← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

كالطائرات والقطارات والسيارات. ودلالة الاقتران وإن ضعفها بعض الأصوليين فقد صححها جماعة من المحققين، ولا سيما في هذا الموضع الذي دلت فيه قرائن المشاهدة على صحة دلالة الاقتران، وإذا امتن الله على عباده بوجود هذه المراكب، فاعلم أن ركوبها جائز؛ لأن الله لا يمتن بمحرم، وإذا كان جائزًا، ودخل وقت الصلاة فيها فقد دل الكتاب والسنة والإجماع على أن الله لا يكلف الإنسان إلا طاقته؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ل﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقوله ﷺ : إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. فإذا صلى الإنسان فيها فقد فعل طاقته، ولم يؤمر إلا بطاقته. الدليل الثاني: قياس الصلاة في الطائرة على الصلاة في السفينة، حيث لا يوجد فرق بين السفينة والطائرة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. فدلَّ القرآن بدلالة الإشارة على صحة الصلاة في السفينة، حيث امتنَّ بركوبها: ومعلوم أنه لا يتيسر النزول بالساحل عند كل صلاة، فالصلاة فيها صحيحة قطعًا. يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي: «وإذا دلَّ الكتاب والسنة والإجماع على صحة الصلاة في سفينة البحر، فاعلم أنها لا يوجد بينها وبين الطائرة فرق له أثر في الحكم؛ لأن كلًّا منهما سفينة محركة ماشية، يصح عليها الإتيان بجميع أركان الصلاة، من قيام، وركوع، وسجود واعتدال وغير ذلك، بل هو في الطائرة أسهل؛ لأنها أخف حركة من السفينة. وكل منهما تمشي على جرم؛ لأن الهواء جرم بإجماع المحققين من نظار المسلمين والفلاسفة، وتتحقق صحة ذلك إذا نفخت قربة -مثلًا- فإن الرائي يظنها مملوءة من الماء، ولو كان الهواء غير جرم لما ملأ الفراغ بملء الأوعية المنفوخة، وبين الهواء والماء مناسبة كثيرة، حتى إن أحدهما ينتقل من عنصره إلى عنصر الآخر؛ ألا ترى الماء إذا بلغ مائة درجة من درجات الحرارة تبخر فصار هواءً،

стр. 8437

فانتقل من عنصر الماء إلى عنصر الهواء» (١). فإذا لم يكن بينهما فرق له تأثير في الحكم، فاعلم أن عامة العلماء -ما عدا قومًا من أتباع داود الظاهري- على أن المسألة المنطوق بها، والمسألة المسكوت عنها إذا لم يكن بينهما فرق مؤثر في الحكم، فإن المسكوت عنها تدخل في حكم المنطوق بها. وهو الدليل المعروف عند الأصوليين ب (الإلحاق بنفي الفارق) وهو نوع من تنقيح المناط، وسماه الشافعي: (القياس في معنى الأصل) .... فإلحاق ضرب الوالدين بالتأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]. وإلحاق إحراق مال اليتيم وإغراقه بأكله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. واعلم أن إلغاء الفارق يقول به من لا يقول بالقياس، وهو في حكم النص عند جماهير العلماء (٢).

стр. 8438

الفرع الثاني ألا يكون قادرًا على الصلاة بجميع أركانها وشروطها المطلب الأول أن يخشى خروج الوقت قبل وصول الطائرة للأرض المدخل إلى المسألة: • لا تترك الصلاة بالعجز عن بعض أركانها وشروطها. • كل الواجبات والشروط والأركان تسقط بالعجز؛ لأن الشروط وسيلة للعبادة، والعبادة هي الغاية، فإذا سقطت الوسيلة بالعجز عنها لم تسقط الغاية. • التكليف منوط بالقدرة، فما عجز عنه من الشروط والواجبات سقط عنه. • إذا أوجبنا عليه الصلاة حسب حاله، فلا معنى لإيجاب الإعادة عليه؛ لأن فعل الصلاة إذا لم يسقط به الطلب، وتبرأ به الذمة، فلا معنى لتكليفه بالصلاة. • إذا كان الخوف ليس عذرًا في تأخير الصلاة عن وقتها، على أي صفة أُدِّيت جماعة أو منفردين، ركبانًا أو راجلين، فكذلك الحال في الطائرة، لا تؤخر الصلاة عن وقتها؛ لتحصيل بعض واجباتها. [م-٩٨٩] إذا كان الراكب غير قادر على الإتيان بجميع ما يجب للصلاة، ويخشى خروج وقت الصلاة لو انتظر إلى حين وصوله إلى الأرض: فإن كان العجز في أركان الصلاة كالقيام مثلًا، والركوع والسجود، فهذا يصلي بحسب ما يقدر عليه، والتكاليف بحسب القدرة، فيصلي قائمًا وجالسًا يومئ بالركوع والسجود. لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 8439

ولقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ولقول رسول الله ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. (ح-٢٩٥٨) ولما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵄، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْبٍ (١). وإن كان عاجزًا عن الطهارة، فلا يجد ما يتوضأ به، ولا ما يتيمم به، وهوما يسمى فاقد الطهورين، فاختلف الفقهاء فيما يجب عليه: فقيل: لا يصلي، ويقضي صلاته إذا قدر على الطهارة، وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وقول في مذهب مالك، وقول في مذهب الشافعية. وقيل: يصلي، ويعيد، إذا قدر على الماء أو على الصعيد، وهو اختيار ابن قاسم، والمعتمد في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة. وقيل: يصلي حسب حاله، ولا إعادة عليه، وهو مذهب الحنابلة. وقيل: تسقط عنه الصلاة أداء وقضاءً، وهو رواية عن مالك، وقول بعض الظاهرية. والصحيح مذهب الحنابلة؛ لأن كل الواجبات والشروط والأركان تسقط بالعجز؛ ولأن الطهارة وسيلة للصلاة، والصلاة هي الغاية، فإذا سقطت الوسيلة بالعجز عنها لم تسقط الغاية، فالعجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، وإذا أوجبنا عليه الصلاة حسب حاله فلا معنى لإيجاب الإعادة عليه؛ لأن فعل الصلاة إذا لم يسقط به الطلب، وتبرأ به الذمة فلا معنى لتكليفه بالصلاة، وإيجاب الظهر مرتين قول مخالف لقواعد الشريعة، والله أعلم، وقد سبق بحث هذه المسألة في مباحث الطهارة، فارجع إليه (٢).

стр. 8440

المطلب الثاني أن يكون وصول الطائرة للأرض قبل خروج الوقت المدخل إلى المسألة: • سبب وجوب الصلاة دخول الوقت، فإذا دخل كان المكلف مأمورًا بالصلاة إلا أن وقت الفعل موسع. • الواجب الموسع لا يقال فعله في أول الوقت سنة. • الشارع خيَّر المكلف في فعل الواجب في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره، كالواجب المخير في كفارة اليمين. • أداء الصلاة في أي جزء من الوقت يوصف بالوجوب إلا أن تعيينه راجع لاختيار المكلف ما لم يضق الوقت. • المعجوز عنه وقت فعل الواجب إن كان له بدل فَعَلَه، والبدل له حكم المبدل كالإيماء بالسجود، وما لا بدل له فهو ساقط شرعًا، وما سقط لا يوصف بالوجوب. • المصلي بالطائرة أول الوقت بمنزلة عادم الماء، له أن يصلي بالتيمم أول الوقت وإن غلب على ظنه إدراك الماء في آخر الوقت. • المعتبر في الأحكام وقت أداء الصلاة، فمن دخل عليه الوقت وهو مقيم، ثم سافر صلى صلاة مسافر، والعكس صحيح، فكذلك المصلي بالطائرة أول الوقت يصلى حسب قدرته، ولا يجب عليه التأجيل؛ لأن المستقبل غيب. • يجوز له التأجيل آخر الوقت ليس من أجل تحصيل ما عجز عنه، ولكن لأنه واجب موسع. [م-٩٩٠] إذا كان صول الطائرة مقدرًا له أن تصل قبل خروج وقت الصلاة بقدر يكفي لأدائها، أو كانت الصلاة مما يجمع مع غيرها، كما لو دخل عليه وقت

стр. 8441

صلاة الظهر وهو في الجو وكان وصول الطائرة مقدرًا في وقت صلاة العصر، أو كان في الطائرة وقت المغرب ويمكنه أن يصل في وقت العشاء، فاختلفوا. فقيل: يجب عليه أن يؤجل صلاة الظهر إلى صلاة العصر، وصلاة المغرب إلى وقت العشاء، وبه قال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى وشيخه سماحة المفتي في زمانه محمد بن إبراهيم، والشيخ ابن جبرين (١). قال في مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: «إذا كان يمكن هبوط الطائرة قبل خروج الوقت للصلاة الحاضرة، أو التي تليها إن كانت تجمع إليها فإنه لا يصلي في الطائرة لأنه لا يمكنه الإتيان بما يجب، فعليه أن يؤخر الصلاة حتى يهبط ويصليها على الأرض ليتمكن من فعل الواجب» (٢). • استدل أصحاب هذا القول: أن وقت المجموعتين وقت واحد. ولأن فعل الصلاة في أول الوقت سنة، وتأخيرها ليتمكن من أداء الصلاة بأركانها وشروطها واجب مع القدرة، فلا يراعي السنة على حساب الشروط والواجبات.

стр. 8442

وقيل: له أن يصلي في أول الوقت حسب قدرته، وهو رأي اللجنة الدائمة، ونسبوا القول بالجواز إلى جمهور أهل العلم، واختار الشيخ ابن باز أن الأفضل أن يصلي في الطائرة حسب قدرته، ولا ينتظر حتى ينزل. جاء في فتاوى اللجنة الدائمة بتوقيع فضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي، وعبد الله بن منيع، جاء في الفتوى: « .... إذا علم أنها ستهبط قبل خروج وقت الصلاة بقدر يكفي لأدائها أو أن الصلاة مما يجمع مع غيره كصلاة الظهر مع العصر وصلاة المغرب مع العشاء، وعلم أنها ستهبط قبل خروج وقت الثانية بقدر يكفي لأدائهما - فقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز أدائها في الطائرة؛ لوجوب الأمر بأدائها بدخول وقتها حسب الاستطاعة، كما تقدم، وهو الصواب. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم» (١). وجاء في فتاوي ابن باز: سئل الشيخ كيف يؤدي المسلم الصلاة في الطائرة وهل الأفضل له الصلاة في الطائرة أول الوقت، أو الانتظار حتى يصل المطار إذا كان سيصل في آخر الوقت؟ ج: الواجب على المسلم في الطائرة إذا حضرت الصلاة أن يصليها حسب الطاقة: فإن استطاع أن يصليها قائمًا، ويركع، ويسجد فعل ذلك، وإن لم يستطع صلى جالسًا، وأومأ بالركوع والسجود، فإن وجد مكانًا في الطائرة يستطيع فيه القيام والسجود في الأرض بدلًا من الإيماء وجب عليه ذلك؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقول النبي ﷺ لعمران بن حصين ﵄ وكان مريضًا: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب) رواه البخاري في الصحيح، ورواه النسائي بإسناد صحيح وزاد: فإن لم تستطع فمستلقيًا. والأفضل له أن يصلي في أول الوقت، فإن أخرها إلى آخر الوقت ليصليها في الأرض فلا بأس؛ لعموم الأدلة. وحكم السيارة والقطار والسفينة حكم الطائرة. والله ولي التوفيق» (٢).

стр. 8443

• وحجة هذا القول: إذا دخل الوقت شرعت الصلاة، فمن أراد أن يصلي فقد وجد السبب وهو دخول الوقت، وإذا صلى كان عليه أن يقوم بما يستطيع، ويسقط عنه ما لا يستطيع وقد أدرك فضيلتين: أحدهما: فضيلة أول الوقت وهو فضيلة بالإجماع. والثانية: فضيلة إبراء ذمته من الواجب، والمستقبل في حكم الله غيب. ومن أراد أن يؤجل فالواجب موسع، فله أن يؤجل، ولكن لا يجب. فالمصلي مخاطب بأداء الصلاة من حين دخول الوقت إلا أنه واجب موسع، ولا يقال: إن الصلاة في أول الوقت سنة، فكيف يقدم السنة على الواجب، فالشارع قال للمكلف: صَلِّ إما في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره، كالواجب المخير في كفارة اليمين، فأداء الصلاة في أي جزء من الوقت يوصف بالوجوب إلا أن تعيينه راجع لاختيار المكلف ما لم يضق الوقت، فإذا شرع في الصلاة تعين الوقت للوجوب، فيصلى بحسب ما يقدر عليه من التكاليف (١). المعجوز عنه وقت فعل الواجب إن كان له بدل فعله، والبدل له حكم المبدل كالإيماء بالسجود، وما لا بدل له فهو ساقط شرعًا، وما سقط لا يوصف بالوجوب،

стр. 8444

فلا يصح القول: إنه ترك واجبًا من أجل سنة؛ لأن فعل الصلاة واجب، فإذا صلى في أول الوقت كان التكليف بحسب قدرته، لأن المعتبر في الأحكام وقت الأداء. فمن دخل عليه الوقت، وهو مقيم، ثم سافر قبل أن يصلي صلى صلاة مسافر، والعكس صحيح، فمن دخل عليه الوقت، وهو مسافر، ثم أقام قبل أن يصلي صلى صلاة مقيم؛ فالمعتبر في الأحكام وقت الأداء، فكذلك المصلي بالطائرة أول الوقت يصلي بحسب قدرته، ويسقط عنه ما يعجز عنه، ولا يجب عليه التأجيل؛ لأن المستقبل غيب. ولأنه بمنزلة عادم الماء، له أن يصلي بالتيمم أول الوقت وإن غلب على ظنه إدراك الماء في آخر الوقت، ولا أعرف قولًا يوجب عليه التأجيل إلى آخر الوقت، وإنما تكلم الفقهاء في الأفضل. ولقد كان أنس في زمن عمر بن عبد العزيز حين كان أميرًا على المدينة، كان يصلي وحده في بيته أول الوقت، ويقدم ذلك على صلاته جماعة بعد وقتها المفضل؛ لأنه لا يظن بعمر بن عبد العزيز أنه يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها. (ح-٢٩٥٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف قال: سمعت أبا أمامة بن سهل يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر. فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله ﷺ التي كنا نصلي معه (١). وروى مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد. فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: فصلوا العصر. فقمنا فصلينا … الحديث (٢). وسواء أكانت الجماعة واجبة أم كانت سنة، فالصلاة مع الجماعة أكمل

стр. 8445

منها منفردًا، ولم ينتظر الأكمل؛ لأن الإنسان مخاطب بالتكاليف وقت الأداء، ولا يكلف الغيب، ولو كان الإنسان في سفر، فأراد أن يجمع الظهر مع العصر، ولو كان يعلم أنه يصل إلى البلد قبل دخول وقت العصر لم يمنع من الجمع، ولا من القصر باعتبار المستقبل، فكذلك هنا. وقد عرضت فيما سبق حكم الرجل الذي إنْ صلى منفردًا صلى قائمًا، وإن صلى مع الجماعة صلى جالسًا؛ لكونه لا يطيق إطالة الوقوف. فالحنابلة خيروه بين الفعلين، قال في دليل الطالب: «ومن قدر أن يقوم منفردًا، ويجلس في الجماعة خيِّر» (١). فهذا الرجل أسقط فرض القيام لفضيلة الجماعة، وله أن يصلي منفردًا. والرجل في الطائرة أسقط فرض القيام لفضيلة الصلاة في أول وقتها، وله أن يؤخرها. وهذا هو ما ترجح لي، والله أعلم.

стр. 8446

الفصل الحادي عشر في الأعذار التي تسقط بها الجمعة والجماعة المبحث الأول في الأعذار العامة الفرع الأول سقوط الجماعة بالمطر المدخل إلى المسألة: • أذن مؤذن ابن عباس في يوم مطير، وقال: ألا صلوا في رحالكم، وأخبر ابن عباس أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، وكان ذلك في صلاة الجمعة. • كل ما كان عذرًا في سقوط الجمعة، فهو عذر في سقوط الجماعة من باب أولى. • أسباب ترك الجماعة ليست معدودة، والضابط وجود المشقة، فمتى كان في الصلاة جماعة أذى أو مشقة ظاهرة على المصلي جاز له ترك الجماعة. • سقوط الواجب وتقديم المندوب عليه إذا تعين طريقًا لدفع الحرج معهود في الشريعة، كالقصر، والجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما في السفر، فكذلك سقوط الجماعة بالمطر. • هل يخير المكلف في حال المطر بين الجمع بين الصلاتين إيثارًا لإحراز فضيلة الجماعة، وبين سقوط الجماعة في المسجد وإيقاعها في البيت فذًّا أو جماعة في وقتها؟ • كون أحدهما أرجح من الآخر لا يمنع من التخيير، كالتخيير بين العتق والكسوة والإطعام في خصال الكفارة. • الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة. [م-٩٩١] أسقط الفقهاء صلاة الجماعة بجملة من الأعذار في الجملة، سواء من قال

стр. 8447

بوجوب صلاة الجماعة عينًا أو كفاية، أم قال بأنها سنة، وهي على قسمين: عامة، وخاصة. فمن الأعذار العامة: نزول المطر، فهل تسقط الجماعة والجمعة بسبب المطر، وعلى وما صفة المطر المسقط للجماعة: فقيل: تسقط الجمعة والجماعة بالمطر مطلقًا، وهو مذهب الجمهور، وبه قال الظاهرية (١). قال ابن نجيم: «الأعذار المرخصة في ترك الجماعة نحو أربعين: المطر مطلقًا … » (٢). وقال النووي: «اتفق أصحابنا على أن المطر وحده عذر، سواء كان ليلًا أو نهارًا» (٣). وقيل: المطر عذر في ترك الجماعة دون الجمعة، وهو رواية عن مالك، واختاره بعض أصحاب الشافعية (٤). وقيل: المطر عذر في السفر دون الحضر، وهو رواية عن أحمد (٥).

стр. 8448

وأما وصف المطر المسقط للجماعة: فقيل: المطر الشديد، نص على ذلك المالكية وبعض الشافعية، فالخفيف لا يبيح ترك الجماعة. قال الحاوي: العذر العام: المطر الشديد (١). وفسر بعض الفقهاء الشديد: فقيل: ما يتأذى به المصلي، نص على ذلك الشيرازي في التنبيه (٢). وفسره بعض المالكية: ما يحمل الناس على تغطية رؤوسهم (٣). وقيل: ما يبل الثياب، نص على ذلك بعض الشافعية وهو مذهب الحنابلة (٤). وقال بعض الشافعية: إذا بل النعال، أخذًا من حديث: إذا ابتلت النعال فصلوا في الرحال (٥). واختلف في تفسير النعال: فقيل: أراد بها الأرض الصلبة (٦). قال الخطابي وابن الأثير والهروي والحموي: النعل: ما غلظ من الأرض في صلابة، واقتصروا عليه، فلم يذكرا معه معنى آخر. قال ابن الأثير: «وإنما خصها بالذكر؛ لأن أدنى بلل ينديها بخلاف الرخوة، فإنها تنشف الماء. لهذا قال الخطابي: وفيه من الفقه أن المطر الخفيف عذر في التخلف عن صلاة الجماعة» (٧).

стр. 8449

وقال الأسنوي في المهمات: «يشترط في كونه عذرًا أن تحصل مشقة، كما صرح به الرافعي بعد ذلك في الكلام على المرض وصاحب التنبيه قال هنا: ومن يتأذى بالمطر، وفي باب الجمعة: من تبتل ثيابه بالمطر، وهو معنى تقييد الماوردي بالمطر الشديد، فعلى هذا لا يعذر بالخفيف، ولا بالشديد إذا كان يمشي في كَنٍ» (١). وقيل: المراد بالنعال ما يلبس، وقيل: كنى بها عن الأرجل والأقدام (٢). وإذا كانت العلة في سقوط الجماعة دفع المشقة، فالمطر الخفيف لا مشقة فيه، قال تعالى: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]. والخفيف لا أذى فيه، والله أعلم. إذا عرفت ذلك نأتي على ذكر أدلة المسألة: • دليل من قال: تسقط الجماعة بالمطر مطلقًا في الحضر والسفر: الدليل الأول: أما سقوط الجماعة في السفر فيدل عليه: (ح-٢٩٦٠) ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أيوب، عن نافع، أن ابن عمر أقام الصلاة بِضُجْنَانَ في ليلة مطيرة، ثم قال: صلوا في رحالكم، كان ﷺ يأمر مناديه في الليلة المطيرة، أو الليلة الباردة ذات الريح فينادي: ألا صلوا في رحالكم. [صحيح] (٣).

стр. 8450

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8452

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8453

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8454

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8455

وأما سقوط الجماعة في الحضر، فيدل عليه: الدليل الأول: (ح-٢٩٦١) ما رواه البخاري من طريق عبد الحميد، صاحب الزيادي، قال: حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين، قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم، فتمشوا في الطين والدحض، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: دل قوله: (صلوا في بيوتكم … فعله من هو خير مني) أن المطر عذر في التخلف عن الجمعة، وهي صلاة نهارية، وكل ما كان عذرًا في سقوط الجمعة فهو عذر في سقوط الجماعة من باب أولى؛ لأن الجماعة للجمعة شرط لإقامتها، والحديث حجة على من استثنى الجمعة. • وأجيب: بأن الظاهر من قوله: (صلوا في بيوتكم … ) إشارة منه إلى العصر، فرخص لهم في ترك الجماعة فيها، وأما الجمعة فقد اجتمعوا لها، وإذا شهدوها فلا يحسن ردهم؛ لأن إسقاط الجمعة من أجل المشقة، وقد احتملت، فلا معنى لردهم بعد حضورهم، كالمريض يشهد الجمعة، فإنه يصلي، وتصح منه. • ورد هذا: يحتمل أن يكون جمعهم للجمعة؛ ليعلمهم بالرخصة في تركها في مثل ذلك؛ ليعملوا به في المستقبل.

стр. 8456

ويحتمل أنه أراد بقوله: (صلوا في بيوتكم مخاطبة) من لم يحضر، وتعليم من حضر، فيكون صلى بمن حضر، ورخص لمن لم يحضر، ورجحه ابن حجر في الفتح (١). وهو الظاهر؛ لأن قوله: (صلوا في بيوتكم) في أذان الجمعة، لا يصح أن يقصد به العصر؛ فإنه نداء للعصر قبل دخول وقتها. ولأن قوله: (إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم، فتمشوا في الطين والدحض) دليل على قصد تخلفهم عن الجمعة، وليس عن العصر. الدليل الثاني: (ح-٢٩٦٢) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع الأنصاري: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول ﷺ : يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحب أن أصلي؟ فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ ورواه مسلم (٢). هكذا رواه مالك بأنه أعمى … ضرير البصر. وفي رواية: (أنكرت بصري). رواه هكذا عقيل ومعمر وإبراهيم بن سعد في البخاري، ويونس في مسلم (٣). ورواه الأوزاعي عن الزهري عند مسلم: إن بصري قد ساء (٤). وجه الاستدلال: اعتذر عتبان بن مالك بالظلمة والمطر، وحيلولة السيول بينه وبين المسجد، وقد قبل النبي ﷺ عذره في التخلف عن الجماعة. ورواية مالك: أنه أعمى لعله يريد أنه كالأعمى؛ لأنه اعتذر بقوله: إنها تكون الظلمة والسيل. والظلمة للأعمى لازمة لا تنفك عنه.

стр. 8457

الدليل الثالث: (ح-٢٩٦٣) ما رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، قال: حدثنا هشام بن عمار، أخبرنا ابن أبي العشرين، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، أن محمد بن إبراهيم بن الحارث حدثه، عن نعيم بن النحام قال: كنت مع امرأتي في مرطها غداة باردة، فنادى منادي رسول الله في صلاة الصبح، فلما سمعته قلت: لو قال: ومن قعد لا حرج، فلما قال: الصلاة خير من النوم، قال: ومن قعد فلا حرج (١). [في إسناده انقطاع] (٢). • دليل من قال: لا تسقط الجماعة في الحضر: الدليل الأول: (ح-٢٩٦٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم. فأخبرنا: أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال. في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر (٣). وجه الاستدلال: حديث ابن عمر نص في السفر، والسفر مظنة التخفيف، فقد وضع عن المصلي شطر الصلاة، وخفف عنه في النوافل، فلا يصلي من السنن الراتبة إلا راتبة الفجر، وأبيح له الفطر، ولا تجب عليه الجمعة: إما مطلقًا على الصحيح، أو لا تجب عليه بنفسه على أحد القولين، وإذا سقطت الجمعة بالسفر فالجماعة من باب أولى. • وأجيب: بأن الحديث دليل على سقوط الجماعة في السفر، ولا ينفي سقوط الجماعة في الحضر، فكون الواقعة حدثت في السفر لا يعتبر قيدًا، وإنما هو لبيان الواقع؛ لأن

стр. 8458

المشقة هي العلة في سقوط الجماعة بالمطر، وإذا جاز الجمع بين الصلاتين للمشقة في الحضر، جاز سقوط الجماعة للعلة نفسها في الحضر من باب أولى، فالجماعة عند أكثر أهل العلم ليست بمنزلة الوقت، فالوقت لا يختلف العلماء على أنه فرض، وأنه من أهم شروط العبادة، وأنه لا يسقط حتى في حال الخوف، فإذا أباح المطر جمع التقديم في الحضر؛ لزم منه تقديم الصلاة على وقتها، فسقوط الجماعة بالمطر من باب أولى، فالعلة الجامعة في المسألتين هي المشقة، والله أعلم. يقول القاضي أبو يعلى: «إذا سقطت الجماعة للمشقة، جاز الجمع بينهما لهذا المعنى» (١)، فجعل العلة في المسألتين واحدة. ولو لم يرد في سقوط الجماعة إلا هذا الحديث لأمكن الاحتياط للصلاة، ولكن في الباب حديث عتبان بن مالك وهو في الحضر، وأبلغ منه حديث ابن عباس المتقدم فهو نص في التخلف عن الصلاة في الحضر، وفي النهار، وفي صلاة الجمعة، والجماعة لها شرط، بخلاف الصلوات الخمس، فالعلماء مختلفون في وجوب الجماعة لها، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٢٩٦٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا بهز، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، حدثنا أبو المليح، عن أبيه، أن نبي الله ﷺ قال يوم حنين في يوم مطير: الصلاة في الرحال. [صحيح] (٢).

стр. 8459

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8460

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8461

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8462

• دليل من قال: لا تسقط الجمعة بالمطر: (ح-٢٩٦٦) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وتقطعت السبل، فادع الله، فدعا الله، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، فجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي، فقال رسول الله ﷺ : اللهم على ظهور الجبال والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب، ورواه مسلم بنحوه (١). وجه الاستدلال: أن هذه الأمطار قد استمرت أسبوعًا كاملًا حتى قال الناس: تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي، ولو كان هناك رخصة في سقوط الجمعة بسبب المطر لما تجشموا الحضور مع هذه المشقة الشديدة، التي عمت حتى طالت الإنسان والحيوان والبنيان والطرق، ولم يخيَّر النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فدل على أن ترك الجمعة إثم، والله أعلم. «وروى ابن نافع، قال: قيل لمالك: أيتخلف عن الجمعة في اليوم المطير؟ قال: ما سمعت. قيل له: فالحديث: (ألا صلوا في الرحال). قال: ذلك في السفر» (٢). • ويجاب: سقوط الجمعة بالمطر رخصة، له أن يتخلف، وليس ذلك بواجب، فإن شهد الجمعة صلى مع من شهدها من المسلمين، كالمرض عذر بالاتفاق ولو شهد المريض الجمعة صحت منه. وحديث ابن عباس في سقوط الجمعة بالمطر بعد وفاة النبي ﷺ فهو متأخر عنه، وإنما يأخذ الصحابة بالآخر من أمر رسول الله ﷺ . وقول الإمام مالك: ذلك في السفر، لا أظنه يقصد الجمعة، فإن الجمعة

стр. 8463

لا تعقد في السفر، ولم يصل النبي ﷺ الجمعة قط في سفره، فلعله يقصد بكلامه (ألا صلوا في الرحال) حديث ابن عمر، فالسائل وجه سؤالين: السؤال الأول: عن التخلف عن الجمعة بعذر المطر، فقال له مالك: ما سمعت. والسؤال الثاني: عن حديث: (ألا صلوا في الرحال)، فقال: هذا في السفر، وهو يصدق على حديث ابن عمر، والله أعلم. وكون الإمام مالك لم يسمع بمثل حديث ابن عباس في التخلف عن شهود الجمعة بسبب المطر ليس بحجة، فمن علم حجة على من لم يعلم، ولا يوجد إمام يحيط بكل السنة. • الراجح: لا ينبغي الخلاف في سقوط الجماعة بالمطر الشديد الذي تلحق بالمصلي مشقة إذا خرج للمسجد، والمقصود بالمشقة ما يتأذى به المصلي من بلل الثياب والنعال، سواء قلنا بوجوب صلاة الجماعة عينًا أو كفاية، أو قلنا: إنها سنة، والله أعلم.

стр. 8464

الفرع الثاني سقوط الجماعة بالريح المدخل إلى المسألة: • الريح والبرد والمطر كل واحد منها عذر مسقط للجماعة، واجتماعها كلها أو بعضها يزيد الأمر توكيدًا، وليس ذلك بشرط. • كان النبي ﷺ يأمر المؤذن، في الليلة الباردة أو المطيرة، أن يقول: (صلوا في رحالكم)، وقاس ابن عمر الريح على المطر في الترخص، والعلة الجامعة المشقة اللاحقة. • لجوء ابن عمر إلى القياس دليل على أن الريح لا نص فيها، ولكن القياس يقتضيه. • قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعات في شدة المطر والظلمة والريح، وما أشبه ذلك مباح. • لا يصح حديث مرفوع في اشتراط أن تكون الريح باردة، ولا أن تكون الليلة مظلمة. • إذا كان البرد وحده عذرًا كالمطر كما جاء في الحديث (في الليلة الباردة أو المطيرة)، فكذلك الريح الشديدة عذر في الترخص، ولو لم تكن باردة. • أسباب ترك الجماعة ليست معدودة، والضابط وجود المشقة، فمتى كان في الصلاة جماعة أذى أو مشقة ظاهرة على المصلي جاز له ترك الجماعة. • إذا كان التخلف عن الجماعة بالليلة الباردة أو المطيرة معللًا لم يمنع أن يقاس عليهما ما كان مثلهما أو أشد كما فعل ابن عمر. • إذا كانت الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة، فالمشقة العامة مثلها أو أولى؛ لأن توفير الحاجات ليس بأولى من رفع الحرج ودفع المشقات. • إذا قيست الريح بالمطر فمقتضاه لا فرق فيه بين الليل والنهار، ولا بين الحضر والسفر، كالجمع بين الصلاتين، والأئمة الأربعة على اختصاص الريح بالليل. • قال أبو يعلى: إذا سقطت الجماعة للمشقة، جاز الجمع بينهما لهذا المعنى، فجعل العلة في المسألتين واحدة.

стр. 8465

[م-٩٩٢] اتفق الأئمة الأربعة على أن الريح في الليل عذر في التخلف عن الجماعة، أما في النهار فليست بعذر، وألحق بعض الشافعية صلاة الفجر بالليل؛ لوجود الظلمة فيها، فتكون شدة الريح عذرًا؛ ولأن المشقة فيها أشد من المغرب. واختلفوا في اشتراط الشدة، والبرودة في الريح، كما اختلفوا في اشتراط الظلمة في الليل على النحو التالي: فقيل: تسقط الجماعة بالريح العاصفة، وهي الشديد ليلًا، ولا تشترط الظلمة، وهو ظاهر مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (١).

стр. 8466

قال خليل في معرض ذكره الأعذار: «كريح عاصفة بليل» (١). قال في لوامع الدرر: «قوله: (بليل) ظاهره، ولو مقمرة» (٢). فاشترط في الريح أن تكون عاصفة، قال الدردير: «أي شديدة؛ لشدة المشقة» (٣). وظاهره لا تشترط البرودة، ولا الظلمة في الليل، وهو ما صرح به الشافعية. قال الرافعي: «بعض الأصحاب يقول: الريح العاصفة في الليلة المظلمة، وليس ذلك علي سبيل اشتراط الظلمة» (٤). وقال الحنفية: تسقط الجماعة بالريح في الليلة المظلمة، فاشترطوا الظلمة فقط، وظاهره: أنها لا تشترط في الريح الشدة، ولا البرودة (٥). جاء في شرح مختصر القدوري في سبيل التمثيل للأعذار المسقطة للجماعة، فقال: «مثل المطر، والريح في الليلة المظلمة، وأما بالنهار فليست الريح عذرًا» (٦).

стр. 8467

وظاهره لا يشترط في الريح الشدة ولا البرودة، وإن كانت البرودة وحدها عذرًا يسقط الجماعة عندهم، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- الكلام عنها في مسألة مستقلة. وقال الحنابلة: أن تكون باردة في ليلة مظلمة، ولا يشترط في الريح أن تكون شديدة، وهذا هو المذهب عند الحنابلة (١). وقيل: أن تكون الريح شديدة باردة في ليلة مظلمة، اختاره ابن قدامة من الحنابلة (٢). قال ابن رجب: «وأما الريح الشديدة الباردة، فقال أصحابنا: هي عذر في ترك الجماعة في الليلة المظلمة خاصة» (٣). وفي رواية عن أحمد: لا تسقط الجماعة بالريح في الحضر (٤). وقيل: السموم وهو الريح الحارة عذرًا ليلًا ونهارًا، وهو مذهب الشافعية، وقال به بعض المالكية في حق من كان خارج المصر، واشترط أن تكون شديدة جدًّا تهيج السموم حتى تجفف الماء من القرب والأسقية (٥).

стр. 8468

هذا تفصيل الأقوال في المسألة، وحتى نفهم خلاف الفقهاء نَفْصِل الخلاف في الريح عنه في الظلمة بعد اتفاق الأئمة على أن ذلك شرط أن تقع الريح ليلًا: فقيل: الريح عذر في سقوط الجماعة، وظاهره ولو لم تكن شديدة، وهو ظاهر إطلاق الحنفية. وقيل: الريح عذر بشرط أن تكون شديدة، وهو مذهب المالكية والشافعية، ورواية عن أحمد. وقيل: الريح الباردة، ولا يشترط أن تكون شديدة، وهو مذهب الحنابلة. وقيل: الريح عذر في السفر خاصة، وهو رواية عن أحمد. وأما الخلاف في اشتراط الظلمة: فقيل: يشترط أن تكون الليلة مظلمة، وهو مذهب الحنفية والحنابلة وبعض الشافعية. وقيل: ليس ذلك بشرط، وهو ظاهر مذهب المالكية، والمذهب عند الشافعية. هذه خلاصة الأقوال، فإذا وقفت أيها الموفق على الأقوال، فإليك أدلتها: • دليل من قال: الريح عذر ولا يشترط أن تكون باردة ولا شديدة: تقدم شيء من النصوص عن الحنفية في أن الريح في الليلة المظلمة عذر تسقط به الجماعة، وظاهره أنه لا يشترط في الريح أن تكون شديدة، وسوف أحاول الاستدلال لقولهم: وذلك أن من اشترط من الفقهاء الشدة في الريح كالمالكية والشافعية جعلوا العلة

стр. 8469

في الترخص هو المشقة، والمشقة هي الحكمة التي جعلت الشارع يخفف عن المكلف، والتعليل بالحكمة موضع خلاف بين الأصوليين، ومن علل بالحكمة فاشترط أن تكون الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها، والمشقة علة غير منضبطة، والناس يتفاوتون في تقديرها، والأحكام لا تعلل إلا بما هو منضبط، ولذلك الشارع ما أناط الفطر والقصر في السفر بالمشقة، بل بالسفر، فإذا وجد السفر شرع الترخص، سواء أشق ذلك أم لا، وإن كانت المشقة هي الحكمة من مشروعية الفطر والقصر في السفر، ولا أظنه ينازع في ذلك أحد، فإذا أنيط الترخص في سقوط الجماعة بالريح الشديدة فهو بمنزلة من جعل المشقة علة في الترخص في سقوط الجماعة، وإنما ذلك حكمة الحكم، لا علته؛ لتفاوت الناس في تقدير الشدة والمشقة المحتملة من غيرها، والله أعلم. وإذا لم يأت في النصوص تقييد البرد بالشديد، فكذلك القول بالريح؛ لأن الريح؛ مقيس على البرد، والله أعلم. • دليل من قال: يشترط في الريح أن تكون شديدة: الدليل الأول: (ح-٢٩٦٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع: أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال (١). وجه الاستدلال: أن ابن عمر استدل برخصة البرد والمطر على رخصة البرد والريح، لعلة المشقة فيهما. يقول الباجي: «قاس ابن عمر حال الريح بحال المطر، والعلة الجامعة المشقة اللاحقة» (٢). ولجوء ابن عمر إلى القياس دليل على أن الريح لا نص فيها، ولكن القياس يقتضيه. وإنما قيد المالكية والشافعية الريح بالشديدة، وإن لم ترد نصًّا في الحديث؛

стр. 8470

لأن العلة في سقوط الجماعة هي المشقة، ولا مشقة بالريح الخفيفة. وكما أن البرد في الحديث لم يقيد بالشديد، ولا تسقط الجماعة في مطلق البرد؛ فأرض الحجاز بلاد باردة شتاء، وحارة صيفًا، ولم ينقل أن النبي ﷺ كان يدع الجماعة لمجرد البرد المعتاد، فالبرد المقصود به البرد الخارج عن المعتاد، وهذا لا يكون إلا شديدًا، فإذا كان هذا الحكم في الأصل، فكذلك الحكم في الريح؛ لأن ما ثبت في الأصل ثبت في الفرع المقيس. وترك الشارع تقدير ذلك للناس، وهم متفاوتون خلقة في التحمل، فمن الناس من يتحمل البرد والريح، ولا يشعر بهما، ومن الناس من يؤذيه البرد والريح، وبُنْيَتُه الجسدية لا تحتمله، فلو قيد الشارع الرخصة بالشديد لتنازع الناس في تقدير ذلك. ونص الحديث: (في ليلة ذات برد وريح) ظاهره أن الرخصة واردة على اجتماع البرد والريح، وقد قال بذلك الحنابلة بأن تكون الريح باردة. (ح-٢٩٦٨) وقد روى البخاري من طريق عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع به … وفيه: فأخبرنا أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر (١). فإذا كان البرد وحده عذرًا كالمطر كما نص عليه الحديث (في الليلة الباردة أو المطيرة)، فكذلك الريح الشديدة عذر في الترخص، فيحصل بها من الأذى ما يحصل من البرد وحده، أو من المطر وحده، فكان اجتماعهما في فعل ابن عمر بيانًا للواقع، وليس شرطًا لإباحة الترخص. وإذا كانت العلة في سقوط الجماعة بالريح هو الأذى، لم يكن هناك فرق بين الحضر والسفر، كما أن الجمع بين الصلاتين لعلة المطر لم يفرق فيه بين الحضر والسفر، والله أعلم. الدليل الثاني: من الإجماع، قال ابن بطال: «أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعات في شدة

стр. 8471

المطر والظلمة والريح، وما أشبه ذلك مباح بهذه الأحاديث» (١). • دليل من قال: يشترط في الريح أن تكون باردة: (ح-٢٩٦٩) ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أيوب، عن نافع، أن ابن عمر أقام الصلاة بِضُجْنَانَ في ليلة مطيرة، ثم قال: صلوا في رحالكم، كان ﷺ يأمر مناديه في الليلة المطيرة، أو الليلة الباردة ذات الريح فينادي: ألا صلوا في رحالكم. [وهم سفيان بن عيينة في ذكر الريح مرفوعًا إلى النبي ﷺ ] (٢). وجه الاستدلال: قوله: (كان يأمر مناديه في الليلة الباردة ذات الريح) هكذا ذكر الريح سفيان، عن أيوب مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وظاهره اجتماع البرد والريح، فلا تكفي الريح في إسقاط الجماعة حتى تكون باردة. ولأن الريح الباردة أشد أذى من غيرها، فلا تقاس عليها غير الباردة. • وأجيب: بأن حديث ابن عمر اشتمل على أثر موقوف، وسنة مرفوعة، ولفظه في الصحيحين: أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح [هذا القدر موقوف على ابن عمر وفيه ذكر الريح والبرد]، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال. فالمرفوع من الحديث ذكر البرد والمطر. وأما ذكر البرد والريح فموقوف على ابن عمر، وإنما قَاسَ ابن عمر الريح على والمطر بجامع المشقة فيهما. فرواه سفيان بن عيينة عن أيوب، وانقلب عليه الحديث: فذكر الأثر الموقوف بأن ابن عمر أقام الصلاة في ليلة مطيرة، والمحفوظ أنه أذان في ليلة ذات برد وريح، ليس فيها ذكر للمطر، وجعل الجمع بين الريح والبرد من القدر

стр. 8472

المرفوع من الحديث، فقال: إن النبي ﷺ كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة، أو الليلة الباردة ذات الريح. وليس في المرفوع ذكر الريح، وإنما هو وهم من ابن عيينة. وقد رواه حماد بن زيد وإسماعيل بن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي وحماد بن سلمة، رووه عن أيوب فخالفوا فيه سفيان بن عيينة حيث رووه كرواية الصحيحين، وحماد وابن علية الواحد منهما مقدم على ابن عيينة في أيوب. فلفظ ابن علية: (نادى ابن عمر بالصلاة بضجنان، ثم نادى أن صلوا في رحالكم، ثم حدث عن رسول الله ﷺ أنه كان يأمر المنادي، فينادي بالصلاة، ثم ينادي: أن صلوا في رحالكم في الليلة الباردة، وفي الليلة المطيرة في السفر)، ولم يذكر السبب الذي جعل ابن عمر ينادي بالصلاة في الرحال، وذكر في القدر المرفوع: (في الليلة الباردة وفي الليلة المطيرة) (١). ولفظ حماد بن زيد عن أيوب مثله: (أن رسول ﷺ كان إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة … الحديث) (٢). ولفظ عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب: (في الليلة الباردة أو الليلة المطيرة في السفر) (٣). ولفظ حماد بن سلمة عن أيوب: (في الليلة القرة أو المطيرة) (٤)، والقرة: هي الباردة، فهي بمعنى رواية الجماعة عن أيوب. ورواية حماد بن زيد وابن علية وعبد الوهاب وحماد بن سلمة موافقة لرواية مالك وعبيد الله بن عمر، عن نافع في الصحيحين. فلفظ عبيد الله المرفوع في الصحيحين: (في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر).

стр. 8473

ولفظ الإمام مالك في الصحيحين: (إذا كانت ليلة ذات برد ومطر)، وهو في الموطأ. ولم يذكر أحد منهما في القدر المرفوع قوله: (الليلة الباردة ذات الريح)، فتبين وهم الإمام سفيان بن عيينة ﵀ في إدراج الموقوف في القدر المرفوع، وقد سبق تخريج الحديث بذكر جميع طرقه، فارجع إليه في المسألة التي قبل هذه. وإذا كان البرد وحده علة في الترخص كما في لفظ الصحيحين: (في الليلة الباردة، أو المطيرة)، فكل من البرد أو المطر علة في الترخص، فالريح كذلك علة في الترخص، ولو لم تكن الليلة باردة؛ بجامع المشقة فيها كلها، والأذى بالريح الشديدة سواء أكانت تسف التراب والغبار أم لا أكثر مشقة من البرد وحده، والله أعلم، وسبق توجيه ذلك في القول السابق، والله أعلم. • دليل من قال: تسقط الجماعة بالريح في الليلة المظلمة: الدليل الأول: (ح-٢٩٧٠) ما رواه أبو جعفر البختري أخبرنا يونس، حماد بن سلمة، عن أيوب وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يأمر في السفر في الليلة القرة أو المظلمة: ألا إن الصلاة في الرحال. [لفظ: (أو المظلمة) لفظ شاذ وقد رواه غير يونس عن حماد فلم يذكروا لفظ: (أو المظلمة)] (١).

стр. 8474

• وأجيب: الجواب الأول: بأن الحديث ليس فيه ذكر الريح، فهو جعل الرخصة في الليلة الباردة، أو المظلمة، ولم يتعرض للريح، والعذر بالظلمة وحدها سوف أبحثه في عنوان مستقل إن شاء الله تعالى. الجواب الثاني: أن لفظ (الليلة المظلمة) كما أنه لم يثبت من جهة الإسناد، فهو لم يثبت أيضًا من جهة المعنى، فالظلمة لا تزيد من برودة الجو، والصحو لا يزيد من سخونته في الليل. الدليل الثاني: (ح-٢٩٧١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع الأنصاري: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول ﷺ : يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحب

стр. 8475

أن أصلي. فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ ورواه مسلم (١). هكذا رواه مالك بأنه أعمى … ضرير البصر. وفي رواية: (أنكرت بصري). هكذا رواه عقيل، ومعمر، وإبراهيم بن سعد في البخاري، ويونس في مسلم (٢). ورواه الأوزاعي عن الزهري عند مسلم: إن بصري قد ساء (٣). وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أن الظلمة والسيل عذر في التخلف عن صلاة الجماعة، فالمطر عذر وحده، والظلمة عذر وحدها. • ويجاب: ليس البحث في كون الظلمة وحدها عذرًا في التخلف، وإنما البحث في أن الريح لا تكون رخصة في التخلف حتى تكون في ليلة مظلمة، وهذا ما لا يدل عليه الحديث. • دليل من قال: الريح لا تكون عذرًا في الحضر: (ح-٢٩٧٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم. فأخبرنا: أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال. في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر (٤). ورواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع: أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال. وجه الاستدلال: فحديث ابن عمر نص في السفر، والسفر مظنة التخفيف، ولا دلالة في
следующие страницы →