← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

أهم من الوقت لانتظر بالصلاة حتى تضع الحرب أوزارها، وصليت جماعة، فالوقت أهم من الجماعة سواء أكانت الجماعة واجبة أم مستحبة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء. وإنما الذي يختلف فيه الفقهاء في الموازنة بين تزاحم شرط الطهارة وشرط الوقت، أيهما يقدم، وقد بحثت هذه المسألة في شروط الصلاة، وأما الجماعة فليست أهم من الوقت في كل الأحوال، حتى ولو كان من يؤخر الوقت هم الولاة. (ح-٢٨١٥) فقد روى مسلم في صحيحه من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١). فلا يصح القول: إن الجماعة أهم من الوقت، بل سيأتينا إن شاء الله تعالى أن أنسًا قدم الصلاة منفردًا أول الوقت على الصلاة جماعة في آخر الوقت في إمرة عمر بن عبد العزيز على المدينة. الدليل السابع: قال ابن القيم: «المريض إذا لم يستطع القيام في الجماعة، وأطاق القيام إذا صلى وحده صلى جماعة وترك القيام. ومحال أن يترك ركنًا من أركان الصلاة لمندوب محض» (٢). • ويجاب: بأن هذه المسألة لا دليل عليها، ولا اتفاق عليها، فقيل: يصلي منفردًا وجوبًا، وهذا ظاهر مذهب الحنفية، واختاره بعض الشافعية، وهو قول في مذهب الحنابلة، قدمه أبو المعالي، وصوبه في الإنصاف،

стр. 8157

قال في التنقيح: وهو أظهر (١). وفضل مالك والشافعي الصلاة منفردًا (٢). وقال ابن مفلح في النكت على المحرر: «وإطلاق كلامه أيضًا يقتضي: أنه إن أمكنه الصلاة قائمًا منفردًا، وفي الجماعة جالسًا أنه يصلي قائمًا منفردًا، وقدمه

стр. 8158

الشيخ وجيه الدين» (١). وقيل: يصلي قاعدًا جماعة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وقيل: يخير بينهما، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٣). جاء في الإنصاف: «لو قدر على الصلاة قائمًا منفردًا، وجالسًا في الجماعة: خير بينهما، على الصحيح من المذهب» (٤). قال ابن قدامة: «وإن قدر المريض على الصلاة وحده قائمًا، ولا يقدر على ذلك مع الإمام لتطويله، يحتمل أن يلزمه القيام، ويصلي وحده؛ لأن القيام آكد؛ لكونه ركنًا في الصلاة لا تتم إلا به، والجماعة تصح الصلاة بدونها. واحتمل: أنه مخير بين الأمرين؛ لأننا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه، مع إمام الحي العاجز عن القيام، مراعاة للجماعة، فهاهنا أولى. ولأن العجز يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام، بدليل أن (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم). و (صلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده سبعًا وعشرين درجة). وهذا أحسن، وهو مذهب الشافعي» (٥). وعلى كلا القولين لم يلزمه ابن قدامة بالصلاة جماعة. فصارت الأقوال إلى أربعة أقوال تؤول إلى ثلاثة: يصلي قائمًا منفردًا، على خلاف في وجوبه. وقيل: يصلي جالسًا جماعة. وقيل: يتخير بينهما. والله أعلم. فاتضح أن الخلاف فيها ليس راجعًا إلى وجوب صلاته مع الجماعة، ولو ترك القيام، وإنما الخلاف، في الأولوية على سبيل التفضيل، هل الأفضل أن يصلي مع

стр. 8159

الجماعة، ولو ترك القيام، أو يصلي منفردًا محافظة على القيام؟ (١). والحكم لم يكن مبنيًّا على مراعاة الجماعة وتقديمها على ركن القيام. فالذين قالوا يصلي مع الإمام يرون الجماعة إما سنة مؤكدة، وإما فرض كفاية، بخلاف القيام فإنه ركن، وإنما بنوا حكمهم على أساس أن الصلاة تجب مرتبة، فيدخل المصلي مع الإمام قائمًا؛ لأن المصلي في أول أمره قادر على الصلاة مع الإمام، وقادر على القيام، فلا يترك المصلي ما قدر عليه لعجز مظنون، فإذا أطال الإمام القيام، وشعر بالعجز، سقط عنه القيام لتحقق عجزه، ولا يسقط عنه قبل ذلك، ويكون بذلك قد امتثل حديث عمران بن الحصين في الصحيحين: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا)، ويكون مثله مثل الرجل يفتتح الصلاة قائمًا، ثم يطرأ عليه عجز، فإنه يقعد. ومن الفقهاء من قال: يصلي وحده إذا كان يظن أنه لا يقدر على القيام مع تطويل الإمام، ومنهم من قال: يتخير، والمسألة كما قلت: لا دليل فيها، ولا اتفاق عليها. هذه تقريبًا أدلة القائلين بوجوب الجماعة وجوبًا عينيًّا، ولا يسلم لهم من الأدلة المرفوعة إلا حديث أبي هريرة في الهم بالتحريق، وقد سبق مناقشته، ومناقشة الاعتراضات على الاستدلال به على الوجوب وجوبًا عينيًّا. • دليل من قال: صلاة الجماعة سنة مؤكدة: من خلال مناقشتي لأدلة الوجوب استدعى ذلك ذكر بعض أدلة الاستحباب، وسوف أضطر لإعادة ذكرها، ليس حبًّا في التكرار، ولكن لأن القارئ قد يطلب أدلة الاستحباب فقط، ولا يجد وقتًا لقراءة البحث كاملًا، خاصة أنه يقع قريبًا من مائتي صفحة، فيظن أن هذه هي أدلة الاستحباب، والواقع بخلافه، فأرجو تفهم ذلك. الدليل الأول: أن الله تعالى أمر بالصلاة أمرًا مطلقًا، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].

стр. 8160

ولم يشترط في ذلك جماعة. • وأجيب: بأن الوجوب مستفاد من السنة، والسنة مبينة للكتاب، فليس في الكتاب بيان أركان الصلاة، ولا بيان أوقاتها، ولا عدد ركعاتها، وعدم ذكر ذلك في الكتاب لا ينافي الوجوب. ويمكن القول: إن الأمر بإقامة الصلاة، والمحافظة عليها أبلغ من الأمر بالصلاة؛ لأنه يتضمن الأمر بالمداومة عليها، ومراعاة حقوقها، وجوبًا فيما يجب، واستحبابًا فيما يستحب، ومن جملة واجباتها صلاتها جماعة. الدليل الثاني: (ح-٢٨١٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة، أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده، بخمس وعشرين جزءًا … الحديث (١). ورواه البخاري، حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة .... الحديث (٢). ورواه مسلم، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب جميعًا عن أبي معاوية به، وفيه: … بضعًا وعشرين درجة … (٣). وفي روية لمسلم: صلاة مع الإمام أفضلُ من خمسٍ وعشرين صلاةً يصليها وحده (٤).

стр. 8161

وفي رواية لمسلم: صلاة الجماعة تَعْدِلُ خمسًا وعشرين من صلاة الْفَذِّ (١) وله شاهد عند البخاري من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة (٢). (ح-٢٨١٧) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (٣). ورواه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، قال: أخبرني نافع به (٤). ورواه مسلم من طريق الضحاك، عن نافع به، وقال: بضعًا وعشرين (٥). • وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: ذكر أهل الأصول أن من صيغ المندوب التصريح بالأفضلية، (ح-٢٨١٨) ومنه رواه الشيخان واللفظ للبخاري من طريق أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت مرفوعًا .... أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة (٦). فدل على جواز النافلة في غير البيت؛ لتعبيره بالأفضلية. فكذلك قوله ﷺ في حديث أبي هريرة، صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا.

стр. 8162

وهذا اللفظ رواه مالك في الموطأ، ومن طريقه مسلم (١)، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وهذا الإسناد من أصح أسانيد أبي هريرة عند بعض أهل العلم؛ لأنه من رواية إمام، عن إمام، عن إمام عن أبي هريرة. (ح-٢٨١٩) ومنه ما رواه أحمد من طريق همام، عن قتادة، عن الحسن عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل (٢). [ضعيف، الحسن لم يسمع هذا الحديث من سمرة، واختلف عليه على الحسن] (٣). الوجه الثاني: قال ابن عبد البر: «لم يفاضل النبي ﷺ بين صلاة الجماعة والفذ إلا وهما جائزان، غير أن أحدهما أفضل من الآخر» (٤). • أجيب عن هذا: الجواب الأول: لا منافاة بين التفضيل وبين القول بوجوب الجماعة، فالفضل في صلاة المنفرد لا يدل على جواز الفعل، بل يدل على صحته، فمن صلى وحده صحت صلاته مع الإثم. والصحة والإثم قد يجتمعان، وحديث المفاضلة يصح أن يعترض به على من قال: إن الجماعة شرط، لا على من قال: إن الجماعة واجبة. • ونوقش: من الممكن الجمع بين الصحة والإثم، أما الجمع بين الفضل والإثم فلا يستقيم، فالتفضيل يفيد الاشتراك في الفضل، ولازمه عدم الإثم، فالحديث لا يدل على صحة صلاة المنفرد فحسب، بل يدل على أن فيها فضلًا.

стр. 8163

وكذلك صيغة التفضيل تدل في اللغة على اشتراك في الفضل، ومنه قول الفقهاء في النسك: الحلق للرجال أفضل من التقصير، يفيد جواز التقصير؛ لوجود فضل فيه، وليس مجرد الصحة، وإن كان الحلق أكمل. وهذا لا يختلفون فيه. وقولك: الوتر في آخر الليل أفضل، يفيد جواز الوتر في أول الليل، وليس مجرد الصحة، وإن كان آخر الليل أكمل، فمن قال: إن التفضيل بين صلاة المنفرد وصلاة الجماعة لا تدل إلا على صحة صلاة المنفرد، فقد قَصَّر في الدلالة. الجواب الثاني: أن الشارع قد يفاضل بين شيئين من غير اشتراك في الفضل. كما في قوله تعالى: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. ولا خير في شركهم. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ولا خير في مكرهم. وقال : ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. ولا خير في أهل النار. • ورد هذا الجواب: بأن أفعل التفضيل تأتي على صيغتين: إحداهما: مطلقة غير مقيدة بعدد معين، وهذه لا تنافي الوجوب، لأنها قد تقع بين شيئين أحدهما لا فضل فيه أصلًا، بل تجوز المفاضلة بين الخير المطلق والشر المطلق، ومنه الآيات السابقة. وبعضهم يرى أن أفعل التفضيل في هذا السياق خرج عن بابه، فلا يفيد التفضيل، ويكون معنى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]: أي خير مستقرًّا مما أنتم فيه. ومنه قول لوط ﵇: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ﴾ [هود: ٧٨]: أي طاهرات. وقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]: أي لا يصلاها إلا الشقي. وقد فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]: أي هيِّن؛ لأن كليهما بالنسبة إلى القدرة على السواء. الثانية: أن تكون صيغة التفضيل مقيدة بعدد معين، فهذا يقتضي التشريك بينهما في أصل الفضل، وأن يكون المفضل زائدًا على المفضل عليه بالعدد المذكور،

стр. 8164

وهذا لا بد فيه من وجود أصل العدد بينهما، وجزء معلوم في الآخر، فلو لم تكن لصلاة الفذ درجة من الفضيلة لما جاز أن يقال: إن صلاة الجماعة تزيد عليها بضعًا وعشرين درجة، لا أكثر ولا أقل، يوضح ذلك ما جاء في رواية مسلم من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: (صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته وحده) (١). وعبيد الله بن عمر مقدم عند بعض العلماء على الإمام مالك في نافع. وفي رواية للبخاري من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة: (صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة). فإذا جعل الشارع في صلاة الفذ جزءًا من الفضل الذي في صلاة الجماعة دل ذلك على ثبوت الفضل في صلاة الفذ. والفضل والإثم لا يجتمعان، وكون صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد هذا يقتضي استحباب الجماعة، لا وجوبها. ولأنه لا يعلم من أوامر الشارع ترتيب الفضل على فعل محرم؛ لأن هذه دعوة إلى فعله، فالمكروهات -فضلًا عن المحرمات- لا يذكر الشارع فضلًا في فعلها، بل يكفي مرتكب المكروه سلامته من المطالبة. لا له، ولا عليه، والله أعلم. ولأن تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ لا يمكن أن يكون سببًا في وجوب الجماعة؛ لأن علة التفضيل لا تعود إلى ذات الصلاة من حيث هي صلاة، بل لأفعال مستحبة اقترنت بالصلاة، دعت إلى هذه المضاعفة، فكانت علةً في التفضيل، وبعضها مقصود، وبعضها غير مقصود لذاته، وليس منها صفة الجماعة: (ح-٢٨٢٠) لما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعمش، قال: سمعت أبا صالح، يقول: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في الجماعة

стр. 8165

تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه: إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يَخْطُ خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صَلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة. هذا لفظ البخاري (١). وفي رواية للبخاري: لم يَخْطُ خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد (٢). وجه الاستدلال: المقتضي لتفضيل صلاة الجماعة حسب هذه الرواية ليس الجماعة فقط، بل مجموع أفعال اقترنت بالخروج إليها، لأن قوله: (وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء … إلخ) تعليل الحكم بالمضاعفة. فالنبي ﷺ حكم بمضاعفة صلاة الرجل في الجماعة على صلاته في بيته وسوقه بهذا القدر المعين. وعلل ذلك باجتماع أمور، منها: الوضوء في البيت، والإحسان فيه، والخروج إلى الصلاة لا يخرجها شيء إلا إليها، والمشي إليها، وما يترتب على ذلك المشي من رفع الدرجات، وتكفير السيئات، وصلاة الملائكة عليه ما دام في مصلاه. وإذا علل هذا الحكم باجتماع هذه الأمور فمن صلى في بيته في جماعة لم يحصل في صلاته بعض هذا المجموع، وهو المشي الذي به ترفع له الدرجات وتحط عنه الخطيئات. فمقتضى ذلك ألا يحصل هذا القدر من المضاعفة له؛ لأن هذا الوصف -أعني المشي إلى المسجد، مع كونه رافعًا للدرجات، حاطًّا للخطيئات- لا يمكن إلغاؤه، والأصل: ألا يترتب الحكم بدونه (٣). الجواب الثالث: قيل: التفاضل يقع بين صلاة صحيحة، وأخرى صحيحة مثلها، ولا تكون صلاة الفذ صحيحة إلا إذا كان معذورًا في تركه الجماعة.

стр. 8166

• وأجيب بأكثر من جواب: الجواب الأول: أن (أل) في الفذ تدل على العموم، فيشمل المعذور وغيره، فتخصيصه بالمعذور يحتاج إلى مخصص. الجواب الثاني: أن المعذور يكتب له فضل الجماعة تامًّا إذا كان من عادته المحافظة على الجماعة. (ح-٢٨٢١) لما رواه البخاري من طريق العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ : إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا (١). • ورد هذا: قال ابن تيمية: «ليس كل معذور يكتب له ما كان يعمل؛ بل إنما يكتب لمن كانت نيته -لولا العذر- أن يعمل، ومن عادته ذلك، فهذا يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح، أما من لم يكن له نية، ولا عادة، كيف يكتب له ما لم يكن من عادته

стр. 8167

العمل به؟! فليس فيه دليل على صحة صلاة المنفرد من غير عذر» (١). وقال ابن رجب: « … لو كان المصلي فذًا له عذر، ولم يكن له عادة بالصلاة في حال عدم العذر جماعة، لم يكتب له سوى صلاة واحدة» (٢). اه فابن تيمية حمل التفضيل الوارد في الحديث بين صلاة الجماعة وبين صلاة الفذ على المعذور في ترك الجماعة، والذي ليس في نيته، ولا من عادته الصلاة جماعة، لتكون المفاضلة بين صلاة فذٍّ صحيحةٍ لا يكتب له أجر الجماعة، وبين صلاة الجماعة؛ لاعتقاده ببطلان صلاة الفذ إذا لم يكن له عذر. • وأجيب: قال ابن مفلح: «ما ذكره قصر اللفظ العام على صورة قليلة نادرة في حال زمن المتكلم؛ لأن المعذور المنفرد الذي ليس من عادته في حال صحته إيقاع الصلاة جماعة قليل ونادر في ذلك الزمان بلا إشكال، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق قد علم نفاقه، أو مريض، وإن كان المريض ليهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. فهذا هو المعهود المعروف بينهم في ذلك الزمان، بل كلام ابن مسعود يدل على أنه لم يكن يتخلف عنها صحيح، لكن معذور أو منافق، وهذا وإن كان واقعًا في ذلك الزمان، فلا ريب في قلته وندرته، ولا يخفى بُعد قصر العام على الأمور النادرة والوقائع البعيدة، وقد صرح الشيخ تقي الدين وغيره بعدم جوازه» (٣). يقصد عدم جواز حمل العام على الصور النادرة. فكان حديث المفاضلة بين صلاة الفذ والجماعة نصًّا في ثبوت الفضل في صلاة الفذ، ولازمه صحة صلاته، ومدلوله: عدم تحريم الصلاة من المنفرد، ولو لم يكن له عذر؛ إذ لو كانت صلاة المنفرد محرمة لم يكن فيها فضل، يوضح هذا الدليل التالي، والله أعلم.

стр. 8168

الدليل الثالث: (ح-٢٨٢٢) ما رواه البخاري ومسلم، من طريق أبي أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصليها ثم ينام (١). (ح-٢٨٢٣) وفي معناه ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق، أنه سمع عبد الله بن أبي بصير يحدث، عن أبي بن كعب مرفوعًا وفيه … وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع رجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله. [صحيح لغيره] (٢).

стр. 8169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8171

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8174

وجه الاستدلال: قوله: (أزكى) دليل على ثبوت الفضل لمن صلى وحده،، ولازمه جواز الصلاة وحده؛ وهو أكثر من دلالته على الصحة؛ لأن الصحة قد تجتمع مع التحريم، ولا يجتمع الفضل مع التحريم. وقال الماوردي: «جعل النبي ﷺ بين صلاة الجماعة والانفراد من الصلاة مثل ما بين كثرة الجماعة وقلتهم من الفضل، فدل ذلك على أن الجماعة غير فرض؛ لأن العدول من قليل الجماعة إلى كثيرها غير فرض» (١). وإذا كانت صلاة الرجلين أحب إلى الله من صلاة الرجل وحده، فالتعبير (بأحب) من صيغ الاستحباب، وليست من تقريرات الوجوب، لا في اللغة، ولا في

стр. 8175

الشرع، ولا في عرف الصحابة. ومن ذلك ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة: إن الله وتر يحب الوتر (١). (ح-٢٨٢٤) وروى الشيخان من طريق مسروق، عن عائشة: كان رسول الله ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره، وترجله، وتنعله (٢). وروى مسلم في صحيحه من حديث البراء: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه (٣). وقال الحسن كما في الطهور للقاسم بن سلام: كانوا يحبون أن يذكروا الله على طهارة (٤). الدليل الرابع: (ح-٢٨٢٥) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة (٥). [صحيح] (٦). وجه الاستدلال: سبق لي ذكر وجه الاستدلال في مناقشة أدلة القائلين بالوجوب، وذكر السفر

стр. 8176

ليس قيدًا، وإنما هو مفهوم لقب. (ح-٢٨٢٦) لما روى مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني الديل يقال له: بسر بن محجن، عن أبيه محجن، أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ ، فأُذِّنَ بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصلِّ معه. فقال له رسول الله ﷺ : ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟ فقال: بلى يا رسول الله. ولكني قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : إذا جئت فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت (١). [حسن] (٢). وجه الاستدلال: قوله في الحديث: (قد صليت في أهلي، فقال رسول الله ﷺ : إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت) أي في أهلك؛ ومفهومه: إذا لم تأت فصلاتك في أهلك جائزة، ولم يقيد الحديث في حضر، ولا سفر، والظاهر العموم، ولو كانت صلاته في أهله لا تجوز لما أقره النبي ﷺ ، وظاهره من غير فرق بين أن يكون صلى في أهله جماعة أم فذًّا، وهو دليل على أن الصلاة في المسجد مستحبة. الدليل الخامس: (ح-٢٨٢٧) روى البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا … وذكر الحديث (٣). قوله: (فحضرت الصلاة) (أل) في الصلاة للعهد، أي حضرت الصلاة المعهودة، وهي صلاة الفريضة؛ لأن النفل إن كان مطلقًا فلا وقت له، فلا معنى لقوله: (حضرت الصلاة).

стр. 8177

وإن كان معينًا فما كانوا يجتمعون له، والأصل في صلاة الجماعة أن تكون للمكتوبة إلا بدليل (١). (ح-٢٨٢٨) وروى البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاك، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم: أن اجلسوا .... الحديث، واللفظ للبخاري (٢). استفدنا من هذه الرواية أن الصلاة كانت في البيت. وجه الاستدلال من الحديثين: أن هؤلاء الصحابة قد صلوا مع النبي ﷺ في بيته فريضة الصلاة، والعذر لا يتعدى غير المعذور، ولقد كان المسجد أقرب إلى أحدهم من بيته، فكانت صلاتهم خلف النبي ﷺ دالة على أحد أمرين: - إما أن الجماعة في المسجد ليست واجبة، ويبقى البحث في وجوب الجماعة. - وإما أن وجوب الجماعة في المسجد خاص بالصلاة خلف النبي ﷺ ، وقد قيل بكل منهما. إلا أن هذا الحديث ليس فيه دلالة على عدم وجوب الجماعة في غير المسجد، إلا أنك إذا ضممت إليه الدليل التالي تبين أن الجماعة ليست واجبة مطلقًا، لا في المسجد، ولا في غيره.

стр. 8178

الدليل السادس: (ح-٢٨٢٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع الأنصاري: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول ﷺ : يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحب أن أصلي. فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ ورواه مسلم (١). هكذا رواه مالك بأنه أعمى … ضرير البصر. وفي رواية: (أنكرت بصري). رواه هكذا عقيل ومعمر وإبراهيم بن سعد في البخاري، ويونس في مسلم (٢). ورواه الأوزاعي عن الزهري عند مسلم: إن بصري قد ساء (٣). ورواية مالك: أنه أعمى. لعله يريد أنه كالأعمى؛ لأنه اعتذر بقوله: إنها تكون الظلمة والسيل. والظلمة للأعمى لازمة. وجه الاستدلال: القائلون بوجوب الجماعة في المسجد يرون الواجب أمرين: - أداء الصلاة جماعة. - وأن يكون ذلك في المسجد. فسقوط أحد الواجبين بالعذر لا يستلزم سقوط الآخر، فإذا سقط عنه الذهاب إلى المسجد؛ لقيام العذر، بقي عليه واجب الجماعة، فكان يمكنه الصلاة جماعة في البيت، فدل قوله: (فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى) ظاهره جواز صلاته في بيته منفردًا؛ فلو كانت الجماعة واجبة لكانت صلاته في بيته منفردًا لا تجوز؛ ولبين له النبي ﷺ ذلك، ولقال لعتبان: لا يجوز لك أن تصلي في مصلاك هذا حتى يجتمع معك فيه غيرك؛ لأنه ما من صاحب بيت إلا وله فيه أهل يمكن

стр. 8179

معهم إقامة الجماعة، وأقل الجماعة اثنان، فكان في حديث عتبان دليل على أن الجماعة ليست واجبة بصرف النظر عن سبب الإذن له بالتخلف عن المسجد، وإذا لم تجب الجماعة لم يجب السعي إلى المسجد؛ لأن الخلاف في وجوب الجماعة أقوى من الخلاف في وجوب المسجد عند الفقهاء، وسوف يأتي من فعل أنس ﵁ أنه كان يصلي الفرض وحده في البيت حرصًا على أول الوقت، ويدع الصلاة خلف عمر بن عبد العزيز في المدينة، فلو كانت الجماعة واجبة لنظر أنس من أهل بيته من يصلي معه وكان أكثر الصحابة أولادًا، والله أعلم. ومثله حديث ابن عمر المتفق عليه: (صلوا في رحالكم في الليلة الباردة أو المطيرة) فأطلق الأمر بالصلاة في الرحال، فلو كانت الجماعة واجبة لوجبت في البيوت، ولبين النبي ﷺ لهم ذلك. وهذه الطريقة من الاستدلال تغنيك عن محاولة الجمع بين قصة عتبان وقصة ابن أم مكتوم، وافتراض التعارض بينهما، ودعوى الترجيح أو النسخ، أو محاولة الجمع بينهما في أحد وجوه الجمع المذكورة. ومما ذكره العلماء في دفع التعارض المتوهم: الطريقة الأولى: طريقة الترجيح. من سلك مسلك الترجيح بين القصتين فستكون الكفة لصالح قصة عتبان بن مالك؛ لأن حديثه لم يقدح أحد من أهل العلم بصحته، وهو مخرج في الصحيحين، وأما حديث أبي هريرة في قصة ابن أم مكتوم، فالسند غريب، وهناك من ضعف الحديث، وهناك من نقل الإجماع على أن العمل على خلاف ظاهره؛ لسقوط الجماعة بالعذر، وهناك من تأوله بتأويلات مختلفة، وقد تعرضت لكل ذلك عند الاحتجاج بالحديث، والله أعلم. الطريقة الثانية: دعوى النسخ. ذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث أبي هريرة في قصة ابن مكتوم منسوخ بحديث عتبان بن مالك، وأن صلاة الجماعة في المسجد كانت واجبة في أول الإسلام ثم نسخ،

стр. 8180

حكاه القاضي عياض، وقواه ابن حجر (١). وقال ابن رجب: «ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان؛ فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد» (٢). • فاعترض عليه: بأن من شرط النسخ العلم بالتاريخ، ومع الجهل بالتاريخ فليس أحدهما بأولى أن يكون هو الناسخ من الآخر. بل لو قيل حديث عتبان دال على جواز التخلف، وهو جارٍ على استصحاب البراءة الأصلية، بخلاف حديث ابن أم مكتوم فهو شاغل للذمة، والقاعدة الأصولية: أن الناقل مقدم عند الجمهور على ما كان مقررًا لحكم الأصل؛ لأنه يفيد حكمًا شرعيًّا ليس موجودًا في الآخر، والله أعلم. • ورد هذا: بأن الدليل على تأخر قصة عتبان عن قصة ابن أم مكتوم؛ قيام الإجماع على أن العذر مسقط لصلاة الجماعة، والإجماع لا يقبل النسخ. وبأن حديث يزيد بن الأسود في جواز الصلاة في الرحل قد وقع في حجة الوداع، وهذه قرينة تدل على أن نسخ وجوب الجماعة كان آخر الأمرين. واستدلوا أيضًا بما قيل: إن التحريق بالنار كان جائزًا قبل ذلك ثم نسخ (٣). • واعترض على هذه الطريقة: بأن من شرط القول بالنسخ تعذر الجمع، والجمع غير متعذر. الطريقة الثالثة: محاولة الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع. الوجه الأول: البحث في وجود فرق بين عذر ابن أم مكتوم وبين عذر عتبان بن مالك، من

стр. 8181

ذلك: أن عذر ابن أم مكتوم هو العمى، والعمى ليس عذرًا يبيح التخلف عن الجمعة والجماعة إن قَدَرَ الأعمى بنفسه على إتيان الجمعة والجماعة، أو كان لا يقدر بنفسه، وكان له قائد، فإن الأعمى مع القائد كالبصير (١). بينما عذر عتبان بن مالك الظلمة والمطر، وحيلولة السيول بينه وبين المسجد، وهذا عذر عند جمهور العلماء (٢). (ح-٢٨٣٠) فقد رواه البخاري من طريق عقيل، ومسلم من طريق يونس بن يزيد، كلاهما عن ابن شهاب، وفيه: (قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، لم أستطع أن آتي مسجدهم، فأصلي بهم) (٣). وفي رواية معمر عند البخاري، عن ابن شهاب: (إني أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي). والواجبات كلها تسقط بالعجز بالإجماع. (ح-٢٨٣١) ورواه البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب به، (كنت أصلي لقومي ببني سالم، وكان يحول بيني وبينهم وادٍ إذا جاءت الأمطار،

стр. 8182

فيشق عليَّ اجتيازه قِبَل مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ ، فقلت له: إني أنكرت بصري وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار، فيشق عليَّ اجتيازه … ). وهنا أثبت القدرة على الذهاب لكن مع المشقة، والمشقة هنا ليست العمى بل بسبب المطر والسيل. • ويناقش من وجوه: الوجه الأول: عذر ابن أم مكتوم ليس العمى وحده، ففي حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، أنه ضرير، ولا قائد له. وفي مرسل عبد الله بن شداد زيادة: (وبينه وبين المسجد نخل وشجر). وفي مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى: (ويخشى على حياته من السباع والهوام). فإن كان الحجة في الموصول دون المرسل فعذره العمى، ولا قائد له، وهو عذر عند الأئمة الأربعة إلا أن يهتدي بنفسه للوصول إلى الجامع، ففيه خلاف. ولو كان ابن أم مكتوم ممن يهتدي للمسجد بنفسه لم يعتذر بأنه ليس له قائد يلائمه، ثم إن النبي ﷺ علق الوجوب بسماع النداء، وليس بذكاء الأعمى وحذقه. وإن احتججنا بالمرسل: فيشق عليه الذهاب إلى المسجد؛ لوجود حائل من الشجر والنخل، ولكونه خائفًا على حياته من السباع والهوام، وهو عذر بالإجماع. فلا يصح دعوى أن عذر ابن أم مكتوم هو العمى وحده. قال ابن رجب: «من الناس: من جمع بينهما بأن عِتبان ذكر أن السيول تحول بينه وبين مسجد قومه، وهذا عذر واضح؛ لأنه يتعذر معه الوصول إلى المسجد، وابن أم مكتوم لم يذكر مثل ذلك. وإنما ذكر مشقة المشي عليه. قال ابن رجب: وفي هذا ضعف؛ فإن السيول لا تدوم، وقد رخص له في الصلاة في بيته بكل حال، ولم يخصه بحالة وجود السيل، وابن أم مكتوم قد ذكر أن المدينة كثيرة الهوام والسباع، وذلك يقوم مقام السيل المخوف» (١). ولا يظهر لي صواب كلام ابن رجب، فالظاهر أن عتبان طلب رخصة عارضة

стр. 8183

وقت السيل، والسيل لا يدوم، بخلاف ابن أم مكتوم فهو طلب رخصة دائمة، وليست عارضة؛ لأن ما ذكره عتبان من تغير بصره، ووجود الظلمة والمطر والسيل، كل هذه الثلاثة مجتمعة علة في الإذن له بالتخلف، ولا يكون بعضها علة حتى تجتمع في حقه الثلاثة الأعذار، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وقد جاء في النصوص ما يؤكد أنه كان يصلي بقومه بعد وفاة النبي ﷺ . فقد جاء في رواية في الصحيحين، قال محمود بن الربيع: فحدثت بهذا الحديث نفرًا فيهم أبو أيوب الأنصاري، فقال: «ما أظن رسول الله ﷺ قال ما قلت! قال: فحلفت إن رجعت إلى عتبان أن أسأله! قال: فرجعت إليه فوجدته شيخًا كبيرًا قد ذهب بصره، وهو إمام قومه، فجلست إلى جنبه فسألته عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثنيه أول مرة» (١). هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: (فإذا عتبان شيخ أعمى يصلي لقومه … ) وذكر مثله. فدل على أن عتبان كان يصلي بقومه حتى بعد وفاة النبي ﷺ بما يدل على أنه لم يسأل التخلف عن الجماعة دائمًا، وإنما سأله التخلف وقت العذر، وفرق بين العذر العارض والعذر الدائم. الوجه الثاني: ذهب بعض أهل العلم إلى أن وجه الفرق أن ابن أم مكتوم كان يسمع التأذين دون الآخر (٢). • ورد هذا: بأن النبي ﷺ لم يسأل عتبان أتسمع النداء؟ فلم يكن الإذن له مرتبًا على عدم السماع، فافتراض ذلك في قصة عتبان لا يساعد عليه النص؛ ولأن عذر المطر والسيل لا يشترط فيه عدم سماع الأذان.

стр. 8184

الوجه الثالث: وقيل: الفرق أن عتبان لم يكن يصلي خلف النبي ﷺ فرخص له، بخلاف ابن أم مكتوم، ولا شك أن الصلاة خلف النبي ﷺ آكد من الصلاة خلف غيره، وإذا كانت الصلاة في مسجده أو في المسجد الحرام ليست كالصلاة في غيرهما، فما بالك بالصلاة خلفه ﵊، ولذلك بعض أهل العلم جعل وجوب الجماعة خاصًّا بالصلاة خلف النبي ﷺ ، واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ حين اشتكى، وجاءه بعض أصحابه يعودونه، فحضرت الصلاة صلوا خلفه، ولم يذهبوا للمسجد. الوجه الرابع: وبعضهم حمل قصة ابن أم مكتوم على صلاة الجمعة، لقوله: أتسمع النداء، بخلاف عتبان بن مالك، فإنه سأل التخلف عن الصلوات الخمس (١). وقد ناقشت هذا الافتراض، وبينت ضعفه، وأن صلاة الجمعة في المصر تجب على الجميع، ولو لم يسمع النداء، وحكي إجماعًا. الوجه الخامس: بعضهم حمل حديث عتبان على الجواز، وحديث ابن أم مكتوم على الاستحباب. وجه التفريق: أن ابن أم مكتوم سأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم. قال: فأجب. هذا اللفظ هو لفظ مسلم، وهو اللفظ الذي ورد به الحديث موصولًا. فالنبي ﷺ صرف قوله عن قاعدة الجواب، حيث سأله أن يرخص له، فقال: هل تسمع النداء؟ ولم يصرح له بعدم الرخصة، وكان من صريح القول أن يقول: ليس لك رخصة، أو ما أشبه ذلك، فعدل بالجواب عن وتيرة السؤال، بل قال: فأجب، فيحتمل أنه رخص له أولًا، ثم ندبه إلى الأفضل، فقال: الأفضل لك والأعظم لأجرك أن تجيب وتحضر، فأجب. ولقد اختار لابن أم مكتوم الاستحباب لكونه الأليق بحاله، فقد كان من فضلاء المهاجرين والسابقين الأولين، وكان لا يرغب يومئذ عن الصلاة خلف النبي ﷺ إلا

стр. 8185

مغموص عليه بالنفاق، والمدينة يومئذ كانت صغيرة، والبيوت حول المسجد، حتى كان البقيع خارج المدينة وأصبح اليوم ملاصقًا لساحات المسجد من جهته الشرقية. وأما رواية: لا أجد لك رخصة فقد جاءت من طريق عاصم، عن أبي رزين، عن ابن أم مكتوم، وهو إسناد منقطع، وقد اختلف فيه على عاصم، كما بينت ذلك في تخريج الحديث (١). قال ابن رجب: وفي إسناده اختلاف على عاصم: روي عنه، عن أبي رزين مرسلًا. ورواه أبو سنان سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي رزين، عن أبي هريرة. وأبو سنان، قال أحمد: ليس بالقوي (٢). الوجه السادس: قال ابن رجب: «يحتمل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي ﷺ من بيته مسجدًا يؤذن فيه، ويقيم، ويصلي بجماعة أهل داره ومن قرب منه، فتكون صلاته حينئذ في مسجد: إما مسجد جماعة، أو مسجد بيت يجمع فيه، وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفردًا، فلم يأذن له» (٣). وهذا خلاف الظاهر، فإن الظاهر أن التخلف كان وقت المطر والسيل، فإذا زال العذر رجع يصلي بقومه في مسجدهم، وظاهر حديث عتبان أنه أذن له أن يصلي في بيته، ولم يشترط عليه إقامة الجماعة في بيته، والله أعلم. وكل هذه الوجوه من الجمع بعضها ظاهر الضعف، وبعضها ضعيف، وبعضها أقوى من بعض، والمقطوع به أن النبي ﷺ أَذِنَ لعتبان بالتخلف عن المسجد، ولم يشترط عليه الصلاة جماعة في البيت، فلو كانت الجماعة واجبة لكان سقوط المسجد لا يلزم منه سقوط الجماعة في البيت، فلما لم يشترط عليه الجماعة في البيت دل على عدم وجوبها، وإذا لم تكن الجماعة واجبة لم يكن المسجد واجبًا من

стр. 8186

باب أولى؛ لأن الخلاف في وجوب الجماعة أقوى من الخلاف في وجوب صلاتها في المسجد، وسوف يأتي بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل. الدليل السابع: (ح-٢٨٣٢) روى مسلم من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر أبا ذر أن يصلي الصلاة لوقتها، وهو أمر مطلق، سواء صلاها وحده، أو صلاها جماعة، فإن أدركها مع هؤلاء الأمراء صلى معهم، وكانت له نافلة، كما كان يفعل ذلك أنس بن مالك ﵁. (ث-٧٣٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف قال: سمعت أبا أمامة بن سهل يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر. فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي معه (٢). (ث-٧٣٤) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد. فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: فصلوا العصر. فقمنا فصلينا … الحديث (٣). وإنما صلى أنس ﵁ في أول الوقت ولم ينتظر الصلاة جماعة في آخر الوقت عملًا بوصية رسول الله ﷺ لأبي ذر ﵁ حيث أمره أن يصلي الصلاة

стр. 8187

لوقتها إذا أخر الأمراء الصلاة. ولو كانت الجماعة واجبة لالتمس أنس ﵁ من يصلي معه من أهل بيته. ولو كانت الصلاة في المسجد واجبة لما أمر أنس ضيوفه بصلاة العصر في بيته في أول الوقت. ولا يجوز على عمر بن عبد العزيز على مكانته من العلم والفضل أن يصلي الصلاة خارج وقتها، وإنما أنكر عليه عروة ترك الوقت الفاضل الذي صلى فيه جبريل بالنبي ﷺ وهو الوقت الذي عليه الناس، هذا مفهوم الحديث، والمتوقع من عمر بن عبد العزيز رجوعه للسنة عند علمه بها. (ح-٢٨٣٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الليث، عن ابن شهاب، أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئًا، فقال له عروة: أما إن جبريل قد نزل فصلى أمام رسول الله ﷺ ، فقال عمر: اعلم ما تقول يا عروة، قال: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبا مسعود يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: نزل جبريل فأمني فصليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، ثم صليت معه، يحسب بأصابعه خمس صلوات (١). قال ابن رجب: «وقد كان عمر بن عبد العزيز -أحيانًا- قبل سماعه لهذا الحديث يؤخر الصلوات إلى آخر الوقت على ما جرت به عادة بني أمية» (٢). ففضل أنس الصلاة وحده في أول الوقت على الصلاة جماعة في آخره، واستحب لضيوفه ما استحبه لنفسه. وهذا الفعل من أنس ليس أثرًا خالصًا، بل هو تطبيق عملي لوصية النبي ﷺ لأبي ذر، أن يصلي الصلاة لوقتها، وظاهره، ولو كان منفردًا، والصلاة في أول الوقت مستحبة، فلو كانت الجماعة واجبة لما قدم المستحب على الواجب. فحديث أبي ذر ﵁ المرفوع، وعمل أنس الموافق له دليل صريح على أن الجماعة ليست واجبة، لا في البيت، ولا في المسجد، وهو معارض لحديث أبي هريرة من الهم بالتحريق، فيجب الجمع بينه وبين حديث أبي هريرة،

стр. 8188

وأما الأخذ بأحدهما وإهدار الآخر فليس بجيد. الدليل الثامن: (ح-٢٨٣٤) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سليمان الأسود، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، أن رجلًا جاء، وقد صلى النبي ﷺ ، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: قال الماوردي: «فلو كانت الجماعة واجبة لأنكر عليه تأخره، ولنهاه عن مثله، ولما أخبر أن الصلاة معه صدقة عليه» (٣). • ونوقش هذا: (ح-٢٨٣٥) بأن الإمام أحمد قد رواه في مسنده، قال: حدثنا علي بن عاصم، أخبرنا سليمان الناجي، أخبرنا أبو المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: صلى رسول الله ﷺ بأصحابه الظهر، قال: فدخل رجل من أصحابه، فقال له النبي ﷺ : ما حبسك يا فلان عن الصلاة؟ قال: فذكر شيئًا اعتل به، قال: فقام يصلي، فقال رسول الله ﷺ : ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي

стр. 8189

معه، قال: فقام رجل من القوم فصلى معه (١). • ورد على هذا: بأن قوله: (ما حبسك يا فلان عن الصلاة) تفرد به علي بن عاصم الواسطي، قال علي بن المديني: كان كثير الغلط (٢). اه الدليل التاسع: (ح-٢٨٣٦) روى البخاري من طريق وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء، ورواه مسلم (٣). ورواه مسلم من طريق ابن شهاب قال: حدثني أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: إذا قرب العشاء، وحضرت الصلاة، فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم (٤). وجه الاستدلال: فأمر النبي ﷺ عند تقديم الطعام أن يبدأ به، ولو فاتته الجماعة، ولم يشترط لتقديم الطعام على الصلاة غلبة الجوع، ولا الخوف على الطعام من الفساد لو أنه أخره إلى ما بعد الصلاة، ولا اشترط وجود جماعة أخرى يمكن من خلالها تدارك الواجب. ولو كان حضور الجماعة واجبًا عينيًّا لما أبيح الطعام إلا بمثل هذه الشروط، ومن اشترط ذلك من الفقهاء فقد قاله تفقهًا، ولم يأخذه من دلالة النصوص، فكان

стр. 8190

تقديم الطعام على الجماعة دليلًا ظاهرًا على عدم وجوب الجماعة. • وأجيب: بأن الشارع قدم الطعام على حضور الجماعة لمصلحة الصلاة، وذلك أنه لو صلى، وترك الطعام بعد تقديمه أثر ذلك إما على خشوعه في الصلاة أو على كمال خشوعه، فكانت مراعاة فضيلة في ذات العبادة أولى من مراعاة فضيلة تتعلق بمكانها. جاء في الإنصاف: «وفعلها -يعني الجماعة- مع كمال خشوعها بعد فوات الجماعة أولى من فعلها مع الجماعة بدون كمال خشوعها» (١). • ويناقش: أولًا: أن النصوص مطلقة، ولم تشترط لتقديم الطعام أن يكون تأخيره عن الصلاة مؤثرًا على الخشوع أو على كماله، والمطلق جارٍ على إطلاقه، ولا يقيد النصوص الشرعية إلا نص أو إجماع. ثانيًا: لو سلمنا هذا، فإن كمال الخشوع ليس واجبًا بالاتفاق، بل إن الخشوع نفسه -وليس كماله- في غير الجوارح في الصلاة ليس بواجب على الصحيح، وهو قول الأئمة الأربعة، وحكي إجماعًا. فتقديم الطعام على الجماعة دليل على أن الموازنة بين مستحبٍّ وآخر مستحب، وليس بين واجبٍ ومستحب، فقدم المستحب المتعلق بذات العبادة على مستحب متعلق بمكانها، فلو كانت الجماعة في المسجد واجبة وزاحم هذا الواجب فعلًا مسنونًا قدم الواجب إلا أن يكون هناك ضرر يلحق بالمصلي؛ لأن الضرر مدفوع، فقواعد الشريعة قائمة على تقديم الأهم على المهم، والواجب على المستحب، والفرض على الواجب، وتفويت أدنى المصلحتين لتحقيق أعلاهما، وارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أكبرهما، فلو فوَّت المصلي كمال الخشوع متعمدًا لم يأثم، ولو تعمد ترك الجماعة على القول بالوجوب أثم.

стр. 8191

الدليل العاشر: أن الرجل لو صلى وحده قبل صلاة إمامه صحت منه، ولم يطلب منه الإعادة. جاء في الشرح الكبير: «لا نعلم أحدًا قال بوجوب الإعادة على من صلَّى وحده» (١). ولو كانت الجماعة واجبة للصلاة لوجب عليه استدراك الواجب ما لم يفت؛ فإذا لم يجب عليه استدراك الجماعة مع إمكان ذلك دلَّ ذلك على عدم وجوبها، ولهذا لما كانت الجمعة واجبة لم تصح الظهر قبل فوات الجمعة، ولو صلاها ظهرًا وجب عليه استدراك الجمعة. وقد استدل الشافعي بهذا على عدم وجوب الجماعة وجوبًا عينيًّا. قال في الأم: « … وإن تخلف أحد صلاها منفردًا لم يكن عليه إعادتها، صلاها قبل صلاة الإمام، أو بعدها، إلا صلاة الجمعة، فإن على من صلاها ظهرًا قبل صلاة الإمام إعادتها؛ لأن إتيانها فرض عين، والله تعالى أعلم» (٢). • ويناقش: بأن الجماعة واجبة للصلاة، وليست واجبًا فيها، فإذا فعل العبادة وترك ما يجب لها، ولو كان على وجه مختص لم يطلب منه الإعادة، كالأذان، والإقامة على القول بوجوبهما للصلاة، بخلاف الجماعة في الجمعة فإنها شرط، ولا يصح الظهر إلا بشرط فوات الجمعة، والجمعة لم تفت فلم توافق العبادة وقتها. ويعكر على هذه المناقشة أن المصافة واجبة للصلاة، وليست جزءًا من الماهية، ومع ذلك لو صلى وحده منفردًا خلف الصف مع القدرة على المصافة لم تصح صلاته عند الحنابلة، وهو ظاهر السنة، والله أعلم. الدليل الحادي عشر: (ح-٢٨٣٧) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله قال: حدثني نافع، عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال في غزوة خيبر: من أكل من

стр. 8192

هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يقربن مسجدنا (١). ولمسلم نحوه من حديث أبي هريرة (٢). (ح-٢٨٣٨) وروى البخاري مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا -أو ليعتزل مسجدنا-، وليقعد في بيته. وإنه أتي بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحًا، فسأل، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: قربوها إلى بعض أصحابه، فلما رآه كره أكلها. قال: كل فإني أناجي من لا تناجي (٣). فالشارع أباح أكل الثوم والبصل والكراث مطلقًا، فلو كان حضور الجماعة فرضًا لاشترط في أكله أن يميته طبخًا لتذهب رائحته، أو يكون ذلك حيث لا تجب الجماعة، إما لبعد المسجد، أو كان أكله في وقت تذهب رائحته قبل وجوب الجماعة، ولا يكفي القول بأن الرجل إذا أكل من هذه الشجرة حرم أجر الجماعة، فالبحث ليس في تفويت الفضل، فكل الفضائل إذا لم يفعلها الإنسان، وكان المانع من قبل المكلف، فقد حرم فضلها، وإنما الكلام في عدم الوقوع بالإثم، فإذا كان يأكل منها، ولا يأثم بتركه الجماعة دل على أن الجماعة ليست واجبة. قال ابن عبد البر: «وقد أباحت السنة لآكل الثوم التأخر عن شهود الجماعة، وقد بينا أن أكله مباح، فدل ذلك على ما وصفنا، وبالله عصمتنا. ألا ترى أن الجمعة إذا نودي لها، حرم على المسلمين من أهل الحضر كل ما يحبس عنها من بيع، وقعود، ورقاد، وصلاة، وكل ما يشتغل به المرء عنها؟ وكذلك من كان من أهل المصر حاضرًا فيه، لا عذر له في التخلف عن الجمعة؛ أنه لا يحل له أن يدخل على نفسه ما يحبسه عنها، فلو كانت الجماعة فرضًا، لكان أكل الثوم في حين وقت الصلاة حرامًا، وقد ثبتت إباحته، فدل ذلك على أن حضور الجماعة

стр. 8193

ليس بفرض، والله أعلم» (١). وقال ابن دقيق العيد: «الحديث صريح في التخلف عن الجماعة في المساجد بسبب أكل هذه الأمور. واللازم عن ذلك أحد أمرين: إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحًا، وصلاة الجماعة غير واجبة على الأعيان. أو تكون الجماعة واجبة على الأعيان، ويمتنع أكل هذه الأشياء إذا آذت، إن حملنا النهي عن القربان على التحريم، وجمهور الأمة على إباحة أكلها؛ لقوله ﵇: (ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكني أكرهه). ولأنه علل بشيء يختص به. وهو قوله ﵇: (فإني أناجي من لا تناجي). ويلزم من هذا: أن لا تكون الجماعة في المسجد واجبة على الأعيان. وتقريره: أن يقال: أكل هذه الأمور جائز بما ذكرناه، ومن لوازمه: ترك صلاة الجماعة في حق آكلها للحديث. ولازم الجائز جائز. فترك الجماعة في حق آكلها جائز. وذلك ينافي الوجوب عليه. ونقل عن أهل الظاهر أو بعضهم: تحريم أكل الثوم، بناء على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان» (٢). وقال أبو بكر بن العربي: «فإن قيل: لا يمتنع أن يسقط المباحُ الفرضَ، كالسفر يسقط الصوم، وشطر الصلاة. قلنا: السفر لم يسقط الصوم ولا الصلاة، وإنما نقلها إلى بدل، بخلاف أكل الثوم فإنه يسقط الجماعة رأسًا، فدل على أنها ليست بفرض» (٣). الدليل الثاني عشر: من الآثار. سبق لنا أن ذكرنا جملة من الآثار، عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وكعب بن مالك، وسبق لنا أثر أنس بن مالك وتقديمه الصلاة وحده في أول الوقت على الصلاة جماعة في آخر الوقت، وغيرهم، ولا مانع من إعادة بعضها للتذكير. (ث-٧٣٥) من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير عن عبيد اللَّه،

стр. 8194

عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا صلى الرجل في بيته، ثم أدرك جماعة صلى معهم إلا المغرب والفجر (١). [وسنده صحيح]. (ث-٧٣٦) وروى مالك في الموطأ، عن نافع، أن رجلا سأل عبد الله بن عمر فقال: إني أصلي في بيتي، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم. فقال الرجل: أيتهما أجعل صلاتي؟ فقال له ابن عمر: أو ذلك إليك؟! إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء (٢). [وسنده في غاية الصحة]. فهذا ابن عمر ﵁ وحسبك به حرصًا على اتباع السنة، وتمسكًا بها، حتى قال لرجل من أهل اليمن أراد أن يترخص بترك تقبيل الجحر، فقال له: أرأيت إن زحمت، فقال له ابن عمر: اترك أرأيت في اليمن، رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله، رواه البخاري (٣). وكان ﵁ يعترض براحلته في كل طريق مر بها رسول الله ﷺ فيقال له في ذلك فيقول: أتحرى أن تقع أخفاف راحلتي على بعض أخفاف راحلة رسول الله ﷺ (٤). أتكون صلاة الجماعة لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ثم يصلي ابن عمر في بيته، ولا ينكر على رجل سأله أنه يصلي في بيته، فيقره على ذلك. وقال الحافظ في الفتح: روى سعيد بن منصور بإسناد حسن، عن أوس المعافري أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلى في بيته؟ قال: حسن جميل. قال: فإن صلى في مسجد عشيرته؟ قال:

стр. 8195

خمس عشرة صلاة. قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة، فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون (١). وقال الحافظ: «وأخرج حميد بن زنجويه في كتاب الترغيب نحوه من حديث واثلة … وسنده ضعيف» (٢). وقال الحافظ ابن رجب: «وقد روي عن حذيفة وزيد بن ثابت ما يدل على الرخصة في الصلاة منفردًا مع القدرة على الجماعة» (٣). ورغم أني لم أقف على إسناد هذين الأثرين إلا أن الذي ساقهما هو ابن رجب، فهو من المحدثين من جهة، وممن يقول بوجوب صلاة الجماعة من جهة أخرى، فلو كان هناك ما يقدح في هذين الأثرين لنقله ابن رجب تقوية لحجته؛ ولمعارضتهما مذهب إمامه، وما ترجح لديه. ومنها ما رواه البخاري ومسلم في قصة توبة كعب بن مالك، وفيه: ( .... فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا .... ) (٤). وكون المسلمين لا يكلمونه ليس مسوغًا لترك الصلاة في الجماعة لو كان ذلك واجبًا عليه، ولم يستأذن النبي ﷺ في الصلاة في بيته حتى يقال: قد أسقط عنه الجماعة لعذر. فهذا أنس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وكعب بن مالك، صح عنهم الصلاة في البيت مع القدرة على الجماعة. وخالف هؤلاء الصحابة ابن عباس وأبو موسى وعلي بن أبي طالب إن صح عنه، وسبق أن ذكرت آثارهم في أدلة القائلين بالوجوب، وإذا اختلف الصحابة خرج هذا الأصل من الاستدلال، وطلب مرجح من خارج أقوالهم ﵃ أجمعين. • دليل من قال: الصلاة فرض كفاية: الدليل الأول: (ح-٢٨٣٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثني زائدة بن قدامة، حدثني
следующие страницы →