← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8297

• ونوقش هذا من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن تفسير الآية قد اختلف فيه المفسرون إلى ستة أقوال، لابن عباس وحده منها قولان (١). وقال شيخ المفسرين أبو جعفر الطبري: «أولى الأقوال عندي بالصحة من قال: ولقد علمنا الأموات منكم ممن تقدم مَوْتُهُ، ولقد علمنا المستأخرين: الذين استأخر موتهم ممن هو حَيٌّ، ومَن هو حادث منكم ممن لم يخلق بعد؛ لدلالة ما

стр. 8298

قبله من الكلام، وهو قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾، وما بعده، وهو قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ على أن ذلك كذلك، إذ كان بين هذين الخبرين، ولم يَجْرِ قبل ذلك من الكلام ما يدل على خلافه، ولا جاء بعده» (١). الوجه الثاني: أن الآية مكية، قبل أن تفرض صلاة الجماعة، وقبل أن يكون هناك نفاق، وبذلك نعلم أن ما قاله بعض علمائنا من أنه جائز أن يكون من ينظر من تحت إبطه من المنافقين أومن جهلة الأعراب، أن ذلك مستبعد. فقد أسند ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق معتمر بن سليمان، عن شعيب عبد الملك، عن مقاتل بن سليمان -في تفسير الآية- قال: بلغنا أنَّه في القتال، قال معتمر: فحدثت أبي، فقال: لقد نزلت هذِه الآية قبل أن يفرض القتال. إشارة إلى أنها سورة مكية، فكما أنها نزلت قبل أن يفرض القتال، فهي نزلت قبل أن تفرض صلاة الجماعة على الرجال فضلًا عن النساء. الوجه الثالث: ومما يدفع قول الحنفية بالنسخ: (ح-٢٨٩٣) ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول رسول الله ﷺ : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (٢). فالظاهر أن هذا كان في زمن عمر ﵁. • دليل من قال: يكره للشابة دون الكبيرة: هؤلاء استدلوا بأدلة القولين السابقين، فاستدلوا بأدلة من قال بالإباحة مطلقًا، إلا أنهم حملوا أدلتهم على المرأة الكبيرة التي لا فتنة بخروجها. كما استدلوا بأدلة من قال بالكراهة مطلقًا إلا أنهم حملوها على المرأة الشابة.

стр. 8299

وأن المرأة الكبيرة التي لا تشتهى تلحق بالرجال، فلا فتنة بخروجها، بخلاف المرأة الشابة فإنها لا تؤمن المفسدة منها، ولا عليها خاصة في زماننا. • دليل من قال: تخرج المرأة ليلًا ولا تخرج نهارًا: الدليل الأول: (ح-٢٨٩٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق شبابة: حدثنا ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد (١). (ح-٢٨٩٥) ورواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل (٢). فالحديث الأول فيه الأمر للرجال بالإذن للنساء بالليل. وفي الرواية الثانية: نهي عن منع النساء من الخروج بالليل. فقوله: (بالليل) أي لا بالنهار، وعليه يحمل خبر: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فالمطلق محمول على المقيد. ولو لزمت المرأة الصلاة في المساجد كما تلزم الرجال لم يفرق بين الليل والنهار. وإنما قيد خروجها في الليل وبالغلس من أجل أن ظلمة الليل مع استتار المرأة تمنع النظر غالبًا. ولأن وقت الظهر والعصر وقت يكثر فيه انتشار الفساق، وكونها كبيرة لا تمنع بعض الفسقة من الرغبة فيها، فإن المرأة مظنة الطمع فيها، ومظنة الشهوة، ولو كانت كبيرة، وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة. وقد كان النساء يشهدن مع النبي ﷺ صلاة العشاء والفجر متدثرات بسواد الليل، متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من شدة الظلام تطبيقًا عمليًّا للتوجيه النبوي. (ح-٢٨٩٦) فقد روى البخاري ومسلم من حديث عائشة، قالت: كن نساء

стр. 8300

المؤمنات، يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر، متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس (١). (ح-٢٨٩٧) وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، قال: كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول رسول الله ﷺ : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (٢). (ح-٢٨٩٨) وروى مسلم من طريق مخرمة، عن أبيه، عن بسر بن سعيد، أن زينب الثقفية كانت تحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة (٣). (ح-٢٨٩٩) وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: أعتم رسول الله ﷺ بالعتمة حتى ناداه عمر: نام النساء والصبيان .... الحديث (٤). ففي هذه الأحاديث دليل على شهود النساء صلاة العشاء والصبح، وهي صلاة ليلية. • ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: ليس في هذه الأحاديث التقييد بالمرأة الكبيرة كما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀. الوجه الثاني: الأحاديث التي فيها شهود النساء لصلاتي الصبح والعشاء ليس فيها نفي الحضور عن غيرها من الصلوات النهارية، وقد ذكرنا منها جملة في أدلة القول الأول، أشهرها: (ح-٢٩٠٠) ما رواه البخاري ومسلم من حديث أم عطية، قالت: أمرنا -تعني:

стр. 8301

النبي ﷺ - أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور … الحديث متفق عليه (١). والعواتق: جمع عاتق، وهي مَنْ بلغت الحُلُم، أو قاربت، واستحقت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها. وذوات الخدور: أي النساء صاحبات الخدور، و (الخُدُور) جمع خِدْر: وهو سِتْرٌ يُتّخذ في البيت، تقعد الأبكار وراءه، صيانةً لهنّ. وفي رواية للبخاري من طريق حفصة، عن أم عطية، قالت: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها (٢). فهذا خروج للشابات، وفي النهار، وفي فرح، وفي تجمع أكبر من تجمع الصلوات الخمس أو الجمعة فالزحام فيه أشد، والقول بخروج النساء بالنهار هو قول جمهور الفقهاء، من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وقول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية خلافًا للثوري وإسحاق حيث قيدا الخروج بالليل، ووافقهم أبو حنيفة إلا أنه خصه بالعجائز، وقد وثقت ذلك عند عرض الأقوال، ولله الحمد. الوجه الثالث: الظاهر أن النبي ﷺ ذكر الليل تنبيهًا على جواز الخروج بالنهار، فدخول النهار من باب مفهوم الموافقة، وهو أن يكون الحكم في المسكوت عنه أولى من المنطوق، وذلك فإذا جاز الخروج بالليل جاز الخروج بالنهار من باب أولى؛ لأن تمكن الفساق من الخلوة بالنساء والتعرض لهن بالليل أظهر؛ ولأن انتشار الناس بالنهار يردع الفاسق من التحرش من الطرفين، ولعل أكثر شهود النساء لصلاة العشاء والصبح؛ لأنه وقت فراغهن، فالصبح قبل مباشرتها لأعمالها، والعشاء بعد فراغها منها. الدليل الثاني: أن المرأة العجوز الفانية التي لا أرب للرجال لا محذور من خروجها؛ لأنها بمنزلة الرجل، بخلاف الشابة فإنه يخشى من خروجها فتنتها، أو الافتتان بها.

стр. 8302

• ونوقش هذا: بأن هذا مردود بالحج، فكما تخرج الشابة للحج والعمرة، مع وجود الخوف من الافتتان بها، فكذلك تخرج للمسجد، وقد أباح لها الشرع الخروج، فيكره منعها إلا من وجود مفسدة متحققة أو مظنونة، وأما الاحتمال فلا يكفي، فإن الشارع حكيم، وقد أذن لها، ولم يفرق بين شابة وعجوز، ألا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير!. • دليل من قال: إن كانت حسناء ولو غير شابة كره لها الحضور، وإلا لم يكره: هذا القول أخذ بعموم الأحاديث التي أذنت للمرأة بالخروج للمسجد وهي لم تفرق بين شابة وكبيرة، إلا أنها إن كانت المرأة حسناء ولو غير شابة كره حضورها؛ خوفًا من الافتتان بها، فإن تيقن الافتتان بها أو منها حرم الخروج. لأن المباح إن كان يخشى منه الوقوع في المفسدة كره، وإن كان يتحقق منه المفسدة حرم، وليس هذا خاصًّا في هذه المسألة، بل في جميع المباحات؛ فالمباح متى أفضى إلى الوقوع في الحرام حرم، ولذلك نهينا عن البيع بعد نداء الجمعة، وإن كان البيع في أصله مباحًا؛ لأنه يشغل عن واجب، ونهينا عن تلقي الجلب؛ لأنه مظنة استغلال الجالب، وحرمان السوق من السلع، وإن كان التلقي في نفسه لا محذور منه، وهكذا، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾. • الراجح: جواز خروج المرأة مطلقًا للصلوات، ولا تخرج المرأة إلا بإذن وليها، ويكره له منعها إلا أن يخشى عليها أو منها، فله أن يمنعها، ويكره خروجها في هذه الحالة، فإن تحقق من وقوع المفسدة حرم خروجها، ووجب على وليها منعها، والله أعلم.

стр. 8303

الفصل السابع في حكم الجماعة للعراة المدخل إلى المسألة: • النظر إلى العورات من تحريم الوسائل، فهو محرم لغيره تبيحه الحاجة. • إذا أحرز العاري جسده عن النظر خارج الصلاة كما لو كان العراة في بيوتهم أو متفرقين لم تجب عليهم الجماعة؛ لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. • إذا سقطت الجماعة لحضور الطعام ومطالبة الدائن سقطت بالعجز عن السترة من باب أولى. • صلاة الجماعة مختلف في وجوبها، وستر العورة متفق على وجوبها، ومراعاة المتفق عليه أولى من مراعاة المختلف فيه. • إذا اجتمع العراة قبل الصلاة لم يتفرقوا لأجل الصلاة، بل تجب عليهم الجماعة؛ لأن الحرز من النظر، وهم في الصلاة أكثر منه وهم خارج الصلاة. [م-٩٧٨] إذا اجتمع عراة للصلاة فإن كانوا عميًا أو في ظلمة -بحيث لا يرى بعضهم بعضًا- صلوا جماعة، وحكي إجماعًا. قال النووي: «لو كانوا عميًا أو في ظلمة، استحبت لهم الجماعة بلا خلاف» (١). ونص المالكية على أنه يجب عليهم تحصيل الظلام بطفء سراج أو الدخول إلى مكان مظلم إلا لضرورة (٢). بناء على قاعدة: ما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب. وأما إذا كان العراة يرى بعضهم بعضًا، فقد اختلفوا: فقيل: يصلون فرادى متباعدين، على خلاف بينهم هل ذلك على سبيل

стр. 8304

الأفضلية، وهو الأصح في مذهب الحنفية والقديم من قول الشافعي. أو ذلك على سبيل الوجوب وهو مذهب المالكية؟ فإن لم يمكن تفرقهم صلوا جماعة صفًّا واحدًا، واختلفوا في القيام: فقال الحنفية: يصلون جلوسًا أفضل، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، وقدمه ابن جزي في القوانين. وقال المالكية والشافعية: يصلون قيامًا غَاضِّينَ أبصارَهُم، واختاره عبد الحق وخليل وغيرهما (١). جاء في مختصره: «ومن عجز صلى عريانًا، فإن اجتمعوا بظلام فكالمستورين

стр. 8305

وإلا تفرقوا، فإن لم يمكن صلوا قيامًا غَاضِّينَ وإمامهم وسطهم» (١). وقال الشافعي في الجديد: الجماعة والانفراد سواء، وهو نص الأم (٢). وقال ابن الماجشون «يصلون جماعة صفًّا واحدًا، وحكى الخراسانيون استحبابه في أحد الأوجه عند الشافعية، وأوجبه الحنابلة في المشهور، إلا أنهم استحبوا صلاتهم جلوسًا بالإيماء، كما مر معك في صلاة العاري منفردًا» (٣). وقال ابن عقيل من الحنابلة: يصلون جلوسًا وجوبًا (٤). وقد ذكرت أدلة المسألة أُخَي في المجلد الرابع، فراجعه إن شئت، والله أعلم.

стр. 8306

الفصل الثامن أحكام متعلقة بصلاة الجماعة المبحث الأول في أقل ما تنعقد به الجماعة المدخل إلى المسألة: • اختلف أهل اللغة في اللفظ المسمى ب (الجمع)، مثل قولهم: رجال ومسلمون، وغيره من جموع القلة، أيطلق على الاثنين، أم لا يطلق إلا على الثلاثة فما زاد؟ وهذا خلاف لغوي. • قال ﷺ : (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ … )، فجعل الفذ في مقابل الجماعة، فدل على أن كل ما زاد على الفذ فهو جماعة. • إعطاء الاثنين حكم الثلاثة في تحصيل ثواب الجماعة حكم شرعي مجمع عليه. • كل حكم اختص به الجماعة عن الواحد اشترك فيه الاثنان فما فوقهما في بابي المواريث، وفي تحصيل أجر الجماعة. • الرسول ﷺ بعث لبيان الحكم الشرعي، وليس لبيان الحقائق اللغوية. • الحكم الشرعي قد يتفق مع الدلالة اللغوية وقد يختلف، كالإيمان في اللغة مجرد التصديق، وفي الشرع: قول وعمل واعتقاد. • إطلاق الجمع على الاثنين جاء في القرآن، وهو الأفصح لسانًا، الحاكم على أي نزاع لغوي، والمصدر الذي لا شك في ثبوته، وهو حجة على اللغويين والنحويين. • ذهب جمهور الأصوليين على أن أقل الجمع ثلاثة. • كثير من الأصوليين لم يبنوا أحكامهم في الأصول على أحكامهم في الفروع خلافًا للحنفية.

стр. 8307

[م-٩٧٩] قال النبي ﷺ صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فإطلاق الجماعة على الثلاثة لا نزاع فيه لغة وشرعًا، واختلفوا في إطلاق الجمع على الاثنين: فقيل: أقل الجماعة في غير صلاة الجمعة اثنان مكلفان: إمام ومأموم، ولو أنثى، واتفق عامة الفقهاء على أن أجر الجماعة يحصل بالاثنين (١). وبوب البخاري في صحيحه، فقال: الاثنان فما فوقهما جماعة (٢). • دليل الفقهاء على أن الاثنين جماعة: الدليل الأول: جاء في الكتاب العزيز جمع الاثنين، وهو الأفصح لسانًا، الحاكم على أي نزاع لغوي، والمصدر الذي لا ريب في ثبوته، عربي مبين. قال تعالى في قصة موسى وهارون: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ وإنما هما اثنان. وقال تعالى في قصة يعقوب ﵇: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ قوله: (بهم) كناية عن الجمع، وإنما هما يوسف وأخوه. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وإنما هما قلبان، وقوله: (قلوبكما) اسم الجمع. وقال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾، وإنما هما اثنان.

стр. 8308

ومثله قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ إلى قوله: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢]. فقال: تسوروا، فعبر بالجمع، والمتسور خصمان. وجاء مثل ذلك في السنة النبوية: جاء في صحيح البخاري ومسلم، عن أبي موسى. قال: قدمت أنا وأخي من اليمن. فكنا حِينًا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ . من كثرة دخولهم ولزومهم له (١). فقوله: (دخولهم، ولزومهم له) جمعهما، وهما اثنان ابن مسعود وأمه. • ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: أن من يرى أقل الجمع ثلاثة لا يمنع من إطلاق الجمع على الاثنين لقرينة، أو على جهة المجاز، وأما الحقيقة فالمثنى له صيغة تدل عليه على خلاف المفرد والجمع. • ورد: بأن الرسول ﷺ بعث لبيان الحكم الشرعي، فإطلاق الاثنين على الجماعة حكم شرعي، يراد به تحصيل ثواب الجماعة للاثنين فما فوقهما، وليس المراد به بيان حقيقة لغوية، وهى أن أقل الجمع اثنان، وذلك أن الله بعث نبيه لبيان الأمور الشرعية، لا اللغوية. الوجه الثاني: أن الجواب ممكن على كل آية استدلوا بها، فيقال مثلًا: قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ يعني: هارون، وموسى، وفرعون وقومه، وهم جماعة. وقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لضرورة استثقال الجمع بين تثنيتين مع أن القلوب على وزن الواحد في بعض الألفاظ. وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أراد به يوسف، وأخاه، والأخ الأكبر

стр. 8309

الذي تخلف عن الإخوة. وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: حكمهما مع الجمع المحكوم عليهم أو التفخيم لهما. • ويرد على هذا الجواب: أن المعية في قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ معية التأييد والنصرة وهي خاصة بأولياء الله، لا تشمل فرعون وقومه، وإلا لو أراد بها المعية العامة لم تكن جوابًا على خوف موسى من فرعون وملئه. والقول باستثقال الجمع بين تثنيتين، فاللغة لا تكسر لمجرد الاستثقال لولا جوازه لغة. وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي باعتبار الحاكم والمحكوم عليه، والحكم إنما يضاف لمن صدر منه، لا من صدر عليه. الدليل الثاني: (ح-٢٩٠١) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (١). وجه الاستدلال: أنه جعل هذا الفضل لغير الفذ، وجعل الفذ في مقابل الجماعة، فدل على أن ما زاد على الفذ فهو جماعة. • ونوقش: بأنه قد يقال: إنما رتب هذا الفضل لصلاة الجماعة، وليس فيه تعرض لنفي درجة متوسطة بين الفذ والجماعة، كصلاة الاثنين مثلًا (٢). الدليل الثالث: (ح-٢٩٠٢) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سليمان الأسود، عن أبي المتوكل،

стр. 8310

عن أبي سعيد، أن رجلًا جاء، وقد صلى النبي ﷺ ، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه. [صحيح] (١). فدل على أن فضل الجماعة يحصل بالاثنين. (ح-٢٩٠٣) وقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق، أنه سمع عبد الله بن أبي بصير، يحدث، عن أبي بن كعب مرفوعًا، وفيه: ( … وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع رجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله). [صحيح لغيره] (٢). الدليل الرابع: (ح-٢٩٠٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، عن النبي ﷺ قال: إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما (٣). • ونوقش هذا: أن هذا اللفظ تفرد به خالد الحذاء، عن أبي قلابة، وقد رواه أيوب عن أبي قلابة، وخالف فيه خالدًا في أكثر من حرف، من ذلك: أن رواية أيوب ذكرت أنهم كانوا جماعة، ورواية خالد بأنهما اثنان. ورواية أيوب بأنه أمرهم بذلك في حال رجوعهم إلى أهلهم، ورواية خالد أنه أمرهم من حين خروجهم مسافرين. ورواية أيوب: (فليؤذن لكم أحدكم)، ولفظ خالد (فأذنا وأقيما) وظاهره أن كل واحد منهما يؤذن ويقيم لنفسه، وقد ترجم له النسائي في سننه، فقال: باب إقامة كل واحد لنفسه، وهذا بعيد، فلا بد من التأويل، أو توهيم خالد الحذاء.

стр. 8311

جاء في فتح الباري لابن رجب: «قال الإمام أحمد: لا أعلم أحدًا جاء به إلا خالدًا - يعني: في الأذان والإقامة في السفر -، وقال: هذا شديد على الناس» (١). وقد سبق تخريج الحديث في المجلد الأول (٢). الدليل الخامس: قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] فقال: (إِخْوَةٌ) واثنان من الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. قال مالك: «فمضت السنة أن الإخوة اثنان فصاعدًا» (٣). وقال ابن القيم: «قاعدة الفرائض أن كل حكم اختص به الجماعة عن الواحد اشترك فيه الاثنان وما فوقهما، كولد الأم، والبنات، وبنات الابن، والأخوات للأبوين أو للأب. والحجب هاهنا قد اختص به الجماعة، فيستوي فيه الاثنان وما زاد عليهما. وهذا هو القياس الصحيح والميزان الموافق لدلالة الكتاب، وفهم أكابر الصحابة. وأيضًا فإن الأمة مجمعة على أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] يدخل في حكمه الثنتان … » (٤). الدليل السادس: الإجماع، فقد حكاه جماعة، قال ابن رجب: «ولا نعلم خلافًا أن الجماعة تنعقد باثنين إذا كانا من أهل التكليف، ولو كان المأموم امرأة» (٥). وقال ابن قدامة: «وتنعقد الجماعة باثنين فصاعدًا. لا نعلم فيه خلافًا» (٦). وقال النووي: «قال أصحابنا: أقل الجمع اثنان: إمام ومأموم … وهذا

стр. 8312

لا خلاف فيه، ونقل الشيخ أبو حامد وغيره فيه الإجماع» (١). الدليل السابع: (ح-٢٩٠٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون عن الربيع بن بدر عن أبيه عن جده (عمرو بن جراد السعدي)، عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: الاثنان فما فوقهما جماعة. [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الثامن: ولأن لفظ (الجمع) من جهة الاشتقاق يفيد ضم الشيء إلى الشيء، وذلك حاصل بالاثنين، فالجماعة مأخوذة من معنى الاجتماع، وأقل ما يتحقق به الاجتماع اثنان. قال ابن عطية: «واستدل الجميع بأن أقل الجمع اثنان؛ لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، فالمعنى يقتضي أنها جمع» (٣).

стр. 8313

وقيل: أقل الجمع ثلاثة، ولا يطلق على ما دونها إلا مجازًا. وهذا القول يروى عن ابن عباس، ولا يصح عنه، وهو قول الحنفية والشافعية، وابن عقيل، ويروى عن مالك، ورجحه ابن حزم، وبه قال كثير من الأصوليين، وأكثر أئمة أهل اللغة (١). قال ابن أمير حاج في التقرير والتحبير: «كون أقل الجمع ثلاثة معزو إلى أكثر الصحابة والفقهاء، منهم أبو حنيفة ومالك في رواية، والشافعي، وأئمة اللغة» (٢). • وسبب الخلاف بين الفقهاء والأصوليين يرجع إلى ما يلي: الأمر الأول: أن يكون مرد الخلاف إلى أن جمهور الأصوليين لم يبنوا كثيرًا من أحكامهم في الأصول على أحكامهم في الفروع خلافًا للحنفية، فلا يوجد توافق بين أحكامهم الأصولية، وبين ما عليه الفتوى في فروعهم الفقهية، فالفقهاء يتفقون على أن الجماعة تنعقد باثنين، ويحصل لهما أجر الجماعة، وكذلك في المواريث، فالاثنان من الإخوة يردون الأم إلى السدس، وينبغي أن يكون القول في هاتين المسألتين فرعًا عن القول بأن أقل الجمع اثنان، وجمهور الأصوليين يذهبون إلى أن أقل الجمع ثلاثة

стр. 8314

مخالفين ما تقرر في مذاهبهم في الفروع. الأمر الثاني: أن يكون مرد الخلاف إلى التفريق بين الحكم الشرعي، والدلالة اللغوية، والحكم الشرعي قد يتفق مع اللغة وقد يختلف، وليس المطلوب أن يكون الحكم الشرعي فرعًا عن اللغة، كالإيمان في اللغة مجرد التصديق، وفي الشرع: قول وعمل واعتقاد، ولذلك عندما اعترض ابن عباس على عثمان باللغة: بأن الأخوَانِ في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة، فلماذا تحجب الأم إلى السدس بالأخوين؟ رد عليه عثمان بالإجماع الشرعي، وهو مقدم على الحقيقة اللغوية. فمحل الخلاف عند أهل اللغة في اللفظ المسمى ب (الجمع)، مثل قولهم: رجال ومسلمون، وغيره من جموع القلة هل يطلق على الاثنين، أو لا يطلق إلا على الثلاثة فما زاد، وهذا خلاف لغوي، وأما الحكم الشرعي فالفقهاء متفقون على أن ثواب الجماعة يحصل باثنين، ونقلت الإجماع فيما سبق، وكذلك الشأن في المواريث لم يخالف فيه إلا ابن عباس، ولم يصح عنه؛ لأنه يبعد أن يحكى الإجماع على أن الجماعة تنعقد باثنين، ثم يخالف ذلك جمهور أهل الأصول في أقل الجمع. الأمر الثالث: قد قال بعضهم: إن إطلاق الاثنين على الجمع من قبيل المجاز، وإطلاق الثلاثة فما زاد على الحقيقة، والله أعلم. الأمر الرابع: أن تكون اللغة أطلقت الجمع على الاثنين كما في مر معنا في الآيات الكريمة، والقرآن مصدر يؤخذ منه حكم اللغة، وليس العكس، وخصص العرف إطلاق الجمع على الثلاث فما زاد، كما قالوا: اختصاص لفظ الدابة بذوات الأربع عرفًا، وإن كان في أصل اللغة لكل ما دب. • دليل من قال: أقل الجمع ثلاثة: الدليل الأول: (ث-٧٥٧) ما رواه ابن جرير الطبري من طريق شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أنه دخل على عثمان ﵁ فقال: لم صار الأَخوانِ يردَّان الأم إلى السدس، وإنما قال الله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، والأخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة؟ فقال عثمان ﵀: هل أستطيع نقض أمر

стр. 8315

كان قبلي، وتوارثه الناس، ومضى في الأمصار؟ [ضعيف] (١). وجه الاستدلال: قال الرازي: «واعلم أن في هذه الحكاية دلالة على أن أقل الجمع ثلاثة؛ لأن ابن عباس ذكر ذلك مع عثمان، وعثمان ما أنكره، وهما كانا من صميم العرب، ومن علماء اللسان؛ فكان اتفاقهما حجة في ذلك» (٢). • ورد هذا: بأن أثر ابن عباس ضعيف، ولو صح لكان احتجاج عثمان بالإجماع قبله أقوى من اعتراض ابن عباس؛ لأن عثمان لم يرد قول ابن عباس من حيث الدلالة اللغوية، ولكن رده بعمل الأمة قبله، وإجماعهم عليه. قال الباجي في المنتقى: «إذا قلنا: إن أقل الجمع ثلاثة فإن هذا الحكم يثبت في الاثنين بالقياس؛ إذ كل حكم يتغير بالإخوة، فإنه يتغير بالاثنين منهم، كتغير فرض الإخوة للأم من الثلث إلى السدس» (٣).

стр. 8316

الدليل الثاني: أن أهل اللغة جعلوا الكلمة ثلاثة أقسام: مفرد، ومثنى، وجمع، وجعلوا للمثنى صيغة تخصه، وللجمع صيغة تخصه، فتقول: رجلان، ورجال، كما قسموا الضمائر إلى مفرد، ومثنى، وجمع، فتقول: هو وهي وهما وهم وهن، فيجب أن تكون التثنية ليست بجمع، كما أن الواحد ليس بجمع. ولذلك لفظ الجمع لا ينعت بالاثنين، وينعت بالثلاثة، فإنه يقال: رأيت رجالًا ثلاثة ولا يقال رأيت رجالًا اثنين. ويقال أيضًا: رأيت جماعةَ رجالٍ، ولا يقال: رأيت جماعةَ رجلينِ، فإن كانت الجماعة لا تنعت بالاثنين بحال عرفنا أنه لا يتناولها اسم الجمع بحال. • ويجاب بجوابين: الجواب الأول: أن إطلاق الجمع على الاثنين جاء في القرآن، وتقدم الاستشهاد بالآيات. الجواب الثاني: أن هناك فرقًا بين قولنا: أقل الجمع ثلاثة، وبين قولنا: ما تحصل به الجماعة، فأقل الجمع حكم لغوي، وأهل اللغة فرقوا بين المفرد والتثنية والجمع، فيقال: رجل، ورجلان، وثلاثة رجال، وليس كذلك حكم الجماعة، فإن طريقها الشرع، وصاحب الشرع أخبر أن ثواب الاثنين والثلاثة واحد، فالحكم الشرعي قد يكون موافقًا للغة، وقد يكون أعم أو أخص، وهو مقدم على الدلالة اللغوية، والله أعلم. • الراجح: أن الحكم بأن الاثنين جماعة في الصلاة مجمع عليه، سواء قلنا: أقل الجمع اثنان، أو قلنا: ثلاثة، وكذلك الشأن في الميراث، والله أعلم.

стр. 8317

المبحث الثاني في انعقاد الجماعة بالصبي المدخل إلى المسألة: • كل من صحت إمامته ومصافته انعقدت الجماعة به، وكل ذلك ثابت للصبي. • إذا صحت الجماعة بالمتنفل؛ لحديث: (من يتصدق على هذا) صحت الجماعة بالصبي بجامع أن كلًّا منهما متنفل. • أَمَّ عمرو بن سلمة قومه، وهو ابن ست أو سبع سنين؛ لكونه أكثرهم قرآنًا، وكل من صحت إمامته انعقدت به الجماعة؛ لكمال صلاته. • حديث: صففت أنا واليتيم والعجوز من ورائنا، فإذا صحت مصافة اليتيم المتنفل للبالغ، كان ذلك دليلًا على صحة انعقاد الجماعة به. • أَمَّ النبي ﷺ بابن عباس في صلاة الليل، فإذا صحت الجماعة بالصبي في النفل صح مثل ذلك في الفرض؛ لأن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل. • كان معاذ يصلي بقومه العشاء بعد أن يصلي فرضه مع النبي ﷺ ، فإذا لم يمنع المتنفل من الإمامة في الفريضة، لم يمنع أن تنعقد به الجماعة، مكلفًا كان أم صبيًّا. [م-٩٨٠] اختلف العلماء في انعقاد الجماعة بالصبي. فقيل: تنعقد الجماعة بالصبي مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والشافعية واختاره بعض المالكية، ورواية عن أحمد (١).

стр. 8318

قال في بدائع الصنائع: «أقل من تنعقد به الجماعة اثنان … وسواء كان ذلك الواحد رجلًا، أو امرأة، أو صبيا يعقل» (١). وقيل: لا تنعقد الجماعة بالصبي مطلقًا، فإذا صلى بالصبي كان في حكم المنفرد، وهو المعتمد في مذهب المالكية (٢). وقيل: لا تنعقد الجماعة بصبي، والإمام بالغ في الفرض، ويصح في النفل، وهو مذهب الحنابلة (٣). • دليل من قال: تصح مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٢٩٠٦) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (٤). وجه الاستدلال: قوله: (صلاة الجماعة تفضل) ف (أل) في قوله: (الجماعة) عام في كل من تصح صلاته، ومن خصص الجماعة بالبالغين فعليه الدليل، فالجماعة تنعقد باثنين

стр. 8319

كما مر معنا في المسألة السابقة، سواء أكان الاثنان مكلفين أم كان الاثنان غير مكلفين، أم كان أحدهما مكلفًا والآخر صبيًّا. الدليل الثاني: (ح-٢٩٠٧) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سليمان الأسود، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، أن رجلًا جاء، وقد صلى النبي ﷺ ، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه. [صحيح] (١). وجه الاستدلال: إذا صحت الجماعة بالمتنفل، صحت الجماعة بالصبي بجامع أن كلًّا منهما متنفل، والله أعلم. قال ابن رجب: «الصبي يصح نفله، والجماعة تنعقد بالمتنفل، وإن كان الإمام مفترضًا؛ بدليل قول النبي ﷺ : من يتصدق على هذا فيصلي معه» (٢). الدليل الثالث: (ح-٢٩٠٨) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته، فسألته (٣)، فقال في حديث طويل، وفيه: لما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حَقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة

стр. 8320

فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عَلَيَّ بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (١). دل الحديث على صحة إمامة الصبي، وهو متنفل في صلاة الفرض، وكل من صحت إمامته انعقدت به الجماعة لكمال صلاته. وإذا افترض أن النبي ﷺ لا يعلم فقد علم الله، فكان إقرار المولى دليلًا على صحة الصلاة، كما قال جابر: كنا نعزل، والقرآن ينزل، ولو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن، خاصة أن عمرو بن سلمة استمر إمامًا من صباه إلى شيخوخته. الدليل الرابع: (ح-٢٩٠٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: قوموا فأصلي لكم. قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله ﷺ ، وصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا … الحديث (٢). قال النووي: «وفيه أن للصبي موقفًا من الصف، وهو الصحيح المشهور من مذهبنا وبه قال جمهور العلماء» (٣). وإذا صحت مصافة الصبي انعقدت به الجماعة، قال ابن مفلح في الفروع: «وانعقاد الجماعة بالصبي ومصافته كإمامته» (٤).

стр. 8321

الدليل الخامس: (ح-٢٩١٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ﵁، أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع فيؤم قومه (١). وجه الدلالة: إذا لم يمنع المتنفل من الإمامة في صلاة الفرض، لم يمنع أن تنعقد به الجماعة، مكلفًا كان أم صبيًّا. • دليل من قال: لا تنعقد الجماعة بالصبي مطلقًا: لا أعلم لهم دليلًا من الشرع، وإنما قال المالكية: إن من صلى بصبي وحده حكمه في فضل الجماعة كمن صلى وحده، لم يحصل له فضل الجماعة؛ لأن صلاة الصبي نفل، ولم يقدموا دليلًا على مذهبهم فيما أعلم. وحديث ابن عباس في إمامة النبي ﷺ به في صلاة الليل رد عليهم، وما صح في النفل صح في الفرض. وحديث: (من يتصدق على هذا) كذلك. وحديث جابر في صلاة معاذ مع النبي ﷺ ، ورجوعه إلى قومه، وإمامته لهم رد عليهم في إبطال صلاة المتنفل بالمفترض. (ح-٢٩١١) وقد استدل لهم بعض العلماء بما رواه أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن، عن علي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه (٢). [إسناده منقطع ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وقفه] (٣).

стр. 8322

والحديث في رفع الإثم عن الصبي، وكونه لا يكتب عليه، لا يعني أنه لا يكتب له، فصلاته صحيحة، ومن صحت صلاته انعقدت به الجماعة. ولو صح حديث علي ﵁، وصح الاستدلال به لكان مخصصًا بحديث ابن عباس. والله أعلم. • دليل من قال: يصح في النفل دون الفرض: (ح-٢٩١٢) ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: بت عند خالتي، فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه. ورواه مسلم لكن من غير طريق سعيد بن جبير (١). فصحت إمامة النبي ﷺ بابن عباس في صلاة الليل، فاستدل به الحنابلة على صحة انعقاد الجماعة بالصبي في صلاة النفل. • ويجاب على هذا: بأن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل يدل على اختصاص الفعل بالفرض، والله أعلم. • الراجح: انعقاد الجماعة بالصبي مطلقًا في الفرض والنفل، والله أعلم.

стр. 8323

المبحث الثالث في القدر الذي يحصل به إدراك الجماعة المدخل إلى المسألة: • من فاته الركوع فاتته الركعة، وهذا لا نزاع فيه. • قال ﷺ : (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، ومفهومه: أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، وإذا لم تدرك صلاة الجماعة لم يدرك فضلها. • مفهوم الشرط حجة عند جمهور الأصوليين. • فوات الركوع يعني فوات بقية الركعة، وفوات ركعات الصلاة كلها يعني فوات ما بقي منها ومنه التشهد؛ ومن فاتته الصلاة لم يدرك فضل الجماعة. • فضل الجماعة لا يدرك إلا بإدراك صلاتها، ولا تدرك الصلاة إلا بإدراك ركعة منها. • كل جزء لا يعتد به إذا لحقته في الصلاة فإنك لم تدركه. • قوله ﷺ : (فما أدركتم فصلوا)، فالإدراك في العبادات له حكم شرعي، لا مدخل له في اللغة، فلا يفسر بمجرد اللحوق بالشيء، فإدراك الحج يكون بإدراك عرفة، وإدراك الصلاة يكون بإدراك الركعة. • الحديث قابل الإدراك بالفوات (فما أدركتم … وما فاتكم) فكل مقدار فاتنا من الصلاة فلم ندركه وإن لحقنا به. • من أدرك الركوع فقد أدرك القيام وإن فاته، ومن فاته الركوع فقد فاته السجود والجلسة بين السجدتين وإن لحق به، وبهذا افترق الإدراك اللغوي عن الإدراك الشرعي. • قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئًا من الأحكام، لا في الوقت، ولا في الجمعة، ولا في الجماعة. • أفتى ابن عمر وابن مسعود وأنس ﵃ أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، ولا يعلم لهم مخالف من الصحابة. • التفريق بين إدراك الجمعة وبين إدراك سائر الصلاة تفريق لا دليل عليه.

стр. 8324

[م-٩٨١] اتفق الفقهاء على أن من فاته إدراك الركوع فقد فاتته الركعة. قال النووي: «لا خلاف أنه لا يكون مدركًا للركعة، لكن يجب عليه متابعة الإمام فيما أدرك» (١). وقال ابن نجيم: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، وهو مجمع عليه» (٢). وقال أبو الوليد الباجي: «لا خلاف بين الأمة أن من أدرك السجدة من صلاة الإمام فإنه لا يعتد بها، وإنما يعتد بها إذا أدرك الركعة» (٣). (ث-٧٥٨) وروى مالك في الموطأ، عن نافع، أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يقول: إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة (٤). وإذا فاته الركوع في ركعات الصلاة كلها فقد فاتته الركعات بلا خلاف، إلا أنهم اختلفوا في إدراك فضل الجماعة بإدراك ما دون الركعة: فقيل: من كبر قبل سلام إمامه فقد أدرك الجماعة، زاد بعض الحنابلة: إن جلس قبل سلام إمامه، وقيل: أو قبل سلام الثانية. وهو مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية، والحنابلة، زاد الحنفية: حتى لو أدرك سجود السهو بعد السلام فقد أدرك الجماعة، وهو رواية عن أحمد (٥).

стр. 8325

وقال المالكية: لا تدرك الجماعة إلا بإدراك ركعة، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية (١). ففرق الجمهور بين فوات الركعة بفوات الركوع، وهذا محل اتفاق، وبين الحكم بإدراك الجماعة. قال ابن قدامة: «ومن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة وإلا فلا» (٢). ومعنى الإدراك: إدراك فضل الجماعة، لا حصولها فيما سُبِق به، فإنه فيه منفرد به حسًّا وحكمًا إجماعًا (٣). • دليل من قال: يدرك فضل الجماعة بإدراك جزء من الصلاة: الدليل الأول: (ح-٢٩١٣) روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة،

стр. 8326

وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (١). وجه الاستدلال: قوله: (فما أدركتم) اسم شرط عام فيما أدرك من الصلاة، فمن أدرك جزءًا من الصلاة يسمى مدركًا، وبه يدرك فضل الجماعة. • ونوقش: ما هو المقصود من الإدراك في الحديث؟ أهو الإدراك الشرعي أم اللحوق بالشيء: أي الإدراك الحسي؟ إن فسرنا الإدراك بالإدراك الشرعي، وهو الراجح، حيث جعل في مقابل الفوات، (فما أدركتم … وما فاتكم) فإذا فاتك الركوع فقد فاتك بقية الركعة، وإذا فاتتك ركعات الصلاة كلها إلا التشهد فقد فاتتك الصلاة، ومن فاتته الصلاة لم يدرك فضل الجماعة؛ لأنك لم تدرك منها شيئًا، فكل جزء من صلاتك لا تعتد به إذا صليت به مع الإمام فأنت لم تدركه، وبالتالي لا يدخل تحت قوله: (فما أدركتم فصلوا) فالحديث يأمرك بصلاة ما أدركت لا ما فاتك، فدخولك مع الإمام في جزء من الصلاة بعد أن فاتتك ركعات الصلاة كلها لا يعد إدراكًا شرعيًّا، لحديث أبي هريرة في الصحيحين: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة). مفهومه: أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، والإدراك في العبادات حكم شرعي، لا مدخل له في اللغة، وهو اللحوق بالشيء، فإدراك الحج يكون بإدراك عرفة، فمن فاته عرفة لم يدرك الحج، وإن كان قد بقي من الحج أركان كثيرة، وإدراك الصلاة يكون بإدراك ركعة، فمن أدرك من الصلاة أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، فكذلك قوله: (فما أدركتم فصلوا … ) هذا الإدراك لا سبيل في تفسيره تفسيرًا لغويًّا، وقد خصه الشارع بتفسير خاص، وهو إدراك ركعة، والله أعلم. وإن فسرنا الإدراك في قوله: (فما أدركتم فصلوا) باللحوق بالشيء، وليس بالإدراك الشرعي، وقلنا: إنك مأمور بالدخول مع الإمام في أي جزء من الصلاة وما دخلت فيه مع الإمام فقد أدركته ولو كان هذا الجزء من الصلاة بقدر تكبيرة الإحرام، فلا يجوز أن نرتب

стр. 8327

على هذا الإدراك اللغوي إدراكًا شرعيًّا بحيث نقول: من أدرك مقدار تكبيرة الإحرام مع الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك الصلاة، ومن أدركها فقد أدرك فضيلة الجماعة مع معارضة هذا للإجماع، أن من فاته الركوع فقد فاتته الركعة، وهذا يصدق على كل ركعات الصلاة ومن أدرك أقل من ركعة من الصلاة فقد فاتته الصلاة، ويجب عليه أن يصلي أربعًا. قال ابن تيمية: «قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئًا من الأحكام، لا في الوقت، ولا في الجمعة، ولا الجماعة، ولا غيرها، فهو وصف ملغى في نظر الشارع، فلا يجوز اعتباره … والنبي ﷺ إنما علق الأحكام بإدراك الركعة، فتعليقها بالتكبيرة إلغاء لما اعتبره واعتبار لما ألغاه وكل ذلك فاسد» (١). فقوله: (فما أدركتم فصلوا) عمومه: أن كل شيء صليناه مع الإمام فقد أدركناه، هذا العموم مخصوص بمفهوم حديث (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) فإن مفهومه أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة. وتخصيص العموم بالمفهوم جائز في أحد القولين عند الأصوليين، خاصة إذا كان التخصيص بمفهوم الشرط كما هو في مسألتنا. وقد احتج الجمهور بتخصيص العموم بمفهوم الصفة وهو أضعف، كما في قوله ﷺ : (في أربعين شاة شاة) (٢)، فإن منطوقه: وجوب الزكاة في الغنم سائمة كانت أم معلوفة. وحديث: (وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة) (٣)، مفهومه: لا زكاة في المعلوفة، فكان منطوق حديث في أربعين شاة شاة قد خص بمفهوم حديث: (في سائمة الغنم زكاة)، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٢٩١٤) ما رواه البخاري من طريق يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة

стр. 8328

العصر قبل أن تغرب الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فَلْيُتِمَّ صلاته (١). وجه الاستدلال: قول الرسول ﷺ : (إذا أدرك أحدكم سجدة) فالسجدة هنا على حقيقتها، أي: مقدار سجدة، وذكر السجدة تنبيهًا على أن الإدراك يحصل بجزء من الصلاة حتى يكون مدركًا لفضل الجماعة بإدراك تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام. ووجه ذلك: أن الأحاديث مرة تذكر الركعة (من أدرك ركعة)، ومرة (من أدرك سجدة)، فسبرنا أوصافهما، فوجدناهما يجمعان الركنية والفرضية، وأول الفروض تكبيرة الإحرام، فقدرناه بذلك، فمن أدرك من صلاة الإمام مقدار تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام فقد أدرك فضيلة الجماعة، والله تعالى أعلم. • ونوقش هذا: بأن المراد بالسجدة هي الركعة؛ لما يلي: أولًا: (ح-٢٩١٥) أن البخاري ومسلم قد رويا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة (٢). ورواه الشيخان من طريق مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة بلفظ: من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (٣). ثانيًا: (ح-٢٩١٦) روى مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه،

стр. 8329

عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع فقد أدركها، والسجدة إنما هي الركعة (١). فقوله: (والسجدة إنما هي الركعة) تفسير من الراوي، وهو أعلم بما روى. ثالثًا: قد ورد في السنة الصريحة إطلاق السجدة على الركعة. (ح-٢٩١٧) فقد روى البخاري، قال ﵀: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: صليت مع النبي ﷺ سجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة، فأما المغرب والعشاء ففي بيته، وأخرجه مسلم (٢). (ح-٢٩١٨) وروى مسلم من طريق سعيد بن أبي هند، أن أبا مرة مولى عقيل، حدثه، أن أم هانئ حدثته عن رسول الله ﷺ في قصة اغتسال النبي ﷺ عام الفتح وفيه: ثم قام فصلى ثَمَانِيَ سجداتٍ وذلك ضُحًى (٣). والمراد: ثمَاَنِيَ ركعاتٍ … والأمثلة في هذا كثيرة. قال القرطبي: «أهل الحجاز يسمون الركعة سجدة» (٤). رابعًا: قال الباجي: «إنه قد شرط إدراك السجدة، ومن لم يدرك الركعة فلم يدرك السجدة، بدليل أنه لا يعتد بها من صلاته» (٥). فعلم إطلاق السجدة على الركعة في العُرْفِ. الدليل الثالث: (ح-٢٩١٩) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، أن سعيد بن الحكم، حدثهم، أخبرنا نافع بن يزيد، حدثني يحيى بن أبي سليمان، عن

стр. 8330

زيد بن أبي العتاب، وابن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركعة، فقد أدرك الصلاة (١). [ضعيف] (٢).

стр. 8331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8332

الدليل الرابع: (ث-٧٥٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا إسماعيل بن علية، عن كثير بن شنظير، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: إذا انتهى الرجل إلى القوم وهم قعود في آخر صلاتهم فقد دخل في التضعيف، وإذا انتهى إليهم، وقد سلم الإمام، ولم يتفرقوا فقد دخل في التضعيف. وقال عطاء: كان يقال إذا خرج من بيته وهو ينويهم فأدركهم أو لم يدركهم فقد دخل في التضعيف. [موقوف على أبي هريرة، وأرجو أن يكون حسنًا] (١). وروي عن أبي هريرة مرفوعًا، ولا يصح. (ح-٢٩٢٠) فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز ابن محمد، عن محمد بن طحلاء، عن محصن بن علي، عن عوف بن الحارث، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله مثل أجر من صلاها، أو حضرها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 8333

• ويناقش: هذا له أجر الجماعة بالنية، وليس بإدراك الجماعة؛ لأنه حكم له بالتضعيف حتى لو أنه انتهى إلى المصلين وقد سلَّم الإمام، وفرق بين إدراك الشيء حقيقة، وبين احتساب الثواب له بالنية، كما أن هذا مشروط بشرطين: الأول: أن يكون من عادته الصلاة جماعة. الثاني: أن يتخلف لعذر، وليس عن تهاون وتفريط. (ح-٢٩٢١) لما رواه البخاري من طريق العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ : إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا (١). فاشترط الشارع أن يكون العامل معذورًا من مرض أو سفر، وأنه يكون قبل

стр. 8334

العذر من عادته العمل، وهذا من بركة المحافظة على الطاعة وقت القدرة. قال ابن تيمية: «ليس كل معذور يكتب له ما كان يعمل؛ بل إنما يكتب لمن كانت نيته -لولا العذر- أن يعمل، ومن عادته ذلك، فهذا يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح، أما من لم يكن له نية، ولا عادة، كيف يكتب له ما لم يكن من عادته العمل به؟!» (١). وقال ابن رجب: « … لو كان المصلي فذًّا له عذر، ولم يكن له عادة بالصلاة في حال عدم العذر جماعة، لم يكتب له سوى صلاة واحدة» (٢). اه (ح-٢٩٢٢) وروى الإمام البخاري من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر (٣). الدليل الخامس: أن الحكم إذا عُلِّقَ بالإدراك، فإن الإدراك يستوي فيه القليل والكثير، كما يجب على المسافر الإتمام إذا اقتدى بمقيم في جزء من الصلاة، فكذلك يدرك فضل الجماعة بإدراك جزء من الصلاة، فالصلاة لا تتجزأ، فإذا أدرك بعضها أدركها كلها. • ويجاب: وجوب الإتمام على المسافر محل خلاف بين الفقهاء، وهو فرع عن الخلاف في هذه المسألة، فلا يحتج على أصل المسألة بما تفرع عنها. فالإمام مالك يرى أن المسافر إذا لم يدرك من صلاة المقيم ركعة، صلى ركعتين؛ وإن أدرك مع المقيم ركعة صلى أربعًا؛ فالإمام طَرَدَ أصلَه، فلا فرق عنده بين إدراك الوقت، وإدراك حكم الجماعة، ووجوب الائتمام على المسافر خلف المقيم، فيشترط

стр. 8335

للجميع إدراك ركعة، وهو قول الزهري وقتادة والحسن والنخعي. وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: إذا أدرك المسافر من صلاة المقيم جزءًا من صلاته قبل التسليم صلى صلاة مقيم أربعًا، فطردوا أصلهم، واختلافهم في هذه المسألة فرع عن اختلافهم في مسألة الباب، وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى في موضعها من البحث في فصل مستقل، والله أعلم. الدليل السادس: (ح-٢٩٢٣) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا حاجب بن مالك: ثنا عباد بن الوليد الغبري: ثنا صالح بن زريق المعلم: ثنا محمد بن جابر، عن أبان، عن طارق، عن كثير بن شنظير، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فضل الجماعة قبل أن يفترقوا، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك فضل الجماعة. قال: وكنا نتحدث أن من أدرك القوم قبل أن يفترقوا فقد أدرك فضل الجماعة. [ضعيف] (١). الدليل السابع: (ث-٧٦٠) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن ابن مسعود أدرك قومًا جلوسًا في آخر صلاتهم، فقال: قد أدركت إن شاء الله (٢). [ضعيف] (٣). • وأجيب: أولًا: أن هذا مخالف لما ثبت عن ابن مسعود. (ث-٧٦١) فقد روى الطبراني من طريقين عن الثوري.
следующие страницы →