الدليل العاشر:
أن الرجل لو صلى وحده قبل صلاة إمامه صحت منه، ولم يطلب منه الإعادة.
جاء في الشرح الكبير: «لا نعلم أحدًا قال بوجوب الإعادة على من صلَّى وحده» (١).
ولو كانت الجماعة واجبة للصلاة لوجب عليه استدراك الواجب ما لم يفت؛ فإذا لم يجب عليه استدراك الجماعة مع إمكان ذلك دلَّ ذلك على عدم وجوبها، ولهذا لما كانت الجمعة واجبة لم تصح الظهر قبل فوات الجمعة، ولو صلاها ظهرًا وجب عليه استدراك الجمعة.
وقد استدل الشافعي بهذا على عدم وجوب الجماعة وجوبًا عينيًّا.
قال في الأم: « … وإن تخلف أحد صلاها منفردًا لم يكن عليه إعادتها، صلاها قبل صلاة الإمام، أو بعدها، إلا صلاة الجمعة، فإن على من صلاها ظهرًا قبل صلاة الإمام إعادتها؛ لأن إتيانها فرض عين، والله تعالى أعلم» (٢).
• ويناقش:
بأن الجماعة واجبة للصلاة، وليست واجبًا فيها، فإذا فعل العبادة وترك ما يجب لها، ولو كان على وجه مختص لم يطلب منه الإعادة، كالأذان، والإقامة على القول بوجوبهما للصلاة، بخلاف الجماعة في الجمعة فإنها شرط، ولا يصح الظهر إلا بشرط فوات الجمعة، والجمعة لم تفت فلم توافق العبادة وقتها.
ويعكر على هذه المناقشة أن المصافة واجبة للصلاة، وليست جزءًا من الماهية، ومع ذلك لو صلى وحده منفردًا خلف الصف مع القدرة على المصافة لم تصح صلاته عند الحنابلة، وهو ظاهر السنة، والله أعلم.
الدليل الحادي عشر:
(ح-٢٨٣٧) ما رواه البخاري من طريق عبيد الله قال: حدثني نافع،
عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال في غزوة خيبر: من أكل من
стр. 8192
هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يقربن مسجدنا (١).
ولمسلم نحوه من حديث أبي هريرة (٢).
(ح-٢٨٣٨) وروى البخاري مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا -أو ليعتزل مسجدنا-، وليقعد في بيته. وإنه أتي بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحًا، فسأل، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: قربوها إلى بعض أصحابه، فلما رآه كره أكلها. قال: كل فإني أناجي من لا تناجي (٣).
فالشارع أباح أكل الثوم والبصل والكراث مطلقًا، فلو كان حضور الجماعة فرضًا لاشترط في أكله أن يميته طبخًا لتذهب رائحته، أو يكون ذلك حيث لا تجب الجماعة، إما لبعد المسجد، أو كان أكله في وقت تذهب رائحته قبل وجوب الجماعة، ولا يكفي القول بأن الرجل إذا أكل من هذه الشجرة حرم أجر الجماعة، فالبحث ليس في تفويت الفضل، فكل الفضائل إذا لم يفعلها الإنسان، وكان المانع من قبل المكلف، فقد حرم فضلها، وإنما الكلام في عدم الوقوع بالإثم، فإذا كان يأكل منها، ولا يأثم بتركه الجماعة دل على أن الجماعة ليست واجبة.
قال ابن عبد البر: «وقد أباحت السنة لآكل الثوم التأخر عن شهود الجماعة، وقد بينا أن أكله مباح، فدل ذلك على ما وصفنا، وبالله عصمتنا. ألا ترى أن الجمعة إذا نودي لها، حرم على المسلمين من أهل الحضر كل ما يحبس عنها من بيع، وقعود، ورقاد، وصلاة، وكل ما يشتغل به المرء عنها؟ وكذلك من كان من أهل المصر حاضرًا فيه، لا عذر له في التخلف عن الجمعة؛ أنه لا يحل له أن يدخل على نفسه ما يحبسه عنها، فلو كانت الجماعة فرضًا، لكان أكل الثوم في حين وقت الصلاة حرامًا، وقد ثبتت إباحته، فدل ذلك على أن حضور الجماعة
стр. 8193
ليس بفرض، والله أعلم» (١).
وقال ابن دقيق العيد: «الحديث صريح في التخلف عن الجماعة في المساجد بسبب أكل هذه الأمور. واللازم عن ذلك أحد أمرين:
إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحًا، وصلاة الجماعة غير واجبة على الأعيان.
أو تكون الجماعة واجبة على الأعيان، ويمتنع أكل هذه الأشياء إذا آذت، إن حملنا النهي عن القربان على التحريم، وجمهور الأمة على إباحة أكلها؛ لقوله ﵇: (ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكني أكرهه).
ولأنه علل بشيء يختص به. وهو قوله ﵇: (فإني أناجي من لا تناجي).
ويلزم من هذا: أن لا تكون الجماعة في المسجد واجبة على الأعيان.
وتقريره: أن يقال: أكل هذه الأمور جائز بما ذكرناه، ومن لوازمه: ترك صلاة الجماعة في حق آكلها للحديث. ولازم الجائز جائز. فترك الجماعة في حق آكلها جائز. وذلك ينافي الوجوب عليه. ونقل عن أهل الظاهر أو بعضهم: تحريم أكل الثوم، بناء على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان» (٢).
وقال أبو بكر بن العربي: «فإن قيل: لا يمتنع أن يسقط المباحُ الفرضَ، كالسفر يسقط الصوم، وشطر الصلاة.
قلنا: السفر لم يسقط الصوم ولا الصلاة، وإنما نقلها إلى بدل، بخلاف أكل الثوم فإنه يسقط الجماعة رأسًا، فدل على أنها ليست بفرض» (٣).
الدليل الثاني عشر: من الآثار.
سبق لنا أن ذكرنا جملة من الآثار، عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وكعب بن مالك، وسبق لنا أثر أنس بن مالك وتقديمه الصلاة وحده في أول الوقت على الصلاة جماعة في آخر الوقت، وغيرهم، ولا مانع من إعادة بعضها للتذكير.
(ث-٧٣٥) من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير عن عبيد اللَّه،
стр. 8194
عن نافع،
عن ابن عمر قال: إذا صلى الرجل في بيته، ثم أدرك جماعة صلى معهم إلا المغرب والفجر (١).
[وسنده صحيح].
(ث-٧٣٦) وروى مالك في الموطأ، عن نافع،
أن رجلا سأل عبد الله بن عمر فقال: إني أصلي في بيتي، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم. فقال الرجل: أيتهما أجعل صلاتي؟ فقال له ابن عمر: أو ذلك إليك؟! إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء (٢).
[وسنده في غاية الصحة].
فهذا ابن عمر ﵁ وحسبك به حرصًا على اتباع السنة، وتمسكًا بها، حتى قال لرجل من أهل اليمن أراد أن يترخص بترك تقبيل الجحر، فقال له: أرأيت إن زحمت، فقال له ابن عمر: اترك أرأيت في اليمن، رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله، رواه البخاري (٣).
وكان ﵁ يعترض براحلته في كل طريق مر بها رسول الله ﷺ فيقال له في ذلك فيقول: أتحرى أن تقع أخفاف راحلتي على بعض أخفاف راحلة رسول الله ﷺ (٤).
أتكون صلاة الجماعة لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ثم يصلي ابن عمر في بيته، ولا ينكر على رجل سأله أنه يصلي في بيته، فيقره على ذلك.
وقال الحافظ في الفتح: روى سعيد بن منصور بإسناد حسن،
عن أوس المعافري أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلى في بيته؟ قال: حسن جميل. قال: فإن صلى في مسجد عشيرته؟ قال:
стр. 8195
خمس عشرة صلاة. قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة، فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون (١).
وقال الحافظ: «وأخرج حميد بن زنجويه في كتاب الترغيب نحوه من حديث واثلة … وسنده ضعيف» (٢).
وقال الحافظ ابن رجب: «وقد روي عن حذيفة وزيد بن ثابت ما يدل على الرخصة في الصلاة منفردًا مع القدرة على الجماعة» (٣).
ورغم أني لم أقف على إسناد هذين الأثرين إلا أن الذي ساقهما هو ابن رجب، فهو من المحدثين من جهة، وممن يقول بوجوب صلاة الجماعة من جهة أخرى، فلو كان هناك ما يقدح في هذين الأثرين لنقله ابن رجب تقوية لحجته؛ ولمعارضتهما مذهب إمامه، وما ترجح لديه.
ومنها ما رواه البخاري ومسلم في قصة توبة كعب بن مالك، وفيه: ( .... فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا .... ) (٤).
وكون المسلمين لا يكلمونه ليس مسوغًا لترك الصلاة في الجماعة لو كان ذلك واجبًا عليه، ولم يستأذن النبي ﷺ في الصلاة في بيته حتى يقال: قد أسقط عنه الجماعة لعذر.
فهذا أنس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وكعب بن مالك، صح عنهم الصلاة في البيت مع القدرة على الجماعة.
وخالف هؤلاء الصحابة ابن عباس وأبو موسى وعلي بن أبي طالب إن صح عنه، وسبق أن ذكرت آثارهم في أدلة القائلين بالوجوب، وإذا اختلف الصحابة خرج هذا الأصل من الاستدلال، وطلب مرجح من خارج أقوالهم ﵃ أجمعين.
• دليل من قال: الصلاة فرض كفاية:
الدليل الأول:
(ح-٢٨٣٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثني زائدة بن قدامة، حدثني
стр. 8196
السائب بن حبيش الكلاعي، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال:
قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟ قال: قلت: في قرية دون حمص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من ثلاثة في قرية، لا يؤذن، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية (١).
[انفرد به السائب بن حبيش الكلاعي، لم يرو عنه غير زائدة ففيه جهالة] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (إلا استحوذ عليهم الشيطان) دليل على أن إقامة الجماعة فرض.
وقوله: (لا تقام فيهم الصلاة) ولم يقل: (لا يقيمون الصلاة)، دليل على أن إقامة الصلاة فرض كفاية.
وقوله ﷺ : (ما من ثلاثة … ) وأقل الجماعة اثنان، فذكر الثلاثة في حكم إقامة فرض الكفاية.
وظاهر قوله: (لا تقام فيهم الصلاة) أن ذلك يتحقق، ولو أقيمت في غير المسجد، فإن قيل: رواية (لا يؤذن) فيه إشارة إلى المسجد.
стр. 8202
فالجواب: ليس ذلك بلازم؛ لأن الأذان إعلام بدخول الوقت لمن يصلي من النساء وغيرهم ممن لا يدعى لصلاة الجماعة، ولأن الأذان يشرع للصلاة حتى للمنفرد والمسافر ولو كان لا يرجو أحدًا يصلي معه، وللجماعة المجتمعة في الصحراء ممن لا ينتظرون أحدًا.
ولأن الحديث إذا لم يدل على أن الأذان فرض عين لم يدل الحديث نفسه على أن الجماعة فرض عين، وهي ليست من دلالة الاقتران كما توهم البعض، بل من دلالة النص، فالسياق واحد، ودلالته في الموضعين واحد، فما أفاده النص في إحدى جملتيه أفاده في الجملة الأخرى.
ولأن قوله: (عليك بالجماعة) ظاهره النهي عن السكنى في البادية، وطلب السكنى في المدن محل سكنى جماعة المسلمين، ولا يلزم من ذلك وجوب الجماعة، بل دليل على فضلها والحرص عليها.
وإذا لم يصح حديث أبي الدرداء فلا حاجة إلى الجواب عن دلالته.
الدليل الثاني:
كل دليل استدل به على جواز الصلاة منفردًا في بيته فهو دليل على أن الجماعة فرض كفاية؛ لأن صلاة المنفرد إنما صحت؛ لأن فرض الكفاية لم يعطل.
قال ابن عبد البر: «لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، فإذا قامت الجماعة في المسجد، فصلاة المنفرد في بيته جائزة» (١).
قال ابن رجب: «وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، وبذلك رجح قول من قال: إن الجماعة فرض كفاية» (٢).
وما زالت مساجد المسلمين عامرة حتى في الأماكن التي تدين بمذهب من يقول: إنها سنة.
стр. 8203
• ورد هذا القول:
بأن الصلاة كانت تقام على عهد النبي ﷺ في مسجده، فكان فرض الكفاية قائمًا بفعل رسول الله ﷺ ومن معه ومع ذلك قال في المتخلفين عن الجماعة ما قال، وهم بتحريقهم كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، ولم يصدر مثل ذلك فيمن تخلف عن صلاة الجنازة، وهي فرض كفاية.
• دليل من قال: الجماعة شرط لصحة الصلاة:
الدليل الأول:
(ح-٢٨٤٠) ما رواه ابن ماجه، من طريق هشيم، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له، إلا من عذر (١).
[المحفوظ وقفه على ابن عباس] (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٢٨٤١) ما رواه البزار من طريق قيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن أبي بردة،
عن أبي موسى، رفعه إلى النبي ﷺ قال: من سمع النداء فلم يجب، فلا صلاة
стр. 8204
له، أحسبه قال: إلا من عذر.
قال البزار: «هذا الحديث قد رواه غير واحد عن أبي حصين، عن أبي بردة، عن أبي موسى موقوفًا».
[اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أصح] (١).
الدليل الثالث:
(ح-٢٨٤٢) ما رواه الدارقطني من طريق سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.
[ضعيف] (٢).
стр. 8205
الدليل الرابع:
(ث-٧٣٧) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا، منصور، عن الحسن،
عن علي أنه قال: من سمع النداء فلم يأته لم تجاوز صلاته رأسه إلا بالعذر.
[منقطع، الحسن البصري، لم يسمع من علي، وقد تابعه مجهول ومتهم] (١).
الدليل الخامس:
(ث-٧٣٨) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سليمان بن المغيرة قال: حدثنا أبو موسى الهلالي، عن أبيه،
عن ابن مسعود قال: من سمع المنادي ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له.
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث والآثار:
قوله: (فلا صلاة له)، فالأصل في النفي أن يتوجه إلى الصحة، وكل ما توقفت صحة العبادة عليه من قول أو فعل، فإن كان جزءًا من العبادة فهو ركن فيها، وإن كان واجبًا للعبادة فهو شرط فيها.
وبتعبير آخر: ما انتفت الصحة بانتفائه، ولم يكن جزءًا من العبادة فوجوده شرط في صحتها، وقد رتب على الشرطية سماع النداء فمن كان يمكنه سماع النداء بلا مكبر، كما كان الحال وقت توجيه الخطاب، فإنه يجب عليه الإجابة.
• ونوقش هذا بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
أن هذه الأحاديث والآثار المرفوعة ضعيفة، لا حجة فيها.
الجواب الثاني:
أنها معارضة لما هو أصح منها، فقد ثبت في أحاديث كثيرة تدل على صحة صلاة
стр. 8206
الفذ، منها حديث أبي هريرة في الصحيحين وحديث ابن عمر فيهما في المفاضلة بين صلاة الفذ وصلاة الجماعة، وفي معناها حديث أبي موسى، وحديث أبي بن كعب، وغيرها من الأحاديث التي سقتها في أدلة القول الثاني، والله أعلم.
الجواب الثالث:
أن هذه الآثار لو صحت لم تدل على الشرطية؛ لأن النفي قد يراد به الوجود، وقد يراد به الصحة، وقد يراد به الكمال، فالصلاة قد توجد بلا جماعة، فانتفى الاحتمال الأول، وثبتت صحة صلاة الفذ بحديث أبي هريرة وابن عمر في المفاضلة بين صلاة الفذ والجماعة، فانتفى الاحتمال الثاني، فلم يبق إلا الاحتمال الثالث، وهو نفي الكمال، كما قال ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، والله أعلم.
الدليل السادس:
(ح-٢٨٤٣) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن حصين، عن هلال بن يساف، قال:
أراني زياد بن أبي الجعد شيخًا بالجزيرة يقال له: وابصة بن معبد، قال: فأقامني عليه، وقال: هذا حدثني أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا صلى في الصف وحده، فأمره فأعاد الصلاة. قال عبد الله بن أحمد: وكان أبي يقول بهذا الحديث (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
قال ابن القيم: «وجه الدلالة: أنه أبطل صلاة المنفرد عن الصف، وهو في جماعة، وأمره بإعادة صلاته، مع أنه لم ينفرد إلا في المكان خاصة، فصلاة المنفرد عن الجماعة والمكان أولى بالبطلان، يوضحه أن غاية هذا الفذ أن يكون منفردًا، ولو صحت صلاة المنفرد لما حكم رسول الله ﷺ بنفيها، وأمر من صلى كذلك أن يعيد صلاته» (١).
• وأجيب:
بأن السنة الثابتة قد دلت على صحة صلاة المنفرد، كما في حديث أبي هريرة وابن عمر في الصحيحين في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، ويلزم منه صحة صلاة المنفرد.
وأما بطلان صلاة المنفرد خلف الصف، فهي محل خلاف بين الجمهور والحنابلة، وعلى القول بالبطلان، فالسبب ليس لأن صلاة الجماعة شرط في الصحة؛ لأنه حين أمره النبي ﷺ بالإعادة، فأعاد صلاته، هل أعادها منفردًا أو في جماعة؟ فإن قلتم: أعادها منفردًا -وهو الظاهر- دل هذا على صحة صلاة المنفرد.
وإن قلتم: أعادها جماعة، فأين الدليل على هذا، وقد صلى القوم؟
وإنما يرجع البطلان على القول به لترك ما التزم به المصلي من الاقتداء مع الإمام؛ فإن الاقتداء بالإمام يلزم منه وجوب المصافة مع القدرة، فإذا صلى منفردًا
стр. 8212
فقد بطل اقتداؤه بإمامه، ولزم منه بطلان صلاته.
• ونوقش هذا:
بأن النبي ﷺ ربما أمره بالإعادة من باب الاستحباب، أو من باب العقوبة على ترك واجب مع القدرة عليه على القول بوجوبه؛ لأن الانفراد غايته أن يبطل اقتداؤه بالإمام، فلا يكون له أجر الجماعة، ولكن تصح صلاته، كما لو كان منفردًا، وكما لو نوى الانفراد مع الإمام، ولأن المسبوق يصلي آخر صلاته منفردًا، وتصح صلاته.
ولأن المصافة على القول بوجوبها هي واجبة للصلاة، وليست واجبة فيها، والواجب للصلاة لا يبطلها، كما لو ترك الأذان والإقامة، بخلاف ما لو ترك واجبًا فيها.
• ورد هذا:
بأن الأصل أن النبي ﷺ لم يأمره بالإعادة إلا وصلاته ليست صحيحة، فمن ادعى أن النبي ﷺ أمره بالإعادة مع صحة صلاته فعليه بالدليل، والله أعلم.
الدليل السابع:
قال ابن رجب: «يلزم من القول بوجوب الجماعة أن تكون شرطًا للصلاة، وأن لا تصح بدونها، كما قلتم في واجبات الصلاة كالتسبيح في الركوع والسجود، وأنه تبطل بتركه عمدًا؛ لكونه واجبًا.
ولأن القاعدة: أن ارتكاب النهي في العبادة إذا كان لمعنى مختص بها أنه يبطلها، كالصلاة منفردًا خلف الصف، والإخلال بستر العورة، والاستقبال، فكذلك الجماعة» (١).
• أجاب عنه ابن رجب:
«قد اعترف طائفة من أصحابنا بأن القياس يقتضي كون الجماعة شرطًا، لما ذكر، لكن الإمام أحمد أخذ بالنصوص كلها، وهي دالة على وجوب الجمع، وعلى أنها ليست شرطًا، فعلم بذلك أنه لا يرى أن كل ارتكاب نهي في العبادة يكون مبطلًا لها، وسواء كان لمعنى مختص بها كالجماعة، أو لمعنى غير مختص.
ولهذا؛ تبطل الصلاة بكشف العورة، وهو لمعنى غير مختص بالصلاة. وفي
стр. 8213
بطلانها في المكان المغصوب، والثوب المغصوب والحرير عنه روايتان. وقد يجب في العبادات ما لا تبطل بتركه، كواجبات الحج.
وما دلت عليه الأحاديث من القول بوجوب الجماعة في الصلوات المكتوبات، وأنها تصح بدونها دليل واضح على بطلان قول من قال: إن النهي يقتضي الفساد بكل حال، أو أن ذلك يختص بالعبادات، أو أنه يختص بما إذا كان النهي لمعنى يختص بالعبادة؛ فإن هذا كله غير مطرد. والله أعلم» (١).
وقد يقال: لا نسلم أن كل ما وجب للعبادة فهو شرط فيها، فالشرطية قدر زائد على الوجوب، والحكم بالشرطية لا بد له من دليل خاص، فالأذان والإقامة واجبان للجماعة على الصحيح، ووجوبهما لا يجعلهما من شروط العبادة، فلو صلى بلا أذان وإقامة صحت صلاته، ولا يطلب منه الإعادة.
والإحرام من الميقات واجب، ووجوبه لا يجعله شرطًا لصحة الإحرام، ولأن الأصل عدم الشرطية.
• الراجح:
تعودت في البحوث أن أذكر في ختام كل بحث الراجح من الخلاف، ولا يخفى أن المقصود به الراجح فيما ظهر للباحث، وقد لا يكون هو الراجح في حقيقة الأمر، ولهذا كانت المسألة خلافية بين كبار الأئمة، ومن الطبيعي أن تكون خلافية عند طلبة العلم من باب أولى، والذي أرجوه أن أكون قد ذكرت أدلة كل الأقوال ولم أبخس قولًا حقه من الأدلة، وأن أكون منصفًا في مناقشة الإيرادات والاعتراضات التي ترد على الدلالات. والصواب والخطأ في الترجيح ضرب لازم، لا ينفك عنه مجتهد، وإذا لم يعصم منه الأئمة فلن يعصم منه صغار طلبة العلم، وقد اجتهدت وسعي في جمع أدلة المسألة، والكلام على دلالتها، وبيان الصحيح من ذلك والضعيف، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فذلك من طبع البشر، فالله لم يكلف المجتهد إذا بذل وسعه إصابة الحق؛ لأن ذلك من التكليف بما لا يطاق، ومهما حاول الباحث إتقان البحث وتنقيحه إلا ويبقى فيه بعض الخلل
стр. 8214
والاعتراضات، مرده بشرية الباحث، واستيلاء النقص على الجنس البشري الضعيف، وتأكيد لمعجزة القرآن الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
وقد تبين لي من خلال البحث ما يأتي:
القول بأن الجماعة شرط لصحة الصلاة من أضعف الأقوال، وحديث أبي هريرة وابن عمر وأبي موسى وأبي بن كعب في المفاضلة بين صلاة الفذ وصلاة الجماعة تبطل هذا القول.
ومثله في الضعف من قال: الجماعة فرض كفاية؛ لأن فرض الكفاية كان قائمًا بفعل رسول الله ﷺ ومن معه، ومع ذلك فقد هم النبي ﷺ بالتحريق للمتخلفين.
بقي النظر في قول من قال: الجماعة فرض عين، ومن قال: إنها سنة مؤكدة.
فمن قال: الجماعة فرض عين، فدليله الأقوى حديث أبي هريرة في الصحيحين في الهم بتحريق المتخلف، وهذا لا نزاع في صحته، وكون التحريق همًّا وليس عزمًا، أو كونه ليس واجب النفاذ، أو ممتنعًا لذاته أو لغيره، كل ذلك لا يلغي دلالة الحديث على وجوب الجماعة، فالنبي ﷺ لم يكن ليقع منه هذا الهم لو كان المتوعد عليه جائز الترك، فالتوعد بالعقاب -ولو كان نفاذه ممتنعًا- دليل على الوجوب.
إلا أن الأئمة الأربعة كما بينت لك في البحث لم يأخذوا بدلالة حديث أبي هريرة على وجوب الجماعة في المسجد، واعترض على دلالته بعدة اعتراضات ناقشتها في البحث، منها القوي، ومنها المتوسط، ومنها الضعيف.
وأما حديث أبي هريرة في قصة ابن أبي مكتوم، فقد ظهر لي أنه معلٌّ سندًا ومتنًا، حتى قال الجوزجاني فيما نقله الحافظ ابن رجب عنه، وأقره: «إن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد من الفقهاء بظاهره».
ومن قال: الجماعة سنة مؤكدة، فله جمع من الأدلة غير مدفوعة، منها:
الأول والثاني: حديث: (إذا صلى أحدكم في رحله .... )، صحيح من حديث يزيد بن الأسود، وحسن من حديث محجن بن الأدرع.
والثالث والرابع والخامس: حديث أبي هريرة وأبي موسى وحديث أبي بن كعب في
стр. 8215
المفاضلة بين صلاة الفذ وصلاة الجماعة.
والسادس والسابع: حديث أبي ذر ﵁، حيث أمره النبي ﷺ إن أدرك الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها أن يصليها لوقتها، فإن أدركها معهم صلاها، وكانت له نافلة، وكان أنس يفعل ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز، حيث كان يصلي الصلاة أول الوقت وحده في بيته، والمسجد بجوار بيته، ويقدم ذلك على صلاته جماعة بعد وقتها المفضل.
الثامن والتاسع: حديث أنس وحديث عائشة وكلاهما في الصحيحين: لما تخلف النبي ﷺ عن صلاة الجماعة لسقوطه من فرسه، وجاء بعض أصحابه لعيادته، فأدركتهم الصلاة، صلوا معه، ولم يأمرهم بالصلاة جماعة في المسجد، وهذا وإن كانوا قد صلوا جماعة، لكن فيه معارضة لوجوبها في المسجد لحديث أبي هريرة من الهم بالتحريق.
العاشر: حديث عتبان بن مالك، وفيه: ( … يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى … ).
فلو كانت الجماعة واجبة لكان سقوط الذهاب إلى المسجد بالعذر لا يلزم منه سقوط الجماعة في البيت، فلما لم يشترط عليه الجماعة في البيت دل على عدم وجوبها.
فهذه عشرة أدلة أكثرها يدل على سنية صلاة الجماعة، وبعضها يدل على عدم وجوبها في المسجد.
فالإمام أحمد في رواية وبعض الحنفية رجحوا أن الجماعة فرض عين: وأجابوا عن الأدلة العشرة بأجوبة تمت مناقشتها، بعضها لا يُسَلَّم لقائله.
وذهب المالكية والشافعية وبعض الحنفية إلى ترجيح الأدلة العشرة لكثرتها، على خلاف بينهم في الجماعة، أهي سنة مؤكدة أم فرض كفاية، وحاولوا أن يدفعوا حديث أبي هريرة بما ذكرته في البحث.
ومن العلماء من حاول الجمع بينها:
فقيل: حديث أبي هريرة يدل على أن الجماعة فرض على الكفاية.
قال ابن عبد البر: «لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد
стр. 8216
كلها من الجماعات، فإذا قامت الجماعة في المسجد، فصلاة المنفرد في بيته جائزة».
ولأن الرسول ﷺ لم يقل ذلك في حق رجل أو رجلين تخلفا، بل قال ذلك في حق جماعة اعتادوا على ترك الجماعة، فالنبي ﷺ خشي من ترك الناس لها أن يؤول ذلك إلى تعطيل المساجد إذا فتح الباب في تركها، وتتابع الناس على التهاون بها، فيكون ذلك من باب سد الذرائع.
فإن قيل: إن ابن مسعود ﵁ قد أخبر عن الصحابة أنهم ما كانوا يتخلفون عنها حتى كان الرجل المريض يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، وما كان يتخلف عنها إلا رجل منافق معلوم النفاق.
فالجواب: أن هذا الفعل ليس على سبيل الوجوب، فالنبي ﷺ قد تخلف عن الجماعة حين مرض، ورأي ابن مسعود قد خالفه غيره من الصحابة كما جاء في البحث.
ومن الجمع، من قال: إن صلاة الجماعة كانت واجبة في أول الإسلام ثم نسخ الوجوب، وذلك أن المسلمين في أول الأمر كانوا قلة، وكانوا بحاجة إلى الاجتماع؛ ليقوِّي بعضهم بعضًا، فكانت الجماعة واجبة، كما كان قيام الليل في أول الإسلام واجبًا ثم نسخ.
ولأن حديث يزيد بن الأسود: (إذا صلى أحدكم في رحله .... )، وقع في حجة الوداع، وهذا دليل على تأخره.
ومن الجمع، قال: إن الجماعة واجبة خلف النبي ﷺ ، وذكرنا أدلتها في البحث، من حديث أنس وعائشة في الصحيحين.
إذا عرفت هذا من الخلاف أدركت كم هي المسألة شائكة، والخلاف قوي جدًّا، وأجد نفسي تميل شيئًا إلى القول بعدم وجوب صلاة الجماعة، لأمور منها:
الأمر الأول: كثرة الأدلة، والكثرة من المرجحات عند الفقهاء، فهناك عشرة أحاديث أكثرها في الصحيحين، أو في أحدهما تدل على سنية صلاة الجماعة مقابل حديث أبي هريرة، والذي لم يأخذ الأئمة الأربعة بدلالته على وجوب الجماعة في المسجد، وهي الرواية المشهورة من مذهب أحمد.
الأمر الثاني: أن هذه الأحاديث أكثرها دلالته نصية، وسالمة من الاعتراض،
стр. 8217
وما ورد عليها من الاعتراض فهو مدفوع.
الأمر الثالث: أن حديث الهم بالتحريق كان محل إشكال من حيث إن تارك الجماعة يعاقب بفوات الجماعة الأولى، والصلاة والجماعة لا تفوت بفوات الجماعة الأولى؛ لحديث أبي سعيد: (من يتصدق على هذا)، ولكون النبي ص هم أن أن يأمر بالصلاة فتقام، ثم يأمر رجلًا فيصلي بالناس، فيدع الجماعة الأولى بعد تعين الدخول فيها بإقامة الصلاة.
وقد اعترض عليه من وجوه كثيرة ذكرتها في البحث.
الأمر الرابع: أن الاختلاف في وجوب الجماعة يجعل المتيقن هو القول بالمشروعية، وهو إجماع، والتأثيم مختلف فيه، والأصل عدمه، خاصة عند تعارض الأدلة، إلا بدليل سالم من المعارضة، وأي معارضة أكثر من عشرة أدلة كلها تدل على جواز صلاة المنفرد، وأكثرها في الصحيح، والله أعلم.
هذا ما ظهر لي في حكم هذه المسألة، ولم يكتب هذا البحث ليكون دعوة للناس للتكاسل في ترك المساجد؛ لأن تعطيل المساجد بالإجماع لا يجوز، ولأن ذلك تهمة تنال حتى من الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور من مذهبه: أن الصلاة في المسجد سنة.
وللإمام رواية ثانية بالوجوب.
وإذا كان قول الإمام مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد لم يصدَّ الناس عن الصلاة في المسجد، أترى قول غيرهم يصد الناس عنه، فهذا الزعم من قبيل التوهم.
وهذا الهاجس عند بعض الصالحين ليس بلازم، وما زالت مساجد المسلمين عامرة بالجماعة حتى في تلك البلاد التي تتقلد مذهب المالكية والشافعية على مرَّ العصور، ولم تتعطل الجماعات بسبب ما عليه الفتوى في تلك البلاد، فالفضل الكبير للجماعة وما يترتب عليها من الفضائل، من تكفير السيئات، ورفعة الدرجات بالسعي إليها، واستغفار الملائكة، واجتماع الكلمة، وتأليف القلوب،
стр. 8218
وتعليم الجاهل، وتفقُّد المريض والمحتاج لا تجعل الناس يزهدون فيها بمجرد أنها ليست واجبة، وتعطيلها لا يجوز؛ لأن القيام بها شعيرة، وهو من فروض الكفايات.
وهذا الأجر العظيم للجماعة لا يحمل طالب العلم أن يقول بالوجوب من باب السياسية الشرعية؛ فإن الفضل في ركعتي الفجر قد قيل فيها: (خير من الدنيا وما فيها)، ولا يحمل ذلك من باب الترغيب فيها أن يقول بوجوبهما، وكل كتب أهل العلم تحكي الخلاف في حكم صلاة الجماعة بلا تحفظ، وهذا البحث ليس بدعًا من البحوث قديمها وحديثها. والسؤال يوم القيامة: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].
قال قتادة بن دعامة: «﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾، قال: هؤلاء أصحاب نبيِّ الله ﷺ ، لو أطاعهم نبيُّ الله ﷺ في كثير من الأمر لعَنِتوا، فأنتم -واللهِ- أسخف قلوبًا، وأطيش عقولًا، فاتّهَم رجلٌ رأيَه، وانتصح كتاب الله؛ فإنّ كتاب الله ثِقة لِمَنْ أخذ به وانتهى إليه، وإنّ ما سوى كتاب الله تغرير» (١). اه
وإذا كان هذا في حق أفضل البشر بعد الأنبياء، وأكملهم ديانة، وفقهًا، وورعًا، ورأيًا، وحرصًا، لو يطيعهم رسول الله ﷺ في كثير من اجتهادهم، ليس في مسألة أو مسألتين لعنتوا، والعنت المشقة والإثم، وإذا كان هذا في حق من حبب الله لهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، فما بالك ببعض صالحي عصرنا، لو أن طالب العلم نزل عند رغبتهم، والتمس موافقتهم في كل ما يكتب، لوقعنا فيما حذرت منه الآية: سنة الله، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]، فالله المستعان.
والأئمة القائلون بسنية صلاة الجماعة فيهم ربما من لا تفوته تكبيرة الافتتاح،
стр. 8219
ولكن للعلم أمانته، وليس القول بالجواز بأسهل على المفتي من القول بالوجوب، فالفتوى أمانة تَحمَّلها طالب العلم، لا يفتي بما يشتهيه هو، ولا بما يتمناه بعض الناس، والتقول في أحكام الله ليس بالأمر السهل، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥، ٤٦].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠].
والفتوى قد تحكمها السياسة الشرعية، ولكن البحث العلمي الموجه لطلبة العلم يجب ألا يحابي أحدًا، فمقام العلم يختلف عن مقام الوعظ، وخطاب العلم موجه للمنتهي من طلبة العلم، وليس للمبتدئ منهم فضلًا عن العوام، ولا نملك أن نزوِّر أقوال أهل العلم فلا نقول: إن صلاة الجماعة في المسجد ليست واجبة عند الأئمة الأربعة لمصلحة بعض الوعاظ، ولو طبقنا معيار هؤلاء لم نطبع المغني لابن قدامة؛ لأنه يقول في كتابه: «ويجوز فعلها في البيت … إلى أن قال: الأخبار الصحيحة دالة على أن الصلاة في غير المسجد صحيحة جائزة».
ولم نطبع المجموع للنووي ولا شرحه على صحيح مسلم.
يقول النووي في شرح مسلم: «والمختار: أنها فرض كفاية. وقيل سنة. وبسطت دلائل كل هذا واضحة في شرح المهذب» (١).
ولم نطبع فتح الباري لابن حجر؛ لأنه يذهب إلى أن حديث الهم بالتحريق منسوخ بالأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ (٢).
ولم نطبع التمهيد لابن عبد البر، ولا الاستذكار للسبب نفسه (٣).
ولو كان الخوف على الناس من أن يحملهم ذلك على ترك صلاة الجماعة مع ما فيها من الفضل العظيم لو كان مثل ذلك مانعًا من البوح بقول الأئمة الأربعة لمنع
стр. 8220
ذلك الإمام أحمد حين سئل، وهو في بيت إبراهيم الليثي، وقد سمعوا النداء، أين نصلي؟ فاختار الصلاة في بيت إبراهيم الليثي، وقد صلى معه جماعة كثيرة من أهل القدوة من علماء ومحدثين وعلى رأسهم الإمام علي بن المديني، فهل يا ترى غاب عن نظر الإمام أحمد -وهو إمام في العلم والورع- وغاب عن نظر من كان معه من أهل العلم أنهم في موضع القدوة للناس من أهل عصرهم فمن بعدهم، فإذا لم يمنع مثل ذلك الإمام أحمد وابن المديني وهم موضع القدوة لم يمنع غيرهم.
ولا يسوغ لطالب العلم إذا أُشرِبَ قولًا أن يجحد غيره من الأقوال وأدلة المخالفين، فإذا هوى القول، وكانت الكثرة في صالحه كانت أمارة على الصواب، ويعترض عليك بأن قولك مخالف لمذهب أكثر أهل العلم، وإذا اعترضت عليه بالكثرة في مسألة أخرى، قال لك: الكثرة ليست مظنة الإصابة محتجًّا عليك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
وإذا كان قول الصحابي لصالحه احتج به، وإذا لم يرجحه، قال لك: هل الصحابي نبي، وهل الصحابي معصوم.
وإذا هوى القول تمسك بأشباه الأدلة، وإذا لم يهواه لم يقنعه الدليل الظني، ويطالبك بأن يكون دليلك قطعيًّا متيقنًا، ويرد النص بأدنى تأويل.
وإذا اشتهى الدليل تخفف من الشروط، فيقنعه تصحيح ابن حبان وتوثيقه وتصحيح الحاكم، وربما قال لك: احتجَّ به أبو داود والترمذي، وإذا اعترضت عليه بأن الاحتجاج أوسع من التصحيح عند الأئمة، وهؤلاء لم يشترطوا الصحة.
قال لك: نعم لكن هذه قرائن لا يجوز إهمالها، وإذا لم يرض عن الدليل خطَّأ الإمام أحمد في التصحيح والتضعيف، وصدَّر أدلة المخالفين بالقول: الجواب عن شبهات القائلين بكذا وكذا.
وصدق الله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
وقال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤].
стр. 8221
ولا تطمع من الإنسان أن ينصف من نفسه، وهو لم ينصف ربه.
قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ [النحل: ٦٢].
قال الشعبي: «والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرة، وأخطأت واحدة، لأخذوا الواحدة وتركوا التسع والتسعين» (١).
стр. 8222
الفصل الثاني حكم الجماعة في المسجد
المدخل إلى المسألة:
• قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
• قال ابن تيمية: من اعتقد أن الصلاة في بيته أفضل من صلاة الجماعة في مساجد المسلمين فهو ضال مبتدع باتفاق المسلمين (١).
• فضل الشافعية الصلاة في البيت جماعة على الصلاة منفردًا في المسجد، وبنوا حكمهم على القاعدة المشهورة: الفضيلة المتعلقة بذات العبادة -وهي هنا كثرة الجماعة- أولى من الفضيلة المتعلقة بمكانها (٢).
• أوجب الحنابلة الصلاة في البيت جماعة على الصلاة منفردًا في المسجد؛ لأن الجماعة واجبة عندهم، وفعلها في المسجد سنة في أصح الروايتين، ولا يقدم المسنون على الواجب (٣).
стр. 8223
• قوله ﷺ : (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) متفق عليه، اسم الشرط عام في الرجال، فذًّا كان أو جماعة.
قال ﷺ : (حيثما أدركتك الصلاة فصل) متفق عليه، اسم شرط عام في المكان، فكل رجل أدركته الصلاة في أي مكان، ولو لم يكن مسجدًا، فله أن يصلي إلا ما استثني بدليل، كالمقبرة، والحمام، وأعطان الإبل.
• القول بوجوب الجماعة يخصص العموم الأول، والقول بوجوب المسجد يخصص العموم الثاني، والقول بهما يبطل فضيلة من فضائل النبي ﷺ ، وفضائله لا تقبل النسخ.
• قوله ﷺ : حيثما أدركتك الصلاة فَصَلِّ، قوله: (فصلِّ) أمر، وأقل ما يفيده الأمر الإباحة، ومن قال: لا تصل إلا في المسجد ففيه مخالفة صريحة لهذه الأحاديث المتفق على صحتها.
• قال ﷺ : جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، متفق عليه، فكل أرض جاز التيمم عليها جازت الصلاة فيها، ولم يخص موضعًا من غيره.
[م-٩٧٢] لا يمكن أن تبحث حكم الجماعة في المسجد إلا ويتداخل فيها حكم الجماعة، لهذا قد يتكرر ذكر بعض الأدلة والدلالات التي سبق لي ذكرها في حكم الجماعة، خاصة أن حديث أبي هريرة في الهم بالتحريق الدال على وجوب الجماعة في المسجد هو الحديث نفسه الذي استدل به الحنابلة على وجوب الجماعة، إذا علم ذلك، فقد اختلف أهل العلم في حكم الجماعة في المسجد:
فمن قال: الجماعة ليست واجبة بإطلاق فلا يرى وجوب فعلها في المسجد، كالمالكية والشافعية وكثير من الحنفية، ورواية عن أحمد، وسبق توثيق ذلك عنهم في المسألة السابقة.
ومن قال: الجماعة واجبة، فقد اختلفوا في وجوبها في المسجد:
قيل: لا يجب فعلها في المسجد، وهو قول الأئمة الأربعة على خلاف بينهم:
فقيل: فعلها في المسجد سنة، وهو الأصح في مذهب الحنفية، وبه قال
стр. 8224
المالكية، والشافعية، والرواية المشهورة في مذهب الحنابلة (١).
قال ابن أبي حاتم: «أخبرنا صالح بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، قال: حضرت عند إبراهيم بن أبي الليث، وحضر علي بن المديني وعباس العنبري، وجماعة كثيرة، فنودي بصلاة الظهر، فقال علي بن المديني: نخرج إلى المسجد، أو نصلي ههنا؟ فقال أحمد: نحن جماعة، نصلي ههنا، فصلوا.
قال ابن أبي حاتم: «رجوع الجماعة الذين حضروا إلى قول أحمد في ترك الخروج إلى المسجد وجمع الصلاة هناك من جلالة أحمد، وموقع
стр. 8225
كلامه عندهم» (١).
وفي كتاب الروايتين والوجهين قال صالح: «كنت مع أبي حين صلى، ولم
стр. 8226
يكن يخاف شيئًا» (١).
أراد بنفي الخوف أن صلاته في البيت بعد زمن الفتنة.
وقيل: فعلها في المسجد فرض كفاية، اختاره من الحنابلة مجد الدين، قال ابن مفلح في النكت على المحرر: «لم أجد أحدًا من الأصحاب قال بفرض الكفاية قبله، وكلامه في شرح الهداية يدل على أنه هو لم يجد أحدًا منهم قال به» (٢).
وقيل: تجب في المسجد، إذا كان قريبًا منه بحيث يسمع النداء، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية، وابن القيم، وبه قال الحلواني من الحنفية (٣).
وقيل: شرط، وهو قول عند الحنابلة، حكاه ابن مفلح بصيغة التمريض، ولم ينسبه رواية عن الإمام (٤).
وقال في النكت على المحرر: «ذكر الشيخ مجد الدين أنه إذا صلى في بيته صحت في ظاهر المذهب، قال: ويتخرج أن لا تصح بناء على أن الجماعة شرط؛ لأنه ارتكب النهي» (٥).
стр. 8227
فعلى هذا حكاية الشرطية تخريج، وليست رواية عن الإمام.
هذه هي أقوال المسألة، وأكثر أدلتها قد نوقشت في مسألة وجوب الجماعة؛ لأن أكثر الأدلة واحدة، والمسألتان كما قلت: متداخلتان، والله أعلم.
• دليل من قال: الجماعة في المسجد سنة:
الدليل الأول:
(ح-٢٨٤٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار قال: حدثنا يزيد، هو ابن صهيب الفقير، قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ (١).
(ح-٢٨٤٥) وروى البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثنا إبراهيم التيمي، عن أبيه،
عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: ثم المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون، ثم قال: حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ، والأرض لك مسجد (٢).
وفي رواية لمسلم: ثم حيثما أدركتك الصلاة فصله، فإنه مسجد (٣).
(ح-٢٨٤٦) ولمسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة: فُضّلتُ على الأنبياء بستٍّ … وذكر منها: وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا (٤).
(ح-٢٨٤٧) وروى مسلم أيضًا من طريقين عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي،
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا
стр. 8228
كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا … الحديث (١).
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث:
قوله ﷺ : (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) اسم الشرط عام في الرجال.
وقوله ﷺ : (حيثما أدركتك الصلاة فصل) اسم شرط عام في المكان، فكل رجل أدركته الصلاة فيه في أي مكان -ولو لم يكن مسجدًا- فله أن يصلي.
وقوله: (فصل) جواب الشرط، وقد تضمن الأمر بالصلاة، وأقل ما يفيده الأمر الإباحة، فالأرض كلها تباح الصلاة فيها إلا ما استثني كالمقبرة، والأرض النجسة، وأعطان الإبل.
كما يستفاد من هذه الأحاديث أن الله جعل الأرض كلها مسجدًا من جهة جواز الصلاة عليها، وجعلها طهورًا من جهة جواز التيمم بها، فكل أرض جاز التيمم عليها جازت الصلاة فيها، ولم يخص موضعًا من غيره، ومن أوجب الصلاة في المسجد فقد خصص هذا العام بلا مخصص.
وقد كانت الأمم السابقة لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم، فامتن الله على هذه الأمة بأن يصلوا حيث أدركتهم الصلاة، وعدَّها النبي ﷺ من فضائله، وفضائله لا يجوز عليها النسخ، وإيجاب الصلاة جماعة في المسجد إبطال لهذه الفضيلة التي فضل فيها نبينا على سائر الأنبياء، فكيف يقول نبينا ﷺ لأبي ذر: (حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ)، ثم يقال: لا تصلِّ إلا في المسجد، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٢٨٤٨) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود،
عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟
стр. 8229
قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه؛ فإنها له نافلة (١).
[صحيح] (٢).
• ودلالة الحديث من جهتين:
الجهة الأول: السنة التقريرية وذلك بتصحيح فعلهما.
الجهة الثانية: السنة القولية، وهو الإذن لهما في المستقبل بالصلاة في الرحل بقوله ﷺ : إذا صلى أحدكم في رحله .. إلخ. وهو يشمل المنفرد كما يشمل الجماعة.
وقوله: (إذا صلى)، اسم شرط من ألفاظ العموم، وهو عام في الوقت، يشمل السفر والحضر، ومن خصص هذا العام بالسفر فعليه الدليل، ولو كان هذا خاصًّا بالسفر لبينه النبي ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والأصل أن ما جاز في السفر جاز في الحضر إلا بدليل.
الدليل الثالث:
(ح-٢٨٤٩) روى مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني الديل يقال له: بسر بن محجن،
عن أبيه محجن، أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ ، فأُذِّنَ بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصلِّ معه. فقال له رسول الله ﷺ : ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟ فقال: بلى يا رسول الله. ولكني قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت (٣).
[حسن] (٤).
стр. 8230
الدليل الرابع:
(ح-٢٨٥٠) روى مسلم من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت،
عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أمر أبا ذر أن يصلي الصلاة لوقتها، وهو أمر مطلق، سواء صلاها وحده، أو صلاها جماعة، فإن أدركها مع هؤلاء الأمراء صلى معهم، وكانت له نافلة، كما كان يفعل ذلك أنس بن مالك ﵁.
(ح-٢٨٥١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف قال:
سمعت أبا أمامة بن سهل يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر. فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي معه (٢).
(ث-٧٣٩) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن،
أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد. فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: فصلوا العصر. فقمنا فصلينا … الحديث (٣).
وإنما صلى أنس ﵁ وحده في بيته أول الوقت ولم ينتظر الصلاة جماعة في المسجد آخر الوقت؛ عملًا بوصية رسول الله ﷺ لأبي ذر ﵁، حيث أمره أن يصلي الصلاة لوقتها، إذا أخر الأمراء الصلاة.
ولو كان فعلها في المسجد واجبًا لما صلى أنس في بيته، ولما أمر أنس ضيوفه بصلاة العصر في بيته أول الوقت، وكان يمكنهم الصلاة جماعة في المسجد آخر الوقت.