقال عن الربا: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وإذا كان الفاعل مؤمنًا كان عذابه تحت المشيئة، وامتنع تخليده في النار،

стр. 8089

وكان تخلف الوعيد؛ لقيام مانع الإيمان، ولم يمنع ذلك أن يكون الذنب نفسه سببًا للخلود، لولا قيام هذا المانع، ويكون الغرض منه الوقوف على عظم الذنب. واختلف الناس في المانع من التحريق: فقال بعضهم: المانع من التحريق ما في البيوت من النساء والذرية ممن لا تجب عليهم الجماعة. (ح-٢٧٩٥) لما رواه أحمد، قال: حدثنا خلف، قال: حدثنا أبو معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار. [ضعيف] (١). ولقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]. وقال بعضهم: المانع نسخ التحريق بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا (٢). جاء في الفتح: «قال الباجي وغيره: انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك -يعني بالتحريق- وأجاب الحافظ: بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا» (٣). واستدل الحافظ على النسخ بحديث أبي هريرة ﵁ السابق، أنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار

стр. 8090

لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما (١). ولا يظهر لي اعتبار مثل ذلك نسخًا، بل ظاهره أن ذلك كان عن اجتهاد من النبي ﷺ أمر به السَّرِيَّةَ بالتحريق، ثم استدرك ذلك قبل خروجهم، بقوله: إن النار لا يعذب بها إلا الله. (ح-٢٧٩٦) ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة، والدارمي، والطبري في تهذيب الآثار من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بُكَيْرِ بن عبد الله بن الأشج، عن أبي إسحاق إبراهيم الدوسي، عن أبي هريرة، قال: بعثنا رسول الله ﷺ ، في سَرِيَّة فقال: إن ظفرتم بفلان وفلان فأحرقوهما بالنار، حتى إذا كان الغد، بعث إلينا فقال: إني كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين، و رأيت أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا الله، فإن ظفرتم بهما، فاقتلوهما. [وإسناده حسن، وليس فيه معارضة لرواية الصحيح] (٢). فالنبي ﷺ تراجع من قبل نفسه قبل انطلاق السَّرِيَّةِ، فكذلك تركه تنفيذ الهم بالتحريق من هذا الباب (٣). وإن أريد به النسخ اللغوي وليس الاصطلاحي، أي أن النبي ﷺ نسخ بنفسه أمره الأول بأمره الثاني قبل التمكن من الفعل، فالخلاف لفظي. أما أن يكون هناك تشريع مستقر بجواز التعذيب بالنار، ثم نسخ بعد ذلك بتشريع آخر، ففي هذا نظر. وإذا كان أمره ﷺ بإحراق الرجلين كان اجتهادًا واستدركه بالاكتفاء بقتلهما دون تحريق فالقول بأن الهم بالتحريق كان اجتهادًا أولى بالاعتبار؛ لأنه في حق الرجلين لم يدع قتلهما وإن نهى عن قتلهما بالنار، ولم يأمر بقتل تارك الجماعة، ولم يقتل من عصر التشريع إلى يومنا هذا، والإجماع مستقر على منع قتله، بل لو ترك رجل الصلاة لم يحرق بالنار، ولم يقتل حتى يُدْعَى لفعلها، ويمتنع في أصح
следующие страницы →