← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وجه الاستدلال: بأن الحظ هو النصيب، فيكون المعنى: لا نصيب له في الإسلام، وهذا يعني خروجه من الإسلام. * ونوقش هذا: بأن أثر عمر يحتمل معنيين، أحدهما ما تقدم. والثاني: أنه لا كبيرَ حَظٍّ له، كما قيل: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، أراد مستكمل الإيمان، ولا يجوز اعتقاد خروج الإيمان منه كله؛ إذ لو خرج الإيمان منه كله لكان إن مات في نفس فعل الزنا أو نفس السرقة كان كافرًا. ومنه قوله: من غشنا فليس منا، ومن ذلك قوله: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ولا إيمان لمن لا أمانة له (١).

стр. 842

* ورد هذا الجواب: إذا احتمل كلام عمر معنيين، فإن اعتبرناه من المجمل فإنه يتضح المراد بما

стр. 843

جاء مرفوعًا بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة. وحمل معنى كلام عمر ﵁ على موافقة المعنى المرفوع أولى من تعطيله بدعوى أنه مجمل يحتمل أحد معنيين، فيتعين المعنى الأول، وهو نفي النصيب، وليس نفي الكمال، والله أعلم. الدليل الثامن: (ث-٧٦) من الآثار ما رواه محمد بن نصر، قال: حدثنا إسحاق، أخبرنا وكيع، عن القاسم والحسن بن سعد، قالا: قيل لابن مسعود ﵁: إن الله تعالى يكثر ذكر الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، ﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٣٤]، قال عبد الله: ذلك على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى يا أبا عبد الرحمن إلا على تركها؟ قال: تركها الكفر (١). [صحيح، وهذا إسناد منقطع] (٢). (ث-٧٧) وروى عبد الله بن أحمد في كتاب السنة من طريق سفيان، عن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله، قال: من لم يُصَلِّ فلا دينَ له (٣). [حسن] (٤).

стр. 844

والأثر الأول أصرح في الدلالة؛ لأنه جعله في مقابل ما لا يختلف في فسقه، وهو تأخير الصلاة عن وقتها. قال ابن تيمية في شرح العمدة: «ويدل على ذلك أن عمر وابن مسعود وغيرهما من السلف جعلوا ترك الصلاة كفرًا، وتأخيرها عن وقتها إثمًا ومعصية، وفسروا بذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]، وقوله سبحانه تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ .... » (١). (ث-٧٨) ومنها ما رواه أبو بكر الخلال، حدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا ابن جابر، حدثني عبد الله بن أبي زكريا، أن أم الدرداء حدثته، أنها سمعت أبا الدرداء يقول: لا إيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له (٢). [إسناده صحيح] (٣). إلا أن نفي الإيمان تارة يراد به نفي الإيمان الكامل، كالحديث الذي رواه البخاري ومسلم من طريق قتادة، عن أنس مرفوعًا: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (٤). وتارة يراد به نفي الصحة، كحديث لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. وقد يقال: إن هذا من قبيل المجمل، ويستعان بالنصوص المرفوعة لترجيح أحد المعنيين، وحديث جابر نص في أن تارك الصلاة كافر، فيتعين أن النفي متجه

стр. 845

للصحة، وليس للكمال، والله أعلم. وروي كفره عن علي وابن عباس ﵄ (١)، ولا يصح منها شيء. * الراجح: ظاهر الأدلة تدل على كفر تارك الصلاة، وهي مسألة خلافية، والخلاف فيها من الخلاف القوي، ولا ينبغي بل لا يسوغ أن يتهم من قال بكفره بأنه يتشبه بمذهب الخوارج، كما لا يسوغ أن يرمى من قال بعدم كفره بأنه متأثر بمذهب الإرجاء إلا أن يصرح بأن عدم كفره راجع لكون الصلاة عملًا، والعمل لا دخل له في مسمى الإيمان. أما إذا كان لا يرى الأدلة كافية لتكفيره فلا يسوغ أن يتهم ببدعة الإرجاء، وكنت أتشوف أن يفضي البحث إلى عدم كفره، ومن لا يحب ذلك؟ إلا أن الأحكام الشرعية لا تخضع لرغباتنا، وما تميل إليه نفوسنا، فأرى أن القول بكفره هو ظاهر النصوص، ومن قال به فهو سالم من التأويل المتكلف، وكما قلت: الخلاف ليس من قبيل الخلاف الضعيف، ولهذا جرى بين المذاهب الإسلامية، من لدن التابعين إلى يومنا هذا، والله أعلم.

стр. 846

الفرع الثاني في قتل تارك الصلاة المدخل إلى المسألة: * الموجب لقتل تارك الصلاة أهو امتناعه عن فعلها أم ردته بتركها، وعلى كلا القولين لو انتهى عن ترك الصلاة قبلت توبته، وكُفَّ عن قتله. * الممتنع عن فعل الصلاة قال ابن تيمية: يكفر بالإجماع. * الفرد الممتنع عن فعل الصلاة يختلف عن الفرد الممتنع عن أداء الزكاة، فالأول لا يمكن حمله على فعلها بالقهر بخلاف الثاني فإنها تؤخذ منه قهرًا وإنْ بقتال، ويكون دمه هدرًا. [م-١٢٨] اختلف العلماء في قتل تارك الصلاة: فقيل: يقتل، وهو قول الجمهور على خلاف بينهم أيقتل حدًّا، أم يقتل ردةً على الخلاف السابق في كفره (١). وقيل: لا يقتل، بل يحبس. وقيل: يعزر حتى يصليها، وهذا مذهب الحنفية، وبه قال ابن شهاب، وداود الظاهري (٢).

стр. 847

* حجة من قال: يقتل تارك الصلاة: الدليل الأول: (ح-٣٢٥) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ -قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (١). الدليل الثاني: (ح-٣٢٦) روى مسلم من طريق الحسن، عن ضبة بن محصن، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ -قال: ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صَلُّوا (٢). وجه الاستدلال: قوله: (ما صَلُّوا) ف (ما) مصدرية ظرفية: أي لا تقاتلوهم مدة كونهم يصلون، ويفهم منه أنهم إن لم يصلوا قوتلوا (٣). الدليل الثالث: القياس على مانع الزكاة، فالصلاة آكد من الزكاة، وقد أجمع الصحابة على وجوب قتال مانع الزكاة. * فإن قيل: هذه الأحاديث إنما هي في قتال الممتنع منهم، وليس في قتلهم، وليس كل من جاز قتاله جاز قتله.

стр. 848

* يجاب: بأننا نأمره بفعل الصلاة، فإن امتثل لم يقتل على الصحيح. وإن امتنع قتل؛ والموجب لقتله؛ إما لأنه ممتنع عن الصلاة، عند قوم، وإما لامتناعه ولردته عند آخرين، فيكون اجتمع أكثر من مُوجِبٍ لقتله. وتختلف الصلاة عن الزكاة، فالممتنع من الزكاة إذا كان فردًا يمكن أخذها منه قهرًا، وأما الصلاة فلا يمكن إجباره على فعلها إذا امتنع؛ لهذا حكم بكفره مع الامتناع، وقتل ردة، وحكي اتفاقًا. قال ابن تيمية: «متى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين» (١). فهذا الإصرار على ترك الصلاة، وإيثار القتل على فعل الصلاة ينبئ عن جحود لا عن تهاون وكسل، والله أعلم. الدليل الرابع: تارك الصلاة إما أن يكون كافرًا، أو ليس بكافر، (ح-٣٢٧) فإن كان كافرًا فقد روى البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه (٢). (ح-٣٢٨) ولما رواه البخاري من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، قال: بعث رسول الله ﷺ -أبا موسى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال: واليمن مخلافان … وفيه: فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس، وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس أَيُّم هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل، قال: إنما جيء به لذلك فانزل،

стр. 849

قال: ما أنزل حتى يقتل، فأمر به فقتل، ثم نزل … (١). وإن لم يكن تارك الصلاة كافرًا فالدليل على قتله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩]. فاشترط الله تعالى لتخلية سبيلهم إقامتهم الصلاة، ومفهوم الشرط أنهم إن لم يقيموها لم يُخَلَّ سبيلُهم، وهذا دليل على وجوب قتلهم. * ونوقش هذا الاستدلال: الوجه الأول: أن الآية تتكلم عن قتال الجماعة الممتنعة، وليس عن الأفراد، ولهذا الممتنع من الأفراد عن الزكاة تؤخذ منه قهرًا على الصحيح، ولا يقتل. جاء في جامع العلوم والحكم: ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من القرآن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (٢). والجواب عن هذا الآية كالجواب عن الأدلة السابقة بأن الموجب لقتل تارك الصلاة هو امتناعه عن فعلها عند قوم، أو لامتناعه وردته عند آخرين. الوجه الثاني: ناقش الحنفية الاستدلال بالآية: بأن قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] لا يخلو من أن يكون وجود هذه الأفعال منهم شرطًا في زوال القتل عنهم، أو يكون قبول ذلك، والانقياد لأمر الله تعالى فيه هو الشرط دون وجود الفعل، ومعلوم أن وجود التوبة من الشرك شرط لا محالة في زوال القتل عنهم، ولا خلاف أنهم لو قبلوا أمر الله تعالى في فعل الزكاة والصلاة، ولم يكن الوقت وقت صلاة، ولا وقت زكاة أنهم مسلمون، وأن دماءهم محظورة، فعلمنا أن شرط زوال القتل عنهم قبولهم أوامر الله تعالى، والاعتراف بلزومها دون فعل الصلاة والزكاة (٣).

стр. 850

* ويتعقب: إن كان المقصود بهذا التدليل التوكيد على أن الموجب للقتل هو الامتناع، فإذا قبل أوامر الله واعترف بلزومها رفع عنه القتل، فهذا صحيح، ولكن يبقى الفعل يصدق ذلك أو يكذبه، فإن صلى تبين أن امتناعه قد ارتفع، وإن لم يفعل فما زال ممتنعًا. الدليل الخامس: الأدلة الدالة على قتل المرتد يحتج بها من يرى قتل تارك الصلاة ردة، وهو الصحيح، من ذلك: (ح-٣٢٩) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه (١). (ح-٣٣٠) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن عبد الله ابن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة (٢). وله شاهد من حديث عائشة ﵂ عند مسلم (٣).

стр. 851

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 852

ومن حديث الإمام عثمان بن عفان ﵁ (١). وفي البخاري صح قتل المرتد عن معاذ وأبي موسى، وسبق ذكرها ولله الحمد. * دليل من قال: لا يقتل بل يحبس أو يعزر: الدليل الأول: كل دليل استدلوا به على عدم كفر تارك الصلاة فهم يحتجون به على حرمة قتله؛ لأنه إذا كان مسلمًا فهو حرام الدم والمال. * ويناقش: بأن الأدلة قامت على كفر تارك الصلاة، وعلى فرض أن لا يكون كافرًا، فليس الإسلام مانعًا من وجوب قتله إذا وجد في حقه ما يوجب القتل، فالقائلون بعدم كفره يقولون بقتله حدًّا كالمالكية والشافعية. الدليل الثاني: قياس الصلاة على الزكاة، والصيام، والحج، باعتبار أن هذه العبادات كلها فرض مؤقت ومن أركان الإسلام، فكما لا يقتل بترك ما سوى الصلاة، فكذلك لا يقتل بترك الصلاة. * ويجاب: بأن هذا قياس فاسد؛ لأنه في مقابلة النص، وقد ذكرت الأدلة على وجوب قتله. وإذا حملنا قتل تارك الصلاة على الامتناع عن فعلها، لم يصح لكم قياس الصلاة على الزكاة، ذلك أن الجماعة الممتنعة من أداء الزكاة تقاتل حتى تمتثل، الفرق أن الممتنع عن أداء الزكاة إذا كان فردًا يمكن أخذها منه قهرًا بخلاف الصلاة. الدليل الثالث: (ح-٣٣١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة،

стр. 853

عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة (١). وجه الاستدلال: أن تارك الصلاة ليس من الأمور الثلاثة، فلا يقتل. * وأجيب: أما من قال: إنه يقتل ردة، فهو قد حكم عليه بالمروق من الدين. وأما من قال: يقتل حدًّا، فقد استفيد وجوب قتله من أدلة أخرى متفق على صحتها، كحديث ابن عمر في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ -قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (٢). الدليل الرابع: أن القتل إما أن يكون من أجل ترك الحاضرة، أو من أجل ترك الفائتة: فإن كان من أجل الحاضرة فهو لا يصدق عليه أنه تركها حتى يخرج الوقت، فقبل خروج الوقت لا يوجد في حقه سبب القتل، فإذا خرج الوقت صارت فائتة، والفائتة قد ترتبت عليه في ذمته، وقضاؤها مختلف فيه، هل يجب على الفور، أو على التراخي؟ فلا يقتل بسببها (٣).

стр. 854

* ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: بأن هذا الإلزام يلزم مثله في الحبس والضرب، فما كان جوابًا لكم، كان جوابًا عن هذا الاعتراض. الوجه الثاني: أنه يقتل إذا ضاق وقت الصلاة عنها بحيث يتحقق فواتها إذا لم يؤدها، وقبل أن تتحول إلى قضاء، وهذا جواب من لم ير القضاء على الفور. وأما من قال بأن القضاء على الفور فيرون قتله بالامتناع عن القضاء. * الراجح: أن تارك الصلاة يجب قتله كفرًا، لا حدًّا، والله أعلم.

стр. 855

المبحث الثالث في استتابة تارك الصلاة المدخل إلى المسألة: * الإجماع على قبول توبة تارك الصلاة إذا تاب. * قال ابن تيمية في استتابة المرتد: العمدة فيه إجماع الصحابة. يقصد به الإجماع السكوتي إن صح. * الأصل أن كل من تقبل توبته فإنه يستتاب * الموجب لقتل تارك الصلاة هو امتناعه عن الصلاة، ولا يتحقق الامتناع إلا أن يدعى إلى فعلها فيأبى، وهذه هي الاستتابة. [م-١٢٩] اختلف العلماء في استتابة تارك الصلاة. فقيل: لا يستتاب، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، ورجحه ابن يونس في الجامع، وابن حبيب من المالكية، وهو رواية عن أحمد، وبه قال إسحاق، وابن المبارك (١). وقيل: يستتاب، وهو مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية،

стр. 856

والأصح في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١). وقال عطاء: إن ولد في الإسلام قتل من غير استتابة، وإن ولد في الكفر، ثم أسلم لم يقتل إلا بعد الاستتابة (٢). والخلاف في الاستتابة راجع إلى الاختلاف، أيقتل حدًا أم يقتل ردة؟ فمن قال: يقتل حدًّا رأى أن التوبة، وإن كانت تنفعه عند الله، إلا أنها لا تسقط عنه الحد، فلا حاجة إلى الاستتابة، وفيها نقاش سآتي عليه عند ذكر الأدلة. ومن قال: يقتل ردةً، نزل الخلاف في استتابة المرتد على تارك الصلاة (٣). * حجة من قال: لا يستتاب: الدليل الأول: (ح-٣٣٢) روى البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه (٤).

стр. 857

ولو كانت الاستتابة تسبق قتله لبينه النبي ﷺ ، وتارك الصلاة يقتل ردة على الصحيح فهو داخل في الحديث. * ونوقش هذا: قال ابن تيمية: «قوله ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه نقول بموجبه، فإنما يكون مبدلًا إذا دام على ذلك، واستمر عليه، فأما إذا رجع إلى الدين الحق فليس بمبدل، وكذلك إذا رجع إلى المسلمين فليس بتارك لدينه مفارق للجماعة، بل هو مستمسك بدينه، ملازم للجماعة» (١). الدليل الثاني: (ح-٣٣٣) ما رواه البخاري من طريق خالد (الحَذَّاء)، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى: أن رجلًا أسلم ثم تهوَّد، فأتى معاذ بن جبل، وهو عند أبي موسى فقال: ما لهذا؟ قال: أسلم ثم تهود، قال: لا أجلس حتى أقتله، قضاء الله ورسوله ﷺ (٢). ورواه البخاري ومسلم من طريق قرة بن خالد، حدثني حميد بن هلال به، وفيه: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله ثلاث مرات، فأمر به فقتل (٣). ورواه البخاري من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، قال: بعث رسول الله ﷺ -أبا موسى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن، قال: وبعث كل واحد منهما على مخلاف، قال: واليمن مخلافان … وفيه: فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس، وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس أَيُّم هذا؟ قال: هذا

стр. 858

رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل، قال: إنما جيء به لذلك فانزل، قال: ما أنزل حتى يقتل، فأمر به فقتل، ثم نزل … (١). هكذا رواه عبد الملك عن أبي بردة مرسلًا، ولم يرفع قتل المرتد إلى النبي ﷺ . وجه الاستدلال: أن معاذًا طلب قتله، ولم يسأل عن استتابته، ولو كانت واجبة لبدأ بها معاذ. * واعتُرِضَ على هذا: بأنه ورد في بعض طرق الحديث أن اليهودي كان قد اسُتتيِبَ قبل ذلك. * ويجاب عن هذا: بأن حديث أبي موسى رواه عنه اثنان: أحدهما: أبو بكر بن أبي موسى عن أبيه، ولم يذكر فيه قصة المرتد (٢). والثاني: أبو بردة بن أبي موسى، وذكر في بعض طرقه قصة قتل المرتد، وتارةً يرويه موصولًا عن أبيه (أبي موسى)، وتارةً يرويه مرسلًا، وتارة يروى مطولًا وتارةً مختصرًا، فالحديث بتمامه يذكر قصة بعث النبي ﷺ -معاذًا وأبا موسى وأن النبي ﷺ -أمرهما بأن ييسرا، ولا يعسرا، وذكر قصة الشراب المحرَّم، وكيف كان يقرأ معاذ وأبو موسى القرآن، وقصة اليهودي الذي أسلم ثم ارتد، وقتله، فمنهم من ذكر الحديث بطوله، ومنهم من اختصره، ولم يذكر قصة اليهودي. فالذين رووه بذكر القتل قد اختلفوا في ذكر الاستتابة، فمن رواه بقتل المرتد دون ذكر استتابته: الأول: حميد بن هلال، عن أبي بردة موصولًا، وروايته في الصحيحين (٣).

стр. 859

الثاني: عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة مرسلًا، وروايته في البخاري (١). الثالث: سعيد بن أبي بردة، عن أبيه مرسلًا بذكر القتل دون استتابته، وروي عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ -موصولًا مختصرًا، ولم يذكر فيه قصة المرتد (٢).

стр. 860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 861

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 862

ورواه جماعة عن أبي بردة مختصرًا ليس فيه قصة المرتد، تركت تخريجها اقتصارًا، منهم: سيار أبو الحكم، وطلحة بن مصرف، وأبو إسحاق السبيعي، وعاصم بن كليب، وكل هذه الطرق ليس منها شيء في الصحيحين. وأما من رواه بذكر القتل والاستتابة، فمنهم: الأول: سليمان بن فيروز الشيباني، عن أبي بردة على اختلاف عليه. (ث-٧٩) رواه أبو داود في سننه، قال: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا حفص، حدثنا الشيباني، عن أبي بردة، عن أبي موسى، وفيه: قال: فأتي أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام، فدعاه عشرين ليلة أو قريبًا منها، فجاء معاذ، فدعاه، فأبى، فضرب عنقه. قال أبو داود: ورواه عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، لم يذكر الاستتابة، ورواه ابن فضيل، عن الشيباني، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، لم يذكر فيه الاستتابة (١). [أشار أبو داود إلى إعلال رواية حفص برواية ابن فضيل، عن الشيباني، ورواية عبد الملك بن عمير عن أبي بردة، حيث لم يذكرا الاستتابة] (٢).

стр. 863

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 864

الثاني: رواه طلحة بن يحيى، وبريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، فذكر أحدهما الاستتابة في حديثه. (ث-٨٠) رواه أبو داود من طريق الحماني، يعنى عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن طلحة بن يحيى، وبريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: قدم علي معاذ، وأنا باليمن، ورجل كان يهوديًّا فأسلم، فارتد عن الإسلام، فلما قدم معاذ، قال: لا أنزل عن دابتي حتى يقتل، فقتل، قال أحدهما: وكان قد استتيب قبل ذلك (١). [رواية الأكثر، ورواية الصحيحين على عدم ذكر الاستتابة] (٢).

стр. 865

ونَخْلُص من هذه الروايات، أن أكثر الرواة ممن ذكر قصة قتل المرتد، لم يذكر فيه الاستتابة، وقد رواه الشيخان في صحيحيهما، ولم يذكرا الاستتابة، فالنفس تميل من جهة الرواية إلى أن الاستتابة ليست محفوظة في حديث أبي موسى، وأما من جهة الفقه فهذا باب آخر، والصحابة مختلفون في استتابته، وإذا اختلف أصحاب النبي ﷺ -كان النظر في المرجح بين القولين من أدلة أخرى، والله أعلم. الدليل الثالث: تارك الصلاة إما أن يقتل ردةً، أو يقتل حدًّا: فإن قتل ردة وهو الصحيح فإن حكم المرتد حكم الحربي الذي بلغته الدعوة، فإنه يُقاتَلُ، ولا يشترط دعوته إلى الإسلام قبل قتاله. (ح-٣٣٤) فقد روى البخاري من طريق عبد الله (ابن المبارك)، أخبرنا ابن عون، قال: كتبت إلى نافع، فكتب إلي: إن النبي ﷺ -أغار على بني المصطلق، وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية، حدثني به عبد الله بن عمر، وكان في ذلك الجيش (١). وفي الباب حديث أنس ﵁ (٢). وإن قتل حدًّا، فالحدود لا تسقط بالتوبة بعد الرفع إلى الحاكم، فلا فائدة من استتابته كسائر الحدود من زنًا وسرقةٍ، ونحوهما.

стр. 866

* ونوقش هذا: بأن قتال الحربي الممتنع الذي بلغته الدعوة غير قتله، فالاحتجاج بجواز قتله على جواز قتاله لا يصح، بخلاف المرتد المقدور عليه فإنه يستتاب، وبينهما فرق. وأما القول بأن الحدود لا تسقط بالتوبة فليست قضية كلية، فهناك من الحدود ما يسقط بالتوبة بالاتفاق، ومن الحدود ما يسقط بالتوبة على الصحيح، فمن الأول: حد الحرابة إذا تاب قبل القدرة عليه، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]. ومن الثاني: المرتد، تسقط عقوبته بالتوبة، فكذلك تارك الصلاة يسقط حده بالتوبة عند من يقول: يقتل حدًا (١). ولا يصح قياس ترك الصلاة على حد الزنا؛ لأن التوبة في ترك الصلاة تفيد تدارك الفائت بخلاف التوبة عن الزنا وشبهه؛ فإن التوبة لا تفيد تدارك ما مضى من الجريمة، ولا تفيد الامتناع عنها في المستقبل. قال الزركشي «تارك الصلاة يسقط حده بالتوبة وهي العود لفعل الصلاة كالمرتد بل هو أولى بذلك منه» (٢). * دليل من قال: يستتاب قبل القتل: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وجه الاستدلال: بأن من تاب وأقام الصلاة خُلِّيَ سبيلُه، لا فرق بين الكافر الأصلي والمرتد، فدلت الآية على أن توبته مقبولة. الدليل الثاني: الإجماع على قبول توبة تارك الصلاة، وإذا كانت تقبل توبته فالأصل أن كل

стр. 867

من تُقْبل توبته فإنه يستتاب، وتعرض عليه التوبة، بخلاف من وجب عليه القتل مطلقًا، ولو تاب، فإنه لا يستتاب، وإن نفعته توبته فيما بينه وبين الله، ولهذا قال أحمد في ذميِّ فَجَرَ بمسلمة، قال: يقتل. قيل له: فإن أسلم؟ قال: يقتل، هذا قد وجب عليه، فتبين أن الإسلام لا يسقط القتل الواجب (١). الدليل الثالث: تارك الصلاة إن كان قد كفر بعد إسلامه، فالكافر بعد الإسلام تقبل توبته بنص القرآن: قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٦٨، ٨٩]. وقال تعالى في سورة التوبة: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤]. فإذا قبلت توبة الكافر بعد إسلامه، فإن القاعدة في هذا: أن كل من تقبل توبته فإنها تعرض عليه كسائر الكفار ما لم يكن ممتنعًا فإنه يُقاتَلُ ولو لم يستتب. وإن كان تارك الصلاة مسلمًا، فيكون عاصيًا، والعاصي توبته مقبولة بالإجماع. الدليل الرابع: (ث-٨١) ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه، أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قِبَلِ أبي موسى الأشعري. فسأله عن الناس، فأخبره. ثم قال له عمر: هل كان فيكم من مُغَرِّبَةِ خبر؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر:

стр. 868

أفلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب، ويراجع أمر الله؟ ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضرْ، ولم آمرْ، ولم أرضَ إذ بلغني (١). [ضعيف] (٢). الدليل الخامس: (ث-٨٢) روى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن داود، عن الشعبي، عن أنس ﵁، قال: بعثني أبو موسى بفتح تستر إلى عمر رضي

стр. 869

الله عنه فسألني عمر، وكان ستة نفر من بني بكر بن وائل قد ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بالمشركين، فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال: فأخذت في حديث آخر لأشغله عنهم فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قلت: يا أمير المؤمنين قوم ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين ما سبيلهم إلا القتل. فقال عمر: لأن أكون أخذتهم سلمًا أحب إِلَيَّ مما طلعت عليه الشمس من صفراء أو بيضاء. قال: قلت: يا أمير المؤمنين وما كنتَ صانعًا بهم لو أخذتَهم؟ قال: كنت عارضًا عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه، فإن فعلوا ذلك قبلت منهم، وإلا استودعتهم السجن (١). [صحيح] (٢). الدليل السادس: (ث-٨٣) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن علي، أنه أُتِيَ بمستورد العجلي، وقد ارتد، فعرض عليه الإسلام فأبى، قال: فقتله، وجعل ميراثه بين ورثته المسلمين (٣). [صحيح] (٤).

стр. 870

الدليل السابع: (ث-٨٤) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن أبيه قال: أخذ ابن مسعود قومًا ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق، فكتب فيهم إلى عمر فكتب إليه: أن اعرض عليهم دين الحق، وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوها فخل عنهم، وإن لم يقبلوها فاقتلهم، فقبلها بعضهم، فتركه، ولم يقبلها بعضهم، فقتله (١). [المحفوظ أنه منقطع] (٢). فهذه آثار جمع من الصحابة يرون استتابة المرتد قبل قتله، ويلحق به تارك الصلاة.

стр. 871

قال ابن تيمية: «فهذه أقوال الصحابة في قضايا متعددة، لم ينكرها منكر، فصارت إجماعًا» (١). وسوف يأتي مناقشة الإجماع في دليل مستقل إن شاء الله تعالى. الدليل الثامن: حكى بعض العلماء إجماع الصحابة على استتابة المرتد، وتارك الصلاة مرتد على الصحيح، فيأخذ حكمه. قال ابن عبد البر: «لا أعلم بين الصحابة خلافًا في استتابة المرتد فكأنهم فهموا من قول النبي ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) أي: بعد أن يستتاب، والله أعلم إلا حديث معاذ مع أبي موسى فإن ظاهره القتل دون استتابة، وقد قيل إن ذلك المرتد قد كان استتيب» (٢). وقال ابن رشد الجد: «لم يحفظ عن الصحابة ﵃ اختلاف في استتابة المرتد» (٣). وذكر ابن تيمية إجماع الصحابة على قبول توبة المرتد. جاء في الصارم المسلول: «الإجماع من الصحابة ﵃ على ذلك فإن النبي ﷺ -لما تُوُفِّيَ ارتد أكثر العرب إلا أهل مكة والمدينة والطائف، واتبع قوم منهم من تنبأ فيهم مثل مسيلمة والعنسي وطليحة الأسدي، فقاتلهم الصديق، وسائر الصحابة ﵃ حتى رجع أكثرهم إلى الإسلام، فأقروهم على ذلك، ولم يقتلوا واحدًا ممن رجع إلى الإسلام، ومن رؤوس من كان قد ارتد ورجع طليحة الأسدي المتنبي، والأشعث بن قيس، وخلق كثير لا يُحْصَوْنَ، والعلم بذلك ظاهر لا خفاء به على أحد» (٤).

стр. 872

وقال أيضًا في استتابة المرتد، قال: «العمدة فيه إجماع الصحابة» (١). وقال ابن القصار: «والدليل على أنه يستتاب الإجماع، ثم ذكر أثر عمر (هلَّا حبستموه ثلاثة أيام، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا لعله يتوب الله عليه) .... ولم يختلف الصحابة في استتابة المرتد» (٢). * ويجاب عنه: بأن الصحابة مختلفون، فاجتهاد عمر وابن مسعود وعثمان ﵃ مُقابَل باجتهاد معاذ وأبي موسى، وإذا اختلفت أقوال الصحابة لم يكن قول بعضهم بمجرده حجة على بعض، بل يطلب المرجح من دليل آخر، كالأدلة إذا تعارضت، نعم قد يقال: هو قول أكثر الصحابة، وأما أن يكون إجماعًا فلا أظن، ولو أجمعوا ما ساغ الخلاف بعدهم. واعتبر الحافظ ابن حجر أن الإجماع من قبيل الإجماع السكوتي. جاء في الفتح: «واستدل ابن القصار لقول الجمهور بالإجماع قال ابن حجر: يعني السكوتي؛ لأن عمر كتب في أمر المرتد: هلا حبستموه ثلاثة أيام … ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة» (٣). وفي الاحتجاج بالإجماع السكوتي خلاف عند الأصوليين، والراجح أنه حجة، ودلالته ظنية، وليست قطعية، ولا يعتبر مخالفه بمنزلة من خالف الإجماع القطعي، والله أعلم. وقال ابن الملقن: «وقد جاء عدم الاستتابة أيضًا، وهو يخدش في الإجماع السالف .... » (٤). وقال ابن العربي المالكي: «معاذ ﵁ وأبو موسى الأشعري خالفا

стр. 873

عمر ﵁. وسائر الصحابة منهم من سكت، ومنهم من خالف، فتنقطع الحجة» (١). * الراجح: أن تارك الصلاة يستتاب قبل قتله، فإن كان له عذر أو شبهة سُمِعَت منه، وأجيب عنها، فإن أبى وجب قتله، واختار بعض العلماء أن الحاكم يختار ما هو أصلح، فإن رأى أن من المصلحة استتابته استتابه، وإن رأى قتله بلا استتابة ردعًا لغيره فيصح أيضًا، وهومن باب السياسة الشرعية يتبع الحاكم الشرعي الأصلح في القضية، والله أعلم.

стр. 874

المبحث الرابع في صفة الاستتابة المدخل إلى المسألة: * لا يصح في إمهال المرتد ثلاثًا حديث مرفوع. * الأصل عدم الإمهال. * إذا رأى الحاكم (القاضي) باجتهاده أن في الإمهال مصلحة شرعية فعله. [م-١٣٠] اختلف الفقهاء في صفة الاستتابة قبل القتل: فقيل: يستتاب في الحال فإن امتثل وإلا قتل، وهو ظاهر مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية (١).

стр. 875

قال الشنقيطي في أضواء البيان: «والأظهر أنه يستتاب في الحال» (١). وقيل: يستتاب ثلاثة أيام، وهو أحد القولين في مذهب الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٢). وقيل: يستتاب ثلاث مرات، ولو في يوم واحد، قاله ابن القاسم في المرتد (٣). وعن علي ﵁ يستتاب المرتد شهرًا (٤). وقال الثوري: «يستتاب المرتد ما دمنا نرجو عوده» (٥). * دليل من قال: الاستتابة في الحال: الدليل الأول: أن تارك الصلاة إما أن يقتل ردة، أو يقتل حدًّا.

стр. 876

فإن قتل حدًّا لم يؤخر كسائر الحدود (١). وإن قتل ردة، لم يمهل؛ لأن الأصل عدم الإمهال. ولأنه لا يصح في إمهال المرتد ثلاثة أيام حديث مرفوع عن النبي ﷺ . الدليل الثاني: (ح-٣٣٥) روى البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه (٢). وجه الاستدلال: أن الفاء في قوله: (فاقتلوه) للترتيب والتعقيب، ولو كان الإمهال واجبًا لذكره. * وتعقب: بأن العلماء مختلفون في الفاء الواقعة في جواب الشرط، هل تفيد التعقيب على قولين: أحدهما: لا تفيده، كقوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. وكما لو قلت: إذا دخلت مكة فاشترِ لي مصحفًا، فإنه لا يقتضي التعقيب. الدليل الثالث: (ث-٨٣) ما رواه البخاري من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، قال: بعث رسول الله ﷺ -أبا موسى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن … وفيه: فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس، وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس أَيُّم هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل، قال: إنما جيء به لذلك فانزل، قال: ما أنزل

стр. 877

حتى يقتل، فأمر به فقتل، ثم نزل … (١). فظاهر هذا الأثر، أنه قتله دون استتابة، وهو المحفوظ. الدليل الرابع: (ث-٨٦) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن علي، أنه أُتِيَ بمستورد العجلي، وقد ارتد فعرض عليه الإسلام فأبى، قال: فقتله وجعل ميراثه بين ورثته المسلمين (٢). [صحيح] (٣). (ث-٨٧) ومنها ما رواه عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال: أخذ ابن مسعود قومًا ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق، فكتب فيهم إلى عمر فكتب إليه: أن اعرض عليهم دين الحق، وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوها فخلِّ عنهم، وإن لم يقبلوها فاقتلهم، فقبلها بعضهم، فتركه، ولم يقبلها بعضهم، فقتله (٤). [المحفوظ أنه منقطع] (٥). ولو كان الإمهال واجبًا لذكره عمر، ولفعله ابن مسعود ﵄. الدليل الخامس: ولأن الإمهال يؤدي إلى زيادة تأخير الصلوات. الدليل السادس: القياس على الحربي، فإنه يدعى إلى الإسلام إذا كان لم يبلغه، ولا يتقدر بثلاث.

стр. 878

* دليل من قال: لا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا: الدليل الأول: القياس على المرتد. (ث-٨٨) فقد روى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن عبد القاري، عن أبيه، أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري. فسأله عن الناس، فأخبره. ثم قال له عمر: هل كان فيكم من مُغَرِّبَةِ خبر؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه. قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. فقال عمر: أفلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب، ويراجع أمر الله؟ ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضرْ، ولم آمرْ، ولم أرضَ إذ بلغني (١). [ضعيف] (٢). واحتج به أحمد على وجوب الثلاث، قال أحمد: إذا ترك الصلاة استتبته ثلاثة أيام على حديث عمر ﵁ (٣). * ونوقش: هذا الأثر ضعيف، وعلى فرض صحته فإن هناك فرقًا بين المرتد وتارك الصلاة عند من يرى أنه يقتل حدًّا، فالمرتد إذا قتل فإنه يخلد في النار، فوجب إمهاله طمعًا في نجاته منها، وتارك الصلاة عند من يرى أنه يقتل حدًّا لا يخلد في النار، بل إن الحدود كفارات للذنوب (٤). الدليل الثاني: (ح-٣٣٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الليث، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة ﵁، قال: بعث النبي ﷺ -خيلًا قِبَلَ نجد،

стр. 879

فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ ، فقال: ما عندك يا ثمامة؟، فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسلْ منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟، قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك، فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ -وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ ، ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي ﷺ (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ -عرض عليه التوبة ثلاثة أيام، وإذا كان هذا في الكافر الأصلي فالمرتد بترك الصلاة مقيس عليه. * ويناقش: بأنه لو صح القياس عليه لصح أن يقال: يمكن أن يطلق تارك الصلاة بلا عقوبة قياسًا على إطلاق سراح ثمامة قبل أن يسلم، فهذه قضية عين لا يمكن أن يقاس عليها، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الله أخر قوم صالح ثلاثة أيام لعلهم أن يتوبوا فيه، قال

стр. 880

تعالى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]. * ونوقش: بأن الإمهال ليس للتوبة؛ لأن الله توعدهم بالعذاب بعد ثلاث، والوعد لا يتخلف. * الراجح: أنه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل، ولا يصح في الإمهال شيء يمكن الحكم به، وما ورد عن عمر فضعيف، ومخالف لما هو أصح منه مما ثبت عن بعض الصحابة، إلا أن يرى الحاكم باجتهاده أن في الإمهال مصلحة شرعية، فإنه يمهله، كما فعل النبي ﷺ -مع ثمامة ﵁، والله أعلم.
следующие страницы →