← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

المطر والظلمة والريح، وما أشبه ذلك مباح بهذه الأحاديث» (١). • دليل من قال: يشترط في الريح أن تكون باردة: (ح-٢٩٦٩) ما رواه الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أيوب، عن نافع، أن ابن عمر أقام الصلاة بِضُجْنَانَ في ليلة مطيرة، ثم قال: صلوا في رحالكم، كان ﷺ يأمر مناديه في الليلة المطيرة، أو الليلة الباردة ذات الريح فينادي: ألا صلوا في رحالكم. [وهم سفيان بن عيينة في ذكر الريح مرفوعًا إلى النبي ﷺ ] (٢). وجه الاستدلال: قوله: (كان يأمر مناديه في الليلة الباردة ذات الريح) هكذا ذكر الريح سفيان، عن أيوب مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، وظاهره اجتماع البرد والريح، فلا تكفي الريح في إسقاط الجماعة حتى تكون باردة. ولأن الريح الباردة أشد أذى من غيرها، فلا تقاس عليها غير الباردة. • وأجيب: بأن حديث ابن عمر اشتمل على أثر موقوف، وسنة مرفوعة، ولفظه في الصحيحين: أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح [هذا القدر موقوف على ابن عمر وفيه ذكر الريح والبرد]، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال. فالمرفوع من الحديث ذكر البرد والمطر. وأما ذكر البرد والريح فموقوف على ابن عمر، وإنما قَاسَ ابن عمر الريح على والمطر بجامع المشقة فيهما. فرواه سفيان بن عيينة عن أيوب، وانقلب عليه الحديث: فذكر الأثر الموقوف بأن ابن عمر أقام الصلاة في ليلة مطيرة، والمحفوظ أنه أذان في ليلة ذات برد وريح، ليس فيها ذكر للمطر، وجعل الجمع بين الريح والبرد من القدر

стр. 8472

المرفوع من الحديث، فقال: إن النبي ﷺ كان يأمر مناديه في الليلة المطيرة، أو الليلة الباردة ذات الريح. وليس في المرفوع ذكر الريح، وإنما هو وهم من ابن عيينة. وقد رواه حماد بن زيد وإسماعيل بن عيينة، وعبد الوهاب الثقفي وحماد بن سلمة، رووه عن أيوب فخالفوا فيه سفيان بن عيينة حيث رووه كرواية الصحيحين، وحماد وابن علية الواحد منهما مقدم على ابن عيينة في أيوب. فلفظ ابن علية: (نادى ابن عمر بالصلاة بضجنان، ثم نادى أن صلوا في رحالكم، ثم حدث عن رسول الله ﷺ أنه كان يأمر المنادي، فينادي بالصلاة، ثم ينادي: أن صلوا في رحالكم في الليلة الباردة، وفي الليلة المطيرة في السفر)، ولم يذكر السبب الذي جعل ابن عمر ينادي بالصلاة في الرحال، وذكر في القدر المرفوع: (في الليلة الباردة وفي الليلة المطيرة) (١). ولفظ حماد بن زيد عن أيوب مثله: (أن رسول ﷺ كان إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة … الحديث) (٢). ولفظ عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب: (في الليلة الباردة أو الليلة المطيرة في السفر) (٣). ولفظ حماد بن سلمة عن أيوب: (في الليلة القرة أو المطيرة) (٤)، والقرة: هي الباردة، فهي بمعنى رواية الجماعة عن أيوب. ورواية حماد بن زيد وابن علية وعبد الوهاب وحماد بن سلمة موافقة لرواية مالك وعبيد الله بن عمر، عن نافع في الصحيحين. فلفظ عبيد الله المرفوع في الصحيحين: (في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر).

стр. 8473

ولفظ الإمام مالك في الصحيحين: (إذا كانت ليلة ذات برد ومطر)، وهو في الموطأ. ولم يذكر أحد منهما في القدر المرفوع قوله: (الليلة الباردة ذات الريح)، فتبين وهم الإمام سفيان بن عيينة ﵀ في إدراج الموقوف في القدر المرفوع، وقد سبق تخريج الحديث بذكر جميع طرقه، فارجع إليه في المسألة التي قبل هذه. وإذا كان البرد وحده علة في الترخص كما في لفظ الصحيحين: (في الليلة الباردة، أو المطيرة)، فكل من البرد أو المطر علة في الترخص، فالريح كذلك علة في الترخص، ولو لم تكن الليلة باردة؛ بجامع المشقة فيها كلها، والأذى بالريح الشديدة سواء أكانت تسف التراب والغبار أم لا أكثر مشقة من البرد وحده، والله أعلم، وسبق توجيه ذلك في القول السابق، والله أعلم. • دليل من قال: تسقط الجماعة بالريح في الليلة المظلمة: الدليل الأول: (ح-٢٩٧٠) ما رواه أبو جعفر البختري أخبرنا يونس، حماد بن سلمة، عن أيوب وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يأمر في السفر في الليلة القرة أو المظلمة: ألا إن الصلاة في الرحال. [لفظ: (أو المظلمة) لفظ شاذ وقد رواه غير يونس عن حماد فلم يذكروا لفظ: (أو المظلمة)] (١).

стр. 8474

• وأجيب: الجواب الأول: بأن الحديث ليس فيه ذكر الريح، فهو جعل الرخصة في الليلة الباردة، أو المظلمة، ولم يتعرض للريح، والعذر بالظلمة وحدها سوف أبحثه في عنوان مستقل إن شاء الله تعالى. الجواب الثاني: أن لفظ (الليلة المظلمة) كما أنه لم يثبت من جهة الإسناد، فهو لم يثبت أيضًا من جهة المعنى، فالظلمة لا تزيد من برودة الجو، والصحو لا يزيد من سخونته في الليل. الدليل الثاني: (ح-٢٩٧١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع الأنصاري: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول ﷺ : يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحب

стр. 8475

أن أصلي. فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ ورواه مسلم (١). هكذا رواه مالك بأنه أعمى … ضرير البصر. وفي رواية: (أنكرت بصري). هكذا رواه عقيل، ومعمر، وإبراهيم بن سعد في البخاري، ويونس في مسلم (٢). ورواه الأوزاعي عن الزهري عند مسلم: إن بصري قد ساء (٣). وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أن الظلمة والسيل عذر في التخلف عن صلاة الجماعة، فالمطر عذر وحده، والظلمة عذر وحدها. • ويجاب: ليس البحث في كون الظلمة وحدها عذرًا في التخلف، وإنما البحث في أن الريح لا تكون رخصة في التخلف حتى تكون في ليلة مظلمة، وهذا ما لا يدل عليه الحديث. • دليل من قال: الريح لا تكون عذرًا في الحضر: (ح-٢٩٧٢) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم. فأخبرنا: أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال. في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر (٤). ورواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع: أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال. وجه الاستدلال: فحديث ابن عمر نص في السفر، والسفر مظنة التخفيف، ولا دلالة في

стр. 8476

الحديث على جواز ذلك في الحضر. • وأجيب: إذا ثبت سقوط الجماعة بسبب الريح في السفر، فالقياس يقتضيه؛ لأن العلة في سقوط الجماعة الأذى والمشقة، وهي موجودة في الحضر، ولذلك لم يختلف الحكم في المطر بين الحضر والسفر في الجمع بين الصلاتين، فينبغي ألا يختلف الحكم في الريح بين الحضر والسفر، فجواز أحدهما في السفر دليل على جوازه في الحضر، والحكمة الجامعة في المسألتين هي المشقة، والله أعلم. يقول القاضي أبو يعلى: «إذا سقطت الجماعة للمشقة، جاز الجمع بينهما لهذا المعنى» (١)، فجعل العلة في المسألتين واحدة. • دليل من قال: الريح الحارة عذر بالليل والنهار: قال ابن حجر: «لم أر في شيء من الأحاديث الترخص بعذر الريح في النهار صريحًا لكن القياس يقتضى إلحاقه» (٢). ولأن العلة هي المشقة، وهي موجودة في الريح الحارة. ولأن الريح الحارة تذهب بالخشوع، وقد قدم الطعام على الجماعة إذا حضر وأقيمت الصلاة، مراعاة لتحصيل الخشوع أو كماله، فمن باب أولى أن تسقط الجماعة بالريح السموم؛ لذهابها بالخشوع؛ لأنه يجتمع بها شدة الحر، مع شدة الريح، والله أعلم. • الراجح: أن الريح الشديدة تبيح التخلف عن الجماعة مطلقًا في الحضر والسفر، وهل يشترط أن يكون ذلك في الليل؟ هذا هو مذهب الأئمة الأربعة في الريح الباردة، فإن كان أحد من السلف قال: إن الريح الباردة عذر بالنهار فليس قوله ببعيد؛ لأن ابن عمر قاس الريح على المطر، وهو عذر في السفر والحضر، ليلًا ونهارًا عند الشافعية، وهو الأصح خلافًا للجمهور، فينبغي أن تكون الريح الشديدة بمنزلة المطر، وأما من قصر العذر بالسفر فقوله ضعيف، وكون السفر مظنةً للتخفيف

стр. 8477

فلا يعني إبطال التخفيف في الحضر، وإنما يعني أن الداعي للترخص في السفر قد اجتمع في حقه أكثر من سبب، وهذا لا يدل على القصر، وإذا كان الشارع أسقط الجماعة لحضور الطعام، ولو كان يسمع الإقامة؛ لكون النفس ربما تتوق إلى الطعام، فإسقاط الجماعة بالريح الشديدة أولى بالعذر، وينبغي أن تكون الريح فيها شدة بحيث يتأذى منها من يطلب الجماعة، لا مطلق الريح، ولا يشترط أن تكون الريح باردة، ولا الليلة مظلمة، والله أعلم.

стр. 8478

الفرع الثالث في سقوط الجماعة بالبرد الشديد المدخل إلى المسألة: • حديث ابن عمر مرفوعًا: (إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة أمر مناديه بالصلاة في الرحال) وقع في السفر. • ذكر السفر لبيان الواقع، لا مفهوم له؛ لثبوت ترك الجمعة للوحل. • السفر وحده سبب في سقوط الجمعة فضلًا عن الجماعة، ولو لم يكن برد ولا مطر؛ لقول النبي ﷺ للرجلين اللذين صليا في رحالهما: (إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الإمام، فليصلها معه؛ فإنها له نافلة). • العلة في قول مؤذن النبي ﷺ : صلوا في رحالكم حصول البرد والمطر، وليس السفر. • إذا كان المطر عذرًا في التخلف عن الجماعة في الحضر فالبرد مثله؛ لأنه أحد العذرين في الحديث. • أسباب ترك الجماعة ليست معدودة، والضابط وجود المشقة، فمتى كان في الصلاة جماعة مشقة ظاهرة على المصلي جاز له ترك الجماعة. • التأذي بالحر والبرد اجتمع فيه سببان للتخلف: ذهاب الخشوع أو كماله ومشقة التعرض للبرد والحر، والأول مقيس على حضور الطعام، والثاني مقيس على مشقة التأذي بالمطر والوحل. • البرد قد يكون رخصة عامة إذا كانت موجته شديدة جدًّا، وطالت المشقة الجميع، وقد يكون رخصة خاصة في حق البعض ممن لا يحتمل بعض البرد إما لكبر سنه، أو لضعف بدنه. • كون الأسباب المبيحة للتخلف بعضها أشق من بعض، فحضور الطعام ليس كلسع البرد وبلل المطر، أو كون المشقة يعسر ضبطها، لا يسوِّغ تعطيلها، ويمكن تقريبها لأدنى المشاق المعتبرة في تلك العبادة، ويدين المكلف في تقديرها.

стр. 8479

[م-٩٩٣] تسقط الجماعة بالبرد الشديد، وهو مذهب الحنفية والشافعية، وبعض الحنابلة، وذكره ابن حزم من الأعذار، ولم يشترط شدته (١). جاء في الفتاوى الهندية: «والصحيح أنها تسقط بالمطر والطين والبرد الشديد والظلمة الشديدة» (٢). وقال النووي: «البرد الشديد عذر في الليل والنهار» (٣). واستدل القاضي أبو يعلى في سقوط الجماعة بالوحل على ثبوت سقوطها بالبرد، فساق حديث ابن عمر المتفق عليه: أن رسول الله ﷺ إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة أمر مناديه بالصلاة في الرحال، ثم قال أبو يعلى: «فإذا جاز ترك الجماعة لأجل البرد، كان فيه تنبيه على الوحل؛ لأنه ليس مشقة البرد بأعظم من الوحل» (٤). وقال ابن حزم: «ومن العذر للرجال في التخلف عن الجماعة في المسجد: المرض، والخوف، والمطر والبرد … » (٥). وقال الأذرعي من الشافعية: «إذا كان البرد مألوفًا في ذلك الموضع لم تسقط به الجماعة» (٦).

стр. 8480

وقيل: لا تسقط الجماعة بشدة البرد، وهو ظاهر مذهب المالكية، وظاهر مذهب الحنابلة (١). • دليل من قال: لا تسقط الجماعة بالبرد: بلاد الحجاز بلاد باردة شتاء، حارة صيفًا، وقد عاش النبي ﷺ العهد المدني عشر سنوات، ولم ينقل أن النبي ﷺ ترك الجماعة بسبب البرد، ولا يوجد نص محفوظ من السنة المرفوعة أن الجماعة تركت في الحضر بسبب البرد، والأصل عدم المشروعية. (ح-٢٩٧٣) وأما ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع قال:

стр. 8481

أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم. فأخبرنا: أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال. في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر (١). فإن هذا الحديث نص في السفر، والسفر مظنة التخفيف، فقد وضع عن المصلي شطر الصلاة، وخفف عنه في النوافل، فلا يصلي من السنن الراتبة إلا راتبة الفجر، وأبيح له الفطر، ولا تجب عليه الجمعة إما مطلقًا على الصحيح، أو لا تجب عليه بنفسه على أحد القولين، وإذا سقطت الجمعة بالسفر فالجماعة من باب أولى • دليل من قال: تسقط الجماعة بالبرد الشديد: (ح-٢٩٧٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع: أن ابن عمر أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال (٢). قوله: (ذات برد ومطر) ظاهره أنه لا بد من اجتماع البرد والمطر. لكن رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم. فأخبرنا: أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال. في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر (٣). فقوله: (في الليلة الباردة أو المطيرة) ظاهره لا يشترط اجتماع البرد والمطر، كما أن المطر عذر وحده، فكذلك البرد عذر وحده. • وأجيب: بأن رواية مالك عن نافع مطلقة، تشمل الحضر والسفر، لكن رواية عبيد الله ابن عمر مقيدة في السفر، والقاعدة تقتضي حمل المطلق على المقيد، وأن ذلك مختص بالسفر.

стр. 8482

• ورد هذا: بأن الحديث وإن كان في السفر، إلا أن العلة تقتضي جوازه في الحضر. فالسفر سبب لسقوط الجماعة والجمعة مطلقًا على الصحيح، ولو لم يكن فيه برد أو مطر؛ كما في حديث يزيد بن الأسود: (ما منعكما أن تصليا؟ قالا: صلينا في رحالنا). ولأن الحديث لما أشار إلى أن العلة في سقوط الجماعة هي البرد والمطر، وكان المطر علة في سقوط الجماعة في الحضر على قول الأئمة الأربعة، دل على أن البرد مثله في الحكم، وأن العلة لسقوط الجماعة حصول البرد والمطر، وليس السفر، فذكر السفر لبيان الواقع، لا مفهوم له،، والحكمة هي المشقة الحاصلة منهما، وهي موجودة في الحضر والسفر، وبهذا أخذ الحنفية والشافعية. الدليل الثاني: (ح-٢٩٧٥) ما رواه البخاري من طريق عبد الحميد، صاحب الزيادي، قال: حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين، قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض، ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: دل قوله: (: صلوا في بيوتكم … فعله من هو خير مني) فإذا جاز ترك الجماعة لأجل الوحل، ويمكن أن يتقيه بالنعال دل ذلك على جوازه لأجل البرد؛ فالبرد الشديد قد يضر بالبدن، ويسبب له الأمراض، ما لا يفعله الوحل. الدليل الثالث: (ح-٢٩٧٦) ما رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني، قال: حدثنا هشام بن عمار، أخبرنا ابن أبي العشرين، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد، أن محمد بن إبراهيم بن الحارث حدثه،

стр. 8483

عن نعيم بن النحام قال: كنت مع امرأتي في مرطها غداة باردة، فنادى منادي رسول الله في صلاة الصبح، فلما سمعته قلت: لو قال: ومن قعد لا حرج فلما قال: الصلاة خير من النوم، قال: ومن قعد فلا حرج (١). [في إسناده انقطاع] (٢). • الراجح: القول بأن البرد الشديد عذر في الترخص عن حضور الجماعة هو القول الراجح، وقد يكون رخصة عامة إذا كان الجميع يشعر بأن موجة البرد شديدة جدًّا، وقد يكون رخصة في حق البعض، فهناك بعض الناس لا يحتمل البرد: إما لكبر سنِّه، أو لضعف بدنه، فيكون رخصة خاصة في حقه دون غيره، والله أعلم.

стр. 8484

الفرع الرابع سقوط الجماعة بالحر الشديد المدخل إلى المسألة: • أسباب ترك الجماعة ليست معدودة، والضابط وجود المشقة، فمتى كان في الصلاة جماعة أذى أو مشقة ظاهرة على المصلي جاز له ترك الجماعة. • ترك الجماعة أولى من جمع الصلاتين في الحضر، فالجماعة تسقط لحضرة طعام، أو لمدافعة الأخبثين، ولا يبيحان الجمع. • التخلف أهون من الجمع في الحضر؛ لأن الجمهور لا يرون الجمع بين الصلاتين في النهار خلافًا للشافعية، والتخلف عن الجماعة بالمطر قول الأئمة الأربعة. • أحكام التخلف عن الجماعة معلَّل، كالتخلف عن الجماعة لحضور الطعام ونزول المطر وانتشار الوحل. • المشقة يعسر ضبطها، وما عسر ضبطه لا يَسُوغُ تعطيله، وعلى المجتهد تقريبه بالقياس على نظائره مما وورد فيه نص تحصيلًا للمصلحة ودرءًا للمفسدة. • المشقة في الضبط لا يكون عذرًا للتعطيل؛ لأن الحرج مدفوع بل يكون سببًا للسعة والتخفيف، وإلا لما عُلِّلَ الحكم بالمشقة. • الضابط في التخلف عن الجماعة: إما لتحصيل الخشوع أو كماله كترك الجماعة لحضور الطعام والبرد الشديد، أو لدفع مشقة ظاهرة في عرف أكثر الناس، ولا عبرة بالمتساهل ولا بالمتشدد كالتخلف للمطر والوحل، أو التخلف بسبب رائحة كريهة كأكل الثوم والبصل. • الأولى في ضابط مشاق العبادات أن تضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشاق المعتبرة في تلك العبادة، فإن كانت مثلها أو أزيد ثبتت الرخصة. • قال النووي في ضابط المرض المبيح للتخلف عن الجماعة، قال: ضبطوه

стр. 8485

بأن تلحقه مشقة كمشقة المشي في المطر. • المرض المبيح للفطر في الحضر ينبغي أن تعتبر مشقته بمشقة الصيام في السفر، فإذا شق الصوم مشقة تُرْبِي على مشقة الصوم في السفر جاز الإفطار. • التأذي بالقمل مبيح للحلق في حق الناسك فينبغي أن يعتبر تأذيه بالأمراض بمثل مشقة القمل. • التأذي بالحر والبرد اجتمع فيه سببان للتخلف: ذهاب الخشوع أو كماله ومشقة التعرض للسع البرد ووهج الحر، والأول مقيس على حضور الطعام، والثاني مقيس على مشقة التأذي بالمطر والوحل. • قال أبو يعلى: إذا جاز ترك الجماعة لأجل البرد، كان فيه تنبيه على الوحل؛ لأنه ليس مشقة البرد بأعظم من الوحل، فاعتبر بإحدى المشقتين على الأخرى. • دفع المشقة عن المكلف مقصود للشارع تارة بالإبراد في شدة الحر، وتارة بالتخلف عن الجماعة كالتخلف لشدة البرد وبلل المطر وانتشار الوحل. • الحر المعتاد وكذلك البرد المعتاد لا يكون سببا للتخلف، وإنما المقصود به موجة غير معتادة من الحر والبرد. • لا تعطل الجماعة، ومن شق عليه الحضور فله رخصة في التخلف. • إذا كانت الجماعة لا تطبق سنة الإبراد، وكان الحر يشق على المكلف أو يؤثر على كمال الخشوع فللمصلي أن يتخلف عن الجماعة. • إذا اشتدت موجة الحر وكان الإبراد لا يخفف شدته حتى إن فيح الحر وسمومه يجده المصلي حتى في آخر النهار، فله أن يتخلف عن الجماعة. [م-٩٩٤] اختلف العلماء في شدة الحر أيكون مبيحًا للتخلف عن الجماعة؟ فقيل: لا يعد عذرًا، وهو ظاهر مذهب الحنفية، والمالكية والحنابلة (١).

стр. 8486

وقيل: يعد عذرًا مطلقًا، وسواء أكان ليلًا أم نهارًا، وهو مذهب الشافعية، واختاره أبو المعالي من الحنابلة (١). • دليل من قال: الحر الشديد يسقط الجماعة: الدليل الأول: قياس الحر الشديد على البرد الشديد بجامع أن كلًّا منهما يذهب الخشوع. (ح-٢٩٧٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم. فأخبرنا: أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال. في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر (٢). وقد بينت فيما سبق أن التخلف عن الجماعة من أحكام المشقة، وليس من أحكام السفر. الدليل الثاني: قياس التخلف عن الجماعة على قول الحنابلة، حيث منعوا المفتي والقاضي

стр. 8487

من الحكم والإفتاء في الحر المزعج والبرد المؤلم (١). جاء في كشاف القناع: «ويحرم أن يفتي في حال لا يجوز أن يحكم فيها كغضب ونحوه، كحر مفرط، وبرد مفرط» (٢). (ح-٢٩٧٨) لما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الملك بن عمير، سمعت عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: كتب أبو بكرة إلى ابنه، وكان بسجستان، بأن لا تقضي بين اثنين، وأنت غضبان، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان (٣). فنص على الغضب، ونبه على ما كان في معناه من الحر والبرد الشديدين، والجوع والعطش، ومدافعة الأخبثين، والفرح الشديد. وإذا كان الحر الشديد والبرد المؤلم يشوش على العقل، ويشغل القلب، حتى يمنع القاضي من الحكم، والمفتي من الفتيا، فما الفرق بينه وبين سقوط الجماعة بحضرة الطعام، ولم يشترط الحديث أن يفسد الطعام لو أخره إلى ما بعد الصلاة، ولا أن يكون جائعًا بل يكفي مطلق الحاجة إلى الطعام ليدع الجماعة ويقبل على طعامه، وله أن يأكل منه حتى يفرغ من حاجته، ولا يشترط أن يأكل ما يسد جوعه. فكان مقتضى القياس سقوط الجماعة بالحر الشديد خاصة إذا كان إمام المسجد لا يأخذ بسنة الإبراد، أو كانت موجة الحر شديدة جدًّا بحيث لا يؤثر الإبراد في تخفيف الحر، لهذا كان الحر الشديد عذرًا بالليل والنهار إذا كان شديدًا. • دليل من قال: لا تسقط الجماعة بالحر الشديد: الدليل الأول: بلاد الحجاز بلاد حارة صيفًا، ولم ينقل أن النبي ﷺ ترك الجماعة بسبب الحر، ولا يوجد نصٌّ محفوظ من السنة المرفوعة أن الجماعة تركت في الحضر بسبب الحر، والأصل عدم المشروعية، وإذا لم تسقط الجماعة في ذلك العصر مع عدم وسائل التبريد من مكيفات ونحوها، فمن باب أولى وقد وجدت هذه الوسائل التبريدية، والله أعلم.

стр. 8488

الدليل الثاني: أن الشرع عالج الحر الشديد بالإبراد، فلا حاجة إلى ترك الجماعة بسبب الحر. (ح-٢٩٧٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم (١). • وأجيب: سنة الإبراد لا يطبقها اليوم كثير من المسلمين، وقد تكون موجة الحر شديدة جدًّا بحيث لا يخفف الإبراد الحر، حتى إن فيح الحر يجد الإنسان حرارته في وجهه حتى في الليل، حين يسكن الهوى ولا يوجد نسيم يخفف من وطأته. • الراجح: أن الإبراد إذا كان يعالج المشكلة، فهو السنة المنصوص عليها، وإذا لم تطبق سنة الإبراد، وكان الحر يؤثر على الخشوع في الصلاة، خاصة في البلاد التي لا يوجد فيها مكيفات، ولا يوجد في الطريق ما يكنه من حرارة الشمس، فله أن يصلي جماعة في بيته، والله أعلم.

стр. 8489

الفرع الخامس سقوط الجماعة بالوحل المدخل إلى المسألة: • قال الدردير: الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة أربعة: لأنها إما أن تتعلق بالنفس، أو بالأهل، أو بالمال، أو بالدِّينِ. اه وهي إما عامة، وإما خاصة. • الأعذار منها ما ثبت بالنص كالمطر والوحل والبرد وحضور الطعام، ومدافعة الأخبثين، ومنها ما ثبت بالقياس، كالريح، والحر الشديدين. • أحكام التخلف عن الجماعة معلل، كالتخلف عن الجماعة لحضور الطعام ونزول المطر وكثرة الوحل. • قال النووي: كل ما لحق به مشقة شديدة فهو عذر -يعني في التخلف عن الجماعة- إشارة إلى أن أسباب التخلف عن الجماعة ليست معدودة، فالضابط وجود المشقة. • المشقة تجلب التيسير. • ترك الجماعة بسبب الوحل الشديد أولى من الجمع بسببه؛ لأن مراعاة الوقت أولى من مراعاة الجماعة، فالوقت شرط بالاتفاق، والجماعة سنة أو واجبة. • التخلف أهون من الجمع؛ لأن الجمهور لا يرون الجمع بين الصلاتين في النهار خلافًا للشافعية، والتخلف عن الجماعة بالمطر قول الأئمة الأربعة. [م-٩٩٥] اختلف العلماء في سقوط الجماعة بالوحل: فقيل: الوحل ليس بعذر لا في الجمعة، ولا الجماعة، سئل أبو حنيفة عن الجماعة في طين ورَدْغة، فقال: لا أحب تركها، وهو قول في مذهب المالكية، ووجه في مقابل الأصح عند الشافعية (١).

стр. 8490

وقيل: الوحل الشديد عذر في الجمعة والجماعة، وهو مذهب الحنفية، وأصح القولين في مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، وقيده الحنابلة بأن يتأذى بالوحل (١). قال النووي: «وفي الوحل وجهان الصحيح الذي قطع به المصنف والجمهور أنه عذر وحده، سواء كان بالليل أو النهار» (٢). قال في الإقناع: «ومُتَأَذٍّ بمطر أو وحل» (٣). وقال الأذرعي من الشافعية: تسقط بالوحل من غير فرق بين الشديد والخفيف، وترك الشيرازي في المهذب، والتنبيه، والنووي في المجموع والتحقيق، التقييد بالشديد ومقتضاه: أنه لا فرق بينه وبين الخفيف، وهو خلاف المعتمد في المذهب (٤). وقيل: الوحل عذر في الجماعة دون الجمعة، حكاه صاحب العدة من الشافعية (٥).

стр. 8491

وقيل: الوحل عذر بالسفر خاصة، وهو رواية عن الإمام أحمد (١). فصار الخلاف في الوحل يرجع إلى أربعة أقوال: فقيل: ليس بعذر مطلقًا. وقيل: عذر مطلقًا. وقيل: عذر بشرط أن يكون شديدًا. وقيل: عذر بالسفر خاصة. • دليل من قال: الوحل عذر بشرط أن يكون شديدًا: الدليل الأول: (ح-٢٩٨٠) ما رواه البخاري حدثنا مسدد، قال: حدثنا إسماعيل، قال: أخبرني عبد الحميد، صاحب الزيادي، قال: حدثنا عبد الله بن الحارث ابن عم محمد بن سيرين، قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض، ورواه مسلم (٢). • وأجيب: بأن ظاهر الحديث أنه اجتمع مع الطين مطر؛ لأن قوله: (في يوم مطير) صيغة مبالغة، فلم يكن المانع من الخروج إلى الصلاة هو الطين وحده. ولهذا رواه أبو داود عن مسدد به، بلفظ: (وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والمطر).

стр. 8492

• ورد: بأن أبا داود قد انفرد به عن مسدد، عن ابن علية به بلفظ: (وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والمطر) (١). وخالفه كل من البخاري حيث رواه عن مسدد به، بلفظ: (وإني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض). كما رواه علي بن حجر، كما في صحيح مسلم، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم (٢). ومؤمل بن هشام عند ابن خزيمة (٣)، ولوين في جزء من حديثه (٤)، رووه عن إسماعيل بن علية به، بلفظ: (وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض)، وقال لوين: (في الطين والوحل) فوفقوا رواية مسدد من رواية البخاري عنه خلافًا لرواية أبي داود عنه. ورواه مجاهد بن موسى كما في مسند السراج، عن إسماعيل بلفظ: (وكرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين)، ولم يذكر المطر (٥). ورواه شعبة كما في صحيح مسلم، حدثنا عبد الحميد صاحب الزيادي، فذكر نحو حديث ابن علية، وقال: وكرهت أن تمشوا في الدحض والزَّلَل (٦). ورواه البخاري من طريق حماد بن زيد، حدثنا عبد الحميد صاحب الزيادي، قال: سمعت عبد الله بن الحارث، قال: خطبنا ابن عباس في يوم ذي ردغ .... وفيه: إنها عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم. والردغ والرَّدغة: قال أبو عبيد: هي الماء والطين والوحل، جمعها: رداغ (٧).

стр. 8493

وفي تهذيب اللغة: الردغة: وحل كثير (١). ورواه البخاري من طريق حماد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث به، نحوه، وقال: إني كرهت أن أؤثمكم، فتجيئون تدوسون الطين إلى ركبكم (٢). فواضح أن الوحل هو الداعي لابن عباس بأن يأمر مؤذنه بالصلاة في الرحال، والوحل هو نتيجة للمطر، إلا أن المطر قد لا يستمر في النزول، ولكن أثره على الأرض قد يبقى ساعات أطول، وقد يبقى أيامًا في البلاد الطينية، والتعليل بالوحل تنبيه إلى أن كلًّا من المطر وأثره علة في التخلف عن الجماعة إذا كان الوحل شديدًا. وقد سئل مالك في العتبية: «ربما ينجلي المطر، ويبقى الطين، أيجمعون؟ قال: نعم. قيل: وإذا كان الطين فيرجو أن يكون في سعة في تخلُّفه عن المسجد؟ قال: نعم» (٣). فكان الجمع والتخلف عن الجماعة حكمهما واحد، والمعتمد في المذهب أن الوحل لا يكون سببًا في الجمع إلا بشرطين: أن يكون في العشاءين، و أن يكون معه ظلمة، وسيأتي إن شاء الله مبحث الجمع في باب مستقل. الدليل الثاني: قال النووي: «الأعذار في ترك الجمعة والجماعة ليس مخصوصًا، بل كل ما لحق به مشقة شديدة فهو عذر، والوحل من هذا» (٤). فالمطر عذر بالاتفاق، وعلته المشقة، فمتى وجدت المشقة في الخروج إلى الصلاة أبيح التخلف، ومنه الوحل، فلو قدر أن الوحل لم يرد فيه نص، فالقياس يقتضيه. فهذا ابن عمر ﵁ أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ألا صلوا في الرحال، واحتج بأن النبي ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال (٥). فقاس ابن عمر الريح على المطر في الترخص، والعلة الجامعة المشقة

стр. 8494

اللاحقة، فكون الريح لم يرد فيها نص لم يمنع من إلحاق الريح بالمطر. قال القاضي أبو يعلى: «إذا جاز ترك الجماعة لأجل البرد، كان فيه تنبيه على الوحل؛ لأنه ليس مشقة البرد بأعظم من الوحل. ولأن المطر يبل الثياب، والوحل يبل النعال، فهما في المشقة سواء» (١). وإذا كانت العلة أو الحكمة من التخلف هي المشقة، فالوحل الخفيف لا مشقة فيه، فلا يبيح التخلف، والله أعلم. • دليل من قال: الوحل ليس عذرًا. الدليل الأول: هذا القول مبني على أنه لم يثبت عن النبي ﷺ أنه ترك الجمعة من أجل الوحل. «وروى ابن نافع، قال: قيل لمالك: أيتخلف عن الجمعة في اليوم المطير؟ قال: ما سمعت. قيل له: فالحديث: (ألا صلوا في الرحال). قال: ذلك في السفر» (٢). فإذا كان لم يثبت ترك الجمعة من أجل المطر، فلازمه لم يثبت ترك الجمعة من أجل الوحل؛ لأن الوحل أثر عن المطر. (ح-٢٩٨١) وقد روى البخاري من طريق مالك، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وتقطعت السبل، فادع الله، فدعا الله، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، فجاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، تهدمت البيوت، وتقطعت السبل، وهلكت المواشي، فقال رسول الله ﷺ : اللهم على ظهور الجبال والآكام، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب، ورواه مسلم بنحوه (٣). وجه الاستدلال: أن هذه الأمطار قد استمرت أسبوعًا كاملًا حتى قال الناس: تهدمت البيوت، وتقطعت

стр. 8495

السبل، وهلكت المواشي، ولو كان هناك رخصة في سقوط الجماعة أو الجمعة بسبب المطر لما تجشموا الحضور مع هذه المشقة الشديدة، التي عمت حتى طالت الإنسان والحيوان والبنيان والطرق، ولم يخيَّر النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فدل على أن ترك الجمعة إثم، والله أعلم. وأما الجواب عن حديث ابن عباس في إباحة التخلف عن الجمعة فيحتمل أحد أمرين: الأول: يحتمل أن ابن عباس اجتهد في قياس الحضر على السفر. فالإمام مالك حين سئل عن التخلف عن الجمعة للمطر، قال: ما سمعت. يحتمل أنه لم يسمع بحديث ابن عباس، وهو الظاهر. ويحتمل أنه رأى أن ابن عباس اجتهد في قياس الحضر على السفر، وتأول حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة ذات برد ومطر، يقول: ألا صلوا في الرحال (١). فالحديث في الصلوات الخمس، وفي السفر، فيحتمل أن ابن عباس ﵁ اجتهد، فقاس الجمعة على الجماعة، والحضر على السفر، ورأى أن العلة هي البرد والمطر، وهذا لا يختص بالسفر، فخص مالك حديث ابن عمر في الصلوات الخمس، وفي السفر، خاصة أن أكثر أحاديث ابن عباس سمعها من الصحابة؛ لصغر سنه، والأحاديث الصحيحة المنقولة في الأمر بالصلاة في الرحال هو حديث ابن عمر في السفر، وحديث نعيم بن النحام في الحضر، ولكنه منقطع. ويحتمل أن أصحاب هذا القول رأوا أن الترخص كان لاجتماع المطر مع الوحل، لقوله: (في يوم مطير) فالمطر وحده عذر في قول جماهير أهل العلم؛ لأنه يؤذي من جهتين: من أعلى، ومن أسفل. والوحل من جهة واحدة، والرخصة إذا أبيحت لمعنيين لم يجز تعلقها بأحدهما، والله تعالى أعلم (٢).

стр. 8496

ولأن مشقة الوحل دون مشقة المطر، ويتأتى الاستعداد له، ويمكن توقيه بالخفاف والصنادل. • ورد هذا: أما الجواب عن حديث أنس: فيقال: فيه دليل على إقامة الإمام الجمعة بمن حضر في اليوم المطير، ويكون التخلف رخصة لمن لم يحضر، ولهذا ابن عباس أقام الجمعة بمن حضر في الوقت الذي نادى مؤذنه بالرخصة في الصلاة في الرحل. وقد ترجم له البخاري في صحيحه بقوله: باب: هل يصلي الإمام بمن حضر، وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟ قال الحافظ ابن رجب: «يعني بهذا الباب: أن المطر والطين، وإن كان عذرًا في التخلف عن الجماعة في المسجد، إلا أنه عذر لآحاد الناس، وأما الإمام فلا يترك الصلاة لذلك في المسجد، ويصلي جماعة في المسجد بمن حضر، وكذلك يوم الجمعة لا يترك الخطبة، وصلاة الجمعة في المسجد بمن حضر فيه، إذا كانوا عددًا تنعقد بهم الجمعة، وإنما يباح لآحاد الناس التخلف عن الجمعة والجماعات في المطر ونحوه، إذا أقيم شعارهما في المساجد. وعلى هذا، فلا يبعد أن يكون إقامة الجماعات والجمع في المساجد في حال الأعذار كالمطر فرض كفاية، لا فرض عين، وأن الإمام لا يدعهما. وهو قريب من قول الإمام أحمد في الجمعة إذا كانت يوم عيد، أنه يسقط حضور الجمعة عمن حضر العيد، إلا الإمام ومن تنعقد به الجمعة؛ فتكون الجمعة حينئذ فرض كفاية. والله أعلم. ولا شك أن النبي ﷺ كان لا يترك إقامة الجمع في المطر، ويدل عليه: أنه لما استسقى للناس على المنبر يوم الجمعة، ومطروا من ذلك الوقت إلى الجمعة الأخرى، أقام الجمعة الثانية في ذلك المطر حتى شكي إليه كثرة المطر في خطبته

стр. 8497

يومئذ، فدعا الله بإمساك المطر عن المدينة» (١). وأما حديث ابن عباس فكون الإمام مالك ﵀ لم يأخذ به، فإن كان لم يسمع به، فمن سمع به حجة على من لم يسمع، وقد نص ابن عباس بأن النبي ﷺ فعله، فهو صريح بالرفع، ولم يكن اجتهادًا من ابن عباس ﵁، بل كان تطبيقًا للسنة. وإن كان الإمام مالك قد تأوَّله فإن فهم ابن عباس أحب إلينا، وقد ساوى بين المطر والوحل بالعذر في ترك الجمعة والجماعة؛ لقوله: (إني كرهت أن أحرجكم فتمشوا في الطين والدحض)، وهو نص في مورد النزاع. وأما قولهم: (مشقة الوحل دون مشقة المطر) فهذا لا يوجب فرقًا، ألا ترى أن مشقة المرض أعظم من مشقة السفر، وهما سواء في إباحة الفطر؟! وكذلك مشقة الجبائر أعظم من مشقة الخفين، وهما سواء في جواز المسح؟! (٢). والخفاف قد يأمن الإنسان فيها من التلوث، ولكن لا يأمن الزلق فيتأذى بنفسه وثيابه، وقد يفسد الوحل الخفاف والصنادل. • دليل من قال: لا فرق بين الوحل الشديد والخفيف: الدليل الأول: (ح-٢٩٨٢) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا إسماعيل، أخبرنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه، قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، وأصابتنا سماء لم تبل أسافل نعالنا، فنادى منادي رسول الله ﷺ : أن صلوا في رحالكم (٣). [وقوله: (لم تبل أسافل نعالنا) هكذا رواه خالد الحذاء، والمحفوظ ما رواه قتادة، عن أبي المليح: (في يوم مطير)، وهذه صيغة مبالغة، أي كثيرة المطر، وهو المناسب للرخصة] (٤).

стр. 8498

ولو صح لم يكن فيه دليل؛ لأن المسافر لا تجب عليه الجمعة، فضلًا عن الجماعة، فكان التخفيف مَرْعِيًّا حالة السفر، بخلاف المقيم، والله أعلم. الدليل الثاني: لو كان قيد الشديد ملحوظًا لجاء في النصوص ما يدل على ضبطه؛ لأنه ما من شديد إلا وفيه ما هو أشد منه، والناس فيهم المتشدد، وفيهم المفرط، والأمر يتعلق بأمر عظيم، وهو الصلاة. الدليل الثالث: إذا كان اشتراط الشدة في الوحل من أجل أن الحكم معلل بالمشقة، وأن الخفيف لا مشقة فيه. فالشارع لا يعلل الأحكام إلا بعلة منضبطة، فالرخصة العامة يستوي فيها وجود المشقة وعدمها، فالمسافر له أن يفطر ويقصر لعلة السفر، سواء وجدت المشقة أو لم توجد، فهذان ركنان من أركان الإسلام أباح الشارع للمكلف الترخص فيهما إذا وجد السفر، ولم تقيد الرخصة بالمشقة، فكذلك التخلف عن الجماعة ينبغي أن يعلق الأمر بوجود الوحل، لا بالمشقة. • ويناقش: أن السفر لا ينفك من المشقة، فعلق الحكم بالسفر، ولم يعلق بالحكمة التي شرع القصر والإفطار من أجلها. (ح-٢٩٨٣) فقد روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه، وطعامه، فإذا قضى نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله (١). بخلاف التخلف عن الجماعة، حيث نص الفقهاء أن العلة هي المشقة مع علمهم أن المشقة لا تنضبط، فكان ذلك دليلًا على التخفيف والسعة، بحيث لا يتشدد الناس في تقدير ذلك، وإلا لما علل الحكم بالمشقة، فإذا كانت المشقة ظاهرة في تقدير أغلب الناس أنيط الحكم بها، ولا عبرة بالمتشدد، ولا بالمتهاون، ومن أراد ألا يتخلف فله ذلك، وكثير من أحكام الشريعة ردت إلى عرف الناس

стр. 8499

وتقديرهم، ولم يقدح هذا في الحكم، والله أعلم. • دليل من قال: الوحل عذر في السفر خاصة: (ح-٢٩٨٤) روى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عمر قال: حدثني نافع قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم. فأخبرنا: أن رسول الله ﷺ كان يأمر مؤذنًا يؤذن، ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال. في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر (١). وأما حديث ابن عباس فقد تبين لك توجيههم له في القول السابق، وأنه ربما قاله اجتهادًا منه حيث قاس الحضر على السفر، وقاس الجمعة على الصلوات الخمس، وأجبت عنه، والله أعلم. • الراجح: أن الوحل إذا تأذى به المصلي فهو عذر له في التخلف عن الجمعة والجماعة، والله أعلم.

стр. 8500

الفرع السادس التخلف عن الجماعة لشدة الظلام المدخل إلى المسألة: • قال النووي: كل ما لحق به مشقة شديدة فهو عذر -يعني في التخلف عن الجماعة- إشارة إلى أن أسباب التخلف عن الجماعة ليست معدودة، فالضابط وجود المشقة. • المشقة تجلب التيسير. • قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعات في شدة المطر والظلمة، والريح، وما أشبه ذلك مباح. • إذا استحكم الظلام حتى لا يبصر المصلي طريقه إلى المسجد سقطت عنه الجماعة. • إذا كان الظلام لا يذهب بالبصر بحيث يرى ما قرب من بصره فيتقيه، أو كان يمكنه إيقاد شمعة، أو شراء مصباح لزمه ذلك على القول بوجوب الجماعة في المسجد. • إذا سقطت الجماعة من بلل المطر سقطت الجماعة من الظلمة الشديدة من باب أولى؛ لأن البلل لا يغلق البصر بخلاف شدة الظلام. [م-٩٩٦] إذا اشتد الظلام بحيث لا يبصر المصلي طريقه إلى المسجد، فهل تكون الظلمة عذرًا في التخلف عن الجماعة. فقيل: الظلمة الشديدة عذر، وهو مذهب الحنفية، ومذهب الشافعية (١). قال ابن عابدين: «قوله: (وظلمة كذلك) أي شديدة. في الظاهر أنه لا يكلف إلى إيقاد نحو سراج، وإن أمكنه ذلك، وأن المراد بشدة الظلمة كونه لا يبصر طريقه إلى

стр. 8501

المسجد فيكون كالأعمى» (١). وقوله: (لا يكلف إيقاد نحو سراج)، فيه نظر؛ لأن الجماعة إن كانت واجبة، وجب عليه رفع ما يمنعه من الذهاب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإذا كنا نوجب على الشخص أن يشتري الماء لوضوئه بثمن مثله، فهذا مثله. وقال المحب الطبري: «المختار أن كلًّا من الظلمة، والبرد، والريح الشديدة عذر بالليل اه. قال الخطيب: وهذا هو الظاهر» (٢). واعتمده الخطيب في شرح التنبيه، وابن حجر الهيتمي في التحفة، والرملي في النهاية (٣). ولم يذكر المالكية ولا الحنابلة الظلمة من الأعذار، وإن كان ابن بطال قد نقل الإجماع على أن الظلمة عذر، وهو من المالكية، فتأمل. وهل يمكن تخريج المسألة على موقفهم من الأعمى؟ فالمالكية والحنابلة: يرون العمى عذرًا بشرطين: ألا يقدر على الوصول إلى المسجد بنفسه، وليس له قائد يقوده (٤). • دليل من قال: الظلام ليس عذرًا: الدليل الأول: (ح- ٢٩٨٥) ما رواه مسلم من طريق مروان الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم قال: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له. فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم. قال: فأجب (٥).

стр. 8502

وجه الاستدلال: إذا لم يرخص للأعمى بالتخلف، لن يرخص للمبصر بسبب الظلمة؛ فإن ظلمة العمى أشد. • ويجاب بجوابين: الأول: الحديث معلٌّ، وسبق تخريجه. الثاني: أن الأعمى قد اعتاد الظلمة، وهي صفة لازمة لا ينفك عنها، وإذا خرج إلى المسجد قد يجد من الناس من يساعده، بخلاف من نزلت به الظلمة فجأة، فلم يعتد عليها، ويعذر المرء بالحال الطارئة، ما لا يعذر بالدائم، والحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة كما ذكر ذلك الفقهاء. الدليل الثاني: لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أَذِنَ لأحد بالتخلف عن صلاة العشاء والفجر، وهما يقعان في الظلام في عهده ﵊، بل كان النبي ﷺ يقول: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر). متفق عليه، وما كان ذلك إلا لوقوعهما في ظلمة الليل، فيضعف داعي الرياء في نفوس المنافقين مع حاجتهم إلى الراحة آخر النهار، وإلى النوم في آخر الليل، وما كان مسجد النبي ﷺ تسرج فيه المصابيح، والظلام في أول الشهر وفي آخره يكون في شدته حيث يختفي القمر، ولم يتخلف أحد عن الصلاة لشدة الظلام. (ح-٢٩٨٦) فقد روى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني عروة ابن الزبير، أن عائشة أخبرته، قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغلس (١). وإذا كن لا يعرفن في وقت الانصراف، فما بالك بوقت الدخول في الصلاة،

стр. 8503

وهي من أطول الصلوات الخمس، ووقت دخول العشاء هو وقت دخول صلاة الصبح معكوسًا، فأحدهما يدخل وقته في غياب الشفق، والآخر يدخل وقته في طلوعه، والله أعلم. • ويجاب: الكلام ليس على الظلام المعتاد الذي لا يمنع الخارج للمسجد من رؤية طريقه، وأين يضع قدمه، وإنما الكلام على الظلمة الشديدة الناتجة عن تقلبات جوية طارئة تجعل الإنسان لا يدري ما أمامه، فلا يهتدي إلى المسجد سبيلًا إلا بصعوبة بالغة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. • دليل من قال: اشتداد الظلمة عذر في التخلف: الدليل الأول: (ح-٢٩٨٧) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع الأنصاري: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول ﷺ : يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحب أن أصلي؟ فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ ورواه مسلم (١). هكذا رواه مالك بأنه أعمى … ضرير البصر. وفي رواية: (أنكرت بصري). رواه هكذا عقيل ومعمر وإبراهيم بن سعد في البخاري، ويونس في مسلم (٢). ورواه الأوزاعي عن الزهري عند مسلم: إن بصري قد ساء (٣). وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أن الظلمة والسيل عذر في التخلف عن صلاة الجماعة،

стр. 8504

فالمطر عذر وحده، والظلمة عذر وحدها. • ويجاب: بأن ظاهر الحديث اجتماع الظلمة والسيل؛ لأن الواو في اللغة تدل على مطلق الجمع، وكون السيل ثبت أنه عذر وحده، فلم يثبت أن الظلمة عذر وحدها، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٢٩٨٨) ما رواه أبو جعفر البختري أخبرنا يونس، عن حماد بن سلمة، عن أيوب وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يأمر في السفر في الليلة القرة أو المظلمة: ألا إن الصلاة في الرحال. [لفظ: (أو المظلمة) لفظ شاذ وقد رواه غير يونس عن حماد فلم يذكروا لفظ: (أو المظلمة)] (١). الدليل الثالث: قال ابن بطال: «أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعات في شدة المطر، والظلمة، والريح، وما أشبه ذلك مباح» (٢). الدليل الرابع: أن أسباب التخلف عن الجماعة ليست معدودة، وإنما الضابط فيها وجود المشقة، فإذا شق على المصلي الذهاب إلى المسجد أبيح له التخلف، ولا شك أن الظلمة الشديدة تجعل الإنسان أعمى، لا يدري ما أمامه، ولا يهتدي سبيله إلى المسجد إلا بصعوبة بالغة، ويمشي، وهو يتحسس بيديه حتى لا يصطدم بشيء أمامه، فيؤذي نفسه، فهذه المشقة أشق بكثير من بلل المطر، فالقياس يقتضي الترخص بالظلمة الشديدة، إذا كان المصلي لا يملك ما يستعين به من كشاف أو شمعة، أو سراج ونحوها مما ينير له طريقه؛ ليعرف كيف يمشي إلى المسجد، والله أعلم.

стр. 8505

• الراجح: المدار على وجود المشقة، فإذا اشتدت الظلمة حتى لا يكاد المرء يرى ما أمامه، ولم يجد عنده ما يبدد هذه الظلمة؛ فإن الجماعة تسقط عنه، والله أعلم.

стр. 8506

المبحث الثاني في الأعذار الخاصة المبيحة للتخلف عن الجماعة الفرع الأول التخلف بعذر المرض المدخل إلى المسألة: • الجماعة تسقط بالعذر، سواء أقلنا: الجماعة فرض عين، أم كفاية، أم سنة. • قال الماوردي: كل ما كان عذرًا في التأخير عن الجماعة كان عذرًا في التأخير عن الجمعة. • المرض المبيح للتخلف عن الجماعة، قال النووي: ضبطوه بأن تلحقه مشقة كمشقة المشي في المطر، فاعتمد على ضبط المشقة بتقريب مشقة وصول المريض إلى محل الصلاة بمشقة المشي بالمطر. • قال ابن بطال: إذا وسع التخلف عن الجماعة للظلمة والمطر، فالتخلف لعذر المرض مثله. • إذا شق على المريض الإتيان إلى الجماعة ماشيًا لا راكبًا، لزمه الركوب على القول بوجوب الجماعة. [م-٩٩٧] لا يمكن حصر الأعذار الخاصة؛ فإن أسباب التخلف عن الجماعة ليست معدودة، وإنما هي محدودة، والمدار على المشقة، وسوف أعرض بعض الأعذار الخاصة المتفق عليها، ثم أنتقل إلى بعض الأعذار المختلف فيها، وما لم يذكر يقاس على ما ذكر، والمدار على وجود المشقة، فإذا تيقن المشقة، أو غلب على ظنه وجودها أبيحت له الرخصة، وأما إذا لم توجد المشقة، أو ترجح له عدم

стр. 8507

وجودها، أو شك فلا يباح له الترخص على القول بوجوب الجماعة، فمن الأعذار الخاصة المتفق عليها: عذر المرض (١). ويلحق بالمرض: الخوف من حدوثه، نص على ذلك الحنابلة، أو الخوف من تأخر برئه (٢). لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وقال النبي ﷺ في مرضه: مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس … الحديث (٣). (ح-٢٩٨٩) وروى البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته، وهو شاك، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم: أن اجلسوا .... الحديث، واللفظ للبخاري (٤).

стр. 8508

وحكى ابن حزم الإجماع على أن المرض عذر (١). وجاء في المغني: «قال ابن المنذر: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم، أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض» فإن كان مرض يسير، لا يشق معه شهود الجماعة، كصداع يسير، وحمى خفيفة، فليس بعذر. قال النووي: «ضبطوه بأن تلحقه مشقة كمشقة المشي في المطر» (٢). وإن تحامل المريض على نفسه، فحضر الجماعة فهو أفضل ما لم يلحقه ضرر. (ح-٢٩٩٠) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه، فكان يصلي بهم. قال عروة: فوجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فخرج فإذا أبو بكر يؤم الناس، فلما رآه أبو بكر استأخر، فأشار إليه: أن كما أنت. فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر (٣). (ح-٢٩٩١) وروى مسلم من طريق الفضل بن دكين عن أبي العميس، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن … وفيه: ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها إلا منافق، معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (٤).

стр. 8509

الفرع الثاني التخلف عن الجماعة لمصلحة الصلاة المطلب الأول سقوط الجماعة لحضرة طعام يحتاجه المدخل إلى المسألة: • النفي في قوله ﷺ : لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان، بمعنى النهي، أي لا تصلوا بحضرة طعام، فالتخلف عن الجماعة لا يقال: مباح، بل مستحب، وتقديم الصلاة على الطعام مع الحاجة إليه مكروه. • قال أبو الدرداء: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته، وقلبه فارغ. اه فالحاجة: أعم من أن تكون طعامًا، بل كل حاجة إذا لم يقضها شغله التفكير فيها، وهو يصلي، فالمشروع الفراغ منها قبل الصلاة، إلا أن يخشى خروج الوقت. • العلة في النهي هو تفريغ قلب المصلي من كل ما يشغله، أو يذهب بكمال خشوعه قبل الصلاة، وذلك قرينة صارفة للنهي من التحريم إلى الكراهة. • كل ما ينقص خشوع الصلاة أو يشق على المصلي فهو عذر يسقط الجماعة، والأول مقيس على التخلف لحضور الطعام، والثاني مقيس على التخلف بسبب بلة المطر. • ترك الجماعة لحضور الطعام فيه دليل على تيسير الشريعة، ومراعاتها لحاجة الإنسان من جهة، وأهمية الخشوع ومنزلته من الصلاة. • ينبغي تقديم الفضيلة المتعلقة بذات العبادة على ما يتعلق بمكانها، أو أول وقتها. • تكره الصلاة مع ذهاب كمال الخشوع، وهل تحرم مع ذهابه بالكلية، فيه خلاف، والأئمة الأربعة على استحباب خشوع القلب، وحكي إجماعًا، ولو صلى صحت صلاته على القولين كما لو فوَّت الخشوع بالاسترسال في الوسوسة. • لو كان الخشوع واجبًا لكان تركه عمدًا يبطل الصلاة، وسهوًا يوجب سجود السهو.

стр. 8510

[م-٩٩٨] إذا حضر الطعام، وكانت نفسه تتوق إليه، استحب له تقديم الطعام، ولو فاتته الجماعة، وهو مذهب الحنفية، وبعض المالكية، والمذهب عند الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة، على خلاف بينهم في حكم تقديم الصلاة في مثل هذه الحال: فقيل: يكره تقديم الصلاة، مع سعة الوقت، فإن ضاق الوقت وجب تقديم الصلاة، وهو مذهب الجمهور في الجملة (١). وقيل: يقدم الطعام، ولو خرج الوقت، وهو وجه ضعيف للشافعية حكاه المتولي وغيره، بل قال ابن حزم: لو صلى لا تجزئ، وفرض عليه أن يبدأ بالأكل (٢). وقد روى المروذي أن أحمد احتجم بالعسكر، فما فرغ إلا والنجوم قد بدت، فبدأ بالعشاء قبل الصلاة، فما فرغ دخل حتى وقت العشاء، فتوضأ، وصلى المغرب والعشاء (٣). فأجاز تأخير الصلاة إلى وقت الثانية لأجل العَشاء. وقيل: يبدأ بالصلاة إلا أن يخاف على الطعام الفساد لو أخره، وبه قال وكيع (٤). وقال ابن المنذر، عن مالك: يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون طعامًا خفيفًا كشربة السويق (٥).
следующие страницы →