قال السرخسي: «فلو كان يجوز إعادة الجماعة في المسجد لما ترك الصلاة في المسجد والصلاة فيه أفضل» (١).
• وأجيب عن هذا:
أولًا: الحديث ضعيف، وقد أبان ذلك تخريج الحديث.
ثانيًا: لو صح هذا الحديث لم يكن فيه دليل على الكراهة، غاية ما فيه أنه يجوز
стр. 8402
للرجل إذا وجد الجماعة الأولى قد صليت أن يصلي في بيته، خاصة من يقول: إن الجماعة ليست واجبة في المسجد، وهو قول الأئمة الأربعة إلا رواية ثانية عن أحمد.
ثالثًا: لو كان الترك دليلًا على الكراهة لكان في الحديث دلالة على كراهة الصلاة فرادى في المسجد إذا صلى فيه أهله؛ لأن النبي ﷺ لم يُصَلِّ في المسجد لا جماعة، ولا منفردًا، وأنتم تقولون باستحباب الصلاة فرادى.
رابعًا: صلاة النبي ﷺ جماعة في أهله دليل على أن النبي ﷺ ما كان معه أحد يمكن الصلاة معه جماعة، فاحتاج النبي ﷺ إلى أهله لإقامة الجماعة، فكان ترك النبي ﷺ الصلاة في المسجد طلبًا للجماعة، وليس تركًا لها، فلا يستقيم الاحتجاج بالحديث إلا لو كان مع النبي ﷺ جماعة لم يصلوا، وتركوا الصلاة في المسجد.
الدليل الرابع:
(ث-٧٧٢) منها ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم:
أن علقمة والأسود أقبلا مع ابن مسعود إلى مسجد، فاستقبلهم الناس قد صلوا، فرجع بهما إلى البيت، فجعل أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، ثم صلى بهما (١).
[زيادة الرجوع بهم إلى البيت زيادة منكرة، تفرد بها معمر، عن حماد، وروايته عن العراقيين متكلم فيها، وقد اضطرب حماد في إسناده ومتنه، وخالفه من هو أوثق منه] (٢).
• ويجاب بأجوبة، منها:
الجواب الأول:
المعروف من أثر ابن مسعود
(ث-٧٧٣) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، وعلقمة قالا:
أتينا عبد الله بن مسعود في داره فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا. قال: فقوموا فصلوا، فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة، قال: وذهبنا لنقوم خلفه فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله .... فلما صلى قال: إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها ويخنقونها إلى شرق الموتى. فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة … الحديث (١).
ورواه منصور عن إبراهيم بنحو رواية الأعمش عنه، وروايته في مسلم (٢).
وهؤلاء أولى من رواية حماد، عن إبراهيم. فليس في أثر ابن مسعود أنه خرج إلى المسجد، وأن الصلاة فاتته.
الجواب الثاني:
لو صح ذلك عن ابن مسعود فهو مجرد فعل، وغايته أن يدل على عدم وجوب قضاء الصلاة في المسجد إذا فاتته الجماعة، ونفي الوجوب لا يستلزم كراهة القضاء في المسجد، بل يدل على الجواز، فلو حفظ عن ابن مسعود النهي عن قضاء الصلاة جماعة في المسجد لكانت الدلالة على الكراهة واضحة، والله أعلم.
стр. 8405
الجواب الثالث:
خالف أنس ابن مسعود ﵄، وهو أصح منه سندًا، حيث صلى جماعة في المسجد بعد أن صلى أهله، وسوف يأتينا تخريجه إن شاء الله تعالى.
الدليل الخامس:
(ث-٧٧٤) ما رواه ابن شيبة، قال: حدثنا وكيع عن أبي هلال عن كثير،
عن الحسن، قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا دخلوا المسجد وقد صُلِّي فيه صلوا فرادى.
[تفرد به أبو هلال، وهو مختلف فيه، ولا يحتمل منه هذا التعميم، ولم يُرو إلا عن ابن مسعود وعبادة، ولا يصح عنهما، وقد صح عن أنس خلافه] (١).
стр. 8406
• ونوقش هذا من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
لو كان هذا الفعل محفوظًا من فعل آحاد الصحابة لتداعت الهمم على نقله؛ لكثرته وأهميته، فلم يُرْوَ هذا الفعل إلا عن ابن مسعود، وهو منكر، وعن عبادة، وهو ضعيف، ولا دلالة فيه على النهي عن الجماعة الثانية، وإنما هو في النهي عن الصلاة بين التراويح.
الوجه الثاني:
مخالفته لما هو أصح منه، وهو فعل أنس ﵁، وهو صحيح صريح.
الوجه الثالث:
مخالفته لحديث أبي سعيد الخدري المرفوع: (من يتصدق على هذا)، والدفع بأن المتصدق يصلي نفلًا، والمنهي عنه مختص بما إذا كان الإمام والمقتدي مفترضين، لا وجه لهذا التخريج؛ لأن الفعل صورته صورة جماعة ثانية، فما الفرق في الصورة
стр. 8407
بين اثنين قد فاتتهما الصلاة، فصليا، وبين رجل صلى ودخل معه آخر ليتصدق عليه؛ ليحصل له أجر الجماعة، فصورتهما واحدة، وإذا كان الفعل لا فرق فيه بين المكروه والمأذون فيه إلا بالنية، فالنية محلها القلب، فلو لم تكن الجماعة الثانية غير مكروهة مطلقًا لم يأذن الشارع في مثل هذا الفعل حتى لا يلتبس على الناس المباح بالمأذون فيه.
الوجه الرابع:
أن الحسن نفسه قد كشف العلة التي منعت الناس من إقامة الجماعة الثانية.
(ث-٧٧٥) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا منصور،
عن الحسن، قال: إنما كانوا يكرهون أن يجمعوا مخافة السلطان.
[صحيح].
فتبين أن الامتناع ليس بسبب كراهتهم للجماعة الثانية، فبطل الاحتجاج بأثر الحسن البصري، على أن هناك سؤالًا مشروعًا، أكان السلطان يمنع من إقامة الجماعة بعده، أم كان يمنع من إقامة الجماعة قبله فقط؟ لأنه كان يؤخر الصلاة عن وقتها، فكان ينظر إلى إقامة الجماعة قبله على أنه مخالفة له، وافتئات عليه، بخلاف الجماعة بعده.
الدليل السادس:
(ث-٧٧٦) روى البخاري في التاريخ الكبير، قال لنا مسلم: حدثنا أبان: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سفيان رجل من أهل الشام، عن بحير بن ريسان،
عن عبادة بن الصامت: أنه زجر ناسًا يصلون بعد ما يتروح الإمام، فلم ينتهوا فضربهم.
[ضعيف، ولا دلالة فيه] (١).
стр. 8408
فالنهي عن الصلاة بين التراويح، وليس في النهي عن الجماعة الثانية، والله أعلم.
الدليل السابع:
أُمِرْنا بتكثير الجماعة وفي تكرار الجماعة في مسجد واحد تقليل لها؛ لأن الناس إذا عرفوا أنها تفوتهم الجماعة يعجلون للحضور، فتكثر الجماعة، وإذا علموا أنها لا تفوتهم يؤخرون، فيؤدي إلى تقليل الجماعات، وبهذا فارق المسجد الذي على قارعة الطريق؛ لأنه ليس له قوم معلومون، فكل من حضر يصلي فيه، فإعادة الجماعة فيه مرة بعد مرة لا تؤدي إلى تقليل الجماعات (١).
• وأجيب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
القول بأن إعادة الجماعة يؤدي إلى تقليل الأولى نظر في مقابل النص، وحديث أبي سعيد مقدم على هذا النظر.
الجواب الثاني:
إقامة الجماعة الثانية لا يقتضي جواز التخلف عن الأولى عند القائلين بوجوب الجماعة؛ لأنها هي المقصودة بالنداء، وكراهية التخلف عن الأولى لا يلزم منه كراهة
стр. 8409
الجماعة الثانية، فهما حكمان منفكان، لكل فعل حكمه.
الجواب الثالث:
الجماعة الثانية لا تقام على وجه مرتب لها حتى يقال: إذا فاتتهم الأولى أدرك الجماعة الثانية، وإذا فاتتهم الثانية أدرك الجماعة الثالثة، إنما يحدث مثل هذا في المساجد المطروقة والتي على الطريق، وهي ليست محل خلاف، وليس في مساجد الحي والتي يصلي بها جماعة محدودة، وإن حصل وتخلف أحد منهم أحيانًا فلم يتعمد التأخير، ولم يتخذه عادة، وإنما كان ذلك لعذر حمله على ذلك فيعيد الجماعة بالرجل والرجلين، لا أكثر.
الجواب الرابع:
بأن هناك فرقًا بين فضل الجماعة وفضل الكثرة. ففضل الجماعة متفق عليه، وقيل بوجوبه حتى هم النبي ﷺ بتحريق من يتخلف عن الجماعة، وإذا فاتته الجماعة استحب له أن يطلب مسجدًا آخر ليدرك معهم فضل الجماعة، وهو مذهب الأئمة الأربعة إلا أن يكون المصلي في أحد المساجد الثلاثة، وأما فضل الكثرة فليس واجبًا بالاتفاق، وإذا قامت الجماعة في مسجد الحي ولو برجلين لم يتركه إلى غيره طلبًا للكثرة، ومختلف في فضل الكثرة، فالجمهور على أن الجماعة تتفاضل بالكثرة خلافًا للمالكية.
فإذا رجحنا قول الجمهور، ففضل الجماعة مقدم على فضل الكثرة في الحكم الشرعي، فحرمان من فاتته الصلاة من فضل الجماعة في المسجد حرصًا على تقديم فضل الكثرة من باب تقديم الفاضل على الأفضل، فيحتاج إلى توقيف، إما سنة مرفوعة تنهى عن إقامة الجماعة الثانية، لا معارض لها، وإما أثر صحيح عن الصحابة، ولا أعلم حديثًا ولا أثرًا صحيحًا في منع الناس من الجماعة الثانية، والمساجد لم تبن إلا لإقامة ذكر الله، ومنه الصلاة جماعة، ويبقى فعل أنس من الصحابة، وحديث أبي سعيد في التصدق على من صلى منفردًا لينال فضل الجماعة لا معارض لهما.
الدليل الثامن:
قال الباجي في المنتقى: «لو جاز الجمع في مسجد مرتين لكان ذلك داعية إلى الافتراق والاختلاف، ولكان أهل البدع يفارقون الجماعة بإمامهم ويتأخرون من
стр. 8410
جماعتهم ثم يقدمون منهم، ولو جاز مثل هذا لفعلوا مثل ذلك بالإمام الذي تؤدى إليه الطاعة فيؤدي ذلك إلى إظهار منابذة الأئمة ومخالفتهم ومفارقة الجماعة فوجب عليهم سد هذا الباب» (١).
فذكر الفقيه أبو الوليد الباجي ثلاث علل:
إحداها: الافتراق والاختلاف.
وهذا إن كان المقصود منه تقليل الجماعة الأولى، فقد سبق الجواب عليه، وإن كان المقصود من الافتراق انقسام الجماعة إلى جماعتين، لكل واحدة منها إمام راتب، فهذا لا شك في تحريمه، والمسألة مفروضة في جماعة عارضة لم يكن لها عادة التخلف عن الجماعة الأولى، وليس لها إمام راتب يضار إمام الجماعة الأولى.
العلة الثانية: استغلال أهل البدع لتعدد الجماعة، وذلك بالتخلف عن الصلاة خلف أئمة أهل السنة، ليتمكنوا من الصلاة خلف بعضهم البعض، وشق صف المسلمين.
• ويجاب:
إذا كانت العلة في الكراهية خشية استغلال أهل البدع تعدد الجماعة، فينشقوا عن جماعة المسجد، فليختص هذا الحكم في مسجد يصلي فيه بعض المبتدعة، فإذا كانت جماعة المسجد كلهم من أهل السنة، فمقتضى التعليل عدم الكراهة؛ لأن الحكم ينتفي بانتفاء العلة، فلا يترك فضل الجماعة لتوهم وجود مبتدعة حتى يتحقق ذلك، ولأن المسألة -كما نبهت سابقًا- مفروضة في جماعة طارئة فاتتها الجماعة الأولى، وحرصت على استدراك فضل الجماعة، وليس الشأن في جماعة تعمدت التأخير، واعتادت أن تصلي وحدها، وتقسم جماعة المسجد إلى حزبين، فهذا لا نزاع في منعه.
وقال ابن حزم: «من كان من أهل الأهواء لا يرى الصلاة خلف أئمتنا، فإنهم يصلونها في منازلهم، ولا يعتدون بها في المسجد مبتدأة، أو غير مبتدأة مع إمام من غيرهم، فهذا الاحتياط لا وجه له» (٢).
стр. 8411
العلة الثالثة: إن مثل ذلك قد يتمادى حتى يؤدي إلى مخالفة ولاة الأمر والخروج عن طاعتهم. هذه مبالغة وتهويل.
الدليل التاسع:
ولو جازت إعادة الجماعة لدعي الناس إليها بالأذان ولا خلاف أنه لا يعاد الأذان والإقامة (١).
• ويناقش:
بأن الأذان لا يتعدد بتعدد الصلوات المجموعة على الصحيح، ولا يتعدد بتعدد الصلوات الفائتة، فكذلك لا يتعدد بإعادة الجماعة، خاصة أن الأذان في المدن للإعلام بدخول الوقت، وليس لحضور الصلاة، بخلاف الأذان خارج البلد، أو في السفر فهو عند حضور الصلاة، فلا يمنع في مثل هذا من الأذان لإعادة الصلاة.
• دليل من قال: يجوز تعدد الجماعة:
الدليل الأول:
الصلوات الخمس تشرع لها الجماعة بالإجماع، ولم يصح دليل صحيح صريح على قصر المشروعية على الجماعة الأولى، ومن ادعى الكراهة فعليه الدليل، وكل ما استدل به أصحاب القول الأول إما دليل صحيح ليس بصريح، وإما دليل ضعيف، لا دلالة فيه.
الدليل الثاني:
(ح-٢٩٤٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة،
أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده، بخمس وعشرين جزءًا … الحديث (٢).
ورواه البخاري حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،
стр. 8412
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة .... الحديث (١).
(ح-٢٩٤٨) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق، أنه سمع عبد الله بن أبي بصير، يحدث،
عن أبي بن كعب مرفوعًا وفيه … وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع رجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله.
[صحيح لغيره] (٢).
وجه الاستدلال:
فقوله: (صلاة الجميع) نكرة مضافة، فتعم كل صلاة جماعة من غير فرق بين الجماعة الأولى، والجماعة الثانية.
ومثله في الدلالة حديث أبي بن كعب، وقوله: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى) من غير فرق بين جماعة وجماعة.
الدليل الثالث:
(ح-٢٩٤٩) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سليمان الأسود، عن أبي المتوكل،
عن أبي سعيد، أن رجلًا جاء، وقد صلى النبي ﷺ ، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه (٣).
[صحيح] (٤).
وجه الاستدلال:
وهذا أمر بتكرار الجماعة، بعد ما صلى النبي ﷺ فيه جماعة، وما كان
стр. 8413
النبي ﷺ ليأمر بالمكروه، ولم يكن المسجد على قارعة الطريق.
• ونوقش هذا بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
بأن هذا الحديث معارض لحديث أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله، فجمع أهله، فصلى بهم. رواه الطبراني في الأوسط، وسبق تخريجه (١).
وإذا تعارض الحظر والإباحة قدم الحظر.
• ونوقش:
بأن حديث أبي بكرة ضعيف، فلا يقوى على معارضة الحديث الصحيح.
الوجه الثاني:
قال الطحاوي في اختلاف العلماء: «وهذا لا حجة فيه؛ لأنه لم يذكر أنه كان في مسجد قد صلى فيه أهله، وفي إسناده: سليمان الناجي، وهو غير معروف» (٢).
• وأجيب:
بأن رواية وهيب بن خالد كما في أحاديث عفان، وسنن الدارمي، والمعجم الصغير للطبراني، وفي الأوسط لابن المنذر، والسنن الكبرى للبيهقي عن سليمان الناجي به، ولفظها: (أن رجلا دخل المسجد وقد صلى النبي ﷺ فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟) (٣).
تابعه على هذا سعيد بن أبي عروبة، وعلي بن عاصم (٤).
стр. 8414
وسليمان الناجي وثقه ابن معين وغيره، وسبق تخريج الحديث.
الوجه الثالث:
أن في هذا الحديث حجة لأبي يوسف القائل: إنما يكره تكرار الجماعة إذا كان القوم كثيرًا، أما إذا صلى واحد بواحد أو باثنين بعدما صلى فيه أهله فلا بأس، فلا يدل الحديث على جواز إعادة الجماعة بإطلاق.
الوجه الرابع:
أن حديث أبي سعيد لا حجة فيه؛ لثلاثة أسباب:
منها: أن المتصدق قد صلى مع الجماعة الأولى، فيبقى الذي لم يصل مع الجماعة الأولى هو الإمام وحده، والمنهي عنه مختص بما إذا كان الإمام والمقتدي مفترضين.
ومنها: أن هذا الفعل لا يفرق الجماعة الأولى، وهو علة النهي عن إقامة الجماعة الثانية.
ومنها: أن إعادة الجماعة لو كانت مستحبة لما زهد في هذا الفضل جماعة الحاضرين حيث لم يقم منهم إلا واحد.
• ويجاب عن الوجه الثالث والرابع بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
إذا أذن النبي ﷺ في إقامة الجماعة لمن صلى فرضه رغبة في حصول فضل الجماعة، فوجوبها في حق من لم يُصلِّ فرضه من باب أولى؛ لأن الجماعة آكد في حقه.
جاء في تحفة الأحوذي: «إذا ثبت من حديث الباب حصول ثواب الجماعة بمفترض ومتنفل فحصول ثوابها بمفترضين بالأولى، ومن ادعى الفرق فعليه بيان الدليل الصحيح .... فالقول بجواز تكرارها بمفترض ومتنفل، وعدم جواز تكرارها بمفترضين مما لا يصغى إليه» (١).
الجواب الثاني:
إقامة الجماعة هو محل الخلاف، وليس حكم الجماعة بالنسبة للمأموم، وإقامتها هو الباعث على الصلاة مع المنفرد، ولو كانت الجماعة مكروهة لما أمر
стр. 8415
النبي ﷺ بها؛ لأن الجماعة تنعقد باثنين فأكثر، وإنما اقتصر فيه على أقل الجمع ليس لكراهة الجماعة وإلا لما أمر بها النبي ﷺ ، ولا لكراهة الكثرة؛ لأن المانع من الكثرة هنا أن المتصدق كان قد صلى فرضه، فاقتصر فيه على أقل عدد يحصل به أجر الجماعة؛ لأن إعادة الجماعة لا تصح بلا سبب، والسبب المبيح هو التصدق لحصول فضل الجماعة، وهو يحصل بواحد، فلا يشرع أكثر من ذلك، فلو تصدق أكثر من واحد لكان الثاني والثالث قد أعاد صلاته بلا سبب، وذلك غير مشروع.
ولم يتزاحم الصحابة على من يكون هو المتصدق ربما لأن غير المتصدق قد يكون آثر جلسته مع النبي ﷺ على التطوع مع الرجل.
الجواب الثالث:
لو كان المتخلف عن الجماعة عددًا كثيرًا فلن يختلف الحكم؛ لأن الفعل صورته صورة جماعة ثانية، فما أبيح لاثنين أبيح للثلاثة فأكثر إلا بدليل، وإذا كان الفعل لا فرق فيه بين المكروه والمأذون فيه إلا بالنية، فالنية محلها القلب، فلو لم تكن الجماعة الثانية غير مكروهة مطلقًا لم يأذن الشارع في مثل هذا الفعل حتى لا يلتبس على الناس المكروه بالمأذون فيه، ودعوى أنه لو كان المتخلف عن الجماعة اثنين فأكثر لن يأذن له النبي ﷺ بإقامة الجماعة دعوى في محل النزاع لا دليل عليها وما حمل على ذلك إلا اعتقاد كراهة تكرار الجماعة، فالباعث على تأويل النصوص على خلاف ظاهرها هو اعتقاد كراهة الجماعة، ولو نظر المنصف إلى هذا الدليل، وهو خال من الاعتقاد المسبق لقال بمقتضاه من استحباب تكرار الجماعة، وهذا ما فهمه كثير من أئمة أهل الحديث.
فبوب عليه الدارمي في سننه، فقال: باب في صلاة الجماعة في مسجد قد صلي فيه مرة (١).
وترجم له أبو داود بقوله: باب في الجمع في المسجد مرتين (٢).
وترجم له الترمذي بقوله: باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صلي فيه مرة (٣).
стр. 8416
وترجم له ابن خزيمة، فقال: باب الرخصة في الصلاة جماعة في المسجد الذي قد جمع فيه ضد قول من زعم أنهم يصلون فرادى إذا صلى في المسجد جماعة مرة (١).
وبوب له ابن المنذر، فقال: ذكر الرخصة في الصلاة جماعة في المسجد الذي قد جمع فيه (٢).
وبوب عليه ابن حبان بقوله: ذكر الإباحة لمن صلى في مسجد جماعة أن يصلي فيه مرة أخرى جماعة (٣).
وقال الحاكم في المستدرك: «هذا الحديث أصل في إقامة الجماعة في المساجد مرتين» (٤).
الدليل الرابع:
(ح-٢٩٥٠) روى مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، حدثنا سعيد بن المسيب،
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر، سار ليله حتى إذا أدركه الكرى عرس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل، فصلى بلال ما قُدِّرَ له، ونام رسول الله ﷺ وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته مواجه الفجر، فغلبت بلالًا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ، ولا بلال، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله ﷺ ، فقال: أي بلال. فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - بنفسك، قال: اقتادوا، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثم توضأ رسول الله ﷺ وأمر بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] (٥).
روى مسلم قصة نومه من مسند عمران بن حصين، وفيه: (استيقظ رسول الله ﷺ
стр. 8417
فلما رفع رأسه، ورأى الشمس قد بزغت، قال: ارتحلوا، فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة) (١).
(ح-٢٩٥١) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا يحيى، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد،
عن أبيه، قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلوات حتى كان بعد المغرب هويًّا، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كفينا القتال، وذلك قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، أمر النبي ﷺ بلالًا فأقام الظهر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب فصلاها كما يصليها في وقتها (٢).
[صحيح] (٣).
وجه الاستدلال من الحديثين:
إذا شرعت الجماعة للصلاة المقضية، فالحاضرة أولى بالجواز، إذا أمكن فعلها مع جماعة أخرى، فالجماعة لا تفوت بفوات الجماعة الأولى.
الدليل الخامس:
(ث-٧٧٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس بن عبيد، قال: حدثني أبو عثمان اليشكري، قال:
مر بنا أنس بن مالك، وقد صلينا صلاة الغداة، ومعه رهط، فأمر رجلًا منهم فأذن، ثم صلوا ركعتين، قبل الفجر، قال: ثم أمروه، فأقام، ثم تقدم فصلى بهم.
[صحيح موقوفًا] (٤).
стр. 8418
• وأجيب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
ذكر صاحب فيض الباري بشرح البخاري: بأن أنسًا ﵁ لم يجمع في مسجد مَحَلَّته، وإنما جاء إلى مسجد بني زُرَيْق [وفي الفتح: أنه مسجد بني ثَعْلبة، وفي رواية: بني رِفَاعة]، وجمع بهم فيه (١).
حتى ادعى بعضهم في سبيل دفع أثر أنس ﵁ بالاحتمالات، فقال: يحتمل أن يكون المسجد مسجد الطريق، أو نحوًا مما لا يكرهون التكرار فيه.
• ويرد:
التفريق بين مسجد المحلة وغيره، هذا القيد لم يأت نص باعتباره، بل اخترع لتقييد الآثار الصحيحة والتي تبطل القول بكراهة إعادة الجماعة، فكل ما جاء نص يدل على صحة إعادة الجماعة تكلفوا التأويل، فحديث أبي سعيد في المتصدق زعموا أن النهي عن إعادة الجماعة خاص بالمفترض، ولا يشمل المتنفل خلف المفترض، ولولا ورود هذا الحديث ما خطر على بالهم هذا القيد؛ لأن هذا القيد لم يأت نص باعتباره، وإنما قيل به لدفع حديث أبي سعيد.
وفي أثر أنس: أضافوا قيدًا آخر، وهو التفريق بين مسجد المحلة وغيره، فخصوا الكراهة في مسجد الحي الذي يصلي فيه، فإن أعادها في مسجد آخر لم يكره.
وهذه الطريقة من التأويلات الباعث عليها اعتقاد الكراهة مسبقًا، ثم تأويل ما يخالف هذا القول، ولو أن كل مخالف للنصوص اتبع هذه الطريقة من التأويل لأبطل مقتضاها، ولا يستبعد أن يأتي أحد فيدعي جهل أنس ﵁ بالحكم،
стр. 8419
وهذا التأويل للنصوص يمكن التسامح معه لو أنه قد صح أثر واحد عن الصحابة في كراهة تكرار الجماعة، فيتوسع في التوفيق بين النصوص المتعارضة ما لا يقبل في غيرها، ولكن لا يوجد ما يعارض أثر أنس ﵁، فما يروى عن ابن مسعود فهو منكر، خالف فيه الضعيف من هو أوثق منه، وما ورد عن عبادة على ضعفه، فهو في الصلاة بين التراويح، وما نقله الحسن عن الصحابة فهو ضعيف، والصحيح أنه من قول الحسن نفسه، وله قولان في المسألة، وقد فسر أن الكراهة مخافة السلطان، وليس حكمًا شرعيًّا مبتدأ، فبقي أثر أنس لا معارض له، لهذا أرى أن هذه التأويلات غير مستساغة وهي أقرب إلى التحريف منها إلى التأويل.
الجواب الثاني:
قال صاحب فيض الباري: «إن الهيثمي أخرجه، وبوَّب عليه بما يُعْلَمُ منه أنها كانت قضاءً للفائتة، وحينئذ خَرَجَ عمَّا نحن فيه، وهو عندي وَهْمٌ منه» (١).
فكفانا الجواب عنه.
والجواب الثالث:
قال صاحب فيض الباري: «أما أثر أنس ﵁، فلا دليل فيه لما في مصنف ابن أبي شيبة أنه جمع بهم، وقام وسطهم، ولم يتقدم عليهم، فدل أنه قصد تغيير الشاكلة، كما فعله أبو يوسف رحمه الله تعالى، غير أن أبا يوسف رحمه الله تعالى غيرها بترك الأذانين وموضع الإمام، وأنسًا ﵁ بترك التقدم عليهم» (٢).
ومقام أنس قد اختلف فيه:
(ث-٧٧٨) فرواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن عبد ربه بن أبي راشد، قال: حدثنا الجعد (٣)، قال: جاءنا أنس بن مالك، وقد صلينا الغداة، فأقام الصلاة،
стр. 8420
ثم صلى بهم، فقام وسطهم (١).
[رجاله ثقات].
خالف يونس بن عبيد وجعفر بن سليمان خالفا عبد ربه بن أبي راشد، فروياه عن الجعد أبي عثمان به، وفيه: ثم تقدم فصلى بهم.
كما رواه ابن علية وحماد بن زيد عن الجعد، فلم يذكرا أنه صلى متوسطًا الصف، والأصل أنه اتبع السنة في الصلاة، فكان رواية عبد ربه رواية شاذة، والله أعلم.
• دليل من كره الإعادة في الحرمين:
كره الإمام أحمد تفريق الجماعات في المسجدين الفاضلين توقيرا للجماعة فيهما.
ويشكل عليه حديث أبي سعيد الخدري فإن الواقعة حصلت في مسجده ﷺ .
قال ابن رجب: «وقد اعتذر الإمام أحمد عنه من وجهين:
أحدهما: أن رغبة الصحابة في الصلاة مع النبي ﷺ كانت متوفرة، وإنما كان يتخلف من له عذر، وأما بعده فليس كذلك، فكره تفريق الجماعات في المسجدين الفاضلين توقيرًا للجماعة فيهما.
والثاني: أن هذا يغتفر في الجماعة القليلة دون الكثيرة، ولهذا لم يأمر النبي ﷺ أكثر من واحد بالصلاة معه» (٢).
وقد علمت الجواب لماذا لم يأمر النبي ﷺ أكثر من واحد فيما سبق.
وقد يكون الإمام أحمد يتكلم عن واقع الحرمين في عصره وأما اليوم فالحرمان من أكثر المساجد جماعة، ولن يتأثر أعداد المصلين بتعدد الجماعة فيهما، ولا يتوقف الوارد على الحرمين في كل لحظة من غير أهلهما.
والعلة التي ذكرها الإمام أحمد هي أظهر في غير الحرمين، فالجماعة القليلة تتأثر إذا تخلف بعضهم عن حضورها، بخلاف الجماعة الكثيرة، والإمام أحمد لا يرى كراهة إعادة الجماعة في غير الحرمين، ففي الحرمين من باب أولى، إلا أن علة توفير الجماعة الأولى يكون بترغيب المصلين في الحضور، لا حرمان من فاتته
стр. 8421
الجماعة بلا عادة منه من فضل الجماعة، وفضل الجماعة أولى عند الشارع وأحب من فضل الكثرة، والله أعلم.
• دليل من قال: يجوز إذا كانت الجماعة الثانية قليلة:
(ح-٢٩٥٢) استدل بما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سليمان الأسود، عن أبي المتوكل،
عن أبي سعيد، أن رجلًا جاء، وقد صلى النبي ﷺ ، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه (١).
[صحيح] (٢).
احتج به أبو يوسف على جواز تكرار الجماعة إذا كان العدد قليلًا، فلا يدل الحديث على جواز إعادة الجماعة الكثيرة.
ويعكس الاستدلال:
لو كانت الجماعة مكروهة لم يفرق فيها بين القليل والكثير، فكون المتخلف واحدًا هذا وقع اتفاقًا، ودعوى أن العدد لو كان كثيرًا لم يأذن النبي ﷺ بإقامة الجماعة دعوى في محل النزاع، لا دليل عليها، فمن أين لكم هذا القول من النصوص، وما حمل على ذلك إلا اعتقاد كراهة تكرار الجماعة، والله أعلم.
• الراجح:
أن إعادة الجماعة مستحبة في حق من فاتته الجماعة بشرط ألا يتخذ ذلك عادة، والله أعلم.
стр. 8422
الفصل العاشر في صلاة الجماعة على غير الأرض
المبحث الأول صلاة الجماعة في السفينة والقطار
المدخل إلى المسألة:
• الفريضة في السفينة والطائرة والقطار إذا استقبل المصلي القبلة وأتم الأركان صحت الصلاة فيها بلا خلاف.
• إذا انحرفت السفينة عن القبلة في أثناء الصلاة استدار المصلي إلى القبلة؛ لأنه قادر على تحصيل هذا الشرط بغير مشقة، فلزمه تحصيله.
• الصلاة في السفينة إذا لم تكن مضطربة تأخذ حكم الصلاة على الأرض في وجوب الاستقبال والقيام والركوع والسجود.
• المكتوبة لا تصح إلى غير القبلة، ولا على الدابة، وهو مجمع عليه إلا حال الضرورة.
• القيام في الصلاة ركن لا يجوز تركه مع القدرة عليه.
• إذا عجز عن الاستقبال أو عن القيام ولم يمكنه الخروج من السفينة صلى قاعدًا إلى جهة قدرته، ولا إعادة عليه؛ لأن القدرة شرط التكليف.
• دلَّ القرآن بدلالة الإشارة على صحة الصلاة في السفينة، حيث امتنَّ بركوبها: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾، ومعلوم أنه لا يتيسر النزول بالساحل عند كل صلاة، فالصلاة فيها صحيحة قطعًا.
• لا يوجد فرق بين السفينة والطائرة والقطار في حكم الصلاة فيها.
• يصلي بالطائرة والقطار قائمًا بركوع وسجود مع القدرة، فإن عجز عن الركوع والسجود صلى قائمًا وجالسًا يومئ بالركوع والسجود.
стр. 8423
• الصلاة في أول الوقت في السفينة والطائرة قاعدًا جائزة إذا لم يستطع القيام، ولو علم أنه يصل إلى الأرض قبل خروج الوقت؛ لأن المستقبل غيب، كالمتيمم له أن يصلي أول الوقت وإن غلب على ظنه إدراك الماء في آخر الوقت.
[م-٩٨٧] الصلاة في السفينة إن كانت واقفة جازت الصلاة فيها، وإن كان يمكنه الخروج منها؛ لأنها إذا استقرت كان حكمها حكم الأرض، ولا تجوز إلا قائمًا بركوع وسجود متوجهًا إلى القبلة؛ لأنه قادر على تحصيل الأركان والشرائط (١).
قال النووي: «وتصح الفريضة في السفينة الواقفة والجارية والزورق المشدد بطرف الساحل بلا خلاف إذا استقبل القبلة، وأتم الأركان» (٢).
وقال ابن حزم: «لا تجوز الصلاة في السفينة إلا مع تعذر الصلاة على الأرض.
جاء في المحلى: «فإن كان قوم في سفينة لا يمكنهم الخروج إلى البر إلا بمشقة أو بتضييعها فليصلوا فيها كما يقدرون» (٣).
والراجح قول عامة أهل العلم.
(ث-٧٧٩) روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن حميد، قال:
سئل أنس عن الصلاة، في السفينة، فقال عبد الله بن أبي عتبة مولى أنس، وهو معنا جالس:
سافرت مع أبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، وجابر بن عبد الله، قال حميد: وأناس قد سماهم، فكان إمامنا يصلي بنا في السفينة قائمًا، ونحن نصلي خلفه قيامًا، ولو شئنا لأرفأنا وخرجنا (٤).
[صحيح] (٥).
стр. 8424
قوله: (لأرفأنا) يقال: أرفى بالسفينة: إذا وقف بها على الشط.
وإذا دارت السفينة ونحوها في أثناء الصلاة استدار إلى القبلة حيث دارت إن أمكنه؛ لأنه قادر على تحصيل هذا الشرط بغير مشقة، فلزمه تحصيله، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
قال النووي في المجموع: «فإن هبت الريح، وحولت السفينة، فتحول وجهه عن القبلة، وجب رده إلى القبلة، ويبني على صلاته، بخلاف ما لو كان في البر، وحول إنسان وجهه إلى القبلة قهرًا، فإنه تبطل صلاته … والفرق أن هذا في البر نادر، وفي البحر غالب، وربما تحولت في ساعة واحدة مرارًا» (٢).
وقيل: لا يجب وهو وجه في مذهب الحنابلة (٣).
وقيل: يجب في الفرض، ولا يجب في النفل وهو رواية ابن حبيب عن الإمام مالك، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 8425
• وسبب الاختلاف:
اختلافهم في السفينة أهي في حكم الأرض، فيجب الاستقبال حتى في النافلة، أم هي في حكم الدابة، فيخفف في النافلة؟
فمن رأى كثرة تحرف السفينة عن القبلة، وكونها سببًا لدوران الرأس لم يجعل حكمها حكم الأرض، وألحقها بالدابة للمشقة، فسقط الاستقبال في صلاة النافلة.
ومن رأى أنها واسعة ويمكن الدوران في السفينة ويمكن الجلوس عليها للقرار، بخلاف الراحلة جعل حكمها حكم الأرض، فلا يسقط عنه استقبال القبلة في النافلة؛ لأنه لو تنفل على الأرض وجب عليه الاستقبال، فكذلك في السفينة.
وفرق الشافعية بين ملاح السفينة وبين غيرهم، فلا يجب الاستقبال للملاح في النافلة، ويجب على غيرهم الاستقبال لحاجة الملاح إلى قيادة السفينة، والله أعلم (١).
وقال في الإنصاف: «لو أمكنه أن يدور في السفينة والمحفة إلى القبلة في كل الصلاة لزمه ذلك على الصحيح من المذهب .... وأطلق في رواية أبي طالب وغيره أن يدور قال: والمراد غير الملاح لحاجته» (٢).
والحق أن السفينة إن كانت مستقرة فهي في حكم الأرض، وإن كانت مضطربة، فهي في حكم الدابة، قال ابن نجيم: «إذا لم تستقر فهي كالدابة بخلاف ما إذا استقرت فإنها حينئذ كالسرير» (٣). والله أعلم.
وإن عجز عن الاستقبال صلى إلى جهة قدرته، ولا إعادة عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 8426
ولقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]
ولقول رسول الله ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.
وإن عجز عن القيام لاضطراب السفينة صلى قاعدًا، وهذا لا خلاف فيه؛ لأن جميع الواجبات تسقط بالعجز.
وإن كان قادرًا على القيام فصلى قاعدًا بالإيماء بالركوع والسجود لم تصح صلاته.
وإن صلى قاعدًا بركوع وسجود:
فقال أبو حنيفة: تصح صلاته، وبه قال الثوري (١).
وقال الجمهور: لا تصح الصلاة في السفينة قاعدًا، إلا لمن عجز عن القيام، وتعذر عليه الخروج، وهو قول محمد بن الحسن وأبي يوسف (٢).
قال مالك: إذا قدر على أن يصلي في السفينة قائمًا، فلا يصلي قاعدًا (٣).
وقال أبو داود: «سمعت أحمد بن حنبل، سئل عن رجل صلى في السفينة قاعدًا؟ قال: إن كان يقدر على أن يصلي قائمًا، فأحب إلي أن يعيد» (٤).
стр. 8427
• دليل أبي حنيفة:
الدليل الأول:
(ث-٧٨٠) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا هشيم، عن يونس،
أن ابن سيرين، قال: خرجت مع أنس إلى بني سيرين في سفينة عظيمة، قال: فصلى بنا فيها جلوسًا، ثم صلى بنا ركعتين أخوارين.
[صحيح] (١).
فالظاهر من حال السفينة العظيمة أنها أكثر استقرارًا على الماء بحيث يتمكن الراكب من الصلاة عليها قيامًا، والله أعلم.
الدليل الثاني:
أن الغالب في حال راكب السفينة دوران رأسه إذا قام، والغالب كالمتحقق في حق بناء الأحكام دون النادر والشاذ، ولهذا جعل نوم المضطجع حدثًا بناء على الغالب.
• دليل الجمهور:
الدليل الأول:
(ح-٢٩٥٣) ما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
стр. 8428
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبِ (١).
وجه الاستدلال:
أمر النبي ﷺ بالصلاة قائمًا، والأصل في الأمر الوجوب، وعلق الجواز قاعدًا بشرط العجز عن القيام، فدلَّ على أن القيام لا يسقط فرضه في صلاة الفريضة إلا بالعجز عنه.
ولأن القيام في الصلاة ركن لا يجوز تركه مع القدرة عليه.
الدليل الثاني:
(ح-٢٩٥٤) ما رواه الدارقطني من طريق بشر بن فافا، ثنا أبو نعيم، ثنا جعفر ابن برقان، عن ميمون بن مهران،
عن ابن عمر: سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في السفينة، قال: صل قائما إلا أن تخاف الغرق (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
ولفظه يشعر بأنه ليس صادرًا عن المعصوم، فالاستثناء معيار العموم فمقتضاه: لا يسقط القيام إلا بالخوف من الغرق، مع أن الإجماع على سقوط القيام إذا أصابه دوار في رأسه، أو لم يتماسك في قيامه، ولو لم يخش الغرق.
• الراجح:
قول الجمهور، وأنه لا يصح أن يصلي جالسًا مع قدرته على القيام، وهو ما صح عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأبي الدرداء.
والقول بالصلاة في القطار كالقول بالصلاة في السفينة، يصلي قائمًا بركوع وسجود مع القدرة، فإن عجز عن الركوع والسجود صلى قائمًا يومئ بالركوع، وجالسًا يومئ بالسجود، والله أعلم.
والأفضل أن يصلي في أول الوقت فإن أخرها إلى آخر الوقت ليصليها في الأرض فلا بأس.
ومثل القطار السيارة الكبيرة إذا كان فيها مكان يمكن الراكب من الصلاة قائمًا وراكعًا وساجدًا ومستقبلًا للقبلة.
يقول شيخنا ابن عثيمين: «لو كانت السيارة أتوبيسًا كبيرًا، وفيها مكان واسع للصلاة، والإنسان يستطيع أن يصلي قائمًا راكعًا وساجدًا مستقبل القبلة، فلا حرج عليه أن يصلي؛ لأن هذه السيارات كالسفينة تمامًا» (١).
стр. 8432
المبحث الثاني الصلاة في الطائرة
الفرع الأول أن يكون قادرًا على أداء الصلاة بأركانها وشروطها
المدخل إلى المسألة:
• كل مكان تستقر عليه أعضاء المصلي حال القيام والركوع والسجود والاستقبال تصح الصلاة فيه، كالهودج، والسرير، ومنه الطائرة.
• قال ابن تيمية في شرح العمدة: إن كانت أعضاؤه على مكان مستقِرٍّ، وتحته هواء، لم يَضُرَّ ذلك.
• السفينة يحملها الماء، والطائرة يحملها الهواء، وكلاهما موصول بالأرض.
• حديث: جعلت لي الأرض مسجدًا منطوقه صحة الصلاة على الأرض، ولا مفهوم له لصحة الصلاة على السفينة والدابة.
• المقصود من الامتنان بجعل الأرض مسجدًا صحة الصلاة خارج المسجد في أي مكان تدركه الصلاة، وهو ما يفهم من سياق الحديث، بخلاف الأديان السابقة فكانت صلاتهم في كنائسهم وبيعهم.
[م-٩٨٨] اختلف العلماء في الصلاة في الطائرة إذا كان قادرًا على أداء الصلاة بأركانها وشروطها:
فقيل: لا يجوز، وقد خُرِّج هذا القول على اشتراط المالكية في السجود أن يمس الأرض، أوما اتصل بها، قال الدسوقي: واحترز بقوله: (أوما اتصل بها) من
стр. 8433
نحو السرير المعلق في حبل (١).
كما خرجه بعضهم على ما جاء في حاشية الجمل من الشافعية: «لو أخذ اثنان بعضديه، ورفعاه في الهواء حتى صلى لم تصح صلاته» (٢).
وجاء في حاشية الرملي الكبير على أسنى المطالب: «يشترط في الفريضة الاستقرار، فلو حمله رجلان، ووقفا في الهواء، أو صلى على دابة سائرة في هودج لم تصح» (٣).
ونص الشيخ البنوري من الحنفية في معارف السنن، حيث قال: «الصلاة المكتوبة على المراكب الهوائية لا تجوز بدون العذر، كما هو في حكم الصلاة على الدابة، والسفينة» (٤).
وقيل: تجوز، وهو قول عامة أهل العلم في عصرنا، وممن اختاره شيخنا ابن عثيمين، وشيوخه محمد بن إبراهيم ومحمد الأمين الشنقيطي وابن باز، وأعضاء اللجنة الدائمة، وجمع من أهل العلم (٥).
وصحح الحنابلة الصلاة في المحفة (٦).
وقد خُرِّج القول بالصلاة في الطائرة على الصلاة في الأرجوحة والسرير والمحفة والهودج، ونحوها.
المحفة: بكسر الميم، مركب للنساء شبه الهودج، إلا أنها لا قبة عليها (٧).
стр. 8434
قال النووي: «فإن صلى كذلك في سرير يحمله رجال أو أرجوحة مشدودة بالحبال أو الزورق الجاري في حق المقيم ببغداد ونحوه، ففي صحة فريضته وجهان، الأصح الصحة كالسفينة، وبه قطع القاضي أبو الطيب، فقال في باب موقف الإمام والمأموم: قال أصحابنا: لو كان يصلي على سرير، فحمله رجال وساروا به صحت صلاته» (١).
وقال في الإنصاف: «لو أمكنه أن يدور في السفينة والمحفة إلى القبلة في كل الصلاة لزمه ذلك على الصحيح من المذهب، نص عليه وقدمه ابن تميم، وابن منجى في شرحه والرعاية، وزاد: العمارية والمحمل ونحوهما» (٢).
وقال ابن تيمية: «إن كانت أعضاؤه على مكان مستقِرٍّ، وتحته هواء، لم يَضُرَّ ذلك» (٣).
• دليل من قال: لا تصح الصلاة:
(ح-٢٩٥٥) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار قال: حدثنا يزيد، هو ابن صهيب الفقير، قال:
أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل (٤).
(ح-٢٩٥٦) وروى البخاري ومسلم من طريق الأعمش، حدثنا إبراهيم التيمي، عن أبيه،
عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: ثم المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون، ثم قال: حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ، والأرض لك مسجد (٥).
стр. 8435
(ح-٢٩٥٧) ولمسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة، فُضّلتُ على الأنبياء بستٍّ … وذكر منها: وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا (١).
والحديث وارد مورد الامتنان فيفيد عموم الأحوال، فدل الحديث أن الواجب في الصلاة اتصال المصلي بقرار الأرض مباشرة، أو بواسطة.
• ونوقش هذا:
الاستدلال بمفهوم (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا) مفهومه (أن غير الأرض ليس مسجدًا) هذا المفهوم غير مقصود من الحديث، بل المقصود من الامتنان أن المسجد ليس شرطًا في صحة الصلاة، بل يصلي في أي مكان من الأرض تدركه الصلاة، بخلاف الأديان السابقة فكانت الصلاة في كنائسهم وبيعهم، ولذلك صحت الصلاة على الدابة، وهي ليست من الأرض، والله أعلم.
ولذلك جاء في أسنى المطالب: «فلو صلاها في هودج على دابة واقفة أو سرير يحمله رجال) وإن مشوا به (أو في الأرجوحة، أو الزورق الجاري صحت) (٢).
فالطائرة تمشي على جرم، وهو الهواء، وهذا الهواء متصل بالأرض، والله أعلم.
• دليل من قال: تجوز الصلاة بالطائرة:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
وجه الاستدلال:
قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكر جلا وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يخلق ما لا يعلم المخاطبون وقت نزولها، ولم يصرح بشيء منه، ولكن قرينة ذكر ذلك في معرض الامتنان بالمركوبات تدل على أن منه ما هو من المركوبات، وقد شوهد في إنعام الله على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول الآية،
стр. 8436
كالطائرات والقطارات والسيارات.
ودلالة الاقتران وإن ضعفها بعض الأصوليين فقد صححها جماعة من المحققين، ولا سيما في هذا الموضع الذي دلت فيه قرائن المشاهدة على صحة دلالة الاقتران، وإذا امتن الله على عباده بوجود هذه المراكب، فاعلم أن ركوبها جائز؛ لأن الله لا يمتن بمحرم، وإذا كان جائزًا، ودخل وقت الصلاة فيها فقد دل الكتاب والسنة والإجماع على أن الله لا يكلف الإنسان إلا طاقته؛
لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ل﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقوله ﷺ : إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم.
فإذا صلى الإنسان فيها فقد فعل طاقته، ولم يؤمر إلا بطاقته.
الدليل الثاني:
قياس الصلاة في الطائرة على الصلاة في السفينة، حيث لا يوجد فرق بين السفينة والطائرة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
فدلَّ القرآن بدلالة الإشارة على صحة الصلاة في السفينة، حيث امتنَّ بركوبها: ومعلوم أنه لا يتيسر النزول بالساحل عند كل صلاة، فالصلاة فيها صحيحة قطعًا.
يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي: «وإذا دلَّ الكتاب والسنة والإجماع على صحة الصلاة في سفينة البحر، فاعلم أنها لا يوجد بينها وبين الطائرة فرق له أثر في الحكم؛ لأن كلًّا منهما سفينة محركة ماشية، يصح عليها الإتيان بجميع أركان الصلاة، من قيام، وركوع، وسجود واعتدال وغير ذلك، بل هو في الطائرة أسهل؛ لأنها أخف حركة من السفينة.
وكل منهما تمشي على جرم؛ لأن الهواء جرم بإجماع المحققين من نظار المسلمين والفلاسفة، وتتحقق صحة ذلك إذا نفخت قربة -مثلًا- فإن الرائي يظنها مملوءة من الماء، ولو كان الهواء غير جرم لما ملأ الفراغ بملء الأوعية المنفوخة، وبين الهواء والماء مناسبة كثيرة، حتى إن أحدهما ينتقل من عنصره إلى عنصر الآخر؛ ألا ترى الماء إذا بلغ مائة درجة من درجات الحرارة تبخر فصار هواءً،
стр. 8437
فانتقل من عنصر الماء إلى عنصر الهواء» (١).
فإذا لم يكن بينهما فرق له تأثير في الحكم، فاعلم أن عامة العلماء -ما عدا قومًا من أتباع داود الظاهري- على أن المسألة المنطوق بها، والمسألة المسكوت عنها إذا لم يكن بينهما فرق مؤثر في الحكم، فإن المسكوت عنها تدخل في حكم المنطوق بها. وهو الدليل المعروف عند الأصوليين ب (الإلحاق بنفي الفارق) وهو نوع من تنقيح المناط، وسماه الشافعي: (القياس في معنى الأصل) ....
فإلحاق ضرب الوالدين بالتأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣].
وإلحاق إحراق مال اليتيم وإغراقه بأكله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠].
واعلم أن إلغاء الفارق يقول به من لا يقول بالقياس، وهو في حكم النص عند جماهير العلماء (٢).
стр. 8438
الفرع الثاني ألا يكون قادرًا على الصلاة بجميع أركانها وشروطها
المطلب الأول أن يخشى خروج الوقت قبل وصول الطائرة للأرض
المدخل إلى المسألة:
• لا تترك الصلاة بالعجز عن بعض أركانها وشروطها.
• كل الواجبات والشروط والأركان تسقط بالعجز؛ لأن الشروط وسيلة للعبادة، والعبادة هي الغاية، فإذا سقطت الوسيلة بالعجز عنها لم تسقط الغاية.
• التكليف منوط بالقدرة، فما عجز عنه من الشروط والواجبات سقط عنه.
• إذا أوجبنا عليه الصلاة حسب حاله، فلا معنى لإيجاب الإعادة عليه؛ لأن فعل الصلاة إذا لم يسقط به الطلب، وتبرأ به الذمة، فلا معنى لتكليفه بالصلاة.
• إذا كان الخوف ليس عذرًا في تأخير الصلاة عن وقتها، على أي صفة أُدِّيت جماعة أو منفردين، ركبانًا أو راجلين، فكذلك الحال في الطائرة، لا تؤخر الصلاة عن وقتها؛ لتحصيل بعض واجباتها.
[م-٩٨٩] إذا كان الراكب غير قادر على الإتيان بجميع ما يجب للصلاة، ويخشى خروج وقت الصلاة لو انتظر إلى حين وصوله إلى الأرض:
فإن كان العجز في أركان الصلاة كالقيام مثلًا، والركوع والسجود، فهذا يصلي بحسب ما يقدر عليه، والتكاليف بحسب القدرة، فيصلي قائمًا وجالسًا يومئ بالركوع والسجود.
لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
стр. 8439
ولقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
ولقول رسول الله ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم.
(ح-٢٩٥٨) ولما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ (١).
وإن كان عاجزًا عن الطهارة، فلا يجد ما يتوضأ به، ولا ما يتيمم به، وهوما يسمى فاقد الطهورين، فاختلف الفقهاء فيما يجب عليه:
فقيل: لا يصلي، ويقضي صلاته إذا قدر على الطهارة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وقول في مذهب مالك، وقول في مذهب الشافعية.
وقيل: يصلي، ويعيد، إذا قدر على الماء أو على الصعيد، وهو اختيار ابن قاسم، والمعتمد في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة.
وقيل: يصلي حسب حاله، ولا إعادة عليه، وهو مذهب الحنابلة.
وقيل: تسقط عنه الصلاة أداء وقضاءً، وهو رواية عن مالك، وقول بعض الظاهرية.
والصحيح مذهب الحنابلة؛ لأن كل الواجبات والشروط والأركان تسقط بالعجز؛ ولأن الطهارة وسيلة للصلاة، والصلاة هي الغاية، فإذا سقطت الوسيلة بالعجز عنها لم تسقط الغاية، فالعجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، وإذا أوجبنا عليه الصلاة حسب حاله فلا معنى لإيجاب الإعادة عليه؛ لأن فعل الصلاة إذا لم يسقط به الطلب، وتبرأ به الذمة فلا معنى لتكليفه بالصلاة، وإيجاب الظهر مرتين قول مخالف لقواعد الشريعة، والله أعلم، وقد سبق بحث هذه المسألة في مباحث الطهارة، فارجع إليه (٢).
стр. 8440
المطلب الثاني أن يكون وصول الطائرة للأرض قبل خروج الوقت
المدخل إلى المسألة:
• سبب وجوب الصلاة دخول الوقت، فإذا دخل كان المكلف مأمورًا بالصلاة إلا أن وقت الفعل موسع.
• الواجب الموسع لا يقال فعله في أول الوقت سنة.
• الشارع خيَّر المكلف في فعل الواجب في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره، كالواجب المخير في كفارة اليمين.
• أداء الصلاة في أي جزء من الوقت يوصف بالوجوب إلا أن تعيينه راجع لاختيار المكلف ما لم يضق الوقت.
• المعجوز عنه وقت فعل الواجب إن كان له بدل فَعَلَه، والبدل له حكم المبدل كالإيماء بالسجود، وما لا بدل له فهو ساقط شرعًا، وما سقط لا يوصف بالوجوب.
• المصلي بالطائرة أول الوقت بمنزلة عادم الماء، له أن يصلي بالتيمم أول الوقت وإن غلب على ظنه إدراك الماء في آخر الوقت.
• المعتبر في الأحكام وقت أداء الصلاة، فمن دخل عليه الوقت وهو مقيم، ثم سافر صلى صلاة مسافر، والعكس صحيح، فكذلك المصلي بالطائرة أول الوقت يصلى حسب قدرته، ولا يجب عليه التأجيل؛ لأن المستقبل غيب.
• يجوز له التأجيل آخر الوقت ليس من أجل تحصيل ما عجز عنه، ولكن لأنه واجب موسع.
[م-٩٩٠] إذا كان صول الطائرة مقدرًا له أن تصل قبل خروج وقت الصلاة بقدر يكفي لأدائها، أو كانت الصلاة مما يجمع مع غيرها، كما لو دخل عليه وقت