رفض العبادة الواجبة بعد تمامها، قالوا: إن المغرب وتر صلاة النهار، فإذا أعادها بنية الفريضة، صارت شفعًا، بخلاف غيرها من الصلوات.
• ويناقش من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
القول بأنه لا يجوز التطوع بثلاث، إنما ينصرف إلى التطوع المطلق، وهو الذي لا يتقيد بوقت، ولا سبب، وإعادة الفريضة يخالفه، فهو له سبب، ولذلك جاز إعادة الفريضة في وقت النهي كما في حديث يزيد بن الأسود.
كما أن التطوع المطلق يُسلِّم فيه من كل ركعتين، ومع ذلك قلتم بصحة إعادة العشاء، وهي رباعية، ولم يختلف العلماء أن صلاة الليل مثنى مثنى، وهذا دليل على مخالفة الفرض المعاد للنفل المطلق، وإن كان الجميع نافلة.
وبعض الفقهاء اشترط لإعادة المغرب أن يشفعها بركعة، والصحيح أن ذلك ليس بشرط؛ لإطلاق النصوص، قال ﷺ : (إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة)، فالحديث عام، لم يفرق بين ثنائية، وثلاثية، ورباعية، وما كان ربك نسيًّا، والله أعلم.
الوجه الثاني:
الحنفية لا يرون التخصيص بالمنفصل، ويرونه ناسخًا (١)، فاستثناء المغرب إن كان من قبيل التخصيص فقد خالف الحنفية أصولهم، وإن كان من قبيل النسخ بطل القول بمشروعية إعادة الظهر والعشاء؛ وصارت الأحاديث التي أباحت إعادة الصلاة مطلقًا بلا قيد ولا شرط كلها منسوخة.
الوجه الثالث:
القول بأن المغرب تصير شفعًا بالإعادة لا يصح إلا على قول من قال: يعيد
стр. 8367
المغرب بنية الفرض، وهو مذهب المالكية.
قال الباجي في المنتقى: «لا يعيدها إلا بنية الفرض، ولو صلاها بنية النفل لما كملت بها فضيلة الأولى» (١).
أما الذين قالوا: تعاد المغرب بنية النفل، فلا تشفع النافلة الفريضة، فلو صارت المغرب بالإعادة شفعًا لصارت الظهر بالإعادة ثمانية، فكما لا تتضاعف الظهر، لا تتضاعف المغرب.
والقول بأنه يعيدها بنية الفرض قول ضعيف؛ لأن رفض العبادة إن كان في النسك فهو لا يقبل الرفض مطلقًا ولو كان الرفض في أثناء النسك خلافًا للظاهرية.
وإن كان في غيره من العبادات فإن كان في أثناء العبادة بطلت بالاتفاق إلا الوضوء ففيه خلاف في إبطال ما سبق منه، والصحيح بطلانه.
وإن كان بعد الفراغ من العبادة لم تبطل العبادة في أصح أقوال أهل العلم.
قال النووي: «لو نوى قطع الصلاة بعد السلام فإنها لا تبطل بالإجماع» (٢).
ولا يصح الإجماع، فالمالكية يقولون ببطلان الصلاة والصوم بعد الفراغ منهما في أحد القولين (٣).
стр. 8368
جاء في تهذيب الفروق نقلًا عن ابن رشد: «القول بعدم تأثير الرفض بعد الفراغ من العبادة عندي أصح؛ … لأنه بنفس الفراغ من الفعل سقط التكليف، ومن ادَّعى أن التكليف يرجع بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل» (١).
الوجه الرابع:
حتى على القول بأنه يعيدها بنية الفريضة، هما لا يقولون: إن كلا الصلاتين فرض: فأحدهما فرض بلا تعيين، والأخرى نفل، وتفويض التعيين إلى الله، وليس إلى رأي المصلي، ويحتجون بأثر عن ابن عمر ﵁.
(ث-٧٦٨) روى مالك في الموطأ، عن نافع،
أن رجلًا سأل عبد الله بن عمر فقال: إني أصلي في بيتي، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم. فقال الرجل: أيتهما أجعل صلاتي؟ فقال له ابن عمر: أو ذلك إليك. إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء (٢).
[صحيح].
• ونوقش هذا:
بأن هذا الأثر مخالف لما رواه ابن عمر مرفوعًا،
(ح-٢٩٣٧) فقد روى أبو داود من طريق حسين، عن عمرو بن شعيب، عن سليمان بن يسار يعني مولى ميمونة، قال:
أتيت ابن عمر على البلاط، وهم يصلون، فقلت: ألا تصلي معهم؟ قال:
стр. 8369
قد صليت، إني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: لا تصلوا صلاة في يوم مرتين (١).
[أومأ الدارقطني إلى تعليله] (٢).
الدليل الثاني:
(ث-٧٦٩) روى بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير عن عبيد اللَّه، عن نافع،
عن ابن عمر قال: إذا صلى الرجل في بيته، ثم أدرك جماعة صلى معهم إلا المغرب والفجر (٣).
[صحيح].
فخص النهي بالمغرب؛ لأنها وتر النهار، والصبح؛ لأنه لا صلاة بعدها حتى تطلع الشمس.
فإن قيل: ولماذا لم يذكر العصر، فإنه قد نهي عن الصلاة بعدها؟
قيل: إنه قد ثبت عن النبي ﷺ الصلاة بعد صلاة العصر من حديث عائشة وأم سلمة، وسبق ذكرهما عند الكلام على أوقات النهي.
ولأن ابن عمر إنما يخص النهي بعد اصفرار الشمس.
وجاء عن جماعة من السلف أنهم كانوا يتطوعون بعد العصر ما كانت الشمس بيضاء نقية، ولم يجئ ذلك عن واحد منهم في الصلاة بعد الصبح (٤).
• ويناقش:
هذا الأثر عن ابن عمر مخالف للمرفوع من حديث يزيد بن الأسود، فإنه وقع بعد صلاة الصبح، والموقوف لا يعارض به السنة المرفوعة.
• دليل من قال: لا يعيد العشاء بعد الوتر:
علل المالكية قولهم: بأن العشاء إذا أعادها، فإن أعاد الوتر بعدها، فقد خالف
стр. 8370
حديث قيس بن طلق عن أبيه مرفوعًا: لا وتران في ليلة. تفرد به قيس بن طلق (١).
стр. 8371
ومن حسنه من أهل العلم؛ فلأن معناه مجمع عليه، ولا يلزم منه تحسين حديثه المشهور في ترك الوضوء من مس الذكر؛ لأن حديثه ذاك معارض لما هو أقوى منه.
وإن لم يعد الوتر فقد خالف حديث ابن عمر المتفق عليه: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا (١).
• ويناقش:
بأن بعض العلماء حمل حديث: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا) بمن أوتر آخر الليل، فلو أوتر أوله، ثم رأى أن يصلي في آخره مثنى مثنى لم ينقض ذلك وتره.
والتنفل شفعًا بعد الوتر لا ينقض الوتر.
(ح-٢٩٣٨) فقد روى مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال:
سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ ، فقالت: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة. يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر. ثم يصلي ركعتين وهو جالس (٢).
(ح-٢٩٣٩) وروى مسلم من طريق سعيد، عن قتادة، عن زرارة،
أن سعد بن هشام استأذن على عائشة ﵂، فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: … فقال لها: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ ، فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله، ويحمده، ويدعوه، ثم ينهض، ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله، ويحمده، ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا،
стр. 8372
ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم، وهو قاعد. فتلك إحدى عشرة ركعة (١).
فإذا صح عن النبي ﷺ أنه كان يصلي ركعتين بعد الوتر نفلًا مطلقًا، فأولى بالجواز أن يصلي نفلًا من ذوات الأسباب، كما لو صلى العشاء وأوتر، ثم أقيمت العشاء، وهو في المسجد، فإنه يصلي معه، ولا يضر ذلك وتره.
ولأن حديث: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)؛ الأمر فيه ليس من باب الوجوب.
ولأن حديث: يزيد بن الأسود مقدم على حديث ابن عمر: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا)؛ لأن العموم في حديث ابن عمر قد دخله التخصيص، كما لو أوتر، ثم دخل المسجد، فإنه مأمور بتحية المسجد، أو خسف القمر بعد أن أوتر، فإنه يصلى صلاة الخسوف، أو طاف بالبيت، بعد أن أوتر، فإنه يركع ركعتي الطواف، فكل ذلك لا ينقض الوتر، والعموم إذا دخله التخصيص ضعف عمومه، بخلاف حديث يزيد بن الأسود: (إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنهما لكما نافلة) فعمومه محفوظ لم يخصصه شيء، وإذا تعارض عمومان قدم الأقوى منهما.
وقد قال أهل الأصول: العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا تواردت عليه كثرة المخصصات؛ لأن العام المحفوظ دلالته على العموم أقوى، من العام إذا تواردت عليه المخصصات. قال محمد الأمين الشنقيطي: «وهذا رأي جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلا صفي الدين الهندي، والسبكي» (٢).
وبناء عليه إذا صلى العشاء، وأقيمت، وهو في المسجد بعد أن أوتر، فإنه يعيد العشاء، وفعله لا ينقض الوتر، كسائر ذوات الأسباب، والله أعلم.
• دليل من قال: لا يعيد العصر والصبح:
(ح-٢٩٤٠) روى البخاري من طريق صالح بن كيسان.
ومسلم من طريق يونس بن يزيد، كلاهما عن ابن شهاب، أخبرني عطاء بن يزيد الليثي،
أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بعد الصبح
стр. 8373
حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس. هذا لفظ البخاري (١).
وجه الاستدلال:
حديث يزيد بن الأسود جاء فيه: (إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما الناس وهم يصلون، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة)، سبق تخريجه.
فقضى أن الصلاة المعادة نافلة، وحديث أبي سعيد في الصحيحين: نهى عن التطوع بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، فكل صلاة لا يجوز التطوع بعدها، لا ينبغي أن يعيدها مع الإمام؛ لأنها تكون تطوعًا في وقت لا يجوز فيه التطوع، والأحاديث في النهي عن التطوع بعد العصر والصبح قد تواترت فيه الروايات عن رسول الله ﷺ ، فذلك ناسخ لما لحديث يزيد بن الأسود، وهذا توجيه الحنفية (٢).
• ويجاب:
بأن النسخ هو رفع الحكم، وأنتم لم ترفعوا الحكم بالكلية، فلم تمنعوا إعادة الصلاة بعد الظهر والعشاء لحديث يزيد بن الأسود، وهذا عند جمهور الأصوليين يسمى تخصيصًا، والحديثان بينهما عموم وخصوص.
فحديث يزيد بن الأسود: عام في الأوقات، خاص بالصلاة المعادة إذا صلى فرضه، وأقيمت الصلاة، وهو في المسجد.
وحديث أبي سعيد: (لا صلاة بعد العصر .. ولا صلاة بعد الصبح) عام في الصلوات فيعم كل صلاة، سواء أكانت نفلًا مطلقًا أم كانت من ذوات الأسباب، وخاص في أوقات النهي.
فكان كل واحد منهما عامًّا من وجه، وخاصًّا من وجه آخر.
والخاص مقدم على العام، وهذا لا خلاف فيه، ولكن أي الخاصين يقدم، ويخصص به عموم الآخر؟
فالحنفية قدموا خصوص أوقات النهي فخصوا به عموم (إذا صليتما في رحالكما … فصليا معهم)، فقالوا: لا يعيد إلا الظهر والعشاء؛ لصحة التطوع
стр. 8374
بعدهما، وأما المغرب فخصوها لكونها وتر النهار كما تقدم.
والشافعية ورواية عن أحمد: عكسوا ذلك، فقالوا: تعاد الصلوات كلها في جميع الأوقات بما فيها أوقات النهي، وخصوا به عموم: (لا صلاة بعد العصر، ولا صلاة بعد الصبح).
والقاعدة المقررة في الأصول: أن النصين إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه، فإن الموقف منهما كالموقف عندما تتعارض الأدلة في الظاهر، فيجب طلب مرجح من خارجهما، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:
وإن يك العموم من وجه ظهر فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر.
• وجه الترجيح عند الحنفية:
أن حديث أبي سعيد فيه النهي عن الصلاة، وحديث يزيد بن الأسود فيه الأمر بالصلاة، ومن طرق الترجيح التي عليها أكثر أهل الأصول: تقديم ما يفيد المنع على ما يفيد الإباحة، حتى صاغ بعض الفقهاء القاعدة التي تقول: إذا اجتمع المبيح والحاضر قدم جانب الحضر.
• ويجاب:
بأن التعارض ليس بين مبيح وحاضر، بل بين حاضر وحاضر، فحديث يزيد بن الأسود قد صدر النبي ﷺ قوله بالنهي قبل الأمر بالصلاة، فقال النبي: (فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنهما لكما نافلة)، فجمع بين النهي والأمر، ولا يفيد الجمع إلا توكيد الامتثال.
• والمرجح عند الشافعية أمور منها:
الأول: أن حديث يزيد بن الأسود وقع في صلاة الصبح، وأمرهما النبي ﷺ بالإعادة، والنهي عن الصلاة بعد الصبح أغلظ من النهي عن الصلاة بعد العصر، ومع ذلك أمر النبي ﷺ أصحابه بإعادة الصلاة في وقت النهي، وهذا نص رافع للنزاع.
الثاني: أن ذلك وقع في حجة الوداع، فكان ذلك قرينة على تأخره عن النهي عن الصلاة بعد صلاة الصبح والعصر، فلو كان هناك دعوى نسخ لكان حديث يزيد بن الأسود هو الناسخ لحديث أبي سعيد وليس العكس، وإن كان الدفع
стр. 8375
بالنسخ حجة ضعيفة، فالحديثان مُحْكَمان.
الثالث: أن العام المحفوظ عن التخصيص مقدم على العام إذا تواردت عليه كثرة المخصصات؛ لأن العام المحفوظ دلالته على العموم أقوى، من العام إذا تواردت عليه المخصصات، وقد بينت فيما سبق أن عموم حديث يزيد بن الأسود محفوظ عن التخصيص بخلاف حديث أبي سعيد الخدري، فقد دخله مجموعة من المخصصات، منها:
ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قضى راتبة الظهر بعد صلاة العصر.
ومنها ما ثبت من الأمر بقضاء المكتوبة في وقت النهي، لحديث أنس في الصحيحين: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. اه وهو عام في الوقت.
ومنها الأمر بصلاة ركعتين لدخول المسجد، (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، وهو عام في الوقت.
ومنها ركعتا الطواف في وقت النهي إذا طاف بعد العصر أو الصبح، وقد ذكرت أدلة هذه المخصصات، وخرجتها في المجلد السابع، فارجع إليه (١).
بخلاف العموم في حديث يزيد بن الأسود فإني لا أعلم له مخصصًا، فكان العموم فيه مقدمًا على العموم في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، والله أعلم.
• الراجح:
أن المصلي إذا صلى منفردًا لا يقصد الإعادة لتعويض ما فاته من فضل الجماعة، وإنما يعيد الصلاة إذا أقيمت الصلاة بشرط أن يكون في المسجد، ولا يدخل المسجد بقصد الإعادة في وقت النهي، فإن دخل، ولم يقصد إعادة الصلاة صلى معهم، والله أعلم.
стр. 8376
المبحث الثاني في نية الصلاة المعادة
المدخل إلى المسألة:
• قال ﷺ : (إذا أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم فإنها لكما نافلة) وهذا نص في محل النزاع.
• عموم الأدلة يقتضي إعادة الصلاة على صفتها ثلاثية كانت أم رباعية.
• الصلاة المعادة تخالف النفل المطلق خاصة الليلة منها؛ لحديث ابن عمر: (صلاة الليل مثنى مثنى).
• الصلاة المعادة لا ينوي بها الفريضة في الأصح؛ لأن الفرض سقط بالأولى، والأفضل أن ينوي بها المعادة كالظهر مثلًا؛ لأن الظهر يصح أن يكون فرضًا ويصح أن يكون نفلًا كصلاة الصبي، ولمخالفة المعادة للنفل المطلق.
• إذا صلى الرجل فرض الوقت جماعة أو منفردا مستجمعًا لشروط الصحة ونوى به الفرض لم ينقلب نفلًا بعد الفراغ منه.
• إذا صلى فرضه سقط التكليف، ومن ادعى رجوعه مع الإعادة فعليه الدليل.
• لا يعاد الفرض بنية الفرض إلا إذا تطرق له خلل؛ لأن الفرض لا يصلى مرتين.
• العبادة بعد الفراغ منها لا تقبل الرفض، ولا تبطل إلا بالردة.
[م-٩٨٤] اختلف الفقهاء في هذه المسألة:
فقيل: فرضه الأول، والثانية نفل مطلق، وهذا ظاهر مذهب الحنفية، وأحد الأقوال في مذهب المالكية، رجحه ابن عبد البر، وابن العربي، والخطابي (١).
стр. 8377
وقيل: فرضه الأول، وينوي بالثانية الفرض، وهو الجديد من قولي الشافعي (١).
قال النووي في المنهاج: «وفرضه الأولى في الجديد والأصح أنه ينوي بالثانية الفرض» (٢).
وقيل: ينوي بالثانية الفرض، ويفوض الأمر بتعيين فرضه إلى الله يجعل فرضه أيهما شاء، وهذا هو المشهور في مذهب المالكية، والقديم من قولي الشافعي، وبه قال ابن عمر وسعيد بن المسيب، ورجحه مرعي من الحنابلة (٣).
стр. 8378
وقيل: الثانية فرضه، وهو قول في مذهب المالكية (١).
وذلك مبني على صحة رفض الصلاة بعد إتمامها، والمشهور عند المالكية أن الصلاة تبطل بالرفض (٢).
وقيل: فرضه الأول، وينوي بالثانية ظهرًا معادة أو نفلًا (٣).
قال في شرح منتهى الإرادات: «ينويها معادة ونفلًا» (٤).
стр. 8379
وقال ابن تيمية: «وإذا صلى مع الجماعة نوى بالثانية معادة، وكانت الأولى فرضًا والثانية نفلًا على الصحيح» (١).
وقيل: ينوي عين تلك الصلاة بلا تعرض لفرض أو نفل، فيكون ما جاء به ظهرًا مسنونًا، كالظهر من الطفل اختاره إمام الحرمين من الشافعية، ورجحه النووي في الروضة (٢).
هذا خلاف الفقهاء في الصلاتين الأولى والإعادة، وقد تلخص كالآتي:
فأما اختلافهم في فرضه:
فقيل: فرضه الأولى، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد وأحد قولي والشافعية.
وقيل: فرضه أحدهما، ويفوض التعيين إلى الله، وهذا هو المعتمد في مذهب المالكية، والقديم من قولي الشافعي.
وقيل: فرضه الثاني، وهو قول في مذهب المالكية.
واختلفوا في الصلاة المعادة:
فقيل: نفل، وهذا مذهب الحنفية وهو قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعي.
وقيل: ينوي بالثانية الفرض، سواء فوض تعيين الفرض إلى الله كالمالكية، أو كان فرضه الأولى، وهو الأصح في مذهب الشافعية.
وقيل: ينوي عين تلك الصلاة المعادة من ظهر أو عصر، بلا تعرض لفرض أو نفل، كصلاة الصبي، وهو قول في مذهب الشافعية.
وهو معنى قول الحنابلة ينوي إعادة الصلاة نفلًا، والله أعلم.
إذا تصور ذلك في المسألة، ننتقل إلى أدلتها، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
• دليل من قال: الأولى فرض والثانية نفل:
الدليل الأول:
نصت الأحاديث أن المعادة نافلة، وهذا نص في محل النزاع، فمن ذلك:
стр. 8380
(ح-٢٩٤١) ما رواه أحمد من طريق أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود،
عن أبيه، قال: حججنا مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قال: فصلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح أو الفجر، قال: ثم انحرف جالسًا، واستقبل الناسَ بوجهه، فإذا هو برجلين من وراء الناس لم يصليا مع الناس، فقال: ائتوني بهذين الرجلين، قال: فَأُتِيَ بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال. قال: فلا تفعلا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه، فإنها له نافلة.
ورواه هشيم، حدثنا يعلى بن عطاء به، وفيه: … فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنهما لكما نافلة (١).
(ح-٢٩٤٢) ومنها ما رواه مسلم من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت،
عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (٢).
الدليل الثاني:
أنهم عللوا المنع من إعادة المغرب؛ بأن النفل المطلق لا يتطوع فيه بثلاث ركعات، فأجروا على الإعادة أحكام النفل المطلق.
الدليل الثالث:
أن الرجل إذا صلى فرضه برئت ذمته وسقط عنه التكليف، والساقط لا يعود، وإذا لم يجب عليه إعادة الثانية دل ذلك على أنها نفل.
• دليل من قال: الأولى فرضه وينوي بالثانية الفرض:
إذا نوى عين الصلاة المعادة، كالظهر مثلًا صحت الصلاة المعادة؛ لأن نية
стр. 8381
الظهر قد تكون فرضًا، وقد لا تكون بدليل صلاة الصبي، فإنه ينوي فرض الوقت، وإن كانت في حقه نفلًا، فكذلك الصلاة المعادة.
ولأن القصد من الإعادة عند بعضهم إدراك فضيلة الجماعة، والأصل في النوافل المطلقة أنها لا تشرع جماعة.
ولأنه يعيد المغرب على صفتها، وليس في النفل المطلق ثلاث ركعات.
• دليل من قال: ينوي بالثانية الفرض ويفوض التعيين إلى الله:
(ث-٧٧٠) استدلوا بما رواه مالك في الموطأ، عن نافع،
أن رجلًا سأل عبد الله بن عمر، فقال: إني أصلي في بيتي، ثم أدرك الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم، فقال الرجل: أيتهما أجعل صلاتي؟ فقال له ابن عمر: أو ذلك إليك؟ إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء (١).
[صحيح].
(ث-٧٧١) وروى مالك، عن يحيى بن سعيد،
أن رجلًا سأل سعيد بن المسيب فقال: إني أصلي في بيتي، ثم آتي المسجد فأجد الإمام يصلي، أفأصلي معه؟ فقال سعيد: نعم، فقال الرجل: فأيهما صلاتي؟ فقال سعيد: أو أنت تجعلهما؟ إنما ذلك إلى الله (٢).
• ويناقش:
أن أثر ابن عمر وقول سعيد بن المسيب مخالف للنصوص المرفوعة، كحديث يزيد بن الأسود، وحديث أبي ذر، فقد نصت على أن صلاته مع الناس نافلة.
• دليل من قال: يرفض الأولى، وينوي بالثانية فرضه:
هذا القول مبني على مسألة صحة رفض الصلاة بعد إتمامها، وهو من أضعف الأقوال، ولم أجد له دليلًا لا صريحًا، لا ظاهرًا يدل على أن المكلف بقدرته إبطال أعماله الصالحة التي عملها، وفرغ منها بمجرد أن ينوي إبطالها، مع بقائه على الإسلام.
والعلماء مجمعون على أن المكلف إذا قام بالعمل على الوجه المأمور به
стр. 8382
شرعًا حتى فرغ منه فقد سقط عنه التكليف بفعله.
قال ابن راشد المالكي: «فمن ادعى أن التكليف يرجع مرة أخرى بعد سقوطه لأجل الرفض فعليه الدليل» (١).
وهذا من أقوى الأدلة، والله أعلم.
وقال النووي: «لو نوى قطع الصلاة بعد السلام منها، فإنها لا تبطل بالإجماع» (٢).
وقال السيوطي في الأشباه والنظائر: «نَوَى قطع الصلاة بعد الفراغ منها، لم تبطل بالإجماع، وكذا سائر العبادات وفي الطهارة وجه لأن حكمها بَاقٍ بعد الفراغ» (٣).
وفي حكاية الإجماع نظر، ولكن حكاية الإجماع تدل على أنه قول عامة الفقهاء.
والمعروف في الشريعة أن الأعمال الصالحة لا تبطل إلا بأحد أمرين:
إبطال حقيقي: وذلك يكون بالردة عن الإسلام؛ لأن شرط الثواب كونه مسلمًا، وفي خروجه من الإسلام بالردة حبط عمله إن لم يرجع إلى الإسلام قبل موته.
والأمر الثاني: إبطال ثمرة هذه الأعمال وذلك يكون بارتكاب المعاصي حتى يأتي يوم القيامة، وقد شتم هذا، وسرق هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته حتى تفنى، كما جاء في السنة الصحيحة.
وكذلك الأعمال القبيحة، لا يذهب تبعتها إلا بالتوبة، أو برد الحقوق، أو بعفو الله ، وأما رفض النية فلا يذهب تلك الأعمال.
قال القرافي في كتابه الفروق: «رفض النيات في العبادات كالصلاة والصوم والحج والطهارة ورفع هذه العبادات بعد وقوعها في جميع ذلك قولان، والمشهور في الحج، والوضوء عدم الرفع، وفي الصلاة والصوم صحة الرفض، وذلك كله من المشكلات، فإن النية وقعت، وكذلك العبادة، فكيف يصح رفع الواقع؟ وكيف
стр. 8383
يصح القصد إلى المستحيل؟ بل النية واقعة قطعًا، والعبادة محققة جزمًا، فالقصد لرفض ذلك وإبطاله قصد للمستحيل، ورفع الواقع، وإخراج ما اندرج في الزمن الماضي منه، وكل ذلك مستحيل ..... والمقرر في الشريعة، أن عدم اعتبار ما وقع في الزمن الماضي يتوقف على أسباب غير الرفض، كالإسلام يهدم ما قبله، والهجرة تهدم ما قبلها، وكذلك التوبة، والحج.
وعكسها في الأعمال الصالحة: لها ما يبطلها، وهي الردة، والنصوص دلت على اعتبار هذه الأسباب.
أما الرفض فما نعلم أحدًا ذكر دليلًا شرعيًّا يقتضي اعتباره، وأن مجرد القصد مؤثر في الأعمال هذا التأثير» (١).
والعجب من المالكية أنهم منعوا قلب الفريضة إلى نافلة في أثنائها، وصححوا رفض الفريضة بعد الفراغ منها (٢).
• دليل من قال: فرضه الأول وينوي بالثانية معادة نفلًا:
أدلة هذا القول هي أدلة من قال: فرضه الأول، وينوي بالثانية الفرض.
لأنهم يقصدون بنية الفرض بالثانية، صورة الفرض، أو نية الظهر مثلًا، ومن أدلتهم:
أن النفل المطلق يجوز بلا سبب، بخلاف إعادة الصلاة، فلا تجوز بلا سبب، فدل على اختلاف الإعادة عن النفل المطلق.
ولأنه إذا نوى عين الصلاة المعادة، كالظهر مثلًا صحت الصلاة المعادة؛ لأن نية الظهر قد تكون فرضًا، وقد لا تكون بدليل صلاة الصبي، فإنه ينوي فرض الوقت، وإن كانت في حقه نفلًا، فكذلك الصلاة المعادة.
стр. 8384
ولأنه يعيد المغرب على صفتها، وليس في النفل المطلق ثلاث ركعات.
ولأن النفل المطلق يسلم فيه المصلي إذا وقع ليلًا من كل ركعتين؛ لحديث ابن عمر المتفق عليه: صلاة الليل مثنى مثنى.
وأما الصلاة المعادة وإن كانت نفلًا فالنصوص قد دلت على أن الإعادة تكون على صفة الفرض المعاد، ثلاثية كانت الصلاة أم رباعية حتى ولو وقعت في الليل، فدل ذلك على أن هذا النفل يخالف النفل المطلق، والله أعلم.
وهذا هو أقرب الأقوال، والله أعلم.
• الراجح:
أن المصلي إذا أعاد الصلاة بنية النفل مع الإمام فصلاته صحيحة، وإن نوى الإعادة للفرض فكذلك؛ لأن نية الإعادة للفرض لا تستلزم أن يكون المعاد فرضًا، وإن نوى الظهر أو العصر مثلًا صح أيضًا؛ لأن الظهر يصح فرضًا، ويصح نفلًا كما في صلاة الصبي، والله أعلم.
стр. 8385
المبحث الثالث إعادة الصلاة لمن صلى جماعة ثم وجد جماعة أخرى
المدخل إلى المسألة:
• شروط العبادة توقيفية.
• ليس من شرط الإعادة أن تكون الصلاة الثانية أكمل من الأولى بدليل أن معاذ يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يعيدها مع قومه، والأولى أكمل.
• حديث: (ألا رجل يتصدق على هذا) مطلق يشمل من صلى منفردًا أو مع جماعة.
حديث: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة .. فصليا معهم)، من غير فرق بين من صلي وحده، أو في جماعة
• كل صلاة لها سبب لا يصح فعلها إلا بتوفر أسبابها، ومنه إعادة الفريضة.
• لو أعيدت الصلاة بلا سبب للزم مثله في إدراك جماعة ثالثة ورابعة، وهذا لا أصل له.
• الأصل أن ما فات لا يستدرك إلا بدليل، ومنه فضيلة الجماعة.
• من ادعى أن فضيلة الجماعة تستدرك بإعادتها نفلًا في جماعة أخرى فعليه الدليل.
• لم يثبت في الشريعة إعادة الصلاة تعويضًا لما فات من فضيلة الجماعة.
• الأسباب المشروعة لإعادة الصلاة لا تفرق بين من صلى الأولى جماعة أو منفردًا.
• الأسباب المشروعة لإعادة الصلاة أربعة: إما لأن الصلاة أقيمت، وهو في المسجد، والباعث دفع التهمة، وإما التصدق على من كان يصلي منفردًا قبل الفراغ منها، وإما إعادة الصلاة خلف من يؤخر الصلاة من أئمة الجور، وإما إعادة الصلاة إمامًا لجماعته إذا كان قد صلى فرضه قبلهم، كما كان يفعل معاذ ﵁، ولم يثبت شرعًا من الأسباب أن تكون الأولى قد صلاها منفردًا.
[م-٩٨٥] اختلف الفقهاء في الرجل يصلي جماعة، ثم يجد جماعة أخرى تصلي، فهل هذا سبب يبيح له إعادة الجماعة؟ وهل من شرط الإعادة أن تكون
стр. 8386
الثانية أكمل من الأولى؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
فقال الحنفية: لا يعيد الصلاة، إلا بشرطين: أن يكون قد صلى منفردًا، وأن تقام الصلاة، وهو في المسجد (١).
وقال المالكية: إذا صلى جماعة لم يعد الصلاة، فإن أقيمت الصلاة، وهو في المسجد خرج منه، وهو وجه في مذهب الشافعية، (٢).
стр. 8387
وقال الحنابلة: إن كان في المسجد، فأقيمت الصلاة صلى معهم ولو كان في وقت النهي، أو دخل المسجد في غير وقت النهي، وهم يصلون صلى معهم، ولو كان قد صلى جماعة (١).
وقال الشافعية: إذا وجد جماعة صلى معهم مطلقًا، سواء أصلى جماعة أم منفردًا (٢).
جاء في المنهاج: «ويسن للمصلي وحده، وكذا جماعة في الأصح إعادتها مع جماعة يدركها» (٣).
وقال في أسنى المطالب: «من صلى مكتوبة مؤداة، ولو في جماعة، ثم أدرك جماعة … استحب أن يعيدها معهم، أو معه في الوقت، ولو كان وقت كراهة» (٤).
فتبين أن الفقهاء بالنسبة لمن صلى جماعة على قولين:
قيل: لا يعيد الصلاة، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وكان الباعث على الإعادة طلب كمال الفريضة الأولى لأدائها منفردًا، زاد الحنفية شرطًا: أن تقام الصلاة في المسجد؛ لأنهم لا يرون قصد الإعادة.
وقيل: يعيدها، ولو صلاها جماعة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة على خلاف بينهم: فالحنابلة يشترطون للإعادة أن تقام الصلاة، وهو في المسجد ولو كان في وقت النهي، أو يدخل إلى المسجد في غير وقت النهي، وهم يصلون، ولم يقصد الإعادة، ولم يشترط ذلك الشافعية؛ باعتبارها من ذوات الأسباب.
стр. 8388
• دليل من قال: يعيد الجماعة ولو صلاها جماعة:
الدليل الأول:
(ح-٢٩٤٣) لما رواه البخاري ومسلم من طريق عن عمرو بن دينار،
عن جابر بن عبد الله ﵁، أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع فيؤم قومه (١).
وجه الاستدلال:
أعاد معاذ ﵁ الصلاة مع قومه، وقد صلى جماعة مع النبي ﷺ ، وكانت صلاته الأولى أكمل وأتم، فلم يمنعه ذلك من الإعادة، فليس من شرط الإعادة أن تكون الصلاة الثانية أكمل من الأول.
الدليل الثاني:
(ح-٢٩٤٤) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سليمان الأسود، عن أبي المتوكل،
عن أبي سعيد، أن رجلًا جاء، وقد صلى النبي ﷺ ، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه.
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
أن هذا الرجل قد صلى فرضه جماعة، ومع ذلك أعاد صلاته مع الرجل نفلًا.
الدليل الثالث:
حديث يزيد بن الأسود مرفوعًا: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة .. فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة).
فلم يفرق بين الصلوات، ولا بين من صلي وحدهُ، أو في جماعة.
• دليل من قال: من صلى جماعة لا يعيد الصلاة:
الدليل الأول:
الأصل عدم إعادة الصلاة إلا لسبب مشروع، فلو قيل بالإعادة بلا سبب للزم
стр. 8389
مثله في إدراك جماعة ثالثة ورابعة، وهذا يخالف ما كان عليه السلف.
• ويناقش:
هذا صحيح لا ينبغي الاختلاف عليه، والأسباب توقيفية، وإنما المخالف ينازع في اعتبار فوات الجماعة من أسباب إعادة الصلاة، فلم يثبت في السنة الإعادة من أجل تعويض ما فات من فضيلة الجماعة.
والأصل أن ما فات لا يستدرك إلا بدليل، ومنه فضيلة الجماعة. فإن كان ذلك بتفريط منه فهذا كسبه، وإن كان من عادته الصلاة جماعة، ولكن فاتته الجماعة بعذر فإنه يكتب له أجر الجماعة.
من ادعى أن فضيلة الجماعة تستدرك بإعادتها نفلًا في جماعة أخرى فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
من صلى الأولى في جماعة فقد حصلت له فضيلة الجماعة؛ فلا معنى للإعادة بخلاف من صلى فرضه منفردًا.
• ونوقش:
بأن هذا نظر في مقابل النص، وقد ذكرنا أحاديث كثيرة في إعادة الصلاة لمن صلى فرضه جماعة، فعلى المعترض أن يخرج منها بدليل مقنع، لا بمجرد الرأي، والله أعلم.
• الراجح:
جواز إعادة الصلاة لمن صلى فرضه جماعة بشرط أن يكون هناك سبب يدعو لإعادة الفريضة، وقد ذكرنا أسبابًا أربعة تبيح إعادة الفريضة، فيقتصر عليها؛ لأن أسباب العبادة توقيفية، والله أعلم.
стр. 8390
المبحث الرابع تعدد الجماعة في المسجد الواحد
المدخل إلى المسألة:
• الصلوات الخمس تشرع لها الجماعة بالإجماع، ولم يصح دليل صحيح صريح على قصر المشروعية على الجماعة الأولى، ومن ادعى كراهة الثانية فعليه الدليل.
• لو كانت إعادة الجماعة مكروهة لما أمر النبي ﷺ بها في قوله: من يتصدق على هذا.
• صح عن أنس ﵁ أنه صلى جماعة في مسجد بعد ما صلى فيه أهله، ولا معارض له صحيح من فعل الصحابة.
• إذا شرعت الجماعة للصلاة المقضية، كما فعل النبي ﷺ ذلك حين نام عن صلاة الصبح مع أصحابه، فالحاضرة أولى بالجواز.
• القول بأن إعادة الجماعة يؤدي إلى تقليل الجماعة الأولى نظر في مقابل النص.
• منع إعادة الجماعة لن يمنع بعض الناس من التأخر، فتجتمع مفسدتان فوات الجماعة الأولى، ومنع استدراك فضلها.
• فضل الجماعة مقدم على فضل الكثرة، فلا يترك الأفضل لتحصيل الفاضل.
• الجماعة متفق على فضلها، وقيل بوجوبها، بخلاف الكثرة فليست واجبة بالاتفاق.
• إذا فاتت الجماعة استحب للمصلي أن يطلب مسجدًا آخر ليدرك معهم فضل الجماعة، وهو مذهب الأئمة الأربعة، ولا يترك المصلي جماعة مسجده طلبًا للكثرة.
• المالكية يرون أن الجماعة لا تتفاضل بالكثرة خلافًا للجمهور.
• إعادة الجماعة لا يعني جواز التخلف عن الأولى على القول بوجوبها؛ لأنها هي المقصودة بالنداء، كما أن قضاء الصلاة إذا فاتت لا يعني جواز تأخيرها عن وقتها.
[م-٩٨٦] أجمع العلماء على أن المساجد التي ليس لها إمام راتب، لا يكره فيها تعدد الجماعات، جماعة بعد جماعة، بل ذلك مطلوب، ولم
стр. 8391
يخالف في ذلك إلا الليث (١).
قال النووي: «إذا لم يكن له إمام راتب فلا كراهة في الجماعة الثانية، والثالثة، وأكثر بالإجماع» (٢).
وقال أبو بكر الجصاص: «المساجد التي ليس لها إمام راتب يقيم فيها الصلوات، فجائز فيها إعادة الجماعة» (٣).
وقال ابن رجب: «ومتى لم يكن للمسجد إمام راتب لم يكره إعادة الجماعة فيه عند أحد من العلماء، ما خلا الليث بن سعد، فإنه كره الإعادة فيه أيضًا» (٤).
- كما أجمع العلماء على كراهة تعدد الجماعة بشكل راتب بحيث يكون للمسجد أكثر من إمام (٥).
стр. 8392
جاء في مطالب أولي النهى: «تعدد الأئمة في المسجد الواحد في كل وقت لم يكن يعرف في السلف؛ لأنه لم يكن يصلي في المسجد إمامان راتبان» (١).
ومقتضى التعليل التحريم.
- ونص الحنفية على أنه إذا صلى في المسجد جماعة ليسوا من أهله، كان لأهله أن يصلوا بعدهم جماعة بأذان وإقامة، ولا يكره فعلهم، ونقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر من المالكية (٢).
قال في الكافي: «لم يختلفوا أن جماعة لو تقدمت فصلت ثم جاء الإمام الراتب بعدهم في جماعة أن له أن يصلى بهم جماعة» (٣).
وعُلِلَ القول بالجواز: بأن فعلهم لا يؤدي إلى تقليل الجماعة.
ولأن من سبقهم معتدٍ فلا يعتد بفعله في حق الكراهة وبعد صلاة أهله يكره إعادتها.
ولأن التدبير فيما يتعلق بالمسجد لأهله دون غيرهم، كنصب الإمام، واختيار المتولي، وفتح بابه وإغلاقه، فكذلك في إعادة الجماعة.
- ونص الشافعية على جواز إعادة الجماعة في المسجد، ولو كان له إمام راتب إذا ضاق المسجد عن استيعاب الجميع (٤).
وينبغي أن يقيد هذا إذا لم يكن للمسجد رحبة خارجه يمكن الصلاة فيها مع اتصال الصفوف، وإمكان الاقتداء، فإن أمكن لم يكن هناك حاجة إلى تعدد الجماعة.
- واختلف الأئمة في تعدد الجماعة في مسجد له إمام راتب وكان فعلها عارضًا، ولم يتخذ عادة:
فقيل: تكره إعادة الجماعة فيه، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، وبه قال سالم والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، والليث
стр. 8393
والأوزاعي، وغيرهم، واستثنى الشافعية مساجد الأسواق المطروقة فلا يكره تعدد الجماعات فيها ولو كان لها إمام راتب (١).
قال القيرواني في الرسالة: «ويكره في كل مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين» (٢).
قال الترمذي: «وقال آخرون من أهل العلم: يصلون فرادى، وبه يقول سفيان، وابن المبارك، ومالك، والشافعي، يختارون الصلاة فرادى» (٣).
стр. 8394
وقيل: تجوز مطلقًا، وهو قول أنس وعطاء، وقتادة، ومكحول، وإسحاق، وأشهب من المالكية، ورواية عن أحمد، وبه قال داود الظاهري، وابن حزم وابن المنذر (١).
وهذان قولان متقابلان.
وروي عن أبي يوسف أنه إنما يكره إذا كانت الجماعة الثانية كثيرة، فأما إذا كانوا ثلاثة، أو أربعة، فقاموا في زاوية من زوايا المسجد، وصلوا بجماعة لا يكره (٢).
وروي عن محمد أنه لم ير بالتكرار بأسًا إذا صلوا في زاوية من المسجد على سبيل الخفية، إنما يكره على سبيل التداعي والاجتماع، يعني بلا أذان ولا إقامة (٣).
وقيل: لا تكره إعادة الجماعة إلا في مسجدي مكة والمدينة، هو المذهب عند الحنابلة، وفي رواية: والمسجد الأقصى (٤).
ونفي الكراهة عند الحنابلة لا ينافي القول بوجوب إعادة الجماعة؛ لأن المشهور في مذهب الحنابلة وجوب الجماعة (٥).
وقيل: تكره في المساجد العظام التي يتولى السلطان عادة ترتيب أئمتها
стр. 8395
كالجوامع ونحوها؛ لئلا يتطرق بذلك إلى الافتئات عليه، ولا تكره في المساجد التي يرتب أئمتها جيرانها، قاله القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية (١).
وقيل: لا تجوز إعادة الجماعة، حكي قولًا في مذهب الحنابلة (٢).
هذه تفاصيل الأقوال، ومجمل الخلاف كالتالي:
فقيل: تحرم إعادة الجماعة.
وقيل: تجوز.
وقيل: تكره، والقائلون بالكراهة اختلفوا:.
فقيل: مطلقًا.
وقيل: يكره في مسجدي مكة والمدينة، ولا يكره في غيرهما.
وقيل: يكره إذا كانت الجماعة كثيرة.
وقيل: يكره إذا كان على سبيل التداعي والاجتماع.
فإن أَذِنَ الإمام الراتب بإعادة الجماعة:
فقيل: تجوز، وهو مذهب الجمهور.
وقيل: الكراهة باقية، نقله سند عن ظاهر مذهب المالكية، وقال: لأن من أذن لرجل أن يؤذيه لا يجوز له ذلك (٣).
وتأثير الإذن بالجواز يرجع إلى علة المنع:
قال ابن فرحون نقلًا عن ابن بشير: «واختلف في علة المنع، هل هو حماية من تطرق أهل البدع، أو حماية من الأذى للأئمة.
وفائدة ذلك: إذن الأئمة، هل يبيح ذلك أم لا؟.
فعلى الأولى لا يجوز. وعلى الثاني يجوز» (٤).
وقد يضاف علة أخرى، وهو حماية مصلحة جماعة المصلين، فالجماعة لم
стр. 8396
تعقد من أجل مصلحة الإمام، بل نُصِّب الإمام من أجل مصلحتهم من اجتماعهم، وتأليف قلوبهم، وتعارفهم، واجتماع كلمتهم، ومواساة فقيرهم، وتفقد مريضهم، وتعليم جاهلهم، فتعدد الجماعة في المسجد مضر بهذا المقصد حيث يفرق المصلين، وكل ما يضر بهذا المقصد فهو أدعى لكراهته ومنعه.
وهذه العلة متحققة في صلاة المتخلف فرادى، وهي ليست ممنوعة.
إذا عرفت الأقوال والعلة، نأتي إلى ذكر الأدلة.
• دليل من قال: تكره إقامة الجماعة الثانية:
الدليل الأول: من الكتاب:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ١٠٧].
وجه الاستدلال:
ذكروا في سبب نزول الآية: أن رجالًا من المنافقين ينتمون إلى حي من الأنصار يقال لهم بنو غنم بن عوف بنوا مسجدًا ضرارًا بمسجد قُباء وتفريقًا بين المؤمنين لئلا يصلِّي في قباء جميع المؤمنين، فأرادوا تفريق وحدتهم، وهذا يدل على أن المقصد الأكثر، والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب، وتوحيد الكلمة على الطاعة، حتى يقع الأنس بالمخالطة؛ وتصفو قلوب العباد من وضر الأحقاد (١).
• ويناقش:
القياس على مسجد الضرار مختلف من وجهين:
الوجه الأول: أن مسجد الضرار تفريق بين المؤمنين في المكان بخلاف إعادة الجماعة فمكانهم واحد.
الوجه الثاني: أن هذا التفريق سيقسم الجماعة على جماعتين بشكل دائم، وليس لأمر عارض، فأين صلاة رجلين أو ثلاثة تخلفا عن صلاة الجماعة لظرف طارئ، فصليا في زاوية من زوايا المسجد، ولم يتخذ عادة، أين هذا من مسجد
стр. 8397
الضرار؟ فتحريم مسجد الضرار لم يكن من أجل بناء مسجد آخر للصلاة فيه، فهو عمل صالح، لو أريد به الحسنى، ولكن لم تكن هذه نيتهم، وقد فضح الله نيتهم، وهو المطلع على ما في القلوب.
قال تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧].
فلو اعتاد جماعة بعينها من المصلين على التخلف، وقصدوا بإقامة الجماعة الثانية الإضرار بالإمام، وتفريق الجماعة، والتحزب على شكل جماعتين، فجماعة يصلون خلف الإمام الراتب، وأخرى يضارونهم بالصلاة خلف إمام آخر، فلا شك في تحريمه؛ لأن الجماعة ما شرعت إلا من أجل جمع الصف، وتوحيد الكلمة، وتأليف القلوب، فالمسألة مفروضة في إقامة الجماعة الثانية في حق من فاتته الجماعة، ولم يقصد المصلي مشاقة الإمام، ولا الاختلاف عليه، ولا منازعته في إمامته، ولم يتعمد التأخير، ولم يتخذه عادة، ولم ينتصب للجماعة الثانية إمام دائم، ولا جماعة راتبه، فأين هذا من مسجد الضرار، فلا يقاس الأخف على الأغلظ، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٢٩٤٥) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدكم أنه يجد عرقا سمينًا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء.
ورواه الإمام مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد به (١).
ورواه البخاري من طريق حميد بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة مرفوعًا: لقد هممت آن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى منازل قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم (٢).
стр. 8398
وجه الاستدلال:
قوله: (آن آمر بالصلاة فتقام) فالمقصود (بالصلاة) هذه هي الجماعة الأولى، وقوله: (ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة) قوله (لا يشهدون الصلاة) المقصود بها الجماعة الأولى؛ لأن العلماء فرقوا بين تكرار النكرة والمعرفة، فالنكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى، بخلاف المعرفة إذا أعيدت فهي عين الأولى، فلو كانت الجماعة الثانية مشروعة، ويسقط بها الواجب، لقال: لا يشهدون صلاة، فكان عقابهم متوجهًا على ترك الجماعة الأولى، ويلزم منه عدم مشروعية الجماعة الثانية، فلو كانت الجماعة الثانية مشروعة لم يهم بإحراق من تخلف عن الأولى؛ لاحتمال إدراك الثانية، فإذا ثبت هذا نقول: إن وجوب الإتيان إلى الجماعة الأولى يستلزم كراهة الثانية في المسجد الواحد حتمًا، فإنهم لا يجتمعون إذا علموا أنهم لا تفوتهم الجماعة الثانية (١).
• ويناقش بأكثر من جواب:
هذا الحديث تعرضت له عند الاحتجاج به على وجوب الجماعة، ومما قيل:
الجواب الأول:
كون الخطاب يتوجه لترك الجماعة الأولى، لا يلزم منه كراهية الجماعة الثانية؛ لأن الجماعة الثانية هي جماعة طارئة غير مقصودة، والنصوص إنما تحمل على الفعل الغالب والمقصود، وليس على الفعل العارض والنادر وغير المقصود لذاته.
الجواب الثاني:
العلماء مختلفون في وجوب الجماعة الأولى، وأكثر العلماء على عدم الوجوب.
الجواب الثالث:
قوله: (وجوب الإتيان يستلزم كراهة الجماعة الثانية) إن قصد كراهية الجماعة مطلقًا ولو كان ذلك خارج المسجد فهذا غير صحيح، وإن قصد كراهة إقامة الجماعة الثانية في المسجد فهذه دعوى في محل النزاع، وإذا كانت الجماعة يدخلها القضاء،
стр. 8399
كما فعل النبي ﷺ ذلك حين نام عن صلاة الصبح مع أصحابه، فكيف يقال بفوات الجماعة قبل خروج وقت الصلاة.
الجواب الرابع:
قوله: (وجوب إتيان الجماعة الأولى) لا نسلم بالقول بالوجوب؛ لأن الأئمة الأربعة وإن اختلفوا في وجوب الجماعة فهم متفقون على سنية فعلها في المسجد، وهي الرواية المعتمدة في المذهب الحنبلي؛ لحديث جابر وأبي ذر: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)، فكل أرض جاز التيمم عليها جازت الصلاة فيها، ولم يخص موضعًا من غيره.
وقال ﷺ لأبي ذر: حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ، والأرض لك مسجد (١).
وهذا عام في المكان، ولو كان المسجد واجبًا لقال له: حيثما أدركتك الصلاة فابحث عن أقرب مسجد.
وقال أحمد في رواية أخرى، بوجوب صلاتها في المسجد.
والقول بوجوب الصلاة في المسجد يبطل فضيلة من فضائل النبي ﷺ ، وفضائله لا تقبل النسخ.
الجواب الخامس:
تارك الصلاة بالإجماع لا يقتل قبل خروج وقتها، فما بال تارك الجماعة الأولى يقتل قبل خروج وقت الصلاة، وترك الجماعة أخف حكمًا من تارك الصلاة.
فإن قيل: إن العقاب كان لتخلفهم السابق عن شهود الجماعة.
قيل: فما الحاجة إلى أن يدع النبي ﷺ الصلاة مع الجماعة الأولى بعد إقامتها، إذا كان العقاب على فعل سابق؟
الجواب السادس:
إذا كان التخلف عن الجماعة الأولى ذنب عظيم يوجب القتل، فما بال النبي ﷺ جاز له ترك الجماعة الأولى، مع إمكان الخروج إليهم بعد الصلاة.
فإن قيل: ترك النبي ﷺ الجماعة ليذهب إليهم، وهم متلبسون بالمعصية.
стр. 8400
فالجواب: قبل انتهاء الجماعة لا يمكن الحكم بفواتها عليهم أيضًا؛ لأن الجماعة لا تفوت عند جمهور العلماء ما بقي جزء منها، ولو بقدر التحريمة، وعند المالكية لا تفوت إلا بفوات الركوع من الركعة الأخيرة، وإذا كان لا يمكن الحكم عليهم بترك الجماعة إلا بعد الفراغ منها، فكان يمكنه الخروج إليهم بعد الصلاة، فلم يكن هناك حاجة للخروج إليهم وترك الجماعة الأولى، والخروج من المسجد بعد الإقامة.
وقد ناقشت دلالة هذا الحديث بتوسع في حكم صلاة الجماعة، فارجع إليه غير مأمور.
الدليل الثالث:
(ح-٢٩٤٦) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق الوليد بن مسلم قال: أخبرني أبو مطيع معاوية بن يحيى، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة،
عن أبيه: أن رسول الله ﷺ أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله، فجمع أهله، فصلى بهم.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن خالد الحذاء إلا أبو مطيع معاوية بن يحيى، ولا يروى عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد.
[ضعيف] (١).
стр. 8401
قال السرخسي: «فلو كان يجوز إعادة الجماعة في المسجد لما ترك الصلاة في المسجد والصلاة فيه أفضل» (١).
• وأجيب عن هذا:
أولًا: الحديث ضعيف، وقد أبان ذلك تخريج الحديث.
ثانيًا: لو صح هذا الحديث لم يكن فيه دليل على الكراهة، غاية ما فيه أنه يجوز
стр. 8402
للرجل إذا وجد الجماعة الأولى قد صليت أن يصلي في بيته، خاصة من يقول: إن الجماعة ليست واجبة في المسجد، وهو قول الأئمة الأربعة إلا رواية ثانية عن أحمد.
ثالثًا: لو كان الترك دليلًا على الكراهة لكان في الحديث دلالة على كراهة الصلاة فرادى في المسجد إذا صلى فيه أهله؛ لأن النبي ﷺ لم يُصَلِّ في المسجد لا جماعة، ولا منفردًا، وأنتم تقولون باستحباب الصلاة فرادى.
رابعًا: صلاة النبي ﷺ جماعة في أهله دليل على أن النبي ﷺ ما كان معه أحد يمكن الصلاة معه جماعة، فاحتاج النبي ﷺ إلى أهله لإقامة الجماعة، فكان ترك النبي ﷺ الصلاة في المسجد طلبًا للجماعة، وليس تركًا لها، فلا يستقيم الاحتجاج بالحديث إلا لو كان مع النبي ﷺ جماعة لم يصلوا، وتركوا الصلاة في المسجد.
الدليل الرابع:
(ث-٧٧٢) منها ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم:
أن علقمة والأسود أقبلا مع ابن مسعود إلى مسجد، فاستقبلهم الناس قد صلوا، فرجع بهما إلى البيت، فجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، ثم صلى بهما (١).
[زيادة الرجوع بهم إلى البيت زيادة منكرة، تفرد بها معمر، عن حماد، وروايته عن العراقيين متكلم فيها، وقد اضطرب حماد في إسناده ومتنه، وخالفه من هو أوثق منه] (٢).
• ويجاب بأجوبة، منها:
الجواب الأول:
المعروف من أثر ابن مسعود
(ث-٧٧٣) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وعلقمة قالا:
أتينا عبد الله بن مسعود في داره فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا. قال: فقوموا فصلوا، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، قال: وذهبنا لنقوم خلفه فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله .... فلما صلى قال: إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها ويخنقونها إلى شرق الموتى. فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة … الحديث (١).
ورواه منصور عن إبراهيم بنحو رواية الأعمش عنه، وروايته في مسلم (٢).
وهؤلاء أولى من رواية حماد، عن إبراهيم. فليس في أثر ابن مسعود أنه خرج إلى المسجد، وأن الصلاة فاتته.
الجواب الثاني:
لو صح ذلك عن ابن مسعود فهو مجرد فعل، وغايته أن يدل على عدم وجوب قضاء الصلاة في المسجد إذا فاتته الجماعة، ونفي الوجوب لا يستلزم كراهة القضاء في المسجد، بل يدل على الجواز، فلو حفظ عن ابن مسعود النهي عن قضاء الصلاة جماعة في المسجد لكانت الدلالة على الكراهة واضحة، والله أعلم.
стр. 8405
الجواب الثالث:
خالف أنس ابن مسعود ﵄، وهو أصح منه سندًا، حيث صلى جماعة في المسجد بعد أن صلى أهله، وسوف يأتينا تخريجه إن شاء الله تعالى.
الدليل الخامس:
(ث-٧٧٤) ما رواه ابن شيبة، قال: حدثنا وكيع عن أبي هلال عن كثير،
عن الحسن، قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا دخلوا المسجد وقد صُلِّي فيه صلوا فرادى.
[تفرد به أبو هلال، وهو مختلف فيه، ولا يحتمل منه هذا التعميم، ولم يُرو إلا عن ابن مسعود وعبادة، ولا يصح عنهما، وقد صح عن أنس خلافه] (١).