← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8332

الدليل الرابع: (ث-٧٥٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا إسماعيل بن علية، عن كثير بن شنظير، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: إذا انتهى الرجل إلى القوم وهم قعود في آخر صلاتهم فقد دخل في التضعيف، وإذا انتهى إليهم، وقد سلم الإمام، ولم يتفرقوا فقد دخل في التضعيف. وقال عطاء: كان يقال إذا خرج من بيته وهو ينويهم فأدركهم أو لم يدركهم فقد دخل في التضعيف. [موقوف على أبي هريرة، وأرجو أن يكون حسنًا] (١). وروي عن أبي هريرة مرفوعًا، ولا يصح. (ح-٢٩٢٠) فقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا عبد العزيز ابن محمد، عن محمد بن طحلاء، عن محصن بن علي، عن عوف بن الحارث، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله مثل أجر من صلاها، أو حضرها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 8333

• ويناقش: هذا له أجر الجماعة بالنية، وليس بإدراك الجماعة؛ لأنه حكم له بالتضعيف حتى لو أنه انتهى إلى المصلين وقد سلَّم الإمام، وفرق بين إدراك الشيء حقيقة، وبين احتساب الثواب له بالنية، كما أن هذا مشروط بشرطين: الأول: أن يكون من عادته الصلاة جماعة. الثاني: أن يتخلف لعذر، وليس عن تهاون وتفريط. (ح-٢٩٢١) لما رواه البخاري من طريق العوام، حدثنا إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي، قال: سمعت أبا بردة، واصطحب هو ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يزيد يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله ﷺ : إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا (١). فاشترط الشارع أن يكون العامل معذورًا من مرض أو سفر، وأنه يكون قبل

стр. 8334

العذر من عادته العمل، وهذا من بركة المحافظة على الطاعة وقت القدرة. قال ابن تيمية: «ليس كل معذور يكتب له ما كان يعمل؛ بل إنما يكتب لمن كانت نيته -لولا العذر- أن يعمل، ومن عادته ذلك، فهذا يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح، أما من لم يكن له نية، ولا عادة، كيف يكتب له ما لم يكن من عادته العمل به؟!» (١). وقال ابن رجب: « … لو كان المصلي فذًّا له عذر، ولم يكن له عادة بالصلاة في حال عدم العذر جماعة، لم يكتب له سوى صلاة واحدة» (٢). اه (ح-٢٩٢٢) وروى الإمام البخاري من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة، فقال: إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر (٣). الدليل الخامس: أن الحكم إذا عُلِّقَ بالإدراك، فإن الإدراك يستوي فيه القليل والكثير، كما يجب على المسافر الإتمام إذا اقتدى بمقيم في جزء من الصلاة، فكذلك يدرك فضل الجماعة بإدراك جزء من الصلاة، فالصلاة لا تتجزأ، فإذا أدرك بعضها أدركها كلها. • ويجاب: وجوب الإتمام على المسافر محل خلاف بين الفقهاء، وهو فرع عن الخلاف في هذه المسألة، فلا يحتج على أصل المسألة بما تفرع عنها. فالإمام مالك يرى أن المسافر إذا لم يدرك من صلاة المقيم ركعة، صلى ركعتين؛ وإن أدرك مع المقيم ركعة صلى أربعًا؛ فالإمام طَرَدَ أصلَه، فلا فرق عنده بين إدراك الوقت، وإدراك حكم الجماعة، ووجوب الائتمام على المسافر خلف المقيم، فيشترط

стр. 8335

للجميع إدراك ركعة، وهو قول الزهري وقتادة والحسن والنخعي. وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: إذا أدرك المسافر من صلاة المقيم جزءًا من صلاته قبل التسليم صلى صلاة مقيم أربعًا، فطردوا أصلهم، واختلافهم في هذه المسألة فرع عن اختلافهم في مسألة الباب، وسوف يأتي بحثها إن شاء الله تعالى في موضعها من البحث في فصل مستقل، والله أعلم. الدليل السادس: (ح-٢٩٢٣) ما رواه ابن عدي، قال: حدثنا حاجب بن مالك: ثنا عباد بن الوليد الغبري: ثنا صالح بن زريق المعلم: ثنا محمد بن جابر، عن أبان، عن طارق، عن كثير بن شنظير، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك فضل الجماعة قبل أن يفترقوا، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك فضل الجماعة. قال: وكنا نتحدث أن من أدرك القوم قبل أن يفترقوا فقد أدرك فضل الجماعة. [ضعيف] (١). الدليل السابع: (ث-٧٦٠) ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن ابن مسعود أدرك قومًا جلوسًا في آخر صلاتهم، فقال: قد أدركت إن شاء الله (٢). [ضعيف] (٣). • وأجيب: أولًا: أن هذا مخالف لما ثبت عن ابن مسعود. (ث-٧٦١) فقد روى الطبراني من طريقين عن الثوري.

стр. 8336

ورواه أيضًا من طريق شعبة، كلاهما عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة (١). [صحيح]. (ث-٧٦٢) وروى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ، عن ابن مسعود، قال: من فاتته الركعة الآخرة فليصل أربعًا (٢). [صحيح]. فالأثر الأول منطوقه: الصلاة تدرك بإدراك ركعة، والأثر الثاني: فوات الصلاة بفوات الركعة الأخيرة. ثانيًا: لو صح فإن المعنى قد أدركت الأجر، وليس الصلاة. (ث-٧٦٣) فقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن حماد، قال: إذا أدركهم جلوسًا في آخر الصلاة يوم الجمعة، صلى ركعتين، قال معمر: قال قتادة: يصلي أربعًا، فقيل لقتادة: فإن ابن مسعود جاءهم جلوسًا في آخر الصلاة، فقال لأصحابه: اجلسوا، أدركتم إن شاء الله، فقال قتادة: إنما يقول: أدركتم الأجر (٣). [صحيح] (٤).

стр. 8337

• دليل من قال: فضل الجماعة لا يدرك إلا بإدراك ركعة: الدليل الأول: علق الشارع إدراك الصلاة بإدراك ركعة، وعلق إدراك الوقت بإدراك ركعة، فكذلك إدراك فضل الجماعة لا يكون إلا بإدراك ركعة. (ح-٢٩٢٤) فقد روى البخاري ومسلم قد رويا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة (١). (ح-٢٩٢٥) وروى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن بسر بن سعيد، وعن الأعرج، حدثوه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ ، قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر (٢). فالحديث الأول في بيان إدراك الصلاة، والحديث الثاني في بيان إدراك الوقت، والاحتجاج بهما مأخوذ من المفهوم، فالحديثان لهما منطوق ومفهوم. فمنطوق حديث (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة). ومفهومه: أن من أدرك أقل من ركعة من الصلاة لم يدرك الصلاة. ومنطوق الحديث الثاني: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر). ومفهومه: أن من أدرك من الوقت أقل من ركعة فقد فاته الوقت، والاحتجاج بالمفهوم خاصة مفهوم الشرط عليه أكثر الأصوليين، ولو كان إدراك أقل من ركعة بمنزلة الركعة لم يكن لتخصيص الركعة معنى. وتكبيرة الإحرام لا تسمى ركعة،

стр. 8338

لا شرعًا، ولا عرفًا، ولا لغة. قال ابن تيمية: «قدر التكبيرة لم يعلق به الشارع شيئًا من الأحكام، لا في الوقت، ولا في الجمعة، ولا الجماعة، ولا غيرها. فهو وصف ملغى في نظر الشارع، فلا يجوز اعتباره … فالنبي ﷺ إنما علق الأحكام بإدراك الركعة، فتعليقها بالتكبيرة إلغاء لما اعتبره، واعتبار لما ألغاه وكل ذلك فاسد» (١). الدليل الثاني: (ح-٢٩٢٦) ما رواه مسلم من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، به، بلفظ: من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة (٢). [قوله: (مع الإمام) انفرد بذكرها يونس بن يزيد، على اختلاف عليه في ذكرها، وقد رواه أصحاب الزهري مالك، وعبيد الله بن عمر وغيرهما ولم يذكروها، وهو المحفوظ، وقد أشار مسلم إلى إعلالها] (٣). الدليل الثالث: (ث-٧٦٤) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا هشيم، قال أخبرنا زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله: من أدرك ركعة من الجمعة فليصلِّ إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع فليصلِّ أربعًا. [صحيح] (٤). (ث-٧٦٥) وروى ابن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن نافع،

стр. 8339

عن ابن عمر، قال: من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى. [صحيح عن ابن عمر موقوفًا] (١).

стр. 8340

(ث-٧٦٦) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، وسعيد بن المسيب، أنهما قالا: من أدرك من الجمعة ركعة، فليصلِّ إليها أخرى. [صحيح] (١). وجه الاستدلال: إذا كانت الجمعة لا تدرك إلا بركعة، فالتفريق بين إدراك الجمعة وبين إدراك سائر الصلوات، أو التفريق بين إدراك الجمعة والجماعة غير صحيح، فالكل لا يدرك إلا بركعة. قال ابن تيمية: «الجمعة لا تدرك إلا بركعة، كما أفتى به أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأنس، وغيرهم، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة، والتفريق بين الجمعة والجماعة غير صحيح، ولهذا أبو حنيفة طرد أصله، وسوى بينهما، ولكن الأحاديث الثابتة وآثار الصحابة تبطل ما ذهب إليه» (٢).

стр. 8341

• الراجح: أن فضل الجماعة لا يدرك إلا بإدراك صلاتها، ولا تدرك الصلاة إلا بإدراك ركعة منها.

стр. 8342

المبحث الرابع في حكم الخروج من المسجد بعد الأذان المدخل إلى المسألة: • وَصْفُ أبي هريرة للخارج من المسجد بعد الأذان بأنه عاصٍ للرسول ﷺ يحتمل أنه قاله بتوقيف فيكون مرفوعًا، ويحتمل أنه قاله اجتهادًا فيكون موقوفًا، والوقف هو المتيقن، ولا يصار إلى الرفع مع الاحتمال صيانة للسنة. • يحتمل أن أبا هريرة ممن يرى وجوب صلاة الجماعة، والصحابة مختلفون في هذه المسألة، وعليه يحمل قول أبي هريرة على من خرج بنية ترك صلاة الجماعة. • من يرى صلاة الجماعة واجبة قال بتحريم الخروج كالحنفية والحنابلة، ومن يرى صلاة الجماعة سنة أو فرض كفاية قال بكراهة الخروج بعد الأذان، فرتبوا حكم الخروج على حكم الجماعة. • استثنى كثير من العلماء من الكراهة الخارج بنية الرجوع، أو لكونه إمامًا في مسجد آخر، فرتبوا الحكم على ما يترتب على الخروج لا على الخروج نفسه. • يصح لكل مجتهد -فضلًا عن الصحابي- أن يصف مرتكب ما يراه محرمًا بأنه عاص لله ولرسوله، ولا يقتضي ذلك رفعه. • لا فرق بين أن يقول الصحابي لا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان وهو موقوف بالاتفاق، وبين وصفه لمن خرج بأنه عاص للرسول ﷺ . • قول الصحابي: (فقد عصى)، أو قوله: (فقد عصى الله ورسوله) بمعنى واحد؛ لأن عصى فعل متعدٍ لا بد له من معمول، تارة يظهر، وتارة يقدر، وهو لا يصدق إلا على من تجب طاعته، فإضماره كإظهاره في الحكم الشرعي. • كون الصحابي ديانة لا يطلق التحريم إلا على ما ظهر له تحريمه من الشريعة، هذا يصدق على كل المحرمات التي حكاها الصحابة موقوفة عليهم، هو لا يمنع من الحكم عليه بالوقف.

стр. 8343

[م-٩٨٢] اختلف العلماء في حكم الخروج من المسجد بعد الأذان: فقيل: يكره خروجه إلا من عذر وهو مذهب المالكية والشافعية (١). واستثنى المالكية الرجل الذي سبق وصلى في جماعة فإن له الخروج من المسجد، ولو بعد الأذان والإقامة (٢). وقيل: لا يجوز الخروج من المسجد إلا لعذر، اختاره بعض المالكية، وهو ظاهر الموطأ، ومذهب الحنابلة، واختيار ابن حزم، وهو مقتضى مذهب الحنفية حيث قالوا: يكره تحريمًا (٣). واستثنى الحنفية الرجل الذي قد صلى فرضه، ولو منفردًا، فله الخروج بعد الأذان ما لم يشرع في الإقامة، أو تكون الصلاة مما لا تشرع إعادتها عندهم، وهي

стр. 8344

الصبح والعصر والمغرب، وهي مسألة سبق بحثها في مسألة مستقلة (١). قال ابن عابدين: «وكره تحريمًا للنهي» يعني الخروج من المسجد (٢). وقال ابن نجيم: «الكراهة تحريمية، وهي الْمَحْمَلُ عند إطلاقها» (٣). وملخص ما تقدم أن الخروج من المسجد بلا عذر دائر بين الكراهة والتحريم. قال ابن تيمية: «والخروج من المسجد بعد الأذان منهي عنه، وهل هو حرام أو مكروه؟ في المسألة وجهان .... » (٤). وقولنا: بلا عذر، قيد يخرج به الخروج من المسجد لعذر، فيجوز، ومن الأعذار: الخروج لتحصيل الطهارة. (ح-٢٩٢٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قيامًا، فخرج إلينا رسول الله ﷺ ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: مكانكم. ثم رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه (٥). فدل الحديث على جواز الخروج من المسجد بعد الأذان للضرورة الشرعية، ويلحق بالجنب المحدث، والراعف، والحاقن، ونحوهم وكذا من يكون إمامًا

стр. 8345

لمسجد آخر، ومن في معناه (١). وترجم له البخاري: هل يخرج من المسجد لعلة؟ قال ابن رجب: «مقصود البخاري بهذا الباب: أنه يجوز لمن كان في المسجد بعد الأذان أو بعد الإقامة أن يخرج منه لعذر، والعذر نوعان: أحدهما: ما يحتاج إلى الخروج معه من المسجد، ثم يعود لإدراك الصلاة فيه، مثل أن يذكر أنه على غير طهارة، أو ينتقض وضوؤه حينئذ، أو يدافعه الأخبثان، فيخرج للطهارة، ثم يعود فيلحق الصلاة في المسجد. وعلى هذا: دل حديث أبي هريرة المخرج في هذا الباب. والثاني: أن يكون العذر مانعًا من الصلاة في المسجد كبدعة إمامه ونحوه، فيجوز الخروج منه أيضًا للصلاة في غيره، كما فعل ابن عمر ﵁» (٢). (ث-٧٦٧) فقد روى أبو داود، قال: حدثنا محمد بن كثير: ثنا سفيان: حدثنا أبو يحيى القتَّات، عن مجاهد، قال: كنت مع ابن عمر، فثوَّب رجل في الظهر أو العصر، قال: اخرج بنا؛ فإن هذه بدعة (٣). [وفي إسناده أبو يحيى القتات فيه لين، إلا أن الإمام أحمد، قال: رواية سفيان عنه مقاربة، وقد توبع] (٤). وقال الترمذي في السنن: «وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم: أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر: أن يكون على غير وضوء، أو أمر لا بد منه» (٥). ومن الأعذار أن يكون الخروج بعد الأذان الأول للصبح، أو أن يكون المؤذن قد أخطأ في الأذان.

стр. 8346

قال ابن رجب: «فإذا أذن قبل الوقت، فإن كان لغير الفجر فلا عبرة بهذا الأذان؛ لأنه غير مشروع، وإن كان للفجر فيجوز الخروج من المسجد بعد الأذان قبل طلوع الفجر للمؤذن نص عليه الإمام أحمد» (١). وجاء في شرح البخاري لابن رجب: «رخص فقهاء أهل الكوفة -منهم: سفيان وغيره - في أن يخرج المؤذن من المسجد بعد أذانه للأكل في بيته» (٢). اه وهل هذا خاص بالأكل أو يجوز الخروج لعموم الحاجات، ولو لم يكن مضطرًّا؟ أما الخروج للأكل فالمصلحة عائدة للصلاة؛ حتى جاء في السنة إذا قدم الطعام، وأقيمت الصلاة أن يبدأ بالطعام فلا يقوم حتى يقضي حاجته منه، وأما غير الطعام، فيتعلق الأمر بحكم الخروج من المسجد بعد الأذان، فإن رجحنا القول بالكراهة، فالحاجة ترفعه؛ لأنه لا مكروه مع الحاجة. وإن رجحنا تحريم الخروج لم يخرج إلا لما لا بد له منه. إذا وقفت على هذا ننتقل إلى ذكر الأدلة. • دليل من قال: يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان: الدليل الأول: (ح-٢٩٢٨) روى مسلم من طريق إبراهيم بن المهاجر وأشعث بن أبي الشعثاء المحاربي، عن أبي الشعثاء قال: كنا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٣). وجه الاستدلال: لا يطلق العصيان إلا على ترك واجب، قال ابن عبد البر: لا يختلفون في هذا وذاك، أنهما مسندان مرفوعان يعني: هذا الحديث، وقول أبي هريرة في إجابة الدعوة: (ومن لم يأت

стр. 8347

الدعوة، فقد عصى الله ورسوله) (١). وقال ابن بطال: قوله: «هذا الحديث موقوف على أبي هريرة إلا أن قوله: (عصى الله ورسوله) يقضي برفعه وقد أخرجه أهل التصنيف في المسند … ومثل هذا لا يكون رأيًا، وإنما يكون توقيفًا» (٢). وقال أبو العباس القرطبي: «محمول على أنه حديث مرفوع إلى رسول الله ﷺ ؛ بدليل ظاهر نسبته إليه في معرض الاحتجاج به، وما كان يليق بواحد منهم للذي عُلِم من دينهم، وأمانتهم، وضبطهم، وبعدهم عن التدليس، ومواقع الإيهام، وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان، فأطلق لفظ المعصية» (٣). • ونوقش هذا: بأن العلماء قد اختلفوا في قول أبي هريرة: (أما هذا فقد عصى أبا القاسم) أهو موقوف عليه، أم له حكم الرفع؟ وقد حكى القول بالوقف ابن بطال والمنذري وابن سيد الناس في النفح الشذي، والعيني في شرح سنن أبي داود، وابن الهمام في فتح القدير عن جماعة لم يسموهم (٤). فوصف الفعل بمعصية النبي يحتمل أن أبا هريرة أراد من هذه النسبة الرفع إلى النبي ﷺ وأن ذلك يقتضي مخالفة أمر المعصوم أو نهيه. ويحتمل أن أبا هريرة أطلق ذلك اجتهادًا منه حيث رأى تحريم الفعل، ويصح لكل مجتهد فضلًا عن الصحابي أن يصف مرتكب ما يراه محرمًا بأنه عاص لله ولرسوله، ولا فرق بين أن يقول الصحابي: لا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان، وهو موقوف بالاتفاق، وبين وصفه لمن خرج بأنه عاص للرسول ﷺ ،

стр. 8348

وكون الصحابي ديانة لا يطلق التحريم إلا على ما ظهر له تحريمه من الشريعة، هذا يصدق على كل المحرمات التي حكاها الصحابة موقوفة عليهم، وهو لا يمنع أن يكون التحريم منسوبًا إليهم، لا إلى السنة. وقضية الاحتجاج بقول الصحابي هذه مسألة أخرى مختلف فيها بين الأصوليين، ومن يحتج بقول الصحابي يضع له شروطًا، منها ألا يخالف نصًّا، ولا يخالف قول صحابي آخر. قال ابن حجر: «لم يتعرض ابن الصلاح إلى بيان حكم ما ينسب الصحابي فاعله إلى الكفر أو العصيان، وذكر أمثلة، ومنها: قوله في الخارج من المسجد بعد الأذان: (أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ) .... فهذا ظاهره أن له حكم الرفع، ويحتمل أن يكون موقوفًا؛ لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد، والأول أظهر، بل حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه مسند» (١). وإذا تردد النص بين الوقف والرفع فالوقف هو المتيقن صيانة للسنة، ولا يصار إلى الرفع مع الاحتمال، فنأخذ بالمتيقن وهو الوقف حتى يثبت الرفع. الدليل الثاني: (ح-٢٩٢٩) ما رواه الطبراني في الأوسط، قال: حدثنا علي بن سعيد الرازي قال: أخبرنا أبو مصعب قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم قال: حدثني أبي، وصفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه، إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق. [المحفوظ أنه من رواية سعيد بن المسيب مرسلًا] (٢).

стр. 8349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8350

الدليل الثالث: (ح-٢٩٣٠) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: حدثنا عبد الله ابن وهب، قال: أنبأنا عبد الجبار بن عمر، عن ابن أبي فروة، عن محمد بن يوسف مولى عثمان بن عفان، عن أبيه، عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج، لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو منافق. [ضعيف جدًّا] (١). الدليل الرابع: الأذان استدعاء للغائب للصلاة في المسجد، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] فإذا خرج الحاضر في المسجد بعد النداء كان في هذا مخالفة لمقتضى النداء (حي على الصلاة حي على الفلاح) وقد يقال: إن ذلك المسجد قد تعيَّن لتلك الصلاة بعد أن أدركه النداء والصلاة، وهو في المسجد، والله أعلم. • دليل من قال: يكره خروجه من المسجد: رغم أن القول بالكراهة هو مذهب الشافعية والمالكية ولم أطلع في كتب الشافعية والمالكية على أدلتهم وسأحاول أن أتلمس أدلتهم بما أعلم من مذهبهم، فمن ذلك: الأول: أن الخارج من المسجد بعد النداء قد ترك الجماعة، والجماعة عند

стр. 8351

المالكية والشافعية ليست واجبة، فهي عندهم إما سنة، وإما فرض كفاية، وترك مثل ذلك لا يبلغ التحريم، بل الكراهة. الثاني: حديث أبي هريرة (أما هذا فقد عصى أبا القاسم) يحتمل أن يكون أبو هريرة قال هذا اجتهادًا منه؛ لجواز إحالة الإثم على ما ظهر له من القواعد، ويحتمل أن أبا هريرة يرى وجوب صلاة الجماعة، والصحابة مختلفون في هذه المسألة، فقال ذلك بناء على ما ترجح له في حكم الجماعة، وعليه يحمل قول أبي هريرة على من خرج بنية ترك صلاة الجماعة، ولذلك استثنى بعض العلماء من خرج بنية الرجوع، أو خرج لكونه إمامًا في مسجد آخر، فرتبوا التحريم لا على الخروج نفسه، ولكن على ما يترتب عليه. الثالث: ذكر بعضهم أن المعصية قد تطلق ويراد بها الكراهة مجازًا لما بينهما من مطلق المخالفة للنهي كما ذكر بعض الأصوليين، وهذا كقوله ﷺ : (من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني) (١)، مع أن ترك الرمي ونسيانه مكروه أو أنه محمول على نية ترك الجهاد. وفي إطلاق المعصية على المكروه بُعْدٌ. الرابع: أن النبي ﷺ قد هم بالخروج من المسجد بعد إقامة الصلاة وقبل أن يصلي كما في حديث أبي هريرة (والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال

стр. 8352

فأحرق عليهم بيوتهم) متفق عليه. فلو كان الخروج محرمًا مطلقًا لم يهم النبي ﷺ بالخروج قبل أداء الصلاة وبعد الإقامة، فهذا الحديث دليل على أن الخروج مكروه؛ لأن الحاجة أباحته، والمحرم لذاته لا تبيحه إلا الضرورة. • الراجح: أن الخروج من المسجد بعد النداء مكروه؛ لأن العلماء اعتبروا الحاجة تبيح الخروج، فلو كان محرمًا لم تبحه إلا الضرورة.

стр. 8353

الفصل التاسع في إعادة الصلاة مع الجماعة المبحث الأول في إعادة الصلاة لمن صلى وحده المدخل إلى المسألة: • لا يشرع لمن صلى منفردًا حتى فرغ من صلاته أن يعمد إلى جماعة بقصد الإعادة طلبًا لتعويض ما فاته من فضل الجماعة؛ لعدم الدليل. • الأصل أن ما فات لا يستدرك إلا بدليل، ومنه فضيلة الجماعة. • من ادعى أن فضيلة الجماعة تستدرك بإعادتها نفلًا في جماعة أخرى فعليه الدليل. • لا يصح رفض العبادة الصحيحة بعد الفراغ منها؛ لأنه بالفراغ منها سقط التكليف، ومن ادَّعى رجوعه بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل. • إن أعاد المصلي بالجماعة ما صلاه منفردًا بنية الفريضة فقد خالف قوله ﷺ (فإنها له نافلة)، ولزم منه إما تكرار الفرض، وهو غير مشروع، وإما رفض الأولى بعد الفراغ منها، وهذا باطل. وإن أعادها بنية النفل لم يصح قصد الإعادة بنية تعويض فضل الجماعة؛ لعدم الدليل. • المتصدق على المنفرد؛ استدراك لفضل الجماعة قبل فواته، والإعادة من المتصدق نفل مستأنف لا علاقة له بما صلاه منفردًا أو مع جماعة. • إعادة الصلاة نفل مقيد بسبب، ولهذا جاز في وقت النهي، وجاز إعادة العشاء أربعًا مع أن صلاة الليل مثنى مثنى. • كل صلاة مقيدة بسبب لا يصح فعلها بدونه، ومنه إعادة الفريضة. • لو قيل بإعادة الصلاة بلا سبب للزم إعادتها ثالثة ورابعة، وهذا لا أصل له.

стр. 8354

• إعادة الفريضة من ذوات الأسباب، ولذلك جاز في وقت النهي. • الأسباب المشروعة لإعادة الصلاة أربعة: إما لأن الصلاة أقيمت، وهو في المسجد، والباعث دفع التهمة، وإما التصدق على من كان يصلي منفردًا قبل الفراغ منها، وإما إعادة الصلاة خلف من يؤخر الصلاة من أئمة الجور، وإما إعادة الصلاة إمامًا لجماعته إذا كان قد صلى فرضه قبلهم، كما كان يفعل معاذ ﵁، ولم يثبت شرعًا من الأسباب قصد الإعادة طلبًا لتعويض ما فاته من أجر الجماعة، ومن ادعاه فعليه الدليل. • قال ﷺ : (إذا أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم) ولم يخص صلاة دون صلاة، وقد وقع ذلك في صلاة الصبح، وهو وقت نهي، وقياس العصر عليه من قياس النظير على النظير، وباقي الصلوات قياس على الصبح، وهو من قياس الأولى، إذا اعتبرنا مفهوم الموافقة من باب القياس. • القول بأنه لا يجوز إعادة المغرب؛ لأنه تنفل بثلاث، هذا إنما ينصرف إلى التطوع المطلق، وهو الذي لا يتقيد بوقت، ولا سبب. [م-٩٨٣] إذا صلى الرجل فرضه منفردًا فأراد أن يعيد الفرض منفردًا من غير خلل دعاه إلى إعادة الصلاة، فلا تشرع الإعادة؛ لأن الإعادة بلا سبب مشروع بدعة. قال في تحفة المحتاج: «إعادة الصلاة مع الانفراد لغير وقوع خلل في صحتها لا تجوز، فلا تنعقد» (١). وقال الخطابي: «إعادة الصلاة الواحدة مرة بعد أخرى في اليوم الواحد إذا كان لها سبب جائزة، وإنما جاء النهي عن أن يصلي صلاة واحدة مرتين في يوم واحد إذا لم يكن لها سبب» (٢).

стр. 8355

(ح-٢٩٣١) لما رواه أبو داود من طريق حسين، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار يعني مولى ميمونة، قال: أتيت ابن عمر على البلاط، وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال: قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين (١). [أومأ الدارقطني إلى تعليله] (٢). قال أبو العباس القرطبي في المفهم: «يحمل النهي عن إعادة الصلاة على إعادتها من غير سبب» (٣). وقال ابن تيمية: «أما حديث ابن عمر فهو في الإعادة مطلقًا من غير سبب. ولا ريب أن هذا منهي عنه، وأنه يكره للرجل أن يقصد إعادة الصلاة من غير سبب يقتضي الإعادة؛ إذ لو كان مشروعًا للصلاة الشرعية عدد معين كان يمكن الإنسان أن يصلي الظهر مرات، والعصر مرات، ونحو ذلك ومثل هذا لا ريب في كراهته» (٤). وإذا صلى الرجل منفردًا، فهل يستحب له البحث عن جماعة؛ ليعيد معهم الصلاة تعويضًا لما فاته من أجر الجماعة، وهل يعد ذلك سببًا لإعادة الصلاة؟ في ذلك خلاف: فقال الحنفية والحنابلة: لا يستحب له قصد الإعادة، خلافًا للمالكية والشافعية (٥).

стр. 8356

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8357

والسبب المشروع لإعادة الصلاة بالاتفاق أن يصلي الرجل منفردًا، ثم تقام الصلاة، وهو في المسجد، فهذا لا يختلفون في مشروعية الإعادة له مع الجماعة، وإن اختلفوا في حكم إعادة بعض الصلوات. فقال الحنفية: يعيد الظهر والعشاء، ولا يعيد المغرب والصبح والعصر (١). قال القدوري في التجريد: «قال أصحابنا: إذا صلى الفرض ثم أدرك الجماعة، صلى معهم الظهر والعشاء، ولم يصلِّ الفجر والعصر والمغرب» (٢). وقيل: يعيد كل الصلوات إلا المغرب، وهو المذهب عند المالكية، والحنابلة، ورواية عن الشافعي، زاد مالك في رواية: ولا يعيد العشاء بعد الوتر (٣). وقيل: تعاد كل الصلوات، وهو المذهب عند الشافعية، وبه قال المغير بن عبد الرحمن المخزومي من أصحاب مالك، وهو رواية عن أحمد (٤).

стр. 8358

وإذا أعاد المغرب، قيل: يشفعها بركعة، وبه قال جماعة من السلف، وهو رواية عن الإمام مالك، ونص عليه أحمد في رواية أبي داود (١). وقيل: لا يشفعها، اختاره بعض الحنابلة؛ لأن عموم الأدلة يقتضي إعادتَها بصفتها، وهو مقتضى قول ابن عمر أن تعيين أيهما فرضه مرده إلى الله (٢). وقيل: لا يعيد الصبح والعصر، اختاره بعض الشافعية (٣). • دليل من قال: يعيد الصلوات كلها: الدليل الأول: (ح-٢٩٣٢) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر

стр. 8359

ابن يزيد بن الأسود، عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة. ورواه هشيم، حدثنا يعلى بن عطاء به، وفيه: … فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنهما لكما نافلة (١). [صحيح] (٢). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (إذا صلى أحدكم في رحله) عام في الصلوات الخمس، ومنه المغرب، والحديث نص على أن المعادة نافلة، وقد وقع ذلك في صلاة الصبح، وإذا لم يمنع ذلك من إعادة الصلاة في وقت النهي، لم يمنع ذلك من إعادة العصر، وهو من قياس النظير على النظير، كما لم يمنع ذلك في باقي الصلوات، وهو من قياس الأولى، وهو حجة للشافعية باعتبار ذوات الأسباب ليست داخلة في النهي. قال ابن المنذر: «لم يخص صلاة دون صلاة، وأمره على العموم» (٣). وقال الخطابي: «لم يستثن صلاة دون صلاة» (٤). الدليل الثاني: (ح-٢٩٣٣) روى مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني الديل يقال له: بسر بن محجن،

стр. 8360

عن أبيه محجن، أنه كان في مجلس مع رسول الله ﷺ ، فأُذِّنَ بالصلاة، فقام رسول الله ﷺ ، فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصلِّ معه. فقال له رسول الله ﷺ : ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟ فقال: بلى يا رسول الله. ولكني قد صليت في أهلي، فقال له رسول الله ﷺ : إذا جئت فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت (١). [حسن] (٢). وجه الاستدلال: قوله: (إذا جئت فصلِّ مع الناس) عام في الصلوات، وعام في الأوقات، فمن خص المغرب أو وقت النهي كالصبح والعصر فعليه الدليل. الدليل الثالث: (ح-٢٩٣٤) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سليمان الأسود، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، أن رجلًا جاء، وقد صلى النبي ﷺ ، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه (٣). [صحيح] (٤). وجه الاستدلال: دل الحديث على صحة إعادة الفريضة من أجل تعويض ما فات من أجر الجماعة، سواء أكان المستفيد المأموم، كما لو صلى منفردًا، ثم وجد جماعة، فأعادها معهم، أم كان المستفيد الإمام، كما لو كان يصلي منفردًا، فأراد أحد أن يتصدق عليه، ولو كان المتصدق قد صلى جماعة، وهذا من الأسباب التي تدعو لمشروعية إعادة الصلاة، والسبب الآخر للإعادة: هو نفي التهمة عن النفس، كما لو أقيمت الصلاة، وهو في المسجد، أو دخل المسجد والناس يصلون، فإنه مأمور

стр. 8361

بالصلاة معهم، فلو كان خارج المسجد لم يؤمر بالإعادة، والله أعلم. • ويناقش: إعادة الصلاة فيها حديثان: أحدهما: حديث (من يتصدق على هذا). والثاني: حديث يزيد بن الأسود (إذا أتيتما مسجد جماعة فأقيمت الصلاة .... ) فالمتصدق على المنفرد، كان ذلك قبل الفراغ من الصلاة، لينقلب فرضه إلى جماعة؛ وهذا لا إشكال فيه، والمتصدق إعادته للصلاة نفل مستأنف، لا يعود بالنفع على فرضه الذي فرغ منه؛ لأنه قد صلاه مع جماعة. والإعادة في حديث يزيد بن الأسود معقول المعنى؛ فلم تكن الإعادة من أجل تعويض يعود على صلاته السابقة، وإنما ليدفع التهمة عن نفسه، ولذلك لا يؤمر بالإعادة إذا كان خارج المسجد. ولكن أين الدليل على أن من صلى منفردًا حتى فرغ من صلاته أنه يشرع له أن يعيده مع جماعة، وأن ذلك يعود بالنفع على فرضه الذي قد صلاه، وفرغ منه منفردًا؟ فإن كان العمل بالدليل فلم أقف على نص يأمر المصلي منفردًا بإعادة ما صلاه مع جماعة، وإن كان العمل بالقياس فلا أجد علة جامعة بين الفرع والأصل، نعم قد يعيد الرجل الصلاة لأسباب أخرى، ليس منها ما يعود بالتعويض على صلاة قد فرغ منها، كما كان معاذ يعيد الصلاة بقومه بعد ما صلى فرضه مع النبي ﷺ ، وقد يعيد الرجل الصلاة مع أئمة الجور الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، فيصليها منفردًا أو مع جماعة، ثم يعيدها معهم اتقاء شرهم، وأما أن تقصد الإعادة تعويضًا لفضل الجماعة التي فاتته فلم يظهر لي دليله، وهذا هو مذهب الحنفية والحنابلة وهو أقوى من مذهب المالكية والشافعية، والله أعلم. الدليل الرابع: (ح-٢٩٣٥) روى مسلم من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء

стр. 8362

يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١). وجه الاستدلال: قوله: (فإن أدركتها معهم فصلِّ) عام في كل الصلوات بما فيها المغرب والصبح والعصر. • ونوقش: الحديث ظاهر في الأمر بالصلاة في وقتها، سواء أصلاها منفردًا أم صلاها مع جماعة، كما كان يفعل أنس ﵁ حين كان عمر بن عبد العزيز يؤخر الصلاة في إمرته على المدينة في أول أمره قبل أن ينكر عليه عروة، حيث كان أنس يصلي أول الوقت منفردًا في بيته حتى ولو كان التأخير لا يفضي إلى إخراج الصلاة عن وقتها. كما أن الحديث ظاهر في مشروعية إعادة الصلاة مع الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها إذا أدركها معهم. والأمر بالإعادة ليس من باب التعويض لما فاته من صلاته منفردًا، فصلاته السابقة كانت أفضل من الإعادة، فالأولى فريضة، والثانية نافلة، وهو لم يعجل فرضه إلا لأنه أفضل له من التأخير، ولكنه أعاد معهم ما صلاه حتى يتقي شرهم، والله أعلم، ولهذا كانت الإعادة مقيدة خلف الأمراء، فلا يدخل فيهم الإعادة خلف عامة الناس، وليس في الحديث أيضًا دليل على مشروعية تَطَلُّب الجماعة؛ ليعيد معهم ما صلاه منفردًا، والله أعلم. • دليل من قال: لا يعيد المغرب: الدليل الأول: (ح-٢٩٣٦) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي الأزدي، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى (٢). [زيادة: (والنهار) تفرد بها علي البارقي وهو صدوق، وخالف فيها كل من رواه

стр. 8363

عن ابن عمر، وفيهم أخص أصحابه، على رأسهم سالم ونافع، فهي زيادة شاذة] (١).

стр. 8364

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8365

وجه الاستدلال: قضى الحديث أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. فإن عُدَّت الصلاة المعادة نافلة -كما هو مذهب الحنفية والحنابلة- كان المنع من إعادة المغرب بناء على أن التطوع لا يكون وترًا؛ لحديث ابن عمر. قال القاضي أبو يعلى: «إذا دخل في صلاة الإمام، لزمه ما أوجبته تحريمة الإمام، وتحريمةُ الإمام أوجبت ثلاث ركعات، ولا يجوز التنفل بثلاث ركعات، فوجب أن يكره، ولأنه يحتاج أن يقعد في الثالثة فيها، وليس في الأصول أن يقعد المتنفل في الثالثة، ولا يجوز أن يدخل في صلاة تحتاج أن يقعد فيها في الثالثة وهي له نافلة» (١). ومن قال: يعيد المغرب بنية الفريضة كالمالكية، بناء على مذهبهم في صحة

стр. 8366

رفض العبادة الواجبة بعد تمامها، قالوا: إن المغرب وتر صلاة النهار، فإذا أعادها بنية الفريضة، صارت شفعًا، بخلاف غيرها من الصلوات. • ويناقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: القول بأنه لا يجوز التطوع بثلاث، إنما ينصرف إلى التطوع المطلق، وهو الذي لا يتقيد بوقت، ولا سبب، وإعادة الفريضة يخالفه، فهو له سبب، ولذلك جاز إعادة الفريضة في وقت النهي كما في حديث يزيد بن الأسود. كما أن التطوع المطلق يُسلِّم فيه من كل ركعتين، ومع ذلك قلتم بصحة إعادة العشاء، وهي رباعية، ولم يختلف العلماء أن صلاة الليل مثنى مثنى، وهذا دليل على مخالفة الفرض المعاد للنفل المطلق، وإن كان الجميع نافلة. وبعض الفقهاء اشترط لإعادة المغرب أن يشفعها بركعة، والصحيح أن ذلك ليس بشرط؛ لإطلاق النصوص، قال ﷺ : (إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة)، فالحديث عام، لم يفرق بين ثنائية، وثلاثية، ورباعية، وما كان ربك نسيًّا، والله أعلم. الوجه الثاني: الحنفية لا يرون التخصيص بالمنفصل، ويرونه ناسخًا (١)، فاستثناء المغرب إن كان من قبيل التخصيص فقد خالف الحنفية أصولهم، وإن كان من قبيل النسخ بطل القول بمشروعية إعادة الظهر والعشاء؛ وصارت الأحاديث التي أباحت إعادة الصلاة مطلقًا بلا قيد ولا شرط كلها منسوخة. الوجه الثالث: القول بأن المغرب تصير شفعًا بالإعادة لا يصح إلا على قول من قال: يعيد

стр. 8367

المغرب بنية الفرض، وهو مذهب المالكية. قال الباجي في المنتقى: «لا يعيدها إلا بنية الفرض، ولو صلاها بنية النفل لما كملت بها فضيلة الأولى» (١). أما الذين قالوا: تعاد المغرب بنية النفل، فلا تشفع النافلة الفريضة، فلو صارت المغرب بالإعادة شفعًا لصارت الظهر بالإعادة ثمانية، فكما لا تتضاعف الظهر، لا تتضاعف المغرب. والقول بأنه يعيدها بنية الفرض قول ضعيف؛ لأن رفض العبادة إن كان في النسك فهو لا يقبل الرفض مطلقًا ولو كان الرفض في أثناء النسك خلافًا للظاهرية. وإن كان في غيره من العبادات فإن كان في أثناء العبادة بطلت بالاتفاق إلا الوضوء ففيه خلاف في إبطال ما سبق منه، والصحيح بطلانه. وإن كان بعد الفراغ من العبادة لم تبطل العبادة في أصح أقوال أهل العلم. قال النووي: «لو نوى قطع الصلاة بعد السلام فإنها لا تبطل بالإجماع» (٢). ولا يصح الإجماع، فالمالكية يقولون ببطلان الصلاة والصوم بعد الفراغ منهما في أحد القولين (٣).

стр. 8368

جاء في تهذيب الفروق نقلًا عن ابن رشد: «القول بعدم تأثير الرفض بعد الفراغ من العبادة عندي أصح؛ … لأنه بنفس الفراغ من الفعل سقط التكليف، ومن ادَّعى أن التكليف يرجع بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل» (١). الوجه الرابع: حتى على القول بأنه يعيدها بنية الفريضة، هما لا يقولون: إن كلا الصلاتين فرض: فأحدهما فرض بلا تعيين، والأخرى نفل، وتفويض التعيين إلى الله، وليس إلى رأي المصلي، ويحتجون بأثر عن ابن عمر ﵁. (ث-٧٦٨) روى مالك في الموطأ، عن نافع، أن رجلًا سأل عبد الله بن عمر فقال: إني أصلي في بيتي، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم. فقال الرجل: أيتهما أجعل صلاتي؟ فقال له ابن عمر: أو ذلك إليك. إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء (٢). [صحيح]. • ونوقش هذا: بأن هذا الأثر مخالف لما رواه ابن عمر مرفوعًا، (ح-٢٩٣٧) فقد روى أبو داود من طريق حسين، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار يعني مولى ميمونة، قال: أتيت ابن عمر على البلاط، وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال:

стр. 8369

قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين (١). [أومأ الدارقطني إلى تعليله] (٢). الدليل الثاني: (ث-٧٦٩) روى بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر قال: إذا صلى الرجل في بيته، ثم أدرك جماعة صلى معهم إلا المغرب والفجر (٣). [صحيح]. فخص النهي بالمغرب؛ لأنها وتر النهار، والصبح؛ لأنه لا صلاة بعدها حتى تطلع الشمس. فإن قيل: ولماذا لم يذكر العصر، فإنه قد نهي عن الصلاة بعدها؟ قيل: إنه قد ثبت عن النبي ﷺ الصلاة بعد صلاة العصر من حديث عائشة وأم سلمة، وسبق ذكرهما عند الكلام على أوقات النهي. ولأن ابن عمر إنما يخص النهي بعد اصفرار الشمس. وجاء عن جماعة من السلف أنهم كانوا يتطوعون بعد العصر ما كانت الشمس بيضاء نقية، ولم يجئ ذلك عن واحد منهم في الصلاة بعد الصبح (٤). • ويناقش: هذا الأثر عن ابن عمر مخالف للمرفوع من حديث يزيد بن الأسود، فإنه وقع بعد صلاة الصبح، والموقوف لا يعارض به السنة المرفوعة. • دليل من قال: لا يعيد العشاء بعد الوتر: علل المالكية قولهم: بأن العشاء إذا أعادها، فإن أعاد الوتر بعدها، فقد خالف

стр. 8370

حديث قيس بن طلق عن أبيه مرفوعًا: لا وتران في ليلة. تفرد به قيس بن طلق (١).
следующие страницы →