يكن يخاف شيئًا» (١).
أراد بنفي الخوف أن صلاته في البيت بعد زمن الفتنة.
وقيل: فعلها في المسجد فرض كفاية، اختاره من الحنابلة مجد الدين، قال ابن مفلح في النكت على المحرر: «لم أجد أحدًا من الأصحاب قال بفرض الكفاية قبله، وكلامه في شرح الهداية يدل على أنه هو لم يجد أحدًا منهم قال به» (٢).
وقيل: تجب في المسجد، إذا كان قريبًا منه بحيث يسمع النداء، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية، وابن القيم، وبه قال الحلواني من الحنفية (٣).
وقيل: شرط، وهو قول عند الحنابلة، حكاه ابن مفلح بصيغة التمريض، ولم ينسبه رواية عن الإمام (٤).
وقال في النكت على المحرر: «ذكر الشيخ مجد الدين أنه إذا صلى في بيته صحت في ظاهر المذهب، قال: ويتخرج أن لا تصح بناء على أن الجماعة شرط؛ لأنه ارتكب النهي» (٥).
стр. 8227
فعلى هذا حكاية الشرطية تخريج، وليست رواية عن الإمام.
هذه هي أقوال المسألة، وأكثر أدلتها قد نوقشت في مسألة وجوب الجماعة؛ لأن أكثر الأدلة واحدة، والمسألتان كما قلت: متداخلتان، والله أعلم.
• دليل من قال: الجماعة في المسجد سنة:
الدليل الأول:
(ح-٢٨٤٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار قال: حدثنا يزيد، هو ابن صهيب الفقير، قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ (١).
(ح-٢٨٤٥) وروى البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثنا إبراهيم التيمي، عن أبيه،
عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: ثم المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون، ثم قال: حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ، والأرض لك مسجد (٢).
وفي رواية لمسلم: ثم حيثما أدركتك الصلاة فصله، فإنه مسجد (٣).
(ح-٢٨٤٦) ولمسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة: فُضّلتُ على الأنبياء بستٍّ … وذكر منها: وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا (٤).
(ح-٢٨٤٧) وروى مسلم أيضًا من طريقين عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي،
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا
стр. 8228
كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا … الحديث (١).
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث:
قوله ﷺ : (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) اسم الشرط عام في الرجال.
وقوله ﷺ : (حيثما أدركتك الصلاة فصل) اسم شرط عام في المكان، فكل رجل أدركته الصلاة فيه في أي مكان -ولو لم يكن مسجدًا- فله أن يصلي.
وقوله: (فصل) جواب الشرط، وقد تضمن الأمر بالصلاة، وأقل ما يفيده الأمر الإباحة، فالأرض كلها تباح الصلاة فيها إلا ما استثني كالمقبرة، والأرض النجسة، وأعطان الإبل.
كما يستفاد من هذه الأحاديث أن الله جعل الأرض كلها مسجدًا من جهة جواز الصلاة عليها، وجعلها طهورًا من جهة جواز التيمم بها، فكل أرض جاز التيمم عليها جازت الصلاة فيها، ولم يخص موضعًا من غيره، ومن أوجب الصلاة في المسجد فقد خصص هذا العام بلا مخصص.
وقد كانت الأمم السابقة لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم، فامتن الله على هذه الأمة بأن يصلوا حيث أدركتهم الصلاة، وعدَّها النبي ﷺ من فضائله، وفضائله لا يجوز عليها النسخ، وإيجاب الصلاة جماعة في المسجد إبطال لهذه الفضيلة التي فضل فيها نبينا على سائر الأنبياء، فكيف يقول نبينا ﷺ لأبي ذر: (حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ)، ثم يقال: لا تصلِّ إلا في المسجد، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٢٨٤٨) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود،
عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟
стр. 8229
قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه؛ فإنها له نافلة (١).
[صحيح] (٢).
• ودلالة الحديث من جهتين:
الجهة الأول: السنة التقريرية وذلك بتصحيح فعلهما.
الجهة الثانية: السنة القولية، وهو الإذن لهما في المستقبل بالصلاة في الرحل بقوله ﷺ : إذا صلى أحدكم في رحله .. إلخ. وهو يشمل المنفرد كما يشمل الجماعة.
وقوله: (إذا صلى)، اسم شرط من ألفاظ العموم، وهو عام في الوقت، يشمل السفر والحضر، ومن خصص هذا العام بالسفر فعليه الدليل، ولو كان هذا خاصًّا بالسفر لبينه النبي ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والأصل أن ما جاز في السفر جاز في الحضر إلا بدليل.
الدليل الثالث:
(ح-٢٨٤٩) روى مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني الديل يقال له: بسر بن محجن،
عن أبيه محجن، أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ ، فأُذِّنَ بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصلِّ معه. فقال له رسول الله ﷺ : ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟ فقال: بلى يا رسول الله. ولكني قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : إذا جئت فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت (٣).
[حسن] (٤).
стр. 8230
الدليل الرابع:
(ح-٢٨٥٠) روى مسلم من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت،
عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ أمر أبا ذر أن يصلي الصلاة لوقتها، وهو أمر مطلق، سواء صلاها وحده، أو صلاها جماعة، فإن أدركها مع هؤلاء الأمراء صلى معهم، وكانت له نافلة، كما كان يفعل ذلك أنس بن مالك ﵁.
(ح-٢٨٥١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف قال:
سمعت أبا أمامة بن سهل يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر. فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي معه (٢).
(ث-٧٣٩) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن،
أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد. فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: فصلوا العصر. فقمنا فصلينا … الحديث (٣).
وإنما صلى أنس ﵁ وحده في بيته أول الوقت ولم ينتظر الصلاة جماعة في المسجد آخر الوقت؛ عملًا بوصية رسول الله ﷺ لأبي ذر ﵁، حيث أمره أن يصلي الصلاة لوقتها، إذا أخر الأمراء الصلاة.
ولو كان فعلها في المسجد واجبًا لما صلى أنس في بيته، ولما أمر أنس ضيوفه بصلاة العصر في بيته أول الوقت، وكان يمكنهم الصلاة جماعة في المسجد آخر الوقت.
стр. 8231
وهذا الفعل من أنس ليس أثرًا خالصًا، بل هو تطبيق عملي لوصية النبي ﷺ لأبي ذر، أن يصلي الصلاة لوقتها، وظاهره ولو كان منفردًا، والصلاة في أول الوقت مستحب، فقد صلى النبي ﷺ أول الوقت وآخره ثم قال: الوقت بين هذين كما في حديث أبي موسى وبريدة وكلاهما في مسلم (١)، فلو كانت الصلاة في المسجد واجبة لما قدم المستحب على الواجب.
الدليل الخامس:
(ح-٢٨٥٢) روى البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري قال:
سمعت أنس بن مالك يقول: سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا … وذكر الحديث (٢).
قوله: (فحضرت الصلاة) (أل) في الصلاة للعهد، أي حضرت الصلاة المعهودة، وهي صلاة الفريضة؛ لأن النفل إن كان مطلقًا فلا وقت له، فلا معنى لقوله: (حضرت الصلاة).
وإن كان معينًا فما كانوا يجتمعون له، والأصل في صلاة الجماعة أن تكون للمكتوبة إلا بدليل (٣).
(ح-٢٨٥٣) وروى البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاك،
стр. 8232
فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم: أن اجلسوا .... الحديث، واللفظ للبخاري (١).
استفدنا من هذه الرواية أن الصلاة كانت في البيت.
وجه الاستدلال:
أن هؤلاء الصحابة قد صلوا مع النبي ﷺ في بيته فريضة الصلاة، والعذر لا يتعدى غير المعذور، ولقد كان المسجد أقرب إلى أحدهم من بيته، فكانت صلاتهم خلف النبي ﷺ دالة على أن الجماعة في المسجد ليست واجبة.
• ونوقش:
لعل النبي ﷺ صلى في حجرة عائشة، وأتم به من حضر عنده، ومن كان في المسجد، بدليل أنه لم ينقل أنه استخلف أحدًا للصلاة في المسجد.
• ويرد على هذا:
بأن هذا الاحتمال بعيد؛ لأن عائشة لم تنقل أنه صلى بالناس، وإنما قالت: (صلى وراءه قوم قيامًا)، إشارة إلى قلتهم، فأشار إليهم أن اجلسوا، فالجماعة كانت محصورة بحجرة عائشة، ولوكان النبي ﷺ يصلي بعموم المسلمين لنقلت ذلك عائشة، ولاحتاج النبي ﷺ من يبلغ عنه التكبير لمن كان في المسجد، فهذا الاحتمال بعيد، وافتراضي، والأصل عدمه.
ولأن تخلف النبي ﷺ لم يكن لصلاة واحدة؛ لأن جنبه قد انسلخ بسبب السقطة فالبرء منه يحتاج أيامًا، فكونه لم ينقل الاستخلاف لا يلزم منه عدم النقل، ولو كان يصلي بالمسلمين وهو في غرفة عائشة طيلة مرضه لنقل ذلك أيضًا، فالظاهر أنه كان يصلي في بيته وحده حتى شفي، وكان المسلمون يصلون في المسجد، هذا هو الأصل، فمن أراد أن يدعي خلاف الأصل فعليه الدليل، والله أعلم.
• دليل من قال: تجب الصلاة في المسجد وجوبًا عينيًا أو كفاية:
الدليل الأول:
(ح-٢٨٥٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
стр. 8233
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدكم أنه يجد عَرْقًا سمينًا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء.
ورواه الإمام مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد به (١).
• وأجيب عنه بأحد ثلاثة أجوبة:
الجواب الأول:
أن هذا خاص بالصلاة خلفه، لحديث أنس وعائشة في الصحيحين: أن النبي ﷺ تخلف عن صلاة الجماعة لسقوطه من فرسه، فجاءه بعض أصحابه يعودونه، فحضرت الصلاة، فصلوا معه، ولم يأمرهم بالصلاة جماعة في المسجد.
الجواب الثاني: أن وجوب الجماعة في المسجد كان في صدر الإسلام ونسخ، بدليل حديث يزيد بن الأسود وكان في حجة الوداع، وحديث محجن بن الأدرع، وفي حديث يزيد بن الأسود: قول النبي ﷺ : إذا صلى أحدكم في رحله … إلخ فأقرهما على صلاتهما في رحلهما، وأذن لهما في الصلاة في الرحل في المستقبل، وحديث محجن بن الأدرع في معناه.
الجواب الثالث: أن هذا كان من باب الزجر والتغليظ، حتى لا يؤدي ترك المسجد إلى تعطيله من الجماعة، بدليل أن العقوبة كانت من قبيل الهم، ولا يعرف في الشرع عقوبة لتارك الجماعة، ولا يعتذر عن تنفيذ العقوبة بكونها من قبيل التعذيب بالنار؛ لأنه يمكن قتله بغيرها، ولم يُفْعَل، ولا كون البيوت فيها نساء وذرية؛ لأنه يمكن أخذ المتخلف بالعقاب وحده، ولم يُفْعَل، فحمل ذلك على أنه من باب الزجر والتغليظ، ومن واظب على ترك السنن المؤكدة استحق الزجر، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٢٨٥٥) ما رواه مسلم من طريق مروان الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم
стр. 8234
قال: حدثنا يزيد بن الأصم،
عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له. فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم. قال: فأجب (١).
[غريب من حديث أبي هريرة، لم يروه عن أبي هريرة إلا يزيد بن الأصم، ولا عنه إلا ابن أخيه عبيد الله] (٢).
• ونوقش هذا:
بأن الحديث معلٌّ سندًا ومتنًا، وقد بينت ذلك في المبحث السابق، فارجع إليه إن شئت.
الدليل الثالث:
(ث-٧٤٠) ما رواه مسلم من طريق الفضل بن دكين عن أبي العميس، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله؛ قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر، فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق، معلوم النفاق. ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (٣).
وفي رواية: فلو صليتم في بيوتكم، وتركتم مساجدكم، لتركتم سنة نبيكم … » الحديث (٤).
стр. 8235
وجه الاستدلال:
قول ابن مسعود: (ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم).
قول ابن مسعود: اشترط ابن مسعود ﵁ للقاء الله مسلمًا: المحافظة على الصلوات، وأن تكون المحافظة عليهن جماعة، وأن تكون الجماعة في المساجد لقوله: (حيث ينادى بهن).
ورتب على ترك ذلك الوقوع في الضلال، وكل فعل ترتب على تركه الوقوع في الضلال، ففعله واجب.
• وأجيب:
بأن هذا الأثر مخالف لحديث جابر وأبي ذر المتفق عليه، (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ)، (وحيثما أدركتك الصلاة فصَلِّ)، والموقوف لا يعارض المرفوع.
كما أن هذا الأثر مخالف لقول بعض الصحابة، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة.
وقد ذكرت هذا الدليل ضمن أدلة من قال بوجوب الجماعة في المسألة السابقة، وناقشت دلالته على الوجوب، فارجع إليه إن شئت.
الدليل الرابع:
(ث-٧٤١) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن مسعر، عن أبي حصين، عن أبي بردة،
عن أبي موسى قال: من سمع المنادي ثم لم يجبه من غير عذر فلا صلاة له.
[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا ولا يصح] (١).
стр. 8236
(ث-٧٤٢) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن عدي بن ثابت،
عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس قال: من سمع المنادي ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له.
[صحيح موقوفًا، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (١).
• ونوقشت هذه الآثار:
بأن هذه الآثار معارضة بآثار أخرى عن الصحابة، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة، وطلب مرجح من خارج أقوال الصحابة.
ومن هذه الآثار ما سبق عن أنس أنه كان يصلي في بيته أول الوقت ويؤثر ذلك على تأخير الصلاة في آخر الوقت جماعة في المسجد، فلو كان فعل الصلاة واجبًا في المسجد لما قدم تحصيل السنة على الواجب؛ لأن النبي ﷺ صلى أول الوقت وآخره، وقال: (الوقت بين هذين)، فالصلاة في آخر الوقت أداء، وسبق وذكرت هذا الدليل في أدلة القول الأول.
وثبت عن ابن عمر أنه كان يصلي أحيانًا في بيته، وأقر من سأله أنه صلى في البيت، ولم ينكر عليه.
(ث-٧٤٣) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير عن عبيد اللَّه، عن نافع،
عن ابن عمر قال: إذا صلى الرجل في بيته، ثم أدرك جماعة صلى معهم إلا المغرب والفجر (٢).
[وسنده صحيح].
(ث-٧٤٤) وروى مالك في الموطأ، عن نافع،
أن رجلًا سأل عبد الله بن عمر، فقال: إني أصلي في بيتي، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم. فقال الرجل: أيتهما أجعل
стр. 8237
صلاتي؟ فقال له ابن عمر: أو ذلك إليك؟ إنما ذلك إلى الله، يجعل أيتهما شاء (١).
[وسنده في غاية الصحة].
(ث-٧٤٥) ومنها ما رواه البخاري ومسلم في قصة توبة كعب بن مالك، وفيه: فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا .... (٢).
وكون المسلمين لا يكلمونه ليس مسوغًا لترك الصلاة في الجماعة لو كان ذلك واجبًا عليه، ولم يستأذن النبي ﷺ في الصلاة في بيته حتى يقال: قد أسقط عنه الجماعة لعذر.
• دليل من قال: فعلها في المسجد فرض كفاية:
استدل على ذلك المجد من الحنابلة: بأن الصلاة جماعة في المسجد من أكبر شعائر الدين، وقول ابن مسعود: لو صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم.
وقال ابن عبد البر: «وقد أوجبها جماعة من أهل العلم، فرضًا على الكفاية. وهو قول حسن صحيح؛ لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، فإذا قامت الجماعة في المسجد، فصلاة المنفرد في بيته جائزة» (٣).
قال ابن رجب: «وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، وبذلك رجح قول من قال: إن الجماعة فرض كفاية» (٤).
• دليل من قال: فعلها في المسجد شرط:
ذكرنا دليلهم في المسألة السابقة، فارجع إليه تكرمًا حتى لا نكرر الكلام، والله أعلم.
• الراجح:
إذا كنت قد رجحت أن صلاة الجماعة سنة، فمن المؤكد أن فعلها في المسجد
стр. 8238
سنة؛ لأن من قال: فعلها في المسجد واجب، فقد أوجب الجماعة، وليس العكس، فلا يلزم من القول بأن فعلها في المسجد سنة ألا تكون الجماعة واجبة، كما هو المعتمد في مذهب الحنابلة، والله أعلم.
стр. 8239
الفصل الثالث في تتبع المساجد طلبًا للجماعة
المدخل إلى المسألة:
•صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ، فإذا فاتت الرجل الجماعة في مسجد حَيِّه فله أن يطلب الجماعة في مسجد آخر طلبًا للأفضل.
• التضعيف في الحرمين أكثر من التضعيف المترتب على فضل الجماعة، وعليه فالانفراد فيهما أفضل من الجماعة في غيرهما.
• كان معاذ ﵁ يتجاوز مسجد قومه؛ ليصلي خلف النبي ﷺ طلبًا للأفضل، ثم ينقلب إلى مسجد قومه، فيؤم بهم الصلاة.
• إذا جاز لمعاذ، وقد صلى فرضه في مسجد النبي ﷺ أن يخرج إلى مسجد آخر ليصلي جماعة متنفلًا معهم، جاز لمن فاتته الجماعة في مسجد حيه أن يطلب مسجدًا آخر ليصلي معهم جماعة طلبًا للأفضل من باب أولى.
• سأل رجل رسول الله ﷺ ، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: (صَلِّ هاهنا)، فإذا جاز في النذر الانتقال من المفضول إلى الفاضل، فالصلاة قياس عليه.
• قال رسول الله ﷺ : (ألا رجل يتصدق على هذا)، فيصلي معه، فإذا جاز للرجل أن يتنفل نفلًا مطلقًا مع من فاتته صلاة الجماعة؛ ليحصل له أجر الجماعة، جاز لمن فاتته الصلاة أن يصلي مع من لم يصل فرضه؛ ليحصل له أجر الجماعة من باب أولى.
• إذا شرعت الجماعة للصلاة المقضية، فالحاضرة أولى بالجواز.
• الفضيلة المتعلقة بذات العبادة -وهي هنا كثرة الجماعة- أفضل من فضيلة تتعلق بمكانها.
стр. 8240
[م-٩٧٣] اختلف العلماء في طلب الجماعة في مسجد آخر إذا فاتته في مسجده، فإن كان في الحرم المكي أو المدني لم يخرج منهما إلى غيرهما، وزاد بعضهم: المسجد الأقصى، اختاره الجمهور، والمتولي من الشافعية، قال زكريا الأنصاري: وينازع فيه (١).
وأفتى الرملي بأن الانفراد في المسجد الحرام أفضل من الجماعة في مسجد المدينة، والانفراد في مسجد المدينة أفضل من الجماعة في الأقصى (٢).
وقيل: الجماعة بغير المسجد الحرام أفضل من الانفراد به؛ لإطلاق الأحاديث، ولأن الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أفضل من فضيلة تتعلق بمكانها، اختاره بعض الشافعية (٣).
وأما إذا فاتته الجماعة في غير المساجد الثلاثة:
فقيل: إذا فاتته الجماعة استحب له أن يطلب مسجدًا آخر يدرك معه الجماعة، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وحكى بعض العلماء الإجماع على أنه إذا فاتته جماعته لا يجب عليه أن يطلب الجماعة في مسجد آخر (٤).
стр. 8241
وقال القدوري: «إذا فاتته الجماعة جمع بأهله في منزله، وإن صلى وحده جاز» (١).
وظاهره أنه لا يطلب جماعة أخرى؛ لأنه لم يذكر له إلا طريقين: الجمع بأهله، أو الصلاة وحده.
وجاء في كتاب الروايتين والوجهين: قيل له: «إذا كان مسجده لا يصلي معه فيه الظهر والعصر أحد، ويصلي معه المغرب والعشاء والغداة، هل يصلي في مسجده؟ أم يصلي في مسجد آخر؟ قال: يصلي في مسجده» (٢).
وظاهر السؤال (هل يصلي في مسجده) متجه للصلوات الخمس، وظاهر
стр. 8242
الجواب أيضًا كذلك، فإن صح هذا الفهم، فيكون للإمام أحمد روايتان.
ويحتمل أن يكون السؤال متجهًا للصلاة في الأوقات الثلاثة، أيصلي في مسجده الثلاثة الأوقات أم يدع الصلاة فيه، ويصلي في المسجد التي تقام فيه الصلوات الخمس، والله أعلم.
وقيل: «تجب الجماعة للصلاة الفائتة إن أمكنه ذلك بلا مشقة، وبه قال ابن حزم» (١).
جاء في المحلى: «إن طمع بإدراك شيء من صلاة الجماعة في مسجد آخر، لا مشقة في قصده وجب عليه» (٢).
وروى الحسن عن أبي حنيفة في رجل جاء إلى مسجد، وقد صلي فيه، فسمع الإقامة في مسجد آخر، قال: إن دخل فيه فلا يخرج منه حتى يصلي هنا الصلاة التي صلاها (٣).
وقال السرخسي من الحنفية: «الأولى في زماننا إذا لم يدخل مسجده فإنّه يتبع الجماعة، وإن دخل مسجده صلى فيه» (٤).
• دليل من قال: الانفراد في المساجد الثلاثة أفضل من الجماعة في غيرها:
الدليل الأول:
التفضيل بالنظر إلى التضعيف، فالتضعيف في هذه المساجد أكثر من التضعيف المترتب على الجماعة.
فقد روى أبو هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.
رواه البخاري من طريق أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة (٥).
стр. 8243
ورواه مسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا (١).
ولأن هذه المساجد الثلاثة قد خصت بجواز شد الرحال إليها.
(ح-٢٨٥٦) فقد روى الشيخان من طريق سفيان، عن الزهري، عن سعيد،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام: ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد الأقصى (٢).
الدليل الثاني:
أن الرجل لو نذر الصلاة في المسجد الحرام لم يخرج من نذره بالصلاة في غيره.
ولو نذر الصلاة في المسجد الأقصى، فصلى في المسجد الحرام، أو في مسجد الرسول ﷺ ، خرج من نذره.
ولو نذر الصلاة في المسجد النبوي جاز أن يصليها في المسجد الحرام ولم يجز أن يصليها في المسجد الأقصى.
(ح-٢٨٥٧) فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا حبيب المعلم، عن عطاء،
عن جابر، أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: صل هاهنا، فسأله، فقال: صل هاهنا، فسأله، فقال: شأنك إذًا (٣).
[إسناده حسن، وهو حديث صحيح] (٤).
وجه الاستدلال:
стр. 8244
دل الحديث على جواز الانتقال من المفضول إلى الفاضل.
ومفهومه: لا يجوز الانتقال من الفاضل إلى المفضول.
وقياس الصلاة على النذر، أن من أدركته الصلاة في هذه المساجد الثلاثة ولو منفردًا لم يخرج إلى غيرها، والمضاعفة في أجر الجماعة مجبور بأكثر منها في المضاعفة في هذه الأماكن الثلاثة، والله أعلم.
الدليل الثالث:
(ح-٢٨٥٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عن عمرو بن دينار،
عن جابر بن عبد الله ﵁، أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع فيؤم قومه (١).
• وجه الدلالة:
فهذا معاذ ﵁ قد تجاوز مسجد قومه؛ ليصلي خلف النبي ﷺ طلبًا للأفضل، وصلاته مع النبي ﷺ هو فرضه؛ لأن الصلاة إذا أقيمت فلا صلاة إلا المكتوبة، ثم لا يجوز على معاذ مع فقهه أن يترك فضيلة الصلاة مع النبي ﷺ ، وفي المسجد النبوي ليصلي في مسجد آخر، فيستفاد منه جواز تجاوز مسجد الحي إلى المسجد النبوي، وعلة الجواز طلب الأفضل.
وإذا جاز لمن صلى فرضه في مسجد النبي ﷺ أن يخرج إلى مسجد آخر؛ ليصلي جماعة متنفلًا معهم، جاز لمن فاتته الجماعة في مسجد حيِّه أن يطلب مسجدًا آخر؛ ليصلي معهم جماعة طلبًا للأفضل من باب أولى.
• دليل من قال: لا يتتبع المساجد:
الدليل الأول:
(ح-٢٨٥٩) رواه الطبراني، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، ثنا عبادة بن زياد الأسدي، حدثنا زهير بن معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : ليصل أحدكم في مسجده، ولا يتتبع المساجد (٢).
стр. 8245
[غريب من حديث عبيد الله بن عمر، لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلا زهير، ولا عنه إلا عبادة بن زياد، وعبادة مختلف فيه، وفي التقريب: صدوق رمي بالقدر والتشيع] (١).
الدليل الثاني:
(ث-٧٤٦) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن السري بن يحيى،
عن الحسن، في الرجل تفوته الصلاة في مسجد قومه، فيأتي مسجدًا آخر، فقال الحسن: ما رأينا المهاجرين يفعلون ذلك (٢).
[صحيح].
وهذا منسوب إلى جماعة الصحابة، والاحتجاج به أولى من الاحتجاج بأثر الأسود بن يزيد.
стр. 8246
• دليل من قال: يستحب إذا فاتته الجماعة في مسجده أن يطلبها في غيره:
الدليل الأول:
(ح-٢٨٦٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة،
أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده، بخمسة وعشرين جزءًا … الحديث (١).
ورواه البخاري حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة .... الحديث (٢).
فدل حديث أبي هريرة على أن صلاة الجماعة أفضل، فإذا فاتت الرجل الجماعة في مسجد حيِّه، فله أن يطلب الجماعة في مسجد آخر طلبًا للأفضل.
فإن قيل: لماذا لا تجب، والجماعة واجبة في أحد أقوال أهل العلم؟
فالجواب: للإجماع المحكي في ذلك.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «لا خلاف في أنه إذا فاتته الجماعة لا يجب عليه الطلب في مسجد آخر .... » (٣).
واعترض الشرنبلالي من الحنفية بأن هذا ينافي وجوب الجماعة.
• وأجيب:
بأن الوجوب عند عدم الحرج، وفي تتبعها في الأماكن القاصية حرج لا يخفى مع ما فيه من مجاوزة مسجد حيه (٤).
стр. 8247
الدليل الثاني:
(ث-٧٤٧) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن حفص بن سليمان، عن معاوية بن قرة، قال:
كان حذيفة إذا فاتته الصلاة في مسجد قومه يعلق نعليه ويتبع المساجد حتى يصليها في جماعة.
[ضعيف] (١).
وإنما لم يجب عليه لما في ذلك من المشقة، قال الحسن البصري: ما رأينا المهاجرين يتبعون المساجد (٢).
الدليل الثالث:
(ح-٢٨٦١) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سليمان الأسود، عن أبي المتوكل،
عن أبي سعيد، أن رجلًا جاء، وقد صلى النبي ﷺ ، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه (٣).
[صحيح] (٤).
وجه الاستدلال:
إذا جاز للرجل أن يتنفل نفلًا مطلقًا مع من فاتته صلاة الجماعة ليحصل له أجر الجماعة، جاز لمن فاتته الصلاة أن يصلي مع من لم يصل فرضه ليحصل له أجر الجماعة من باب أولى.
الدليل الرابع:
(ث-٧٤٨) روى البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله:
стр. 8248
جاء أنس إلى مسجد قد صلي فيه، فأذن، وأقام، وصلى جماعة (١).
وجه الاستدلال:
إذا جازت الصلاة جماعة مع الجماعة الثانية على الصحيح في نفس المسجد جازت الصلاة جماعة مع الجماعة الأولى في مسجد آخر من باب أولى.
• ونوقش هذا:
بأن إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب محل خلاف بين العلماء:
فمنهم من كره الإعادة مطلقًا، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وسعيد بن المسيب، والزهري والليث، والأوزاعي وجماعة من التابعين.
ومنهم من قال بجوازها مطلقًا، وهو قول إسحاق، ومحمد بن الحسن، ورواية عن أحمد.
وروي عن أبي يوسف أنه إنما يكره إذا كانت الجماعة الثانية كثيرة، فأما إذا كانوا ثلاثة، أو أربعة، فقاموا في زاوية من زوايا المسجد، وصلوا بجماعة لا يكره.
ومنهم من كره إعادة الجماعة في مسجدي مكة والمدينة، وأجازها فيما سواهما، وهو رواية عن أحمد.
وسوف يأتي بحثها في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.
الدليل الخامس:
(ح-٢٨٦٢) روى مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، حدثنا سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قُدِّرَ له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد
стр. 8249
من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال. فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله ﷺ وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (١).
روى مسلم قصة نومه من مسند عمران بن حصين، وفيه: (استيقظ رسول الله ﷺ فلما رفع رأسه، ورأى الشمس قد بزغت، قال: ارتحلوا، فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة) (٢).
(ح-٢٨٦٣) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد،
عن أبيه، قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلوات حتى كان بعد المغرب هويًّا، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كفينا القتال، وذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، أمر النبي ﷺ بلالًا فأقام الظهر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب فصلاها كما يصليها في وقتها (٣).
[صحيح] (٤).
وجه الاستدلال من الحديثين:
إذا شرعت الجماعة للصلاة المقضية، فالحاضرة أولى بالجواز إذا أمكن فعلها مع جماعة أخرى، فالجماعة لا تفوت بفوات الجماعة الأولى.
الدليل السادس:
احتج السيوطي لمشروعية طلب الجماعة في مسجد آخر بالقاعدة الفقهية التي تقول: الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها.
ثم ذكر مسائل تتخرج على هذه القاعدة، فقال: «فلو كان مسجد لا جماعة فيه
стр. 8250
وهناك جماعة في غيره فصلاتها مع الجماعة خارجه أفضل من الانفراد في المسجد» (١).
• دليل من قال: يجب طلب الجماعة إذا أمكنه ذلك بلا مشقة:
إذا كانت الجماعة واجبة، فالواجب لا يسقط إلا بأحد أمرين:
إما أداء يسقط به الطلب، وإما فوات يمتنع معه استدراك الواجب كفوات الجمعة، وأما فوات جماعة مسجده فليس بفوات إذا كان المسجد الآخر من القرب بحيث يسمع نداءه بلا مكبر، فإنه يجب عليه أن يصلي معهم؛ لأنه أمكنه تدارك الواجب مع جماعة أخرى بلا مشقة فوجب عليه ذلك.
ولعموم حديث أبي هريرة: (أتسمع النداء قال: نعم، قال: فأجب) رواه مسلم، فأل في النداء عام، في كل نداء يسمعه.
ولأنه مخير ابتداء بإجابة أي المسجدين شاء ما دام يسمع نداء كل واحد منهما، فإذا فاتته الإجابة من أحد المسجدين بقي مطالبًا بإجابة النداء من المسجد الآخر.
• ونوقش:
هذا التوجيه صحيح إلا أنه مبني على وجوب الإجابة، وقد بحثت مسألة حكم الجماعة للصلوات الخمس، ورجحت أن الجماعة سنة مؤكدة.
وحديث أبي هريرة الذي استدل به على الوجوب سبق تخريجه، وبينت أنه معلٌّ سندًا ومتنًا.
ولأن مثل هذا لو كان واجبًا لثبت ذلك بالسنة، أو نقل فعله عن الصحابة ﵃، فالإمام أحمد حين سئل: من فعله؟ قال: الأسود، فلو كان عنده أثر عن صحابي لاحتج به، وأما الأسود فهو من فقهاء التابعين يحتج له، ولا يحتج به.
ولا أعلم لماذا الإمام أحمد لم يحتج بأثر الحسن، حين قال: «ما رأينا المهاجرين يفعلون ذلك» (٢).
مع سعة علمه بالآثار، وهو أثر صحيح، ومنسوب إلى جماعة الصحابة، والاحتجاج به أولى من الاحتجاج بأثر الأسود بن يزيد، ولعل ما يعتذر به عن الإمام أحمد أن له رواية
стр. 8251
أخرى نقلها القاضي أبو يعلى يرى أنه لا يتتبع المساجد من أجل الجماعة.
وقد عارض قول الأسود بن يزيد من هو مثله.
(ث- ٧٤٩) قد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير عن الحسن بن عمرو عن إبراهيم عن علقمة قال: كان تفوته الصلاة في مسجد قومه فيأتي إلى المسجد فيدخله فيصلي فيه وهو يسمع الأذان من المسجد فلا يأتيهم (١).
[صحيح].
(ث-٧٥٠) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن الحسن بن عبيد الله،
عن إبراهيم، قال: إذا فاتت الرجل الصلاة في مسجد قومه، لم يتبع المساجد (٢).
[صحيح].
• دليل من قال: إذا دخل المسجد لم يخرج منه وله قبل ذلك طلب الجماعة:
ربما يستدل لهذا القول بالنهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان.
(ث-٧٥١) فقد روى مسلم من طريق عن إبراهيم بن المهاجر وأشعث بن أبي الشعثاء المحاربي،
عن أبي الشعثاء قال: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٣).
• ويناقش:
بأن النهي محمول على الخروج بلا عذر، وأما الخروج بعذر كتجديد الوضوء، أو كان بنية الرجوع، أو خرج للصلاة في مسجد آخر طلبًا للأفضل فلا يعتبر معصية، والله أعلم.
قال الترمذي في السنن بعد روايته لهذا الحديث: «وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم: أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان
стр. 8252
إلا من عذر: أن يكون على غير وضوء، أو أمر لا بد منه» (١).
ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: «يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة. وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه».
• الراجح:
أن له طلب الجماعة إذا غلب على ظنه أنه يحصل الجماعة، ولا يجب عليه ذلك؛ لأن الجماعة في الأصح ليست واجبة، ولو كانت واجبة لما وجب عليه إذا فاتته الجماعة في المسجد الذي يصليها فيه إلا أن يكون قريبًا منه، والله أعلم.
стр. 8253
الفصل الرابع في مشروعية الجماعة للصلاة المقضية
المدخل إلى المسألة:
• لا خلاف بين العلماء في جواز الجماعة للصلاة المقضية، إلا ما حكي عن الليث بن سعد والقاضي حسين من الشافعية، وقولهما مخالف للنصوص.
• صلى النبي ﷺ بأصحابه جماعة حين ناموا عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وهو دليل على مشروعية الجماعة للصلاة الفائتة.
• قضاء الصلاة جماعة إذا فاتت ثبت بالسنة الفعلية، فهو دليل المشروعية، ولا يستفاد منه الوجوب.
• لا تجب الجماعة للصلاة المقضية، وهو قول الأئمة الثلاثة والمعتمد عند الحنابلة.
• إذا قيل بوجوب الجماعة للصلاة المؤداة فلا يلزم منه وجوبها للمقضية.
• الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة للصلاة المؤداة لا يشمل الصلاة المقضية، لا من حيث العموم، ولا من باب القياس، انظر بيان ذلك في البحث.
• المؤداة مرتبطة بوقت معين، ويتحراها عموم الناس، وينادى على فعلها في أول الوقت، فيجتمعون لها، بخلاف المقضية فلا وقت معين لفعلها إلا وقت تذكرها، وهو غير معين، ويخاطب بها من لزمته، والغالب أنه فذٌّ، فكان سقوط وجوب الجماعة لها هو الأصل.
[م-٩٧٤] من قال: إن الجماعة سنة، فهي عنده سنة للحاضرة والمقضية، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية، والمذهب عند المالكية، ووجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد، وسبق توثيق ذلك في حكم صلاة الجماعة.
стр. 8254
ومن قال: الجماعة فرض، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وكثير من الحنفية، فاختلفوا في وجوب الجماعة للصلاة المقضية، والخلاف فيها على النحو التالي:
فقيل: لا تجب الجماعة للصلاة المقضية، بل تستحب، وهو مذهب الأئمة الأربعة، والمعتمد في مذهب الحنابلة، وحكي إجماعًا، وترجم البخاري في صحيحه، فقال: «باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت» (١).
стр. 8255
قال ابن رجب: «أكثر العلماء على مشروعية الجماعة للفوائت» (١).
وقيل: لا تستحب الجماعة للمقضية، حكي ذلك عن الليث بن سعد، والقاضي حسين من الشافعية (٢).
جاء في تحرير الفتاوى: «حكى الرافعي عن القاضي حسين: أنه لا يشرع لها الجماعة، وقد تقرر أن معنى قولهم: (لا يشرع) لا يستحب» (٣).
وهذان قولان متقابلان، الاستحباب وعدمه.
قال القاضي عياض في شرح مسلم: «لا خلاف بين العلماء في جواز الجماعة في القضاء، إلا ما حكي عن الليث بن سعد من منع ذلك، وهذا المنقول عن الليث إن صح عنه مردود بالأحاديث الصحيحة، وإجماع من قبله» (٤).
وقال ابن الملقن: «وهو إجماع -يعني مشروعية الجماعة للصلاة المقضية- وشذ الليث فمنع من ذلك» (٥).
стр. 8256
وقيل: تجب الجماعة للصلاة المقضية، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
جاء في الإنصاف: «وعنه -أي عن الإمام أحمد- حكم الفائتة والمنذورة حكم الحاضرة، وأطلق في الحاوي وغيره فيهما وجهين» (٢).
• دليل من قال: تستحب الجماعة للصلاة المقضية:
الدليل الأول:
(ح-٢٨٦٤) روى البخاري من طريق محمد بن فضيل قال: حدثنا حصين، عن عبد الله بن أبي قتادة،
عن أبيه قال: سرنا مع النبي ﷺ ليلة، فقال بعض القوم: لو عرست بنا يا رسول الله قال: أخاف أن تناموا عن الصلاة. قال بلال: أنا أوقظكم، فاضطجعوا، وأسند بلال ظهره إلى راحلته، فغلبته عيناه فنام، فاستيقظ النبي ﷺ وقد طلع حاجب الشمس، فقال: يا بلال، أين ما قلت؟ قال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، قال: إن الله قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء، يا بلال قم فأذن بالناس بالصلاة. فتوضأ، فلما ارتفعت الشمس وَابْيَاضَّتْ، قام فصلى (٣).
(ح-٢٨٦٥) روى مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، حدثنا سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قُدِّرَ له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال. فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله ﷺ
стр. 8257
وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (١).
روى مسلم قصة نومه من مسند عمران بن حصين، وفيه: (استيقظ رسول الله ﷺ فلما رفع رأسه، ورأى الشمس قد بزغت، قال: ارتحلوا، فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة) (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٢٨٦٦) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد،
عن أبيه، قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلوات حتى كان بعد المغرب هويًّا، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كفينا القتال، وذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، أمر النبي ﷺ بلالًا فأقام الظهر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب فصلاها كما يصليها في وقتها (٣).
[صحيح] (٤).
الدليل الثالث:
(ح-٢٨٦٧) ما رواه الشيخان من طريق همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: من نسي صلاة، فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
وجه الاستدلال:
قوله: (فليصلِّ إذا ذكرها) أمره الرسول ﷺ بالصلاة إذا ذكرها، (وإذا) اسم شرط عام، سواء من ذكرها فذًّا أو جماعة، ولو كانت الجماعة واجبة للمقضية لأمره بالجماعة.
стр. 8258
الدليل الرابع:
لا يوجد دليل من الشرع يقضي بوجوب الجماعة للصلاة المقضية، بل حكي الإجماع على أن الجماعة لا تجب للصلاة المقضية، بل تستحب.
جاء في المجموع: «أما المقضية من المكتوبات فليست الجماعة فيها فرض عين ولا كفاية بلا خلاف، ولكن يستحب الجماعة في المقضية» (١).
• ونوقش:
بأن الإجماع غير محفوظ، فقد كشف لك عرض الأقوال في المسألة أن هناك رواية عن الإمام أحمد، -وإن لم تكن هي المعتمدة- في المذهب يرى فيها أن الجماعة واجبة للفائتة كما تجب للحاضرة، والله أعلم.
• دليل من قال: الجماعة واجبة للمقضية:
الدليل الأول:
الأحاديث الدالة على وجوب الجماعة للصلاة المؤداة يشمل الصلاة المقضية إما من باب العموم، وإما من باب القياس؛ لأن القضاء يحكي الأداء.
• ويناقش:
الأحاديث التي استدل بها على وجوب الجماعة هي نص في المؤداة، والعموم الذي فيها لا يشمل القضاء.
فحديث أبي هريرة في الهم بالتحريق، وفيه: (ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس. ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) (٢).
فقوله: (آمر بالصلاة) وقوله: (لا يشهدون الصلاة) ف (أل) في الصلاة للعموم، لكن عمومه يشمل الصلوات الخمس والجمعة، ولا يشمل القضاء؛ لأن القضاء ليس له صلاة تقام حتى يشهدها المتخلف.
وحديث الأعمى: (أتسمع النداء؟ قال نعم، قال: فأجب) فأل في (النداء) إن كانت
стр. 8259
للعهد فالمقصود به النداء المعهود التي ينادى به لعموم الناس، وهو خاص بالصلاة المؤداة، وإن أريد به العموم فالمراد لعموم الصلوات الخمس والجمعة المؤداة؛ لأنه لا يشرع نداء عام للصلوات المقضية حتى يشمل عمومه الصلاة المقضية.
وحديث أبي الدرداء على التسليم بصحته: (ما من ثلاثة في قرية، لا يؤذن، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان) المقصود به الأذان والإقامة للصلاة المؤداة؛ لأن الصلاة المقضية لا أذان لها ولا إقامة عامة.
فإذا تأملت هذه الأحاديث لم تجد العموم الذي فيها يشمل المقضية، بل عمومها يشمل جميع الصلوات المؤداة بما فيها الجمعة، فبطل الاستدلال بالعموم على وجوب الجماعة للصلاة المؤداة.
وأما الاستدلال بقياس المقضية على المؤداة، فهو قياس مع الفارق: فالمؤداة مرتبطة بوقت معين، ويتحراها الناس، وينادى عموم الناس إلى فعلها في أول الوقت، فيجتمعون لها، فإمكانية فعلها جماعة متيسر للمكلف. وأما المقضية فتفعل خارج وقتها، ولا وقت معين لفعلها إلا وقت تذكرها، وهو غير معين، ويخاطب بها من لزمته، والغالب أنه فذٌّ، فكان سقوط وجوب الجماعة لها هو الأصل.
نعم إن تيسر صلاتها جماعة -كما لو فاتت الصلاة جماعة- وكانوا مجتمعين وقت وجوب فعلها أو تطوع أحد ليصلي مع من فاتته الصلاة فيشرع له صلاتها جماعة طلبًا لفضل الجماعة، ولكن لا يوجد في النصوص ما يدل على وجوب الصلاة جماعة للمقضية، ولهذا فالحنابلة وإن قالوا بوجوب الجماعة للصلاة المؤداة فهم لا يرون وجوبها للمقضية في المشهور من المذهب، وما ذلك إلا لوجود فرق بين الصلاة المؤداة والمقضية، والله أعلم.
الدليل الثاني:
حديث أبي قتادة وحديث عمران بن الحصين وحديث أبي هريرة في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وقد صلاها النبي ﷺ جماعة، وقد قال النبي ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي، رواه البخاري من حديث مالك بن الحويرث.
стр. 8260
• ويجاب:
بأن هذه الأحاديث أفعال، والفعل المجرد يدل على المشروعية، ولكن لا يدل على الوجوب.
وأما الجواب عن قوله ﷺ لمالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) فقد أجبت عنه في مسائل كثيرة مرت علينا في الكتاب، وأن هذا الحديث يدل على مشروعية جميع ما رآه مالك بن الحويرث مما كان النبي ﷺ يفعله في صلاته طيلة مقامه عند النبي ﷺ ، وأما الوجوب فيؤخذ من أدلة أخرى، ولم يكن النبي ﷺ يقتصر في صلاته على الفروض دون السنن، فالاستدلال بمثل هذا الأمر العام المشتمل على أحوالٍ وهيئاتٍ، وصفاتٍ وأقوالٍ، أحكامها مختلفة، لا يمكن أن يستدل على وجوبها بهذا العموم، إلا لو كان النبي ﷺ قد اقتصر في صلاته على الواجبات دون السنن طيلة بقاء مالك بن الحويرث في زيارته للمدينة، وإذ لا يمكن دعوى ذلك فلا ينهض الحديث دليلًا على وجوب أفعال النبي ﷺ في الصلاة.
• الراجح:
أن الجماعة مشروعة للصلاة المقضية، وليست واجبة، والله أعلم.
والخلاف في الصلاة المقضية أقوى من الخلاف في وجوب الجماعة للصلاة المنذورة باعتبار أن الصلاة المنذورة صلاة واجبة أوجبها العبد على نفسه، فإن كان النذر قد نص على صلاتها جماعة وجبت عليه جماعة، وإلا لم تجب الجماعة لفعلها، والله أعلم.
стр. 8261
الفصل الخامس في حكم الجماعة للمسافر
المدخل إلى المسألة:
• وضِعَ عن المسافر شطر الصلاة، وأبيح له الجمع، وأسقط عنه أكثر السنن الراتبة تخفيفًا عليه.
• إذا خفف عن المسافر في ذات العبادة فالتخفيف عليه في مكانها من باب أولى.
• وقف النبي ﷺ بعرفات في حجة الوداع، في أكبر جمع يشهده المسلمون حين ذاك، وخطب فيهم ﵊، ثم نزل فصلى ركعتين سرًّا لم يجهر بهما، فعلم أنه صلى ظهرًا.
• إذا لم تجب الجمعة على المسافر لم تجب عليه الجماعة من باب أولى.
• حديث يزيد بن الأسود، وفيه: ( … ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة)، والحديث وقع في السفر.
• اشتمل الحديث على سنة تقريرية بتصحيح فعلهما، وسنة قولية بالإذن لهما في المستقبل بالصلاة في الرحل، وقد وقع في حجة الوداع فيبعد أن يكون منسوخًا.
• حديث: (إذا صلى أحدكم في رحله … ) إلخ، لفظ: (أحد) مفرد مضاف، فيعم، فيشمل الإذنُ الفذَّ كما يشمل الجماعةَ.
[م-٩٧٥] لا يختلف العلماء في مشروعية الجماعة للمسافر، وأما وجوب الجماعة عليه، فإن كان قد جَدَّ به السير، ولم يكن معه من يقيم معه الجماعة لم تجب عليه
стр. 8262
الجماعة قولًا واحدًا.
وإن كان نازلًا في مصرٍ ينادى به للصلاة، ولا يزال يصدق عليه أنه مسافر، فاختلفوا في وجوب الجماعة عليه:
فمن قال: إن الجماعة ليست فرض عين في الحضر، فهي ليست فرض عين في السفر من باب أولى، وعليه كثير من الحنفية، وهو المذهب عند المالكية والشافعية، ورواية عن أحمد، وسبق توثيق ذلك في حكم صلاة الجماعة.
ومن قال: إن الجماعة فرض عين في الحضر، كما هو قول كثير من الحنفية، وهو المذهب عند الحنابلة، فقد اختلفوا في وجوب الجماعة على المسافر، والخلاف في المسألة كالتالي:
قيل: لا تجب الجماعة على المسافر، وهو مذهب المالكية والشافعية وظاهر مذهب الحنفية (١).
стр. 8263
وقيل: فرض عين على المسافر، وهو مذهب الحنابلة (١).
وقيل: فرض كفاية على المقيم والمسافر، وهو المنصوص في الأم، ورجحه السبكي في الطبقات الكبرى (٢).
جاء في الأم: «وأشبه ما وصفت من الكتاب والسنة ألا يَحِلَّ تَركُ أن يُصلَّى كُلُّ مكتوبة في جماعة حتى لا يَخْلُوا جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن يُصلَّى فيهم صلاة جماعة» (٣).
стр. 8264
فقوله: (حتى لا يخلو جماعة .. أن يصلى فيهم)، فقوله: (فيهم) إشارة إلى أنها فرض كفاية، وليست فرض عين.
وجاء في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: «وأن الجماعة فرض كفاية على المقيمين والمسافرين، خلافًا للرافعي حيث قال: سنة مطلقًا، وللنووي حيث قال: فرض كفاية على غير المسافرين» (١).
• دليل من قال: الجماعة لا تجب على المسافر:
الدليل الأول:
إذا وضع عن المسافر شطر الصلاة، وأبيح له الجمع، وأسقط عنه أكثر السنن الراتبة تخفيفًا عليه، خفف عنه الجماعة من باب أولى؛ لأن من خفف عليه في ذات العبادة خفف عليه في مكانها من باب أولى.
الدليل الثاني:
إذا لم تجب الجمعة على المسافر لم تجب عليه الجماعة من باب أولى، فلقد كان النبي ﷺ نازلًا بعرفات في حجة الوداع، في أكبر جمع يشهده المسلمون حين ذاك، وقد خطب فيهم ﵊، ثم نزل فصلى ركعتين سرًّا لم يجهر بهما، فعلم أنه صلى ظهرًا.
الدليل الثالث:
(ح-٢٨٦٨) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر ابن يزيد بن الأسود،
عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك
стр. 8265
الصلاة مع الإمام، فليصلها معه؛ فإنها له نافلة (١).
الدليل الرابع:
(ح-٢٨٦٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثني زائدة بن قدامة، حدثني السائب بن حبيش الكلاعي، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال:
قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟ قال: قلت: في قرية دون حمص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من ثلاثة في قرية، لا يؤذن، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإن الذئب يأكل القاصية (٢).
[انفرد به السائب بن حبيش الكلاعي، لم يرو عنه غير زائدة ففيه جهالة].
وجه الاستدلال:
أن الحديث خص في إقامة الصلاة أهل القرية، فلا يدخل المسافر في الخطاب.
الدليل الخامس:
كل دليل استدل به على أن صلاة الجماعة في الحضر سنة، فهو دليل على عدم وجوبها في السفر، وقد ذكرت أكثر من عشرة أدلة، منها أحاديث، ومنها آثار عن الصحابة، فارجع إليها غير مأمور.
الدليل السادس:
جاء في الدرر البهية من الفتاوى الكويتية: «اتفق الفقهاء على أنه لا جماعة على المسافر: وهو من غادر بلده قاصدًا مسافةً لا تقل عن ثمانين كيلومترًا تقريبًا» (٣).
ولا يصح الإجماع كما علمت من الأقوال في المسألة.
• دليل من قال: الجماعة للمسافر فرض عين:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ