(ح-٢٨١٠) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس،
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن المدينة أرض هوام وسباع، فهل لي رخصة أن أصلي العشاء والفجر في بيتي؟ فقال النبي ﷺ : أتسمع حيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح. قال: فقال: نعم قال: فحي هلا.
[مرسل بإسناد صحيح، وروي موصولًا، ولا يصح] (١).
وجه الاستدلال على الوجوب:
قال الخطابي: «وفي هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب، ولو كان ذلك ندبًا لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم» (٢).
• وأجيب بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن الحديث معلٌّ سندًا ومتنًا.
أما الإسناد: فقد كشف لك تخريج الحديث أنه لم يروه عن أبي هريرة إلا يزيد بن الأصم، ولا عنه إلا ابن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، وهذا أصح إسناد روي فيه هذا الحديث، وما عداه مما روي مسندًا فلا يصح، وأكثرها لا يصلح للاعتبار.
وعبيد الله بن عبد الله ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكتا عليه، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب، مقبول.
والحديث غريب من حديث أبي هريرة، وأبو هريرة له أصحاب يعتنون بحديثه، فأين كبار أصحابه عن هذا الحديث المهم، والذي يتعلق بأهم العبادات، وهي الصلاة، والسلف لهم عناية بأحاديث الصلاة، فأين سعيد بن المسيب،
стр. 8127
وأبو صالح السمان، والأعرج، وابن سيرين، وأبو سلمة، وطاوس، وهمام بن منبه، فهؤلاء هم كبار أصحاب أبي هريرة، والمعدودون في الطبقة الأولى من أصحابه، لماذا لم يحفظوا لنا هذا الحديث عن أبي هريرة، ويزيد بن الأصم ليس هو من المكثرين عن أبي هريرة حتى يغتفر له تفرده عن سائر أصحاب أبي هريرة.
هذا ما يتعلق بإسناد الحديث، وقد أوضحت ذلك في تخريج الحديث بما يكفي، فارجع إليه إن شئت.
وأما المتن: فإن الأمة مجمعة على سقوط الجماعة بالعذر، نص على ذلك جمع من أهل العلم (١).
وإذا كان الأعمى لا قائد له يقوده إلى المسجد كما في حديث أبي هريرة، وبينه وبين المسجد نخل وشجر، كما في مرسل عبد الله بن شداد، ويخشى على حياته من السباع والهوام، كما في مرسل ابن أبي ليلى، والمكلف إذا خشي على ماله سقطت عنه الجماعة بالإجماع، فكيف إذا خشي على نفسه؟!
ولا يصح القول بأن الخوف على نفسه من السباع والهوام وأن بينه وبين المسجد شجرًا ونخلًا جاءت عن طريق بعض المراسيل، والمراسيل لا حجة فيها؛ لأنه لا يصح أن تُقَوِّي حديث أبي هريرة بهذه المراسيل، ثم لا تقبل الاعتراض عليك بألفاظها بحجة أنها مراسيل، فإذا أنكرت ألفاظها أسقطت الاعتبار بها، وبقي حديث أبي هريرة لا شاهد له، ويكفي الأعمى عذرًا أنه لا قائد له، وهذا منصوص عليه في حديث أبي هريرة في مسلم، فليس البحث في العمى، أهو عذر بنفسه في إسقاط الجماعة أم لا، فهذه مسألة خلافية بين الفقهاء، ولكن البحث في أعمى لا قائد له، فأصبح غير قادر، لا بنفسه، ولا بغيره إلا بمشقة وأذى قد يتعرض له.
وقد نص القرآن على أن الأعمى ليس عليه حرج، في آية النور، وذلك في الأكل من بيوت من خَلَّفهم في بيته من الغزاة حتى يرجعوا في أصح أقوال أهل
стр. 8128
العلم في تفسيرها، وهو رأي الإمام الطبري، وفي المسألة أربعة أقوال، هذا أقواها، وفي آية الفتح في نفي الحرج في إسقاط الجهاد عن الأعمى. وهذه أمثلة، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
قال الشوكاني: «ولا يقال الآية في الجهاد؛ لأنا نقول: هو من القصر على السبب، وقد تقرر في الأصول: أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» (١).
وإذا كان النبي ﷺ رخص للمبصر إذا أقيمت الصلاة وقُدِّمَ العَشاءُ أن يبدأ بالعشاء، ولو فاتته الجماعة، ولم يشترط لتقديم العشاء على الصلاة غلبة الجوع، ولا الخوف على الطعام من الفساد لو أخره إلى ما بعد الصلاة، ورخص في المطر للمؤذن أن ينادي (صلوا في رحالكم) عند جمهور أهل العلم، والمطر ليس مخوفًا على الحياة كالسباع والهوام، بل وأسقط الشارع الجماعة لشهوة أكل كراث، أو بصل، أو ثوم، فإذا اشتهى الرجل أَكْلَ شيء منها، فله أكله، ويدع الجماعة، أيكون أولئك أولى بالعذر من الأعمى الذي لا قائد له يقوده إلى المسجد، ويخشى على نفسه من السباع، وبينه وبين المسجد نخل وشجر يخشى أن يتعثر فيها.
كل ذلك يدل على أن المتن أيضًا معلٌّ، وهذا ما جعل الجوزجاني يقول فيما نقله الحافظ ابن رجب عنه: «إن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد من الفقهاء بظاهره، بمعنى: لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن مكتوم. والله أعلم» (٢).
ولو كان الاعتراض على الحديث من جهة المتن فحسب لكنت كرهت هذا الاعتراض على الحديث، خشية أن يقدم النظر على النص، ولكن حين يجتمع الإعلال بالحديث سندًا ومتنًا، فإن هذه علة قادحة في صحة الحديث.
стр. 8129
• وأجيب:
أن النَّبِي ﷺ علم من حال ابن أم مكتوم أنه كان يمشي بلا قائد؛ لشدة حِذقه، وذكائه، كما هو مشاهد في بعض العميان يمشي بلا قائد، لا سيما إذا كان يعرف المكان قبل العمى، أو تكرر المشي إليه بقائد، فلكثرة عادته في التردد استغنى عن القائد، وقد كان النبي ﷺ يستخلفه على المدينة، فكان يصلي بهم، وهو أعمى، وقد ذكر أهل التاريخ أنه خرج إلى القادسية، فشهد القتال، فاستشهد هناك، وقيل: بل رجع إلى المدينة ومات هناك، بما يدل على أن العمى لم يكن عائقًا (١).
قال الشوكاني: «ولا بد من هذا التأويل؛ لأن أمر الأعمى بحضور الجماعة، مع عدم القائد، ومع شكايته من كثرة السباع والهوام في طريقه كما في مسلم، ومع قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] في غاية الإشكال» (٢).
• ويرد على هذا التأويل بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن هذا التأويل لا يحل الإشكال؛ لأن النبي ﷺ علق وجوب الإجابة على سماع النداء، ولم يعلقه على حذق الأعمى وقدرته على الوصول إلى المسجد.
الوجه الثاني:
أن المستفتي إذا قال: ليس له قائد يلائمه، وأنه يخاف على نفسه السباع والهوام، وبينه وبين المسجد نخل وشجر فإنه يُدَينُ فيما بينه وبين الله ، ولو كان النبي ﷺ لم يتحقق من عذره لراجعه فيما يدعيه، لا أن يقول له: أجب النداء موهمًا أن هذه الأعذار لا أثر لها في سقوط الجماعة مطلقًا، بينما هي مسقطة للجماعة لو تحققت.
ولذلك لما سأل رجلان النبي ﷺ من مال الصدقة، رفع فيهما بصره وخفضه،
стр. 8130
فرآهما جلدين، فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب.
رواه أبو داود وغيره من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، وهو حديث صحيح (١).
وحين طلب النبي ﷺ من الرجل الذي جامع أهله في نهار رمضان صيام شهرين متتابعين، فقال: لا أستطيع، قبل منه دعواه، ولم يسأله: لماذا لا يستطيع؟ أهو لشدة شبقه، وعدم صبره عن الجماع، أم لضعف بدنه، أم لغيرهما، فالمستفتي مؤتمن فيما يدعيه، و يُدَينُ فيما بينه وبين الله ، وليس المفتي قاضيًا.
فلما قال ابن أم مكتوم: لا قائد له، ويخشى على نفسه من السباع والهوام كان ذلك محمولًا على الحقيقة، وليس على التوهم، وابن أم مكتوم من المهاجرين الأوائل لا يطلب الترخص في التخلف، وهو لا يشق عليه.
الجواب الثاني:
أجاب الجمهور عن قوله: (لا أجد لك رخصة) بأنه سأل، هل له رخصة أن يصلي في بيته، وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره؟ فقيل: لا.
ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ودليله من السنة حديث عتبان بن مالك، ونقل البيهقي هذا القول لأبي بكر بن إسحاق الفقيه (٢).
وهذا التأويل وغيره من التأويلات السابقة لحديث الأعمى إنما تقلد أصحابها القول بها محاولين جهدهم دفع الإشكال القائم بين قصة ابن أم مكتوم، وبين سقوط الجماعة بالعذر، ولهذا قال الشوكاني: «لا بد من التأويل لدفع الإشكال». اه فالحديث لا يعذر الأعمى الذي لا قائد له، والإجماع منعقد على قبول عذره. ولو أننا قلنا بإعلال الحديث لما تكلفنا هذه التأويلات البعيدة.
وسوف أناقش إن شاء الله تعالى دلالة حديث عتبان في أدلة المخالفين، وأبيِّن وجوه الاختلاف بين عذر عتبان بن مالك، وعذر ابن أم مكتوم.
стр. 8131
الجواب الثالث:
قال قوم: «إن صلاة الجماعة كانت واجبة، ثم نسخ الوجوب، حكاه القاضي عياض، وقواه ابن حجر» (١).
واستدلوا على القول بالنسخ:
الأول: أن النبي ﷺ رخص لعتبان بن مالك ﵁ في التخلف عن الجماعة، ويظهر أن قصة عتبان متأخرة عن قصة ابن أم مكتوم؛ لقيام الإجماع على عدم وجوب صلاة الجماعة على أصحاب الأعذار.
(ح-٢٨١١) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب،
عن محمود بن الربيع الأنصاري: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحب أن أصلي؟ فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ (٢).
ولأن المسلمين في أول الأمر كانوا قلة، وكانوا بحاجة إلى الاجتماع؛ ليقوي بعضهم بعضًا، فكانت الجماعة واجبة، كما كان قيام الليل في أول الإسلام واجبًا ثم نسخ، والقول بوجوب قيام الليل ثم نسخه هو مذهب الأئمة الأربعة (٣).
الثاني: أن حديث أبي هريرة في التخلف عن صلاة الجماعة فيه تهديد بتحريق المتخلفين عنها، والتعذيب بالنار قد نسخ، فيكون ذلك قبل نسخ التعذيب بالنار.
стр. 8132
الثالث: تفضيل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد بمضاعفة الثواب، دليل على النسخ؛ لأنه أثبت في صلاة الفذ فضلًا، والمحرم لا فضل فيه.
• ونوقش هذا:
بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والأصل عدم النسخ.
ودعوى أن التعذيب بالنار كان تشريعًا مستقرًّا، ثم نسخ قول ضعيف، وسبق مناقشته عند الاستدلال بحديث أبي هريرة بالهم بالتحريق.
وبقي ترخيص النبي ﷺ لعتبان، وتفضيل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، وسوف أناقش دلالتهما على عدم وجوب صلاة الجماعة عند ذكرهما في أدلة القائلين بالاستحباب، إن شاء الله تعالى.
الجواب الرابع:
أن المقصود بالنداء في حديث الأعمى (نداء الجمعة)؛ لأنه يجب السعي إلى الجمعة على من سمع النداء بالاتفاق.
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩].
ولأن عتبان بن مالك روى عن النبي ﷺ قصتين:
إحداهما: الامتناع عن الترخيص له.
(ح-٢٨١٢) رواها الإمام أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، فسئل سفيان: عمن؟ قال: هو محمود إن شاء الله، أن عتبان بن مالك كان رجلًا محجوب البصر، وأنه ذكر للنبي ﷺ التخلف عن الصلاة، قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فلم يرخص له (١).
[شاذ تفرد بذلك سفيان بن عيينة، عن الزهري وخالف كبار أصحابه] (٢).
стр. 8133
الثانية: الترخيص له.
(ح- ٢٨١٣) رواه مالك، ومعمر، ويونس، وعقيل، وإبراهيم بن سعد، والأوزاعي، كلهم رووه عن الزهري، عن محمود بن الربيع،
أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحب أن أصلي. فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ . هذا لفظ الإمام مالك (١).
وجمع بينهما بعض أهل العلم أن قوله: (أتسمع النداء) في حديث ابن أم مكتوم وفي حديث عتبان كان ذلك في الجمعة، والترخيص لعتبان بن مالك كان ذلك في الصلوات الخمس، فلا تتعارض الأحاديث (٢).
стр. 8134
• ونوقش هذا من وجوه:
الوجه الأول:
أن المحفوظ من حديث الزهري، عن محمد بن الربيع، عن عتبان بن مالك أنه قد رخص له، ورواية سفيان بن عيينة شاذة، وقد وهم فيها، حيث دخل عليه قصة ابن أم مكتوم بقصة عتبان بن مالك.
الوجه الثاني:
أن (أل) في قوله: (أتسمع النداء) في حديث ابن أم مكتوم عام في كل نداء، ومنه صلاة الجمعة، وتخصيصه بالجمعة تخصيص للعام بلا مخصص؛ ولأن ابن أم مكتوم لم يستأذن في التخلف عن الجمعة، بل كان استئذانه عامًّا في كل الصلوات، فكان الجواب عامًّا كالسؤال.
الوجه الثالث:
أن أكثر العلماء يرون الجمعة واجبة على أهل المصر قريبهم وبعيدهم، ولو لم يسمع النداء، وحكي إجماعًا. وقال مالك: من كان بينه وبين المصر ثلاثة أميال فعليه الجمعة، ولم يعلق ذلك على سماع النداء (١).
قال النووي: «قال الشافعي والأصحاب: إذا كان في البلد أربعون فصاعدًا من أهل الكمال وجبت الجمعة علي كل من فيه، وإن اتسعت خطة البلد فراسخ، وسواء سمع النداء أم لا، وهذا مجمع عليه» (٢).
وجاء في الإنصاف: «أما من هو في البلد التي تقام فيها الجمعة، فإنها تلزمه، ولو كان بينه وبين موضع الجمعة فراسخ، سواء سمع النداء أو لم يسمعه، وسواء كان بنيانه متصلًا أو متفرقًا» (٣).
وأما ما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: الجمعة على من
стр. 8135
سمع النداء. فقد اختلف في رفعه ووقفه، ولا يصح مرفوعًا، ولا موقوفًا (١).
الدليل الخامس: من الآثار.
صح القول بوجوب الجماعة عن جماعة من الصحابة،
(ث-٧١٨) من ذلك ما رواه مسلم من طريق الفضل بن دكين عن أبي العميس، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله؛ قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم. ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق، معلوم النفاق. ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (٢).
ورواه أبو داود الطيالسي، وأبو قطن عمرو بن الهيثم البصري، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، عن المسعودي، عن علي بن الأقمر به، وفيه … وإني لا أحسب منكم أحدًا إلا له مسجد يصلي فيه في بيته، فلو صليتم في بيوتكم، وتركتم مساجدكم، لتركتم سنة نبيكم … » الحديث (٣).
• الاستدلال به على الوجوب من وجوه:
الوجه الأول:
قوله: (من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث
стр. 8136
ينادى بهن)، فاشترط ابن مسعود ﵁ للقاء الله مسلمًا: المحافظة على الصلوات، فمن ترك الصلاة، أو بعضها لم يحافظ عليها.
وأن تكون المحافظة عليهن جماعة.
وأن تكون الجماعة في المساجد لقوله: (حيث ينادى بهن).
فمن جمع هذه الصفات الثلاث، يرجى له أن يلقى الله مسلمًا يوم القيامة، ومن فاته شيء من هذه الصفات الثلاث -كما لو ضيع الصلوات أو بعضها، أو حافظ عليها، ولكن صلاها منفردًا، أو حافظ عليها جماعة، ولكن ليس في المسجد- فيخشى عليه يوم القيامة من العقاب بحسب حكم ما فوَّت من هذه الأعمال، وإن كان بعضها أوجب من بعض.
• ويناقش:
أما تضييع الصلوات أو بعضها تكاسلًا، فهو مخالف لأمر الله تعالى في كتابه العزيز، قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وظاهر قول ابن مسعود وجوب الصلاة جماعة في المسجد، والأئمة الأربعة، -وهي الرواية المعتمدة في مذهب الإمام أحمد- أن ذلك ليس بواجب؛ لحديث جابر وأبي ذر: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا).
ولحديث يزيد بن الأسود: (إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة).
ولصلاة الصحابة خلف النبي ﷺ في بيته حين سقط من فرسه، كما في حديث أنس وعائشة في الصحيحين، وكل هذه الأحاديث سبق ذكرها وتخريجها، والحمد لله.
وهذه الأحاديث المرفوعة مقدمة على قول ابن مسعود.
والصحابة مختلفون في هذه المسألة، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول ابن مسعود حجة بنفسه، وطلب مرجح من خارج أقوالهما، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى ضمن أدلة القول بالاستحباب.
стр. 8137
الوجه الثاني:
قوله: (لو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم. ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم) ظاهره أن ترك صلاة الجماعة سبب في الوقوع في الضلال؛ وذلك لا يكون إلا على ترك واجب.
فأخذ منه القائلون بالوجوب: أن هذا يصدق على المتخلف الواحد، كما يصدق على الجماعة، وكان قول ابن مسعود دليلًا على وجوب الجماعة في المسجد وجوبًا عينيًّا.
والقائلون بأن الجماعة في المسجد فريضة عامة، وليست فريضة على الأعيان، قالوا: هذا الأثر يصدق على ترك الجميع لصلاة الجماعة؛ لأن الخطاب كان بلفظ الجمع، لقوله: (ولو أنكم تركتم سنة نبيكم … )، ولقوله: (وتركتم مساجدكم) إشارة إلى تعطيلها من المصلين؛ لأنه لا يصدق على المساجد بأنها تركت إلا إذا عطلت من الصلاة، فإذا كانت المساجد عامرة بالمصلين فلم تترك المساجد؛ لقيامهم بفرض الكفاية، وسقط الإثم عن الباقين.
قال ابن عبد البر: «وقد أوجبها جماعة من أهل العلم، فرضًا على الكفاية. وهو قول حسن صحيح؛ لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، فإذا قامت الجماعة في المسجد، فصلاة المنفرد في بيته جائزة» (١).
قال ابن رجب: «وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، وبذلك رجح قول من قال: إن الجماعة فرض كفاية» (٢).
والقائلون بأن الجماعة سنة رأوا أن ترك الجماعة لا يكون ضلالًا إلا إذا تمالؤوا على تركها، بحيث تعطلت الشعيرة، وهذا التأويل لا يختلف عليه.
وقد أخذ ابن عبد البر من قوله: (تركتم سنة نبيكم … ) أن ذلك دليل على أن الجماعة ليست واجبة (٣)، وهذا القول ليس بصحيح؛ لأن السنة في الشرع أعم من
стр. 8138
السنة في اصطلاح الفقهاء.
فكان كل قائل يؤول قول ابن مسعود ويحمله على مذهبه في حكم صلاة الجماعة في المسجد، وما ذلك إلا لأن دلالته ليست صريحة، ولو كانت دلالته صريحة لما حُمِل على كل هذه الأقوال المختلفة.
يقول أبو العباس القرطبي: «وقوله في حديث ابن مسعود: (ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتموها لضللتم)، هذا يصلح أن يتمسك به من قال: إن إقامة الجماعة للصلوات فرض على الكفاية، كما حكيناه، ويصلح لمن يقول: إنها سنة، ويكون إطلاقه الضلال على التاركين إذا تمالؤوا على تركها» (١).
قلت: ويصلح أن يستدل به من قال: الجماعة في المسجد فرض عين.
وقول ابن مسعود: (وإني لا أحسب منكم أحدًا إلا له مسجد يصلي فيه في بيته، فلو صليتم في بيوتكم، وتركتم مساجدكم، لتركتم سنة نبيكم).
هذه الجملة من كلام ابن مسعود، والربط بين كون أغلب المصلين له مسجد في بيته يصلي فيه، وبين التحذير من الصلاة في البيت وترك المسجد إشارة إلى تفشي ترك صلاة الجماعة في المسجد حين وعظ ابن مسعود جماعة المصلين بهذه الموعظة، وإلا فلا تعلم مناسبة بين الجملتين بين ذكر مصلى البيت، وبين الصلاة المفروضة في البيت، وترك المسجد، والله أعلم.
الوجه الثالث:
قوله: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق، معلوم النفاق).
فيه حرص الصحابة على الصلاة جماعة. قال القاضي أبو يعلى: وهذا إجماع منهم (٢).
يقصد إجماعًا عمليًّا، وإلا فالصحابة مختلفون في وجوب الجماعة في المسجد.
كما يستفاد من كلام ابن مسعود: أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وأن
стр. 8139
النفاق سبب التخلف، لا عكسه، أي: لا يلزم أن من تخلف عن الجماعة وقع في النفاق، وفيه دليل على أن من حافظ على الجماعة في المسجد أنه بريء من النفاق.
الوجه الرابع:
حرص الصحابة على الجماعة حتى مع قيام العذر المبيح للتخلف، وموعظة الحاضرين بما كان عليه أصحاب محمد ﷺ ، بما يدل على أن الموعظة كانت موجهة لجماعة من الناس أكثرهم ليسوا من الصحابة، حتى ذَكَر لهم ابن مسعود أن الرجل منهم يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف.
وكأن ابن مسعود يريد أن يقارن بين حال الناس حين وعظهم وبين حال الصحابة مع النبي ﷺ ، وأن القدوة والتأسي بما كان عليه صحابة النبي ﷺ .
(ث-٧١٩) وقد روى البخاري بإسناده عن أم الدرداء، قالت: دخل علي أبو الدرداء، وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمر محمد ﷺ شيئًا إلا أنهم يصلون جميعًا (١).
ولا شك أن الصحابة -رضوان الله عليهم- لهم قصب السبق في كل خير، فإذا أُمِروا بشيء فعلوه، ولم يسألوا أهو للوجوب أم للندب، وإذا نُهوا عن شيء تركوه، ولم يسألوا عن حقيقة النهي، أهو للكراهة أم للتحريم، وكان أغلبهم لا يدع الجماعة حتى مع قيام العذر الشرعي المبيح للتخلف عن الجماعة، وإن كان مثل هذا قد لا يدل على وجوب الجماعة، فالنبي ﷺ حين سقط من فرسه صلى في بيته، وكان بعض الصحابة ربما صلى في بيته جماعة بلا عذر كما سيأتي بيانه.
(ث-٧٢٠) وروى البخاري من طريق مهدي بن ميمون، عن غيلان،
عن أنس ﵁ قال: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إنْ كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات (٢).
وإذا كان هذا في عهد التابعين فما ظنكم بعصرنا؟ فالله المستعان.
стр. 8140
(ح-٢٨١٤) وروى مسلم من طريق جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل قال:
قال عبد الله: صليت مع رسول الله ﷺ فأطال حتى هممت بأمر سوء. قال: قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه (١).
فأطلق على حديث نفسه بالجلوس المباح في صلاة النفل أنه من الأمر بالسوء، فرضي الله عنهم، وأرضاهم، هذا ما يخص أثر ابن مسعود، وهناك آثار أخرى.
(ث-٧٢١) فمن الآثار، ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن عبد الرحمن بن خضير، عن أبي نجيح المكي،
عن أبي هريرة قال: لأن يمتلئ أذن ابن آدم رصاصًا مذابًا، خير له من أن يسمع المنادي، ثم لا يجيبه.
[حسن إن كان سمع أبو نجيح المكي من أبي هريرة] (٢).
стр. 8141
(ث-٧٢٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن نافع،
عن ابن عمر قال: كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء وصلاة الفجر أسأنا به الظن.
[صحيح] (١).
وإساءة الظن بالمسلم لا تجوز، فلا تنتهك لترك مسنون.
(ث-٧٢٣) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن مسعر، عن أبي حصين، عن أبي بردة،
عن أبي موسى قال: من سمع المنادي ثم لم يجبه من غير عذر فلا صلاة له.
(ث-٧٢٤) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس قال: من سمع المنادي ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له.
[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (١).
(ث-٧٢٥) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور، عن الحسن، عن علي أنه قال: من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه إلا بالعذر.
[منقطع، الحسن البصري، لم يسمع من علي، وقد تابعه مجهول ومتهم] (١).
(ث-٧٢٦) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سليمان بن المغيرة قال: حدثنا أبو موسى الهلالي، عن أبيه،
عن ابن مسعود قال: من سمع المنادي ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له.
[ضعيف] (١).
وظاهر كلام ابن عباس وأبي موسى، وعلي بن أبي طالب ﵃ أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، وهو قول ضعيف، مخالف للسنة المرفوعة، ولكن إذا لم يصح حمل كلامهم على الشرطية، فلا تهدر هذه الآثار في دلالتها على وجوب الجماعة؛ لأن نفي دلالتها على الشرطية لا يستلزم نفي دلالتها على ما هو أقل من الشرطية، وهو الوجوب، ومن قال: إن الجماعة شرط فقد تضمن قوله القول بوجوب الجماعة، والله أعلم.
وقد فهم ابن القيم من هذه الآثار إجماع الصحابة على وجوب الجماعة.
قال ابن القيم: «الدليل الثاني عشر: إجماع الصحابة ﵃ … ثم ساق هذه الآثار التي خرجتها، ثم قال: فهذه نصوص الصحابة كما تراها صحة وشهرة وانتشارًا، ولم يجئ عن صحابي واحد خلاف ذلك. وكل من هذه الآثار دليل مستقل في المسألة لو كان وحده، فكيف إذا تعاضدت وتضافرت؟!
стр. 8150
وبالله التوفيق» (١).
وهذا الذي أطلق عليه ابن القيم الإجماع يقصد به الإجماع السكوتي، وهو أن يقول صحابي أو أكثر قولًا، ويشتهر، ولا يعلم له مخالف، والإجماع السكوتي حجة، ودلالته ظنية، وليس كالإجماع القطعي؛ لأن الساكت لا ينسب له قول، ويحتمل وجوهًا كثيرة غير الرضا، فقد يرى المجتهد أنه بحاجة إلى مزيد وقت لينظر في المسألة، أو أنه مما يسوغ فيه الخلاف، أو ظن التأخير لمصلحة، ومخالف الإجماع السكوتي لا يقال له: خرق الإجماع؛ إذ يبعد أن يكون مراد ابن القيم بالإجماع القطعي، ثم يخالفه المالكية والشافعية وكثير من الحنفية، ورواية عن أحمد، فإن الظن بوهم ابن القيم أقرب من توهيم هؤلاء الأئمة بأنهم يخالفون الإجماع القطعي، والله أعلم.
ويشكل على قول ابن القيم:
(ث-٧٢٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير عن عبيد اللَّه، عن نافع،
عن ابن عمر قال: إذا صلى الرجل في بيته، ثم أدرك جماعة صلى معهم إلا المغرب والفجر (٢).
[صحيح].
(ث-٧٢٨) وروى مالك في الموطأ، عن نافع،
أن رجلًا سأل عبد الله بن عمر فقال: إني أصلي في بيتي، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم. فقال الرجل: أيتهما أجعل صلاتي؟ فقال له ابن عمر: أو ذلك إليك. إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء (٣).
[وسنده في غاية الصحة].
стр. 8151
ولم ينكر عليه ابن عمر صلاته في بيته، ولو كان هذا لا يجوز إلا من عذر لاستفهم منه ابن عمر؛ لأن إقراره على صلاته في بيته دليل الجواز.
(ث-٧٢٩) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا الثقفي، عن عبد الله بن عثمان،
عن مجاهد، قال: خرجت مع ابن عمر من دار عبد الله بن خالد حتى إذا نظرنا إلى باب المسجد إذا الناس في صلاة العصر، فلم يزل واقفًا حتى صلى الناس، وقال: إني صليت في البيت.
[حسن] (١).
(ث-٧٣٠) وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم،
أن عائشة قالت: من سمع الإقامة، ثم قام فصلى، فكأنما صلى مع الإمام.
[منقطع، زيد بن أسلم لم يسمع من عائشة] (٢).
(ث-٧٣١) وقال الحافظ في الفتح: روى سعيد بن منصور بإسناد حسن،
عن أوس المعافري أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلى في بيته؟ قال: حسن جميل. قال: فإن صلى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاة. قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة، فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون (٣).
وقال الحافظ: «وأخرج حميد بن زنجويه في كتاب الترغيب نحوه من حديث واثلة … وسنده ضعيف» (٤).
وقال الحافظ ابن رجب: «وقد روي عن حذيفة وزيد بن ثابت ما يدل على الرخصة في الصلاة منفردًا مع القدرة على الجماعة» (٥).
стр. 8152
(ث-٧٣٢) وروى الطحاوي من طريق ابن لهيعة، قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن ناعم بن أجيل مولى أم سلمة قال:
كنت أدخل المسجد لصلاة المغرب، فأرى رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، جلوسًا في آخر المسجد، والناس يصلون فيه، قد صلوا في بيوتهم.
[في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف] (١).
وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، وطلب مرجح من خارج أقوالهم.
الدليل السادس:
جاء في معونة أولي النهى: «الجمع لأجل المطر جائز عند الجمهور، وليس جوازه إلا محافظة على الجماعة. وإلا فيمكن كل أحد أن يصلي الثانية منفردًا في وقتها، ولو كانت الجماعة سنة لما جاز ذلك؛ لأنه تَرْكُ شرطٍ، وهو الوقت، من أجل سنة، وذلك لا يجوز» (٢).
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
لا نسلم أن المطر من أسباب الجمع، ولا يحفظ حديث مرفوع في الجمع للمطر، وحديث ابن عباس في الصحيحين (جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر) ليس نصًّا في المطر، ورواية: (من غير خوف ولا مطر) رواية شاذة، وكما لم يحفظ الجمع للمطر في عصر الوحي، لم يعرف الجمع في عصر الخلفاء الراشدين، وأول من جمع للمطر حكام بني أمية، وصلى خلفهم ابن عمر، ولم ينكر عليهم، ولا يحفظ عن ابن عمر قول باستحباب الجمع للمطر، ولا أنه جمع في غير صلاته خلف الأمراء، ولم يكن ابن عمر يفضل الجمع حتى في السفر، ولا يحفظ الجمع عنه في السفر إلا مرة واحدة حين استصرخ على زوجه، وتأسى بابن عمر بعض فقهاء أهل المدينة، فكان الأمراء إذا جمعوا صلوا خلفهم، ولم يكن
стр. 8153
الجمع معروفًا زمن التابعين في غير أهل المدينة، والقول بعدم الجمع للمطر، هو رواية عن الإمام أحمد -خلاف المعتمد في مذهبه- وبه قال الليث بن سعد والإمام الأوزاعي، وهو مذهب الحنفية، وبه قال ابن حزم، راجع مسألة الخلاف في الجمع في المطر في المجلد السابع عشر.
الوجه الثاني:
على القول بأن المطر من أسباب الجمع، فإن المطر أيضًا عذر في ترك الجماعة مطلقًا في مذهب الأئمة الأربعة، سواء من قال: إن الصلاة واجبة عينًا أو كفاية، أو قال: إنها سنة، فلا تزاحم بين فرض الوقت وصلاة الجماعة، فإذا نزل المطر كان المصلي مخيَّرًا بين أن يأتي للمسجد ويجمع على قول من يرى المطر من أسباب الجمع، وبين أن يصلي في بيته لعذر المطر، وكون أحدهما أرجح من الآخر لا يمنع من التخيير، كالتخيير بين العتق والكسوة والإطعام في خصال الكفارة، فالعتق أفضل الثلاثة، ولم يمنع ذلك من التخيير، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة؛ فسقط القول بأن الجمع كان مراعاة لواجب الجماعة، فلو كان كذلك لكان الجمع واجبًا وليس مستحبًّا، ولما جاز إسقاط الجماعة بسبب المطر، بل قد يقال: إن سقوط الجماعة من أجل المطر مقدم على الجمع بين الصلاتين للعلة نفسها؛ لأن الجمهور لا يرون الجمع بين الظهرين بسبب المطر خلافًا للشافعية، وقد سئل عنه الإمام أحمد، فقال: لم أسمع، بينما الأئمة الأربعة يذهبون إلى سقوط الجماعة بالمطر، فتبين خطأ ابن النجار في قوله: لو كانت الجماعة سنة لما جاز الجمع؛ لأنه تَرْكُ شرطٍ، وهو الوقت، من أجل سنة، وذلك لا يجوز.
ولا يمتنع أن تكون السنة أفضل من الواجب في مسائل فقهية، كإبراء المعسر أفضل من إنظاره، وخشوع القلب في الصلاة مستحب، وتحصيله مقدم على صلاة الجماعة، فلو قدم الطعام وحضرت الصلاة قدم الطعام، وإذا ذهب إلى الصلاة ذهب إليها بسكينة ووقار؛ لأن الإفراط في السعي يذهب الخشوع، فتحصيله مقدم، ولو فاتت الصلاة.
الوجه الثالث:
قال القرافي: «تأخير الصلاة إلى وقتها ليس واجبًا على الإطلاق، بل هو واجب
стр. 8154
فيما عدا الحال التي شرع فيها الجمع، أما في الحال التي شرع فيها الجمع فليس تأخير الصلاة إلى وقتها من الواجب، بل هو جائز، كما أن تقديمها إلى وقت الأولى ليس بواجب أصلًا، بل هو جائز إلا أن تقديمها لتحصيل فضل الجماعة أولى من تأخيرها إلى وقتها، فلم يضع واجب بالجمع، ولا قدم مندوب على واجب» (١).
الوجه الرابع:
لو كان الجمع من أجل تحصيل الجماعة لأمكن الصلاة جماعة في البيت في وقت الثانية، فإنه ما من صاحب بيت إلا وله فيه أهل تنعقد بهم الجماعة.
ولو كان الجمع من أجل تحصيل الجماعة ما صح الجمع للمسافر والمريض، فإن كل واحد منهما منفرد.
وفي جواز الجمع للمنفرد بسبب المطر قولان لأهل العلم، ليس هذا موضع بحثه.
ولو كان الباعث على الجمع تقديمًا لواجب الجماعة على شرط الوقت لكان الجمع جائزًا بين مطلق الصلوات، فلا جمع بين العصر والمغرب، مع أنه لا فاصل بين الوقتين على الصحيح، ولا جمع بين العشاء والفجر، ولا فاصل بين وقتيهما على الصحيح، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وحكي إجماعًا في حق المعذور كالحائض والنفساء إذا طهرتا قبل الفجر. ولا جمع بين الصبح والظهر؛ لوجود فاصل بين الوقتين.
فالجمع جائز بين كل صلاتين نهاريتين أو ليليتين لا فاصل بين وقتيهما كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء بشرطه، واختلفوا في جمع الجمعة مع العصر. هذه حكمة الجمع، وليست حكمة الجمع مراعاة الجماعة على الوقت.
فالصلاتان المجموعتان وقتهما واحد، حتى لو صلى العشاء جمع تقديم شرع له أن يصلي الوتر مباشرة على الصحيح، ولو كان الجمع مراعى فيه مصلحة الجماعة فقط على الوقت، لاختص التقديم على قدر الضرورة، ولقيل: الوتر لا مصلحة لفعله في وقت المغرب، فلينتظر به وقت العشاء.
стр. 8155
والجمع في الحضر على القول بجوازه، لا يخلو من أربعة احتمالات: إما أن يكون من أجل تحصيل أجر الجماعة، وإما من أجل استغلال كثرة الجمع، وإما من أجل الحرص على الصلاة في المسجد، حتى لا يضطر الناس: إما للخروج في الوحل والطين، وإما إلى الصلاة جماعة في بيوتهم، وترك المسجد، وإما أن يكون الجمع لأجل المشقة، فالمشقة جعلت وقت المجموعتين وقتًا واحدًا في صلوات مخصوصة، فلا تضييع للوقت من أجل الجماعة.
فإن كان الباعث على الجمع هو تحصيل أجر الجماعة، فذلك حاصل بصلاة الاثنين فأكثر، فيمكن تحصيل أجر الجماعة في البيت، فلماذا نضطر لترك أهم شروط العبادة مع القدرة على تحصيل الجماعة والصلاة في الوقت.
وإن كان الباعث على الجمع في المطر اغتنام كثرة الجماعة -باعتبار أن الجماعة تتفاضل بالكثرة والقلة عند جمهور الفقهاء خلافًا للمالكية- فكثرة الجماعة مستحبة، فكيف جاز تقديم كثرة الجماعة، وهي مستحبة، على الوقت، وهو شرط؟! فانقلب الاعتراض على القائلين به.
وإن قالوا: إن الجمع من أجل تحصيل الصلاة في المسجد فحسب، لا من أجل تحصيل الجماعة، ولا من أجل تحصيل كثرتها، فالخلاف في وجوب الصلاة في المسجد أضعف من الخلاف في وجوب الجماعة مطلقًا، فالأئمة الأربعة على أن الصلاة في المسجد ليست واجبة، وهو المعتمد في مذهب الإمام أحمد، فرجع إلى أن مراعاة الجمع رخصة بشرطه بين كل صلاتين نهاريتين أو ليليتين لا فاصل بين وقتيهما، لا من أجل مراعاة الجماعة على الوقت، وإلا لجاز الجمع بين مطلق الصلوات، فلا يصح القول بأن الجماعة قدمت، وهي مستحبة على الوقت، وهذا خلاف القواعد، ولا القول بأن الوقت ضيع من أجل تحصيل الجماعة، وذلك دليل على أن الجماعة أهم من الوقت. فالصلاة تصح بلا جماعة في قول أكثر أهل العلم، ولا تصح الصلاة قبل الوقت إجماعًا، وفي صحتها بعد الوقت بلا عذر خلاف، وتصلى وقت المسايفة بلا جماعة رجالًا أو ركبانًا دركًا للوقت، فلو كانت الجماعة
стр. 8156
أهم من الوقت لانتظر بالصلاة حتى تضع الحرب أوزارها، وصليت جماعة، فالوقت أهم من الجماعة سواء أكانت الجماعة واجبة أم مستحبة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء. وإنما الذي يختلف فيه الفقهاء في الموازنة بين تزاحم شرط الطهارة وشرط الوقت، أيهما يقدم، وقد بحثت هذه المسألة في شروط الصلاة، وأما الجماعة فليست أهم من الوقت في كل الأحوال، حتى ولو كان من يؤخر الوقت هم الولاة.
(ح-٢٨١٥) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت،
عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١).
فلا يصح القول: إن الجماعة أهم من الوقت، بل سيأتينا إن شاء الله تعالى أن أنسًا قدم الصلاة منفردًا أول الوقت على الصلاة جماعة في آخر الوقت في إمرة عمر بن عبد العزيز على المدينة.
الدليل السابع:
قال ابن القيم: «المريض إذا لم يستطع القيام في الجماعة، وأطاق القيام إذا صلى وحده صلى جماعة وترك القيام. ومحال أن يترك ركنًا من أركان الصلاة لمندوب محض» (٢).
• ويجاب:
بأن هذه المسألة لا دليل عليها، ولا اتفاق عليها،
فقيل: يصلي منفردًا وجوبًا، وهذا ظاهر مذهب الحنفية، واختاره بعض الشافعية، وهو قول في مذهب الحنابلة، قدمه أبو المعالي، وصوبه في الإنصاف،
стр. 8157
قال في التنقيح: وهو أظهر (١).
وفضل مالك والشافعي الصلاة منفردًا (٢).
وقال ابن مفلح في النكت على المحرر: «وإطلاق كلامه أيضًا يقتضي: أنه إن أمكنه الصلاة قائمًا منفردًا، وفي الجماعة جالسًا أنه يصلي قائمًا منفردًا، وقدمه
стр. 8158
الشيخ وجيه الدين» (١).
وقيل: يصلي قاعدًا جماعة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وقيل: يخير بينهما، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٣).
جاء في الإنصاف: «لو قدر على الصلاة قائمًا منفردًا، وجالسًا في الجماعة: خير بينهما، على الصحيح من المذهب» (٤).
قال ابن قدامة: «وإن قدر المريض على الصلاة وحده قائمًا، ولا يقدر على ذلك مع الإمام لتطويله، يحتمل أن يلزمه القيام، ويصلي وحده؛ لأن القيام آكد؛ لكونه ركنًا في الصلاة لا تتم إلا به، والجماعة تصح الصلاة بدونها.
واحتمل: أنه مخير بين الأمرين؛ لأننا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه، مع إمام الحي العاجز عن القيام، مراعاة للجماعة، فهاهنا أولى.
ولأن العجز يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام، بدليل أن (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم). و (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده سبعًا وعشرين درجة). وهذا أحسن، وهو مذهب الشافعي» (٥).
وعلى كلا القولين لم يلزمه ابن قدامة بالصلاة جماعة.
فصارت الأقوال إلى أربعة أقوال تؤول إلى ثلاثة:
يصلي قائمًا منفردًا، على خلاف في وجوبه.
وقيل: يصلي جالسًا جماعة.
وقيل: يتخير بينهما. والله أعلم.
فاتضح أن الخلاف فيها ليس راجعًا إلى وجوب صلاته مع الجماعة، ولو ترك القيام، وإنما الخلاف، في الأولوية على سبيل التفضيل، هل الأفضل أن يصلي مع
стр. 8159
الجماعة، ولو ترك القيام، أو يصلي منفردًا محافظة على القيام؟ (١).
والحكم لم يكن مبنيًّا على مراعاة الجماعة وتقديمها على ركن القيام.
فالذين قالوا يصلي مع الإمام يرون الجماعة إما سنة مؤكدة، وإما فرض كفاية، بخلاف القيام فإنه ركن، وإنما بنوا حكمهم على أساس أن الصلاة تجب مرتبة، فيدخل المصلي مع الإمام قائمًا؛ لأن المصلي في أول أمره قادر على الصلاة مع الإمام، وقادر على القيام، فلا يترك المصلي ما قدر عليه لعجز مظنون، فإذا أطال الإمام القيام، وشعر بالعجز، سقط عنه القيام لتحقق عجزه، ولا يسقط عنه قبل ذلك، ويكون بذلك قد امتثل حديث عمران بن الحصين في الصحيحين: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا)، ويكون مثله مثل الرجل يفتتح الصلاة قائمًا، ثم يطرأ عليه عجز، فإنه يقعد.
ومن الفقهاء من قال: يصلي وحده إذا كان يظن أنه لا يقدر على القيام مع تطويل الإمام، ومنهم من قال: يتخير، والمسألة كما قلت: لا دليل فيها، ولا اتفاق عليها.
هذه تقريبًا أدلة القائلين بوجوب الجماعة وجوبًا عينيًّا، ولا يسلم لهم من الأدلة المرفوعة إلا حديث أبي هريرة في الهم بالتحريق، وقد سبق مناقشته، ومناقشة الاعتراضات على الاستدلال به على الوجوب وجوبًا عينيًّا.
• دليل من قال: صلاة الجماعة سنة مؤكدة:
من خلال مناقشتي لأدلة الوجوب استدعى ذلك ذكر بعض أدلة الاستحباب، وسوف أضطر لإعادة ذكرها، ليس حبًّا في التكرار، ولكن لأن القارئ قد يطلب أدلة الاستحباب فقط، ولا يجد وقتًا لقراءة البحث كاملًا، خاصة أنه يقع قريبًا من مائتي صفحة، فيظن أن هذه هي أدلة الاستحباب، والواقع بخلافه، فأرجو تفهم ذلك.
الدليل الأول:
أن الله تعالى أمر بالصلاة أمرًا مطلقًا، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].
стр. 8160
ولم يشترط في ذلك جماعة.
• وأجيب:
بأن الوجوب مستفاد من السنة، والسنة مبينة للكتاب، فليس في الكتاب بيان أركان الصلاة، ولا بيان أوقاتها، ولا عدد ركعاتها، وعدم ذكر ذلك في الكتاب لا ينافي الوجوب.
ويمكن القول: إن الأمر بإقامة الصلاة، والمحافظة عليها أبلغ من الأمر بالصلاة؛ لأنه يتضمن الأمر بالمداومة عليها، ومراعاة حقوقها، وجوبًا فيما يجب، واستحبابًا فيما يستحب، ومن جملة واجباتها صلاتها جماعة.
الدليل الثاني:
(ح-٢٨١٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة،
أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده، بخمس وعشرين جزءًا … الحديث (١).
ورواه البخاري، حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة .... الحديث (٢).
ورواه مسلم، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب جميعًا عن أبي معاوية به، وفيه: … بضعًا وعشرين درجة … (٣).
وفي روية لمسلم: صلاة مع الإمام أفضلُ من خمسٍ وعشرين صلاةً يصليها وحده (٤).