← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

التي تجب عقوبة من أدمن التخلف عنها من غير عذر» (١). فانظر كيف علق العقوبة على الإدمان على تركها. بل إن المالكية في قول لهم: إن من ترك ثلاث سنن مؤكدة عمدًا بطلت صلاته، وسهوًا يشرع له سجود السهو (٢)، وقد تكلمت عن ذلك في كتاب السهو. وقال ابن قدامة عن حكم الوتر: «وهو سنة مؤكدة، قال أحمد: من ترك الوتر عمدًا فهو رجل سوء، ولا ينبغي أن تقبل له شهادة» (٣). والحكم بفسقه، ورد شهادته ضرب من العقاب. ويقول ابن تيمية: «والمصر على ترك الصلاة في الجماعة رجل سوء، ينكر عليه، ويزجر على ذلك، بل يعاقب عليه، وترد شهادته، وإن قيل: إنها سنة مؤكدة» (٤). فلم يجعل ابن تيمية القول بأنها سنة مؤكدة مانعًا من عقاب المصر على ترك الصلاة في جماعة المسلمين. كل ذلك يدل على أن الهم بالعقاب ليس بمنزلة العقاب، فلا يستفاد منه وجوب الجماعة، بل هو دليل على كراهية ترك الجماعة كراهية شديدة، ولا يبلغ الأمر بالترك تحريم الفعل، والله أعلم. • ويرد على هذا بأكثر من وجه: الوجه الأول: أن العقاب في الشريعة على قسمين: أحدها: عقوبة سواء أكانت مقدرة أم غير مقدرة. والثاني: التوعد بها، سواء توعد بها في الدنيا، أم في الآخرة، أم بهما معًا. وكل ذنب عوقب عليه الشخص، أو توعد عليه بالعقاب فهو ليس من صغائر الذنوب، فضلًا أن يُدَّعى أنه مترتب على ترك السنن، فمحال أن يتوعد النبي ﷺ

стр. 8087

بإحراق بيوت قوم على ترك سنة، وهو الشفيق بأمته، عزيز عليه ما يعنتهم، حريص عليهم، بالمؤمنين رؤوف رحيم، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. وحديث أبي هريرة من القسم الثاني، وهو التوعد بالعقوبة، وليس بإيقاع العقوبة، وإذا كان يتوعد بهذه العقوبة الشنيعة في الدنيا، فما بالك بالآخرة. والعقاب بالزجر قد يتصور في حق مرتكب المكروه، وفي حق تارك السنن المؤكدة، أما الهم بالتحريق، وإن لم يكن واجب النفاذ فلا يتصور إلا في حق مرتكب عظائم الأمور، ودعني من اصطلاح الفقهاء في العقاب على ترك السنن، وقد قال النبي ﷺ لمن أقسم لا يزيد على الفرائض ولا ينقص منها: أفلح إن صدق، متفق عليه، فلا يعلم أن أحدًا توعد بالتحريق في الدنيا على ذنب فعله إلا على ترك الجماعة، فلم يتوعد بهذا آكل الربا، ولا آكل مال اليتيم، ولا قاذف المحصنات، ولا قاطع الأرحام ولا الماشي بالنميمة لإفساد ما بين الناس، مع عظم هذه الذنوب، وأثرها السيئ في الدين والمجتمع، فعلم أن ترك الجماعة من كبائر الذنوب. قال ابن تيمية: «معلوم أن التحريقَ بالنار لا يكون إلا عن كفرٍ أو كبيرةٍ عظيمة» (١). الوجه الثاني: القول بأنه مجرد همٍّ، وليس عزمًا، ليس بصحيح؛ لأن الهم أعم من العزم، فكل عزم هم، وليس العكس، وقد يطلق أحدهما على الآخر، وكون الرسول ﷺ أكد الهَمَّ بالقسم (والذي نفسي بيده لقد هممت) فهو قرينة من السياق على أنه أراد به العزم، وليس مجرد حديث النفس. وإذا أعلن الهم وخرج من كونه مكنونًا في الصدر تحول إلى وعيد صريح، وإعلانه كافٍ في ردع المتخلف، وبيان عظم ذنبه. الوجه الثالث: لا يصح القول بأن النبي ﷺ هدد بما لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، نعم تَرْكُه للفعل يدل على أنه ليس بواجب النفاذ، ونفي الوجوب لا يستلزم نفي الجواز.

стр. 8088

• ورد هذا: بأن النبي ﷺ قد يأمر بما لا يجوز له فعله اجتهادًا منه، ويجوز عليه الخطأ على رأي الجمهور، إلا أنه لا يُقَرُّ على ذلك، سواء أكان ذلك بالتسديد بالوحي، أم كان ذلك بالتنبه للخطأ واستدراكه. (ح-٢٧٩٤) فقد روى البخاري من طريق بكير، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما (١). وإذا كان التحريق ممتنعًا في حق الكفار، ففي حق المسلم من باب أولى. ولي وقفة مع هذا الحديث قريبًا إن شاء الله تعالى. وتجويز الخطأ في حقه ﷺ له شواهد كثيرة من كتاب الله، كتحريم العسل ابتغاء مرضات أزواجه، وعبوسه في وجه الأعمى، وقبوله الفدية في أسرى بدر، وقبوله عذر المتخلفين قبل أن يتبين الذين صدقوا من الكاذبين، وكل ذلك في كتاب الله، إلى غيرها من الحوادث، وهو معصوم فيما يبلغ عن ربه، ولا يقر على خطأ. الوجه الرابع: الزعم بأن الهم بالعقوبة واجب النفاذ ليس بصحيح، كشأن آيات الوعيد وأحاديثه، فقد يتخلف الوعيد لأسباب منها: - قد يتخلف الوعيد لمانع، فالأمور لا تترتب إلا مع توفر شروطها، وانتفاء موانعها. فالله توعد القاتل وآكل الربا بالخلود في النار. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. وقال عن الربا: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وإذا كان الفاعل مؤمنًا كان عذابه تحت المشيئة، وامتنع تخليده في النار،

стр. 8089

وكان تخلف الوعيد؛ لقيام مانع الإيمان، ولم يمنع ذلك أن يكون الذنب نفسه سببًا للخلود، لولا قيام هذا المانع، ويكون الغرض منه الوقوف على عظم الذنب. واختلف الناس في المانع من التحريق: فقال بعضهم: المانع من التحريق ما في البيوت من النساء والذرية ممن لا تجب عليهم الجماعة. (ح-٢٧٩٥) لما رواه أحمد، قال: حدثنا خلف، قال: حدثنا أبو معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار. [ضعيف] (١). ولقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]. وقال بعضهم: المانع نسخ التحريق بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا (٢). جاء في الفتح: «قال الباجي وغيره: انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك -يعني بالتحريق- وأجاب الحافظ: بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا» (٣). واستدل الحافظ على النسخ بحديث أبي هريرة ﵁ السابق، أنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في بعث، فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار

стр. 8090

لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما (١). ولا يظهر لي اعتبار مثل ذلك نسخًا، بل ظاهره أن ذلك كان عن اجتهاد من النبي ﷺ أمر به السَّرِيَّةَ بالتحريق، ثم استدرك ذلك قبل خروجهم، بقوله: إن النار لا يعذب بها إلا الله. (ح-٢٧٩٦) ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة، والدارمي، والطبري في تهذيب الآثار من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بُكَيْرِ بن عبد الله بن الأشج، عن أبي إسحاق إبراهيم الدوسي، عن أبي هريرة، قال: بعثنا رسول الله ﷺ ، في سَرِيَّة فقال: إن ظفرتم بفلان وفلان فأحرقوهما بالنار، حتى إذا كان الغد، بعث إلينا فقال: إني كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين، و رأيت أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا الله، فإن ظفرتم بهما، فاقتلوهما. [وإسناده حسن، وليس فيه معارضة لرواية الصحيح] (٢). فالنبي ﷺ تراجع من قبل نفسه قبل انطلاق السَّرِيَّةِ، فكذلك تركه تنفيذ الهم بالتحريق من هذا الباب (٣). وإن أريد به النسخ اللغوي وليس الاصطلاحي، أي أن النبي ﷺ نسخ بنفسه أمره الأول بأمره الثاني قبل التمكن من الفعل، فالخلاف لفظي. أما أن يكون هناك تشريع مستقر بجواز التعذيب بالنار، ثم نسخ بعد ذلك بتشريع آخر، ففي هذا نظر. وإذا كان أمره ﷺ بإحراق الرجلين كان اجتهادًا واستدركه بالاكتفاء بقتلهما دون تحريق فالقول بأن الهم بالتحريق كان اجتهادًا أولى بالاعتبار؛ لأنه في حق الرجلين لم يدع قتلهما وإن نهى عن قتلهما بالنار، ولم يأمر بقتل تارك الجماعة، ولم يقتل من عصر التشريع إلى يومنا هذا، والإجماع مستقر على منع قتله، بل لو ترك رجل الصلاة لم يحرق بالنار، ولم يقتل حتى يُدْعَى لفعلها، ويمتنع في أصح

стр. 8091

أقوال أهل العلم والله أعلم. والفرق أن تراجعه عن تحريق الرجلين كان بالقول، وتراجعه عن تنفيذ الهم بالتحريق كان عن طريق الفعل، والقول والفعل كلاهما من السنة. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «لا يحل لإنسان أن يعذب أحدًا بالإحراق، لأنه يمكن التعذيب بدونه، ويمكن إقامة الحدود بدون ذلك، فيكون الإحراق زيادة تعذيب، لا حاجة لها» (١). واعتبار هذا الاحتمال والذي قبله هو المانع من إنفاذ الوعيد ضعيف لوجهين: أحدهما: لو كان المانع من التحريق نسخ التعذيب بالنار، أو ما في البيوت من النساء والذرية لأمر بقتل المتخلف وحده، كما قاله النبي ﷺ في حق الرجلين: فإن وجدتموهما فاقتلوهما، والله أعلم. الثاني: أن القتل بالنار مختلف فيه بين الصحابة، فعله أبو بكر، وعلي بن أبي طالب، ونهى عنه عمر وابن عباس، وإذا كان هذا بين الخلفاء الراشدين امتنعت دعوى النسخ، والسنة واضحة بالنهي عن القتل بالنار في حق الكافر المحارب فضلًا عن المسلم، كل هذا يدل على أنه لم يكن هناك تشريع مستقر بجواز التعذيب بالنار ثم نسخ، وإلا كان حجة لعمر وابن عباس بأن هذا التشريع كان ورفع. وقال ابن رجب: «أكثر أهل العلم على كراهة التحريق بالنار حتى للهوام» (٢). وفيه قول ثالث: بالجواز إن كان من باب المقاصاة، كما سمل النبي ﷺ عيون نفر من عُكَل سَمَلوا أعين الرِّعاء قصاصًا لما فعلوه. وقد قيل: إن هذا الفعل كان قبل أن تنزل الحدود، والله أعلم (٣).

стр. 8092

وقال بعض العلماء: النهي عن التحريق بالنار لذوات الأرواح خاص بالتحريق على وجه الاستقلال، وأما إذا كان على وجه التبع، كما لو قصد تحريق بيته ومتاعه فأتى على نفسه من غير قصد تبعًا، فذلك غير ممتنع،، كما يجوز تبييت المشركين وقتلهم ليلًا، وقد أتى القتل على ذراريهم ونسائهم، وكما تحرق الحصون الممتنعة بالنار على من فيها (١). وهذا التوجيه فيه ما فيه: أولًا: لأن خطاب الهم بالتحريق لم يكن للمتاع وحده، بل هو صريح بقصد التحريق لهما معًا؛ لقوله ﷺ في رواية الصحيحين: (فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)، وفي صحيح مسلم: (ثم تحرق بيوت على من فيها) (٢). ثانيًا: أن التحريق بالتبع إنما يجوز بشرطين: - أن يكون تحريق البيت واجب النفاذ. -وأن يكون المتخلف قد تحصن بالبيت، وتمنع عن الخروج منه بالقوة، ولا سبيل إلى إقامة الواجب إلا بإحراقه بمن فيه. فإن أمكن إخراج المتخلف وذريته من البيت فلا يصح إحراق البيت على من فيه، وهذا التنظير كله على دعوى أن الهم بالتحريق للمتاع وحده، وأن إحراق البيت، واجب النفاذ، وكلاهما لا يصح (٣). وقيل: المانع من التحريق نسخ التعزير بإتلاف المال، وقد كان جائزًا ثم نسخ وقد قال بنسخ التعزير بالعقوبات المالية أكثر أهل العلم. واختار أبو يوسف من الحنفية، والشافعي في القديم، وابن تيمية وابن القيم جواز التعزير بإتلاف المال، وبه قال بعض المالكية بالشيء اليسير (٤).

стр. 8093

واستدل القائلون بجوازه بحديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ حرّق نخل بني النضير، متفق عليه (١). وحديث عبد الله بن عمرو، قال: رأى النبي ﷺ عليّ ثوبين معصفرين، فقال: أأمُّك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما، قال: بل أحرقهما، رواه مسلم (٢). وفي الباب أحاديث أخرى كثيرة لا أريد أن أخرج من مسألة البحث. قال الحافظ ابن رجب،: «دعوى نسخ العقوبات المالية بإتلاف الأموال لا تصح، والشريعة طافحة بجواز ذلك، كأمره ﷺ بتحريق الثوب المعصفر بالنار، وأمره بتحريق متاع الغال، وأمره بكسر القدور التي طبخ فيها لحوم الحمر الأهلية، وحرَّق عمر بيت خمار .... » (٣). - وقد يتخلف الوعيد إنعامًا وتكرمًا من المتوعد. وإذا أخلف الكريم وعيده لا يعتبر خُلْفًا بخلاف الوعد؛ فإن إخلافه من صفات المنافقين. والعرب تعد الرجل إذا توعد ثم لم يفعل، قالوا: عفا وتكرم، ولا يقولون: كذب. وإنّي وإِنْ أوْعَدتُه أَوْ وَعَدْتُه … لمُخْلِفُ إيعادي ومُنْجِزُ موعدي

стр. 8094

يقول ابن عبد البر: «وجائز أن يكون رسول الله ﷺ يعاقب بما ذكر في هذا الحديث، وجائز أن لا يفعل؛ لأن ترك إنفاذ الوعيد عفو، وليس بخلف، ولا كذب، وإنما الكذب: ما أثم فيه المرء، وعصى ربه، فجائز مثل هذا القول، تأديبًا للناس، ثم الخيار بعد في إنفاذه» (١). فلم يجعله ابن عبد البر من العقوبة الواجبة المتعينة، بل من العقوبة الجائزة. (ح-٢٧٩٧) [¬*] وقد روى مسلم من طريق هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : من هم بحسنة، فلم يعملها كتبت له حسنة … (٢). ولو كان الخلف في الهم مذمومًا لما كتبت له حسنة. - ويحتمل أن يكون تخلف العقاب بسبب أن جماعة المتخلفين قد انزجروا بذلك التهديد، وتركوا التخلف الذي ذموا بسببه. فلهذه الاحتمالات لا يصح الاستدلال بترك التحريق والقتل على عدم وجوب صلاة الجماعة، والله أعلم. انتهيت من مناقشة الاحتمال الأول، وهو أن يكون الهم بالتحريق لترك الجماعة. الاحتمال الثاني: يحتمل أن يكون التحريق لترك الصلاة، وليس لترك الجماعة، فتارك الصلاة يقتل عند جماهير أهل العلم، على خلاف بينهم، هل يقتل حدًّا أم يقتل كفرًا؟ وقد سبق ذكر الخلاف في هذه المسألة في المجلد الثاني من هذا المجموع. وعلى هذا التأويل يكون الحديث لا دليل فيه على وجوب الجماعة. • وأجيب: بأن هذا خلاف ظاهر حديث التحريق، فإن ظاهره أن ذلك كان لترك الجماعة،

стр. 8095

لا لترك الصلاة؛ لقوله في حديث أبي هريرة: (لا يشهدون الصلاة)، أي: الجماعة. رواه البخاري من طريق حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (١). ورواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٢). ورواه الترمذي وأبو العباس السراج من طريق وكيع، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة (٣). ورواه البزار وأبو العباس السراج من طريق صفوان بن عيسى، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة (٤). (ح-٢٧٩٨) وقد روى أبو داود، قال: حدثنا النفيلي، حدثنا أبو المليح، حدثني يزيد بن يزيد، حدثني يزيد بن الأصم، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزمًا من حطب، ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، فأحرقها عليهم (٥). [قوله: (يصلون في بيوتهم ليست بهم علة) غير محفوظ] (٦).

стр. 8096

وقد تعقب الحافظ القول بأن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة، فقال: إن الحديث في رواية مسلم: (لا يشهدون الصلاة) أي: لا يحضرون. وفي رواية عجلان عن أبي هريرة عند أحمد: (لا يشهدون العشاء في الجميع) (١). أي: في الجماعة. وفي حديث أسامة بن زيد، عند ابن ماجه مرفوعا: (لينتهين رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم» (٢). وفي إسناده الزبرقان لم يسمع من أسامة، ولا من زيد بن ثابت، وقيل: بينهما عروة بن الزبير، وقيل: زهرة (٣). وبهذا أكون قد انتهيت من مناقشة الاحتمال الثاني، وهو أن يكون الهم بالتحريق لترك الصلاة، وليس من أجل ترك الجماعة، وبقي الاحتمال الثالث.

стр. 8097

الاحتمال الثالث: أن يكون التوعد بالإحراق؛ لكونهم منافقين، وهذا قول الإمام الشافعي. قال الشافعي في الأم: «فيشبه ما قال رسول الله ﷺ من همه أن يحرق على قوم بيوتهم أن يكون قاله في قوم تخلفوا عن صلاة العشاء؛ لنفاق، والله تعالى أعلم». والقائلون بأن الحامل على التحريق النفاق اختلفوا: فقيل: المراد به النفاق الأصغر غير المخرج عن الملة. قال ابن فرحون المالكي: «اختلف في هذا الحديث، هل هو في المؤمنين أو المنافقين؟ قال: والظاهر أنه في المؤمنين؛ لقوله في الرواية الأخرى: (ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم ليس لهم عذر، فأحرقها عليهم)، والمنافقون لا يصلون في بيوتهم» (١). وجاء في فتح الباري: «والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين … لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق الكفر بدليل قوله في رواية عجلان: (لا يشهدون العشاء في الجميع). وقوله في حديث أسامة: (لا يشهدون الجماعة). وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة عند أبي داود: (ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة). قال ابن حجر: «فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبه عليه القرطبي ..... » (٢). وهذه الأحاديث الثلاثة التي استدل بها الحافظ سبق تخريجها، وهي ضعيفة، لكن يغني عنها قوله في حديث أبي هريرة: (لا يشهدون الصلاة)، وهي ثابتة في الصحيحين (٣).

стр. 8098

فالرسول ﷺ لم يثبت لهم صلاتهم في البيت، ولم ينف ذلك عنهم، وكان الهم بالتحريق على تخلفهم عن شهود الجماعة، لا غير. وقيل: المقصود بالنفاق هو المخرج عن الملة، وهو ظاهر كلام الشافعي المتقدم. واستدلوا على ذلك: (ح-٢٧٩٩) بما رواه البخاري ومسلم من طريق حفص بن غياث، حدثنا الأعمش قال: حدثني أبو صالح، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، لقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلًا يؤم الناس، ثم آخذ شعلًا من نار، فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد. ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش به، وفيه: إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر … الحديث (١). ورواه البخاري من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، وفيه: ( .... والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدكم أنه يجد عرقًا سمينًا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء). وفي رواية مسلم: (يعني العشاء). فلما قال: لشهد العشاء، وقال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر) علم أنه كان يعرض بالمنافقين، وأن التخلف كان بسبب نفاقهم. ولأن النبي ﷺ وصف هؤلاء الرجال المتخلفين عن الصلاة معه بوصف لا يليق بأحد من أصحابه ﷺ ولا يليق إلا بكافر أو منافق؛ لأنه أشار إلى أنهم يؤثرون الشيء الحقير الذي لا قدر له على صلاة العشاء خلفه ﷺ ، وهذا مما لا يظن بمسلم أن يعتقده، فضلًا عن المهاجرين والأنصار. ويشهد له قول ابن مسعود في مسلم: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق). رواه مسلم (٢).

стр. 8099

• ونوقش هذا من أكثر من وجه: الوجه الأول: كون التخلف عن الجماعة من صفات المنافقين، هذا مُسَلَّم، ولا يدل على عدم وجوب الجماعة؛ لأننا قد نُهينا عن التشبه بالمنافقين. وأما كونه يدل على أن النفاق هو الباعث على الهم بالتحريق، وليس التخلف عن الجماعة فهذا غير مسلَّم، وفرق بين أن يكون الحامل على التخلف هو النفاق أو شعبة منه، وبين أن يكون الباعث على الهم بالتحريق هو النفاق، وليس ترك الجماعة. فالمنافق يُعامَل في الدنيا معاملة المسلم، وإذا مات على النفاق لقي الله كافرًا. يقول ابن القيم: «وأما قولكم: إنه إنما هَمَّ بعقوبتهم على نفاقهم، لا على تخلفهم عن الجماعة. فهذا يستلزم محذورين: - إلغاء ما اعتبره رسول الله ﷺ وعلق الحكم به، من التخلف عن الجماعة. والثاني: اعتبار ما ألغاه؛ فإنه لم يكن يعاقب المنافقين على نفاقهم؛ بل كان يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله» (١). وسواء أكان النفاق نفاق معصية أم نفاق كفر، فإنه دليل على وجوب الجماعة، ويؤخذ منه أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وأن النفاق سبب التخلف، لا عكسه، أي: لا يلزم أن من تخلف عن الجماعة وقع في النفاق. الوجه الثاني: تفرد الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بقوله: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر) على اختلاف على الأعمش في ذكر هذا الحرف كما سيأتي بيانه. وقد رواه البخاري ومسلم من طريق الأعرج، ورواه البخاري أيضًا من طريق حميد بن عبد الرحمن. كما رواه مسلم من طريق همام بن منبه. ورواه مسلم أيضًا من طريق يزيد بن الأصم، كلهم رووه عن أبي هريرة، وليس

стр. 8100

فيه: (أثقل الصلاة على المنافقين)، وسبق تخريج كل هذه الطرق. كما رواه جماعة عن أبي هريرة خارج الصحيح، وليس فيه ذكر للمنافقين، منهم: عجلان مولى فاطمة بنت عتبة، وعجلان مولى المشمعل، وسعيد المقبري ولا يصح عنه، وأبو حازم الأشجعي، وقد خرجت كل هذه الطرق فيما سبق. فيحتمل أن تكون زيادة الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، من زيادة الثقة، وهذا موافق لعمل الشيخين في تخريج هذا الحرف من حديث أبي هريرة. وما يرجح هذا أن أبا صالح السمان مقدم في أصحاب أبي هريرة. جاء في تاريخ وأسماء المحدثين لأبي عبد الله المقدمي، قال: «حدثنا أبي قال: سئل علي بن المديني، وأنا حاضر: من أعلى أصحاب أبي هريرة؟ فبدأ بسعيد بن المسيب، ثم قال: وبعده: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو صالح السمان، وابن سيرين. فقيل لعلي بن المديني: فالأعرج؟ فقال: هو ثقة، وهو دون هؤلاء» (١). وإذا كان أبو صالح السمان مقدمًا على كل من خالفه في هذا الحديث من أصحاب أبي هريرة، فإن الأعمش مقدم أيضًا في أصحاب أبي صالح السمان، ومن المكثرين عنه، ومن أعرف الناس بحديثه. ويحتمل أن ترجح رواية الأعرج، لأسباب ثلاثة: أحدها: أن الأعرج أيضًا من كبار أصحاب أبي هريرة، ومعدود ضمن ستة رواة من الطبقة الأولى من أصحاب أبي هريرة. جاء في سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني، قال: وسمعت عليًّا يقول: أصحاب أبي هريرة هؤلاء الستة: سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، والأعرج، وأبو صالح، ومحمد بن سيرين، وطاوس، وكان همام بن منبه يشبه حديثه حديثهم إلا أحرفًا … (٢). وقال البخاري: «أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة» (٣). والسبب الثاني: أن الأعرج تابعه كل من روى الحديث عن أبي هريرة، كحميد بن

стр. 8101

عبد الرحمن في البخاري، وهمام بن منبه في مسلم، ويزيد بن الأصم في مسلم، وغيرهم وسبق ذكرهم، والجماعة أولى بالضبط من الواحد، وأبعد عن الخطأ. وسبب ثالث: أن الأعمش قد اختلف عليه في ذكر هذا الحرف، فرواه جماعة عن الأعمش بما يوافق رواية الجماعة، عن أبي هريرة، ليس فيه قوله: (أثقل الصلاة على المنافقين) ورواه جماعة آخرون بذكر هذه الجملة، ورواه جماعة ثالثة على الوجهين (١)، ومن لم يختلف عليه فهو مقدم على من اختلف عليه.

стр. 8102

ورواية من روى الحديث موافقًا لرواية الجماعة عن أبي هريرة أولى أن تكون محفوظة، خاصة أن عاصم بن بهدلة قد شارك الأعمش في روايته للحديث عن أبي صالح، وسبق تخريجها، ولم يذكر تلك الزيادة. وعاصم، وإن كان لا يقارن بالأعمش في الضبط والإتقان، إلا أن حديثه هنا موافق لرواية جماعة رووه عن الأعمش، كما أنه موافق لرواية الجماعة عن أبي هريرة والله أعلم. وبعد هذه المقارنة لم يتبين لي الراجح من هذا الخلاف، أتكون زيادة الأعمش من زيادة الثقة لإمامته؛ أم تكون شاذة لتفرده بها، واختلاف الرواة عنه، ولمخالفة غيره ممن رواه عن أبي هريرة، وأترك هذا حتى يشرح الله الصدر لأحد الأمرين، والله أعلم.

стр. 8103

هذا ما يتعلق بدلالة التحريق، وما ورد على ذلك من نقاش، وعمدة القائلين بالاستدلال به على الكراهة: بأنه إذا كان المتوعد به من التحريق ليس واجبًا بل ولا جائزًا، فكيف يكون المتوعد عليه واجبًا؟ وكان همه بالتحريق اجتهادًا من النبي ﷺ استدركه بتركه، وانعقد الإجماع على عدم جوازه، بل ولا يجب القتل ولو بغير التحريق، ما لم يترك الصلاة، والهم بالعقاب ليس بمنزلة العقاب، فلا يستفاد منه وجوب الجماعة، ومرتكب المكروه يستحق الزجر والتغليظ، فليس بمنزلة مرتكب المباح. ولأنه لو صلى قبل إمامه لم تجب عليه الإعادة مع أن الجماعة لم تفت، ولو كانت واجبة لوجبت الإعادة؛ لأن الواجب يجب استدراكه ما لم يفت، كما لو صلى الظهر قبل فوات الجمعة. وقد ناقشت كل ذلك وبينت ضعف بعض هذه الوجوه. هذا فيما يتعلق بمناقشة حديث أبي هريرة من حيث الثبوت، ومن حيث الدلالة، وبقي علينا تحقق الشرطين الأخيرين، وهو كونه محكمًا، وكونه سالمًا من معارض مثله أو أوقوى: الشرط الثالث: كون الدليل مُحْكمًا لم ينسخ. قال قوم: «إن صلاة الجماعة كانت واجبة، ثم نسخ الوجوب، حكاه القاضي عياض، وقواه ابن حجر» (١). (ح-٢٨٠٠) ويدل على النسخ ما رواه الإمام أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى ابن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال:

стр. 8104

فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: هذا الحديث من أقوى الأدلة على أن صلاة الجماعة سنة، وقد وقع في حجة الوداع، فيبعد أن يكون منسوخًا، بل لو قيل: إنه ناسخ لما وقع في صدر الإسلام حين كان المسلمون في قلة من العدد، وكان الناس أحوج ما يكونون إلى الاجتماع إظهارًا لوحدة المسلمين وقوتهم، ثم نسخ الوجوب، كما أن قيام الليل كان واجبًا في صدر الإسلام ثم نسخ، وكما رخص لعتبان بن مالك، ولم يرخص لابن أم مكتوم، وكما قيل: إن التحريق بالنار كان مشروعًا ثم نسخ، ودلالة الحديث من جهتين: الجهة الأول: السنة التقريرية، وذلك بتصحيح فعلهما. الجهة الثانية: السنة القولية، وهو الإذن لهما في المستقبل بالصلاة في الرحل بقوله ﷺ : إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام … إلخ. فظاهر حديث يزيد بن الأسود أنه ناسخ لحديث أبي هريرة في الهم بتحريق المتخلف. قال الخطابي: «وفيه -يعني: حديث يزيد بن الأسود- دليل على أن صلاته منفردًا مجزية مع القدرة على صلاة الجماعة، وإن كان ترك الجماعة مكروهًا» (٣). • الجواب عن حديث يزيد بن الأسود: أجاب القائلون بوجوب صلاة الجماعة عن حديث يزيد بن الأسود بأجوبة، منها: الجواب الأول: قد يكون الصحابيان معذورين؛ إما لكونهما لم يسمعا النداء، أو لأنهما لم

стр. 8105

يعلما بوجوب الصلاة في المساجد مع الناس، أو لظنهما أن الناس قد صلوا، أو لغيرها من الأعذار. • ورد هذا الجواب: بأن النبي ﷺ أعطى لهما الإذن في المستقبل بالصلاة في الرحل، فقال: (إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام)، ولم يقل لهما: لا تصليا في رحالكما، فالحديث اشتمل على تصحيح الصلاة في الرحل فيما مضى، والإذن في فعله فيما يستقبل، واقتصر النهي فقط على ترك الصلاة إذا أقيمت، وهما في المسجد. الجواب الثاني: أن صلاتهما في رحلهما لا تعني: أنهما لم يصليا جماعة؛ لاحتمال أنهما صليا معًا، أو في جماعة أخرى. • ورد هذا من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ لم يستفصل، أكان رحلهما بعيدًا أم قريبًا، أصليا جماعة أم انفرادًا، وقد اشتهر عن الإمام الشافعي قوله: «ترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال» (١). وعلى التسليم فهو معارض لحديث أبي هريرة في وجوب الجماعة في المسجد. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدكم في رحله … إلخ فلفظ: (أحد) مفرد مضاف، فيعم، فيشمل الإذن للفذَّ كما يشمل للجماعة. والمقصود بالرحل منزل الرجل وبيته، لقول المؤذن: (ألا صلوا في رحالكم)، وكان يؤذن به في المدينة عند الوحل والمطر، وهو دليل على صحة الصلاة في البيت مطلقًا، وعلى استحباب صلاة الجماعة في المسجد. الجواب الثالث: هذه الواقعة حدثت في السفر، والسفر مظنة التخفيف، فيختص الحكم بالسفر،

стр. 8106

والنصوص الأخرى التي توجب الصلاة جماعة في المسجد كانت في الحضر، فلا يصح الاستدلال بهذه الحادثة على عموم الأحوال. • وأجيب: السفر يحتمل أن يكون قيدًا، فيخصص به الحكم، ويحتمل أن يكون وصفًا طرديًّا، لا أثر له، وإنما ذكر لبيان الواقع، والراجح أنه وصف طردي؛ فالاستدلال ليس في الفعل الواقع في السفر؛ فالفعل لا عموم له، ولكن من قول النبي ﷺ : (إذا صلى أحدكم في رحله … إلخ)، فاسم الشرط من ألفاظ العموم، يشمل السفر والحضر، ولم يقيد ذلك في السفر، ومن خصص هذا العام بالسفر فعليه الدليل، ولو كان هذا خاصًّا بالسفر لبينه النبي ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. (ح-٢٨٠١) وقد روى مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني الديل يقال له: بسر بن محجن، عن أبيه محجن، أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ ، فأُذِّنَ بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصلِّ معه. فقال له رسول الله ﷺ : ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟ فقال: بلى يا رسول الله، ولكني قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : إذا جئت فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت (١). [حسن] (٢). فظاهر الحديث أن ذلك في الحضر. وله شاهد ثالث من مسند عبد الله بن سرجس عند الطبراني في الكبير (٣).

стр. 8107

الجواب الرابع: لا نسلم تأخر حديث يزيد بن الأسود، ووقوعه في حجة الوداع لا يستلزم تأخره، خاصة أن حديث أبي هريرة لا نعلم تاريخه، ولا يجوز القول بالنسخ في الظن، والله أعلم. • ويجاب: القول لا يجوز النسخ بالظن، فغالب المسائل الفقهية مبنية على الظن، ومنها القول بالنسخ، ولو كان النسخ لا يجوز إلا مع القطع، فهل تشترطون هذا أن يكون الناسخ قطعي الثبوت والدلالة، أو يجوز في الظني منهما، فإذا جاز في الظني منهما جاز النسخ بالظن في تأخر أحدهما لقرينة. وإذا لم يحمل حديث يزيد بن الأسود على النسخ، فإنه يلزم منه معارضته لحديث أبي هريرة في دلالته على وجوب صلاة الجماعة، ولا يكفي أن يقال: إن حديث أبي هريرة أصح منه؛ لأنه ليس هو الحديث الوحيد المعارض لحديث أبي هريرة، بل معه أحاديث أخرى في الصحيحين أيضًا كما سيأتي، فينقل حديث يزيد بن الأسود إلى تحقق الشرط الرابع: وهو سلامة حديث أبي هريرة من دليل معارض. واستدل ابن حجر على نسخ حديث أبي هريرة بدلالة أخرى. قال ابن حجر: «ويدل على النسخ الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ .... لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم

стр. 8108

ذلك: الجواز» (١). نعم، من لازم ذلك الجواز، وليس من لازم ذلك النسخ، فدلالة حديث يزيد بن الأسود على النسخ أقوى؛ حيث علمنا تاريخ حديث يزيد بن الأسود، وهو وقوعه في حجة الوداع، وهو وإن لم يكن نصًّا في تأخره عن حديث أبي هريرة، لكن الظن أن حديث أبي هريرة متقدم عليه، بخلاف حديث تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، فلا نعلم بتاريخه لينظر في صحة دلالته على دعوى النسخ، لكن ما ذكره ابن حجر يورد في الشرط التالي، والله أعلم. الشرط الرابع للاحتجاج بالدليل: سلامته من معارض مثله أو أقوى منه. فقد ناقشنا فيما سبق ثبوت حديث أبي هريرة، ودلالته، وكونه محكمًا أم منسوخًا، وبقي الشرط الربع، وهو سلامته من معارض مثلِه أو أقوى، وقد وردت أحاديث وآثار تعارض دلالة حديث أبي هريرة في وجوب الجماعة في المسجد، من ذلك: المعارض الأول: حديث يزيد بن الأسود المتقدم (إذا صلى أحدكم في رحله … ) الحديث. فجعل الصلاة مع الإمام نافلة، ولو كانت الجماعة واجبة في المسجد لوجب أن تكون الثانية هي الفريضة، وانقلبت الأولى نافلة؛ لأنه صلاها قبل فوات وجوبها، كما لو صلى الرجل الظهر قبل صلاة الجمعة لم تصح منه ظهرًا إلا بشرط فوات الجمعة، والله أعلم. المعارض الثاني: (ح-٢٨٠٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار قال: حدثنا يزيد، هو ابن صهيب الفقير، قال: أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ (٢). (ح-٢٨٠٣) وروى البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثنا إبراهيم

стр. 8109

التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁، قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: ثم المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون، ثم قال: حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ، والأرض لك مسجد (١). وفي رواية لمسلم: ثم حيثما أدركتك الصلاة فصله، فإنه مسجد (٢). (ح-٢٨٠٤) ولمسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: فُضّلتُ على الأنبياء بستٍّ … وذكر منها: وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا (٣). (ح-٢٨٠٥) وروى مسلم أيضًا من طريق أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : فضلنا على الناس بثلاث: وذكر منها: وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء … الحديث (٤). وجه الاستدلال من هذه الأحاديث: قوله ﷺ : (أيما رجل من أمتي) (أيما) اسم شرط عام في الرجال. وقوله ﷺ : (حيثما أدركتك الصلاة) فقوله: (حيثما): اسم شرط عام في المكان، فكل رجل أدركته الصلاة في أي مكان -ولو لم يكن مسجدًا- فله أن يصلي بمقتضى الأمر النبوي؛ لأن قوله: (فصلِّ) جواب الشرط، وقد تضمن الأمر بالصلاة. وفي حديث حذيفة: أطلق التشريع بجعل الأرض كلها مسجدًا، أي: سواء وجد مسجدًا أم لا. وفي جعل التراب طهورًا قيده بعدم الماء، فلو كانت الجماعة أو الصلاة في المسجد واجبة لَقُيِّدّ جعل الأرض مسجدًا بعدم وجود المسجد، كما قيد التيمم، ولقال: أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ إذا لم يجد مسجدًا. كما يستفاد من هذه الأحاديث أن الله جعل الأرض كلها مسجدًا من جهة جواز الصلاة عليها، وجعلها طهورًا من جهة جواز التيمم بها، فكل أرض جاز التيمم عليها جازت الصلاة فيها، ولم يخصَّ موضعًا من غيره، فمن أوجب الصلاة في المسجد

стр. 8110

فقد خصص هذا العام بلا مخصص. وقد كانت الأمم السابقة لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم، فامتن الله على هذه الأمة بأن يصلوا حيث أدركتهم الصلاة، وعدَّها النبي ﷺ من فضائله، وفضائله لا يجوز عليها النسخ، وإيجاب الصلاة جماعة في المسجد إبطال لهذه الفضيلة، والله أعلم. وقد ذهب إلى سنية الصلاة جماعة في المسجد الأئمة الأربعة، والسؤال: كيف لم يأخذ هؤلاء الأئمة بدلالة حديث أبي هريرة ﵁ في وجوبها في المسجد، فلولا وجود ما يعارض دلالة حديث أبي هريرة من وجوبها في المسجد لم يخالفوه مع صحة إسناده، وشهرته. وليس الاحتجاج بفقههم، فإن الفقه عرضة للخطأ -وإن كان اتفاق الأئمة الأربعة له وزنه من جهة الفقه- ولكن الاحتجاج بإعراضهم عن الأخذ بدلالة حديث أبي هريرة من حيث الصنعة الحديثية، فلو ترك الاحتجاج به الإمام أحمد وحده لكان حجة، فكيف إذا اتفق معه بقية الأئمة. فإن قيل: إن الإمام له رواية أخرى وإن لم تكن هي المشهور من مذهبه يرى فيها وجوب الجماعة في المسجد. فالجواب: هذا صحيح، ولكن الرواية المشهورة، والمقدمة عند أصحابه أن الجماعة في المسجد سنة، وما جاء عن أحمد نصًّا نقلان: الرواية الأولى: أن صلاة الجماعة في المسجد سنة، وهي الأقوى. قال ابن أبي حاتم: «أخبرنا صالح بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، قال: حضرت عند إبراهيم بن أبي الليث، وحضر علي بن المديني وعباس العنبري، وجماعة كثيرة، فنودي بصلاة الظهر، فقال علي بن المديني: نخرج إلى المسجد، أو نصلي ههنا؟ فقال أحمد: نحن جماعة، نصلي ههنا، فصلوا. قال ابن أبي حاتم: رجوع الجماعة الذين حضروا إلى قول أحمد في ترك الخروج إلى المسجد وجمع الصلاة هناك من جلالة أحمد، وموقع كلامه عندهم» (١).

стр. 8111

وفي كتاب الروايتين والوجهين قال صالح: «كنت مع أبي حين صلى، ولم يكن يخاف شيئًا» (١). أراد بنفي الخوف أن صلاته في البيت بعد موت فتنة القول بخلق القرآن، حتى لا يقال: صلى في بيته وترك المسجد من أجل الفتنة. فهذه الرواية اجتمع فيه القول والعمل مع شهود جماعة كثيرة من العلماء والمحدِّثين، ولم ينكر أحد ممن حضر على الإمام أحمد فعله، بل وافقوه، وصلوا معه. الرواية الثانية: والتي تعارض الرواية السابقة، والتي يذهب فيها الإمام أحمد إلى أن الجماعة واجبة في المسجد، فقد جاء عن الإمام أحمد نقلان: النقل الأول: قال أحمد: «الصلاة جماعة أخشى أن تكون فريضة، ولو ذهب الناس يجلسون عنها لتعطلت المساجد، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس: من سمع النداء، فلم يجب فلا صلاة له» (٢). فتناول أحمد في هذا النص حكم الجماعة، وحكم كونها في المسجد. ففي حكم الجماعة، قال أحمد أخشى أن تكون فريضة، وهذا اللفظ صريح أن منزعه في القول بالوجوب الاحتياط، وليس القطع بفرضيتها، وإذا كان حكم الجماعة مبنيًا على الاحتياط، فمن باب أولى حكم كونها في المسجد. الثاني: أن استدلاله على وجوب الجماعة في المسجد لم يستدل بحديث أبي هريرة في الهم بالتحريق، ولا أظن أن ذلك كان غائبًا عن الإمام أحمد، وإنما استدل بأثر وتعليل، فالتعليل، قوله: لو جلس الناس لتعطلت المساجد.

стр. 8112

ولم تتعطل المساجد من عصر النبوة إلى يومنا هذا، مع قول الأئمة الأربعة أن صلاتها في المسجد سنة. والخوف من تعطل المساجد يجعل القول بإقامتها في المساجد فرض كفاية، وليس على الأعيان. واستدل الإمام أحمد على وجوبها في المسجد، برأي علي وابن مسعود، وابن عباس، ولم يثبت ذلك عن علي بن أبي طالب، وهو ثابت عن ابن مسعود وابن عباس، إلا أن ذلك معارض بقول وفعل جماعة من الصحابة، كابن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو، وحذيفة وزيد بن ثابت وكعب بن مالك، وسيأتي ذكر ذلك عنهم في البحث إن شاء الله تعالى، والاستدلال بقول الصحابي شرطه ألا يخالفه صحابي آخر. ولأن أثر ابن عباس وعلي يدلان على أن المسجد شرط؛ لقولهما: (فلا صلاة له إلا من عذر) وإذا لم نأخذ بدلالة الأثر على الشرطية لمعارضته السنة المرفوعة، لم نأخذ بدلالته على الوجوب؛ فإنه صرف للأثر عن دلالته. والخلاصة: أن هذه الرواية: ليست قوية في الدلالة على وجوب الجماعة خارج المسجد؛ لأنه ذكر في وجوب الجماعة أنه يخشى أن تكون فريضة، ويعارض بأن الاحتياط ليس في التأثيم. وليست قوية في الاستدلال على وجوبها في المسجد؛ لأن الآثار معارضة بمثلها. ويبقى السؤال: لماذا ترك الإمام أحمد في هذه الرواية الاحتجاج بحديث أبي هريرة في الهم بالتحريق؟ مع أنه أقوى دليل في المسألة، بل هو الدليل الوحيد الصحيح، وما كان للإمام أحمد أن يعدل عن الاحتجاج بالسنة المرفوعة المشهورة ليحتج ببعض الآثار عن الصحابة لولا وجود إشكال في دلالة حديث التحريق، والله أعلم. الرواية الثانية: قال عبد الله: «سألت أبي عن الصلاة في جماعة، حضورها واجب؟ فعظم أمرها جدًّا، وقال: كان ابن مسعود يشدد في ذلك، وروي عن النبي ﷺ في ذلك تشديدًا كثيرًا: (لقد هممت أن آمر بحزم الحطب، فأحرق على قوم لا يشهدون الصلاة)» (١). هذه الرواية وإن استدل بها الإمام أحمد بحديث أبي هريرة، إلا أنه قدم أثر ابن

стр. 8113

مسعود في الاحتجاج، وذكره بصيغة المعلوم (كان ابن مسعود يشدد) ولم يقل: روي عن ابن مسعود، وأَخَّر الاحتجاج بحديث التحريق، وساقه بصيغة التمريض (وروي عن النبي ﷺ في ذلك تشديدًا كثيرًا) وهذا له دلالته الفقهية، والله أعلم. ولعل هذا ما جعل أصحاب الإمام أحمد يرجحون في مذهبه القول بسنية صلاة الجماعة في المسجد. والبحث إنما هو في وجوب الجماعة، وليس في حكمها في المسجد، لكن لما كان أصح الأحاديث على وجوب الجماعة الاستدلال بحديث أبي هريرة، وكانت دلالته صريحة على جوب الجماعة في المسجد، وكان الأئمة الأربعة لم يأخذوا بمقتضاه في وجوبها في المسجد، كان هذا من جملة الاعتراضات التي وردت في دلالة الحديث، وليس في ثبوته، وليس هو المعارض الوحيد، والله أعلم. • ونوقش هذا: بأن حديث: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) ما سيق لبيان حكم صلاة الجماعة، فالسياق حول طهورية الأرض، وجواز الصلاة في أي مكان من الأرض، خلافًا للأمم السابقة. • ويجاب: صحيح أن الحديث ما سيق لبيان حكم صلاة الجماعة، لكنه سيق لبيان جواز الصلاة في أي مكان من الأرض، ويلزم منه عدم وجوب الصلاة في المسجد، فهي دلالة التزام، وهذا وجه معارضته لحديث أبي هريرة، فمن أوجب الصلاة في المسجد فقد أبطل دلالة هذه الأحاديث، وأبطل ما عَدَّه النبي ﷺ من فضائله. المعارض الثالث: (ح-٢٨٠٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا … وذكر الحديث (١). (ح-٢٨٠٧) وروى البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،

стр. 8114

عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاك، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم: أن اجلسوا .... الحديث، واللفظ للبخاري (١). استفدنا من هذه الرواية أن الصلاة كانت في البيت. وجه الاستدلال من الحديثين: أن هؤلاء الصحابة قد صلوا مع النبي ﷺ في بيته فريضة الصلاة، والعذر لا يتعدى غير المعذور، ولقد كان المسجد أقرب إلى أحدهم من بيته. المعارض الرابع: (ح-٢٨٠٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة، أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده، بخمس وعشرين جزءًا … الحديث (٢). ورواه البخاري، حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة .... الحديث (٣). • وأجيب: بأن الفضل في صلاة المنفرد لا يدل على جواز الفعل، بل يدل على صحته. • ورد هذا: من الممكن الجمع بين الصحة والإثم، أما الجمع بين الفضل والإثم فلا يستقيم، فالتفضيل يفيد الاشتراك في الفضل، ولازمه عدم الإثم، فلا يعلم من أوامر الشارع ترتيب الفضل على فعل محرم؛ لأن هذه دعوة إلى فعله، فالمكروهات -فضلًا عن المحرمات- لا يذكر الشارع فضلًا في فعلها، بل يكفي مرتكب المكروه سلامته من المطالبة، لا له، ولا عليه، وسوف أزيد ذلك وضوحًا عند ذكر هذا الحديث ضمن أدلة القائلين باستحباب صلاة

стр. 8115

الجماعة دفعًا للتكرار. المعارض الخامس: مما يعارض دلالة حديث أبي هريرة أن الصلاة المقضية لا تجب لها الجماعة، وحكى النووي الإجماع على ذلك (١)، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، والثوري، وابن المبارك، والليث، خلافًا لأحمد وإسحاق، وداود، ولو كانت الجماعة واجبة لكان القضاء يحكي الأداء، وسوف يأتي بحثها في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى. هذا ما وقفت عليه في مناقشة دلالة حديث أبي هريرة على وجوب صلاة الجماعة في المسجد، والله أعلم. ولقد أطلت المناقشة؛ لأنه الدليل الأقوى في وجوب صلاة الجماعة، وثبوته لا مطعن فيه، وهو مخرج في الصحيحين، وفي أمهات كتب السنة، وكل ما ورد عليه من اعترض إنما هو في دلالته على الحكم، أو في كونه محكمًا، أو في كونه معارضًا بأدلة أخرى، وما ذكر من هذه الوجوه، منها ما هو قوي، ومنها ما هو ضعيف، وما كان ضعيفًا فقد اجتهدت في بيان وجه ضعفه بحسب ما ظهر لي، والله أعلم، وعلى أقل الأحوال فإن ما ذكر يلتمس الباحث فيه العذر للأئمة الأربعة حين اختاروا سنية صلاة الجماعة في المسجد، وهي الرواية المشهورة في مذهب الإمام أحمد، وإن كان المشهور في المذهب وجوب صلاة الجماعة في غير المسجد، وإذا لم يأخذ الأئمة بدلالة حديث أبي هريرة في وجوب أدائها في المسجد، فجمهورهم لم يأخذ به في دلالته على وجوب الجماعة؛ لأن دلالة الحديث واحدة. وهذا القول رواية عن أحمد خلافًا للمشهور من مذهبه، والله أعلم. الدليل الرابع: (ح-٢٨٠٩) ما رواه مسلم من طريق مروان الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم

стр. 8116

قال: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له. فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم. قال: فأجب (١). [غريب من حديث أبي هريرة، لم يروه عن أبي هريرة إلا يزيد بن الأصم، ولا عنه إلا ابن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن الأصم] (٢).

стр. 8117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8124

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →