← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فإن قتل حدًّا لم يؤخر كسائر الحدود (١). وإن قتل ردة، لم يمهل؛ لأن الأصل عدم الإمهال. ولأنه لا يصح في إمهال المرتد ثلاثة أيام حديث مرفوع عن النبي ﷺ . الدليل الثاني: (ح-٣٣٥) روى البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه (٢). وجه الاستدلال: أن الفاء في قوله: (فاقتلوه) للترتيب والتعقيب، ولو كان الإمهال واجبًا لذكره. * وتعقب: بأن العلماء مختلفون في الفاء الواقعة في جواب الشرط، هل تفيد التعقيب على قولين: أحدهما: لا تفيده، كقوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. وكما لو قلت: إذا دخلت مكة فاشترِ لي مصحفًا، فإنه لا يقتضي التعقيب. الدليل الثالث: (ث-٨٣) ما رواه البخاري من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، قال: بعث رسول الله ﷺ -أبا موسى، ومعاذ بن جبل إلى اليمن … وفيه: فسار معاذ في أرضه قريبًا من صاحبه أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه، وإذا هو جالس، وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس أَيُّم هذا؟ قال: هذا رجل كفر بعد إسلامه، قال: لا أنزل حتى يقتل، قال: إنما جيء به لذلك فانزل، قال: ما أنزل

стр. 877

حتى يقتل، فأمر به فقتل، ثم نزل … (١). فظاهر هذا الأثر، أنه قتله دون استتابة، وهو المحفوظ. الدليل الرابع: (ث-٨٦) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن علي، أنه أُتِيَ بمستورد العجلي، وقد ارتد فعرض عليه الإسلام فأبى، قال: فقتله وجعل ميراثه بين ورثته المسلمين (٢). [صحيح] (٣). (ث-٨٧) ومنها ما رواه عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال: أخذ ابن مسعود قومًا ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق، فكتب فيهم إلى عمر فكتب إليه: أن اعرض عليهم دين الحق، وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوها فخلِّ عنهم، وإن لم يقبلوها فاقتلهم، فقبلها بعضهم، فتركه، ولم يقبلها بعضهم، فقتله (٤). [المحفوظ أنه منقطع] (٥). ولو كان الإمهال واجبًا لذكره عمر، ولفعله ابن مسعود ﵄. الدليل الخامس: ولأن الإمهال يؤدي إلى زيادة تأخير الصلوات. الدليل السادس: القياس على الحربي، فإنه يدعى إلى الإسلام إذا كان لم يبلغه، ولا يتقدر بثلاث.

стр. 878

* دليل من قال: لا يقتل حتى يستتاب ثلاثًا: الدليل الأول: القياس على المرتد. (ث-٨٨) فقد روى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن عبد القاري، عن أبيه، أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري. فسأله عن الناس، فأخبره. ثم قال له عمر: هل كان فيكم من مُغَرِّبَةِ خبر؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه. قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه. فقال عمر: أفلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب، ويراجع أمر الله؟ ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضرْ، ولم آمرْ، ولم أرضَ إذ بلغني (١). [ضعيف] (٢). واحتج به أحمد على وجوب الثلاث، قال أحمد: إذا ترك الصلاة استتبته ثلاثة أيام على حديث عمر ﵁ (٣). * ونوقش: هذا الأثر ضعيف، وعلى فرض صحته فإن هناك فرقًا بين المرتد وتارك الصلاة عند من يرى أنه يقتل حدًّا، فالمرتد إذا قتل فإنه يخلد في النار، فوجب إمهاله طمعًا في نجاته منها، وتارك الصلاة عند من يرى أنه يقتل حدًّا لا يخلد في النار، بل إن الحدود كفارات للذنوب (٤). الدليل الثاني: (ح-٣٣٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق الليث، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، أنه سمع أبا هريرة ﵁، قال: بعث النبي ﷺ -خيلًا قِبَلَ نجد،

стр. 879

فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ ، فقال: ما عندك يا ثمامة؟، فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسلْ منه ما شئت، فترك حتى كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟، قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك، فقال: أطلقوا ثمامة، فانطلق إلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ -وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ﷺ ، ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي ﷺ (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ -عرض عليه التوبة ثلاثة أيام، وإذا كان هذا في الكافر الأصلي فالمرتد بترك الصلاة مقيس عليه. * ويناقش: بأنه لو صح القياس عليه لصح أن يقال: يمكن أن يطلق تارك الصلاة بلا عقوبة قياسًا على إطلاق سراح ثمامة قبل أن يسلم، فهذه قضية عين لا يمكن أن يقاس عليها، والله أعلم. الدليل الثالث: أن الله أخر قوم صالح ثلاثة أيام لعلهم أن يتوبوا فيه، قال

стр. 880

تعالى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]. * ونوقش: بأن الإمهال ليس للتوبة؛ لأن الله توعدهم بالعذاب بعد ثلاث، والوعد لا يتخلف. * الراجح: أنه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل، ولا يصح في الإمهال شيء يمكن الحكم به، وما ورد عن عمر فضعيف، ومخالف لما هو أصح منه مما ثبت عن بعض الصحابة، إلا أن يرى الحاكم باجتهاده أن في الإمهال مصلحة شرعية، فإنه يمهله، كما فعل النبي ﷺ -مع ثمامة ﵁، والله أعلم.

стр. 881

المبحث الخامس في حكم الاستتابة المدخل إلى المسألة: * لا يختلف الفقهاء في مشروعية الاستتابة، والخلاف بينهم في وجوبها. * الاستتابة بمنزلة دعوة الكافر إلى الإسلام قبل قتله أو قتاله. * حكم المرتد حكم الحربي الذي بلغته الدعوة، لا يشترط دعوته إلى الإسلام قبل قتاله. * حديث: (من بدل دينه فاقتلوه) ظاهره عدم وجوب الاستتابة قبل القتل. * تأيد هذا الظاهر بعمل أبي موسى مع معاذ في قتل المرتد قبل استتابته، والحديث في الصحيحين. * صح عن علي ﵁ استتابة المرتد، وروي ذلك عن عمر وأبي بكر، فحمل ذلك الفعل على الاستحباب جمعًا بين الأدلة. * إن كانت الاستتابة لإقامة الحجة، ودفع الشبهة فهي واجبة، وإن كانت من أجل الطمع في رجوعه وقد قامت عليه الحجة: إما لأن مثله لا يجهل، أو لغيرها من الأسباب فهي مستحبة. [م-١٣١] اختلف الفقهاء في استتابة تارك الصلاة، هل هي على سبيل الوجوب، أو الاستحباب؟ فقيل: تجب الاستتابة، وهو المذهب عند المالكية، وقدمه النووي في الروضة والمجموع، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).

стр. 882

وقيل: تستحب، رجحه بعض المالكية، وصححه النووي في التحقيق، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). وقال اللخمي: من كان يعرف أن له توبة، وأن رجوعه مقبول كانت الاستتابة

стр. 883

مستحبة، ومن كان يجهل ذلك كان إعلامه واجبًا (١). * دليل من قال: الاستتابة مستحبة: الدليل الأول: دل حديث ابن عباس: (من بدل دينه فاقتلوه)، على أن الاستتابة ليست واجبة. وأيد المرفوع عمل أبي موسى مع معاذ في قتل المرتد، والحديث في الصحيح، وسبق ذكره في مسألة سابقة. وورد استتابته عن عمر وأبي بكر، فحمل ذلك الفعل على الاستحباب جمعًا بين الأدلة. (ث-٨٩) فقد روى البيهقي من طريق عبد الله بن وهب، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، أن امرأة يقال لها: أم قرفة كفرت بعد إسلامها، فاستتابها أبو بكر الصديق ﵁، فلم تتب فقتلها (٢). [منقطع بين أبي بكرو التنوخي مفازة]. وأما أثر عمر فهو أشهر منه، وسبق أن نقلته في المسألة السابقة، وسأعيده في أدلة القول الثاني إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني: ولأن الاستتابة قد تكون سببًا في استجابته وإنقاذه من النار، وهو أمر مطلوب شرعًا. الدليل الثالث: ولأن القول بالاستحباب فيه مراعاة لخلاف القائلين بوجوب الاستتابة، وهو أمر محل اهتمام الفقهاء في المسائل الخلافية خاصة إذا كان الخلاف في الدماء. أن القول بوجوب الاستتابة يوجب عصمة دمه قبلها، وهو غير مضمون الدم لو قتل قبل استتابته (٣).

стр. 884

* دليل من قال: الاستتابة واجبة: الدليل الأول: (ح-٣٣٧) ما رواه الطبراني من طريق الفزاري، عن مكحول، عن ابن أبي طلحة اليعمري، عن أبي ثعلبة الخشني، عن معاذ بن جبل، أن رسول الله ﷺ -قال له حين بعثه إلى اليمن: «أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن تاب فاقبل منه، وإن لم يتب فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن تابت فاقبل منها، وإن أبت فاستتبها (١). [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل الثاني: (ح-٣٣٨) ما رواه الدارقطني من طريق نجيح بن إبراهيم الزهري، أخبرنا معمر بن بكار السعدي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي ﷺ -أن يعرض عليها الإسلام فإن رجعت، وإلا قتلت (٣).

стр. 885

[ضعيف] (١).

стр. 886

الدليل الثالث: (ث-٩٠) ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه، أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري. فسأله عن الناس، فأخبره. ثم قال له عمر: هل كان فيكم من مُغَرِّبَةِ خبر؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر: أفلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب، ويراجع أمر الله؟ ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضرْ، ولم آمرْ، ولم أرضَ إذ بلغني (١). [ضعيف] (٢). وجه الاستدلال: أن عمر قد تبرأ من فعل أبي موسى، فدل على أن الاستتابة واجبة. * ونوقش: بأن رأي عمر لو صح معارض بقول غيره من الصحابة، فلا يكون قول الصحابي حجة مع الاختلاف بين الصحابة. الدليل الرابع: أن الاستتابة لإقامة الحجة عليه، ودفع ما يعرض له من شبهة. * الراجح: بالنظر إلى مجموع أدلة الفريقين يخرج منها الباحث أن الاستتابة مشروعة، فإن كانت لإقامة الحجة عليه، ودفع الشبهة فهي واجبة، وإن كانت من أجل الطمع في رجوعه وقد قامت عليه الحجة: إما لأن مثله لا يجهل، أو لغيرها من الأسباب فهي مستحبة. إن صح أن يقال إن مثل هذا التفصيل لا يعتبر قولًا جديدًا فهو قول تجتمع به أدلة الفريقين.

стр. 887

قال ابن تيمية: «ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم كمن جحد وجوب الصلاة، والزكاة، واستحل الخمر؛ والزنا، وتأول؛ فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له، واستتابته - كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر - ففي غير ذلك أولى وأحرى … » (١)، والله أعلم.

стр. 888

المبحث السادس في الأثر الفقهي المترتب على الاختلاف في حكم الاستتابة المدخل إلى المسألة * فرق بين الحكم على الفعل بأنه كفر، وبين الحكم على الفاعل بأنه كافر. * تارك الصلاة قبل قيام الحجة مسلم ظاهرًا وباطنًا، وبعد إقامة الحجة مسلم ظاهرًا فقط، فإن مات على هذه الحال لقي ربه كافرًا. * لا يحكم بردة تارك الصلاة إلا بعد أن يحكم به حاكم شرعي؛ لأن إهدار الدماء، وإباحة الأموال، والتفريق بين الزوجين، وغيرها من الأحكام ليست لآحاد المسلمين، ولا من سبيل المفتين؛ لأن الفتوى لا إلزام فيها. [م-١٣٢] عرفنا كلام أهل العلم في حكم الاستتابة، وأن القائلين بالاستتابة مختلفون في حكمها، أذلك على سبيل الوجوب أم الاستحباب. فمن قال باستحباب الاستتابة فهذا ظاهر أنه يحكم بكفره ولو لم يدع إلى فعل الصلاة، وتعرض عليه التوبة. وأما من قال: إن الاستتابة واجبة فاختلفوا، متى يحكم بقتله، أو كفره عند من يقول بكفره؟ فقيل: يكفر بمجرد الترك، وتزول عنه عصمة الدم، ولو لم يستتب من قبل الإمام أو نائبه، ولا قود على من قتله قبل الاستتابة، إلا أنه يعزر للتعدي على حق الإمام، وهو قول إسحاق، وابن المبارك وظاهر كلام الإمام أحمد، وبه قال العمراني والقفال من الشافعية (١).

стр. 889

وبه قال الحنفية وبعض المالكية في قتل المرتد إذا قتله أحد قبل استتابته لم يقتل به (١). ومذهب مالك أن دية المرتد إن قتل قبل الاستتابة كدية المجوسي، وهذا يعني: أنه لا قود بقتله (٢). * واستدل أصحاب هذا القول: الدليل الأول: (ح-٣٣٩) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير،

стр. 890

أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. ورواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر (١). وجه الاستدلال: الحديث حكم بكفر تارك الصلاة بمجرد الترك، من غير فرق بين من دُعِيَ إلى فعلها، أو لم يُدْعَ، ولو كان الرجل لا يكفر حتى يدعى إلى فعلها، لكان لفظ الحديث (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة إذا دعي إليها ولم يُصَلِّ). الدليل الثاني: لا يشترط لإقامة الحجة على من أتى محرمًا أو مكفرًا أن تكون الحجة من الإمام أو نائبه، فكل من له علم بأدلة الشرع، له أن يقيم الحجة على من فعل محرمًا أو ارتكب مكفرًا، فإذا أقيمت عليه الحجة كفر. وإذا كان تارك الصلاة في مجتمع قد انتشر به العلم بأن ترك الصلاة كفر، كَفَر

стр. 891

بمجرد الترك، وإنما وظيفة الإمام إقامة الحدود، واستتابة من حكم الشرع بقتله كالمرتد في بلاد الإسلام. والحكم بكفر تارك الصلاة شيء، وتطبيق الحدود عليه شيء آخر، فليس عرض التوبة عليه شرطًا للحكم بكفره، وإنما تعرض عليه التوبة طمعًا في نجاته (١). الدليل الثالث: (ث-٩١) ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه، أنه قال: قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى الأشعري. فسأله عن الناس، فأخبره. ثم قال له عمر: هل كان فيكم من مُغَرِّبَةِ خبر؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر: أفلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب، ويراجع أمر الله؟ ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضرْ، ولم آمرْ، ولم أرضَ إذ بلغني (٢). [ضعيف] (٣). (ث-٩٢) وروى عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن داود، عن الشعبي، عن أنس ﵁، قال: بعثني أبو موسى بفتح تستر إلى عمر ﵁، فسألني عمر، وكان ستة نفر من بني بكر بن وائل قد ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين، فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال: فأخذت في حديث آخر لأشغله عنهم، فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قلت: يا أمير المؤمنين قوم ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين ما سبيلهم إلا القتل. فقال عمر: لأن أكون أخذتهم سلمًا أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء أو بيضاء، قال: قلت: يا أمير المؤمنين وما كنت صانعًا بهم

стр. 892

لو أخذتهم؟ قال: كنت عارضًا عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه فإن فعلوا ذلك قبلت منهم، وإلا استودعتهم السجن (١). [صحيح]. فلو كان عرض التوبة عليهم شرطًا للحكم بكفرهم، لدفع بيت المال دية من قتل قبل استتابته، وإنما كان عرض التوبة عليهم طمعًا في نجاتهم، وإن كانوا قد تلبسوا بالكفر قبل الاستتابة، وهو تصرف تحكمه السياسه الشرعية. القول الثاني: لا يقتل ولا يحكم بكفره إلا بشروط، منها أن يدعوه إمام أو نائبه إلى فعلها، وهذا مذهب المالكية والحنابلة، زاد المالكية: وينوب عن الإمام جماعة المسلمين إذا كانوا في سفر (٢). فصارت الاستتابة شرطًا للقتل والكفر عند من يكفره. جاء في الإنصاف: «الداعي له هو الإمام أو نائبه، فلو ترك صلوات كثيرة قبل الدعاء لم يجب قتله، ولا يكفر على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم … » (٣). * وحجة هذا القول: لا بد من إقامة الحجة عليه قبل قتله، فقد يتركها لعذر أو لما يظنه عذرًا يعتقد سقوطها عنه به، فَيُبَيَّن له ذلك، وقد يكون له شبهة فيما فعل، فلا يكفر المعين حتى يدعوه الإمام أو نائبه القاضي إلى الفعل، ويبين له خطورة فعله، وتعرض عليه التوبة. * ويناقش: بأن مسألة كفر تارك الصلاة والحكم بكفره قضيتان، وليست قضية واحدة، فكفره الذي يوافي به العبد ربه يكفي فيه أن يقيم أحد الحجة عليه.

стр. 893

وأما الحكم بكفره، من جهة ترتب أثار ذلك عليه، من وجوب قتله، وتنزيل أحكام المرتد عليه، وقطع التوارث، فهذا يحتاج إلى حاكم يقضي به، وليس لآحاد الناس؛ لأن الأحكام المترتبة عليه شأنها عظيم يتعلق بالدماء والأموال والأعراض. * والراجح: أن ترك الصلاة كفر، ولا يتوقف هذا على دعوة حاكم أو نائبه. كما قال ﷺ -في حديث زيد بن خالد الجهني المتفق عليه: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب (١). فقوله: أصبح مؤمنًا وأصبح كافرًا: أنه يكفر، ولم يعلق كفره على دعوة إمام أو نائبه، ولا على استتابة أو غيرها. ولكن هذا القول إنما هو حكم على الفعل، لا على الفاعل، وهناك فرق بين حكمنا على الفعل بأنه كفر، وبين حكمنا على الفاعل بأنه كافر. فترك الصلاة من حيث هو فعل كفر، فيصح أن يقال: ترك الصلاة كفر. وأما تطبيق أحكام الردة على فاعل معين، من وجوب قتله، وتطليق زوجه، وغيرها من الأحكام، فهذا يحتاج إلى تفصيل: فإن كان ذلك قبل أن تقام الحجة على تارك الصلاة فهو مسلم ظاهرًا وباطنًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. فإذا قامت عليه الحجة، سواء أكان عن طريق عالم يكشف له جرمه. أم كان المجتمع إسلاميًّا، يختار علماؤه تكفير تارك الصلاة، واستفاض هذا العلم بين الناس حتى لا يتصور الجهل بمثل هذا الحكم. فإذا قامت عليه الحجة، أيكفر ظاهرًا وباطنًا بمجرد إقامة الحجة، أم يكون مسلمًا في الظاهر، وكافرًا فيما بينه وبين ربه، فإن مات على حاله لقي ربه كافرًا، وإن عاش بين المسلمين عومل معاملة المسلم، وجرت عليه أحكام الإسلام الظاهرة،

стр. 894

من التوارث وعدم تطليق زوجه منه، ودفنه في مقابر المسلمين ونحو ذلك، كما يعامل المنافق في الدنيا حتى يحكم حاكم شرعي بردته؟ احتمالان: أقواهما عندي أنه مسلم ظاهرًا كافر في الباطن، وبه نعرف الجواب عن قول ابن قدامة: «لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة ترك تغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثته ميراثه، ولا منع هو ميراث مورثه، ولا فُرِّق بين زوجين لترك الصلاة من أحدهما؛ مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافرًا لثبتت هذه الأحكام كلها» (١). فهذا الإجماع العملي المانع منه والله أعلم أنه لم يحكم بكفره حاكم شرعي، وجريان أحكام الإسلام الظاهرة لا تمنع أن يكون كافرًا في الباطن، كالمنافق فإنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة، وإن كان يلقى ربه كافرًا. ولأن إهدار الدم، وإباحة المال، والتفريق بين الزوجين، والمنع من الدفن في مقابر المسلمين ليست لآحاد الناس. فمن ارتكب مكفرًا لم تجرِ عليه أحكام المرتد، حتى يحكم بذلك حاكم شرعي، يتحقق من توفر الشروط، وانتفاء الموانع، ويكون لحكمه صفة الإلزام. وبهذا نعرف لماذا كان الصحابة حين مات بعض المنافقين ممن لا يشكون في نفاقه وبعضهم نزل القرآن بنفاقه -كَابْنِ أُبَيٍّ وأمثاله- لما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، ولم يُمْنَعُوا ميراثهم (٢). فإذا قامت على تارك الصلاة الحجة، ودعاه حاكم أو نائبه إلى فعلها، والتوبة من تركها، فإن امتنع حكم بقتله، وكان حكم قتله إما لردته إن كان الحاكم يراه كافرًا، وإما لامتناعه إن كان يراه مسلمًا، ولا يحكم بالقتل إلا حاكم شرعي، هذا ما ظهر لي، والله أعلم.

стр. 895

المبحث السابع في عدد الصلوات التي إذا تركها حكم بكفره أو قتله المدخل إلى المسألة: * إذا كان ترك الصلاة كفرًا فإنه يصدق على القليل والكثير. * علق الشارع حكم الكفر على الترك، ولم يأت في الشريعة تقدير عدد معين لاعتبار كفره. * قال بعض الشافعية: لا يقتل حتى يترك من الصلوات قدرًا يظهر لنا به اعتياده على الترك وتهاونه بالصلاة، ولم يشترطوا العزم على الترك بالكلية. * ظهور الترك إن ترك تقديره للناس لم ينضبط، وإن كان التقدير للشرع احتاج إلى توقيف، ولا توقيف في عدد الصلوات التي يحكم بها بكفره. * قول بعض الحنابلة لا يكفر حتى يترك الصلاة بالكلية قول ضعيف جدًا، ويؤدي إلى تعطيل الحكم الشرعي. * لأن ترك الصلاة بالكلية، تارة يكون من ترك المحافظة عليها، وتارة يكون من تركها بالكلية، ولا يعرف إلا من جهة الفاعل. * لو صلى من رمضان إلى رمضان، أو صلى حتى في السنتين مرة واحدة صدق عليه أنه لم يترك الصلاة بالكلية، ومثل هذا لا يمكن تعليق الحكم عليه، ويؤدي إلى تعطيل الحكم الشرعي. * لو علق الحكم على العزم على الترك كفر بذلك ولو لم يتحقق الترك كما لو عزم على ذلك قبل دخول الوقت، وهو مخالف لظاهر الحديث حيث علق الحكم على الترك. * إذا كانت الأحكام لا تعلل إلا بعلة منضبطة، فالحدود من باب أولى لا تعلق إلا على شرط منضبط يتبين فيه متى تبقى العصمة ومتى ترتفع. * تكفير تارك الصلاة إما أن يعلق على الترك، وهو مطلق، أو يعلق على الامتناع عن فعل الصلاة، فمتى دعي فامتنع تبين لنا عزمه على الترك، وكلاهما منضبط.

стр. 896

[م-١٣٣] اختلف العلماء في عدد الصلوات التي إذا تركها حكم بكفره أو قتله: فقيل: يقتل بترك صلاة واحدة، وهو مذهب المالكية، وظاهر مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها المجد، وقال في الفروع: وهي أظهر. وبه قال ابن المبارك وإسحاق بن راهويه، ونسب ابن حزم هذا القول إلى عمر، ومعاذ، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة ﵃ (١).

стр. 897

ونسب هذا القول إلى الجمهور: العراقي في طرح التثريب، والقرطبي في المفهم، والشنقيطي في أضواء البيان، قال الأخير: وهو ظاهر الأدلة (١). إلا أن المالكية وأكثر الشافعية، قالوا: إن كانت المتروكة هي الأولى من المجموعتين لم يجب قتله بترك الأولى، واستحسنه ابن قدامة من الحنابلة (٢). وقيل: يقتل إذا ترك صلاة، وضاق وقت الثانية عنها، مطلقًا، ولو لم تكن تجمع إلى ما قبلها. اختاره من الشافعية أبو إسحاق المروزي، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).

стр. 898

وقيل: لا يجب قتله حتى يترك ثلاثًا، ويضيق وقت الرابعة، وهو وجه في مذهب الشافعية، اختاره الإصطخري، وهو رواية عن أحمد (١). وقيل: لا تخصيص للقتل بعدد، ولكن إذا ترك من الصلوات قدرًا يظهر لنا به اعتياده على الترك وتهاونه بالصلاة قتل، وهذا قول في مذهب الشافعية (٢). وقيل: لا يقتل حتى يترك الصلاة بالكلية، اختاره ابن تيمية (٣). والقولان الأخيران لا ضابط لهما، فالأول يختلف الناس في تقدير العدد، والثاني يصعب الوقوف عليه؛ إلا أن يصرح به كأن يقول: لن أصلي؛ أو يدعوه حاكم فيمتنع، وما يدرينا أن تركه للصلاة كان من قبيل ترك المحافظة عليها أو كان من قبيل تركها بالكلية، فهذا لا يعرف إلا من جهة الفاعل. * دليل من قال: يقتل بترك صلاة واحدة مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٣٤٠) ما رواه أحمد من طريق إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، عن معاذ قال: أوصاني رسول الله ﷺ -بعشر كلمات قال: «لا تشرك بالله شيئًا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك، وإن أمراك أن تخرج من أهلك

стр. 899

ومالك، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدًا؛ فإن من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله .... (١). وجه الاستدلال: أفاد الحديث أن الرجل يخرج من ذمة الله بترك صلاة واحدة، ولو كان مسلمًا لكانت له ذمة الإسلام. * وأجيب بجوابين: الأول: أن الحديث إسناده منقطع، الحضرمي لم يسمع من معاذ ﵁، وله شواهد، إلا أنها كلها ضعيفة (٢).

стр. 900

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 901

الثاني: على فرض تحسينه بالمجموع فإن الحديث رواه أبو إدريس الخولاني، وحريث بن عمرو بلفظ: (من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله)، ولم يقيد ذلك بصلاة واحدة، وقل مثل هذا الاختلاف في شواهد الحديث، وقد تم دراستها ضمن التخريج. الدليل الثاني: (ح-٣٤١) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بصلاة العصر، فإن النبي ﷺ -قال: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله (١). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله، ولو لم يكن تركها كفرًا لم يحبط بتركها العمل؛ لأن عقيدة السلف أن المعاصي لا تبطل الأعمال. * وأجيب عن هذا: الجواب الأول: أن الحديث نص في ترك صلاة العصر، فحمل الحديث على أنه من ترك صلاة واحدة متعمدًا حتى يخرج وقتها فإنه يصير بذلك كافرًا مرتدًّا يسقط فائدة تخصيص العصر بالذكر، خاصة أن العصر أفضل من غيرها (٢). * ورد هذا: قال ابن عبد البر: «ويحتمل أن يلحق بالعصر باقي الصلوات، ويكون نبه بالعصر على غيرها، وإنما خصها بالذكر؛ لأنها تأتي وقت تعب الناس من مقاساة

стр. 902

أعمالهم، وحرصهم على قضاء أشغالهم، وتسويفهم بها إلى انقضاء وظائفهم. وتعقبه النووي، فقال: «وفيما قاله نظر؛ لأن الشرع ورد في العصر، ولم تتحقق العلة في هذا الحكم، فلا يلحق بها غيرها بالشك والتوهم، وإنما يلحق غير المنصوص بالمنصوص إذا عرفنا العلة، واشتركا فيها، والله أعلم» (١). الجواب الثاني: أن الإحباط على قسمين: حبط إسقاط: وهو إحباط الكفر للإيمان ولجميع الحسنات. وحبط موازنة، وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها، فإذا وضعت الحسنات في مقابل السيئات رجحت كفة السيئات على حسناته، كما قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. الجواب الثالث: قال ابن عبد البر: «معنى قوله في هذا الحديث (حبط عمله) أي حبط عمله فيها، فلم يحصل على أجر من صلاها في وقتها … لا أنه حبط عمله جملة في سائر الصلوات … » (٢). * وتعقب: بأن يستبعد أن يكون المعنى من ترك صلاة العصر فقد فاته أجرها، فهذا تحصيل حاصل. قال ابن رجب: «وهو من أضعف الأقوال؛ وليس في الإخبار به فائدة» (٣). الدليل الثالث: (ح-٣٤٢) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: بين الرجل

стр. 903

وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. ورواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر (١). وجه الاستدلال: إذا كان ترك الصلاة كفرًا فإنه يصدق على القليل والكثير، وهو مطلق، والمطلق جار على إطلاقه، لا يقيده إلا نص مثله أو إجماع. فمن قال: لا يكفر إلا إذا ترك عددًا معينًا من الصلوات فيحتاج المقادير إلى توقيف، ولم يأت في الشريعة تقدير عدد معين لاعتبار كفره، بل علق الحكم على مطلق الترك. ومن قال: لا يكفر حتى يترك الصلاة بالكلية لا ينضبط، فإنه لو صلى من رمضان إلى رمضان، أو صلى حتى في السنتين مرة صدق عليه أنه لم يترك الصلاة بالكلية، ومثل هذا لا يمكن تعليق الحكم عليه، فكما أن الأحكام لا تعلل إلا بعلة منضبطة، فكذلك الحدود من باب أولى يجب أن تعلق على شرط منضبط يتبين فيه متى تبقى العصمة ومتى ترتفع. فالتكفير إما أن يعلق على الترك، وهو مطلق، أو يعلق على الامتناع عن فعل الصلاة، ومتى دعي فامتنع تبين لنا عزمه على الترك، وكلاهما منضبط، بخلاف التعليق على ترك الصلاة بالكلية، فإنه لا يمكن ضبطه، ولا ترتب أحكام الكفر عليه، لهذا قال بعض الشافعية: إذا ترك من الصلوات قدرًا يظهر لنا به اعتياده على الترك وتهاونه بالصلاة قتل، ولم يشترطوا العزم على الترك بالكلية، وهذا وإن كان أقوى من تعليق الحكم على عزم القلب على الترك إلا أنه لا ينضبط، فظهوره للناس إن ترك لتقدير الناس لم ينضبط، وإن ترك التقدير للشرع احتاج إلى توقيف. * دليل من قال: يقتل بترك صلاة واحدة إلا أن تجمع الثانية إلى ما قبلها: قالوا: إن الصلاتين المجموعتين وقت إحداهما وقت للأخرى، ولا يعتبر صلاة أحدهما في وقت الأخرى قضاء.

стр. 904

فالمالكية اشترطوا أن يضيق الوقت عن خمس ركعات في الظهرين، وعن أربع ركعات في العشاءين: وجه اشتراط ذلك: أن الظهر تشارك العصر في الوقت؛ لأنها تجمع إليها، وحقيقة الجمع: أن تقع الصلاتان في وقت العصر، ولا يمكن أن تقع الصلاتان في وقت العصر إلا إذا فرغت من الأولى، وأدركت ركعة من الثانية قبل خروج وقتها وإنما اشترطوا إدراك ركعة من الأخرى لقوله ﷺ : من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر. وفي العشاءين لا بد أن يضيق الوقت عن إدراك أربع ركعات: ثلاث للمغرب وركعة للعشاء. وأما غيرهم فاشترطوا أن يخرج وقت الثانية ليتحقق أنه تركها. * ونوقش هذا: الأصل أن لكل صلاة وقتها الخاص، وجواز الجمع في السفر رخصة، له أسبابه، بعضها متفق عليها، وبعضها مختلف فيها، ولو كان وقت الصلاة المجموعتين وقتًا واحدًا لجاز الجمع بلا سبب، وهو ممنوع بالإجماع، فكيف يعتبر وقتًا واحدًا مطلقًا مع شخص يتعمد ترك الصلاة، والمالكية وهم من اعتمدوا هذا القول لا يجوزن الجمع في الحضر بين الظهرين، فكيف عمموا هذا الحكم. * دليل من قال: لا يقتل حتى يضيق وقت الثانية عنها مطلقًا ولو لم تجمع: قالوا: لأنه لا يجب قتله بترك الصلاة الأولى قبل خروج وقتها؛ لإمكان فعلها فيه، فإذا خرج وقتها صارت فائتة، والفائتة لا يقتل بها؛ لأن وقت القضاء عند بعض العلماء وقت موسع، أي ليس القضاء على الفور، بل على التراخي؛ لأنها في ذمته، فإذا ضاق وقت الثانية عن فعلها علم أنه قد عزم على ترك الصلاة. * ويناقش: إذا راعيتم خلاف العلماء في وجوب الفورية في القضاء لماذا لم تراعوا خلاف العلماء في كفر تارك الصلاة؟ فإن مراعاة الخلاف في الدماء أكثر احتياطًا من مراعاتهم فيما دون ذلك، وسوف يأتينا بحث وجوب الفورية في القضاء في

стр. 905

مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى. وفرق بين فائتة تركها لعذر من نوم أو نسيان، وبين ترك الصلاة متعمدًا بلا عذر. * دليل من قال: لا يقتل حتى يضيق وقت الرابعة: علل بعض الشافعية الحكم بذلك بأن الثلاث أقل الجمع فاغتفرت، فإذا ضاق وقت الرابعة قتل (١). * دليل من قال: يقتل إذا اعتاد الترك دون تقدير ذلك بعدد معين: الدليل الأول: (ح-٣٤٣) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. ورواه مسلم من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر (٢). (ح-٣٤٤) ومثله: ما رواه أحمد، قال: حدثنا علي بن الحسن يعني ابن شقيق، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ -يقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر (٣). [تفرد به حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة، وفي روايته عنه شيء] (٤). وجه الاستدلال: أن من صلى البعض وترك البعض فليس بتارك للصلاة، وإنما هو غير محافظٍ عليها، والكفر إنما هو في حق من ترك الصلاة، ولا يتحقق ذلك إلا إذا ظهر للناس أن هذا الرجل قد اعتاد على تركها، فيصدق عليه أنه ترك الصلاة. * ونوقش هذا: القول بأنه لا يقتل حتى يظهر للناس أن هذا الرجل قد اعتاد على تركها، وترك

стр. 906

تقدير ذلك للناس لا ينضبط، وإن كان التقدير للشرع احتاج إلى توقيف، ولا توقيف في عدد الصلوات التي يحكم بها أنه قد اعتاد على تركها. الدليل الثاني: (ث-٩٣) ما رواه أبو داود في الزهد من طريق أبي معاوية، قال: أخبرنا الأعمش، عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب، قال: كان لي أخ أكبر مني يقال له: أبو عزرة، وكان يكثر ذكر سلمان، فكنت مما كنت أسمع من كثرة ذكره إياه أحببته، وكان سلمان إذا جاء مكة نزل القادسية، فقال لي أخي: هل لك في سلمان؟ قلت: نعم، فانطلقنا فدخلنا عليه بالقادسية في خص فإذا علج تزدريه العين حين تراه، فإذا إزاره بين فخذيه، فدخلنا عليه فإذا هو يخيط زنبيلًا أو يدبغ إهابًا، وإذا علجة تختلف عليه العاطية. فقال له أخي: ما هذه العلجة؟ قال: هذه أصبتها من المغنم أمس، وقد أردتها على أن تصلي خمس صلوات فأبت، فأردتها على أن تصلي أربعًا فأبت، فأردتها على أن تصلي ثلاثًا فأبت، فأردتها على أن تصلي ثنتين فأبت، وأريدها على أن تصلي واحدة، فهي تأبى. قال: فعجبت إذًا، فقلت: ما تغني عنها صلاة واحدة، إذا تركت سائرها؟ قال: يا ابن أخي إن مثل هذه الصلوات الخمس كمثل سهام الغنيمة، فمن ضرب بخمس أفضل ممن يضرب فيها بأربع، ومن يضرب فيها بأربع أفضل ممن يضرب فيها بثلاث، ومن يضرب فيها بثنتين أفضل ممن يضرب فيها بواحدة، ومن يضرب فيها بواحدة أفضل ممن لا يضرب فيها بشيء، وإنها إذا رغبت في صلاة واحدة رغبت فيهن كلهن ..... الحديث (١). ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش، وفيه: وما جعل الله من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له (٢). [صحيح] (٣).

стр. 907

وجه الاستدلال: التفريق بين من ترك كل الصلوات، ومن صلى بعضها، فليس من له سهم في الإسلام كمن لا سهم له.

стр. 908

* ونوقش هذا: بأن هذا اجتهاد من الصحابي سلمان ﵁. الدليل الثالث: (ح-٣٤٥) ما رواه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن حبان، عن عبد الله بن محيريز الجمحي، عن المخدجي، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ ، من فيه إلى في، لا أقول حدثني فلان ولا فلان: خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن لقيه بهن لم يضيع منهن شيئًا لقيه، وله عنده عهد يدخله به الجنة، ومن لقيه وقد انتقص منهن شيئًا استخفافًا بحقهن لقيه، ولا عهد له، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. [حسن بمجموع طرقه، وسبق تخريجه] (١). وجه الاستدلال: أن من انتقص من صلاته فليس بكافر، وهو يشمل من انتقص من حقوقها الواجبة والتي لا تبطل بتركها، ومن انتقص منها بأن ترك بعضها، وصلى بعضها، أو صلاها بعد خروج وقتها، بخلاف من ترك الصلاة بالكلية، فهو المتوعد بالكفر، ولا يدخل في الحديث تضييع بعض الحقوق المستحبة؛ لأن الحقوق المستحبة لا يتوعد على تركها، ولا الحقوق التي تبطل الصلاة بفعلها؛ لأن ذلك يجعل المصلي وكأنه لم يُصَلِّ، فحمل على الحقوق الواجبة والتي لا تبطل الصلاة بتضييعها، وحمل أيضًا على ترك بعضها، أو إخراجها عن وقتها. قال المروزي: «قوله: (لم يأتِ بهن) إنما يقع معناه، على أنه لم يأتِ بهن على الكمال، إنما أتى بهن ناقصاتٍ من حقوقهن، نقصانًا لا يبطلهن … ثم ذكر الروايات المفسرة … » (٢). وأدخل فيه ابن تيمية أيضًا من ترك بعض الصلوات دون بعض. قال ابن تيمية: «فأما من كان مصرًّا على تركها لا يصلي قط، و يموت على هذا

стр. 909

الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة، و يتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، و هؤلاء تحت الوعيد، و هم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن، حديث عبادة بن الصامت أنه قال: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له .... )، فالمحافظ عليها الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى، و الذي يؤخرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى» (١). والله أعلم. * ويناقش: بأنهم حملوا الانتقاص على ثلاثة أمور: أحدها: الانتقاص من الحقوق الواجبة التي لا تبطل الصلاة بتركها، فإن قصدوا بالواجب الواجب للصلاة فمسلَّم. وإن قصدوا بالواجب أي الواجب فيها، فيعترض عليه بأن الفقهاء مختلفون في وجود الواجب فيها، وعلى القول بوجوده فالحنابلة القائلون بالتكفير يرون بطلان الصلاة بتعمد ترك الواجب فيها، فلا يصح التأويل على مذهب الحنابلة، فتأمل ذلك. الثاني: الانتقاص بمعنى تأخير الصلاة عن وقتها، فالأئمة الأربعة على وجوب القضاء، وهو الراجح، وأنه لا يكفر بذلك. وخالف في ذلك بعض علماء السلف، ومنهم ابن تيمية، وسوف يأتينا الخلاف عند الكلام على شروط الوقت. الثالث: الانتقاص بترك بعض الصلوات، وهذا يصدق عليه أنه انتقص منها، فكما يكون الانتقاص في الصفات، يكون في العدد. * الراجح: لا نقصد بترك الصلاة تأخيرها عن وقتها، فإن هذا لا يصدق عليه أنه قد تركها،

стр. 910

وإنما ترك المحافظة على شرطها، وهو أداؤها في الوقت، فالأئمة الذين قالوا بقتله أو بكفره، لا يقولون بذلك إذا أخرها عن وقتها، وإنما يختلفون فيما بينهم في وجوب القضاء عليه: فقيل: يجب القضاء، وهو قول الأئمة الأربعة. وقيل: لا يقضي، وهو قول الحسن البصري، واختاره ابن تيمية، والصحيح الأول، وسيأتي بحثها إن شاء الله تعالى. إذا عرفت ذلك فالأدلة القاضية بكفر تارك الصلاة مطلقة، لم تحدَّ ذلك بترك عدد معين من الصلوات، وهو قول الجمهور، ومن اشترط أن يضيق وقت الثانية عن فعلها إنما هو من أجل تحقق العزم على تركها، وأنه لم يقصد بذلك تأخيرها عن وقتها، ومثله من اشترط أن تكون الصلاة المتروكة لا تجمع مع الصلاة التي بعدها باعتبار أن الصلاتين المجموعتين وقتهما واحد، فإذا ترك الصلاة الأولى لا يصدق عليه أنه تركها؛ لقيام وقتها، وشيخ الإسلام جعل من يترك الصلاة أحيانًا ويفعلها أحيانًا بمنزلة المنافق، فهو يجعله مسلمًا في الظاهر، وكافرًا في الباطن. قال ابن تيمية: «فإن كثيرًا من الناس؛ بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركوها بالجملة، بل يصلون أحيانًا ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام؛ فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض - كابن أبي وأمثاله من المنافقين - فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى. وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة: فإن كثيرًا من الفقهاء يظن أن من قيل: هو كافر فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث، ولا يورث، ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك؛ فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات

стр. 911

ودلالات بل من لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه - كابن أبي وأمثاله - ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته .... » (١). والله أعلم. ظاهر كلام شيخ الإسلام أن من يترك الصلاة أحيانًا بمنزلة المنافق، فيحكم بإسلامه في الظاهر، وإن كان في الباطن كافرًا، ولا يحكم بكفره على قول شيخ الإسلام حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته. وما هي السنة الشرعية التي توجب العقوبة إلا أن يريد بذلك أن يحكم قاضٍ بردته بعد أن يسأل لما تركها؟ فإن كان له شبهة رفعها، وإن لم يكن له شبهة دعاه إلى فعلها، فإن امتنع حكم بردته، وحينئذٍ تنزل عليهم أحكام الردة؛ لأن مثل هذه الأحكام ليست لآحاد الناس، والله أعلم (٢). ولابن تيمية ﵀ كلام صريح أن تارك الصلاة له حكمان، ظاهر، وهو الإسلام، وباطن وهو الكفر، كالمنافق. يقول في شرح العمدة: «فأمَّا إذا لم يُدْعَ -يعني تارك الصلاة- ولم يمتنع، فهذا لا يجري عليه شيء من أحكام المرتدِّين في شيء من الأشياء، ولهذا لم يُعلم أنَّ أحدًا من تاركي الصلاة تُرِك غسلُه والصلاةُ عليه ودفنُه مع المسلمين، ولا مُنِع ورثتُه ميراثَه، ولا أُهدِر دمُه بسبب ذلك، مع كثرة تاركي الصلاة في كلِّ عصر، والأمة لا تجتمع على ضلالة. وقد حمل بعض أصحابنا أحاديث الرجاء على هذا الضرب. فإن قيل: فالأدلَّة الدالَّة على التكفير عامَّة عمومًا مقصودًا، وإن حملتموها على هذه الصورة -كما قد قيل- قلَّت فائدتُها، وزال مقصودها الأعظم؛ وليس في

стр. 912

شيء منها هذه القيود. قلنا: الكفر على قسمين: قسم تُبنى عليه أحكام الدنيا من تحريم المناكح والذبائح، ومنع التوارث والعقل، وحلِّ الدم والمال وغير ذلك، فهذا إنما يثبت إذا ظهر لنا كفره، إما بقول يوجب الكفر، أو عملٍ مثل السجود للصنم وإلى غير القبلة، والامتناع عن الصلاة، وشبه ذلك. فهذا النوع لا نرتِّبه على تارك الصلاة حتى نتحقَّق امتناعه الذي هو الترك، لجواز أن يكون قد نوى القضاء فيما بعد -يقصد: أنه أخرها ولم يتركها- أو له عذر وشبه ذلك. والثاني: ما يتعلق بأحكام الآخرة، من الانحياز عن أمة محمد، واللَّحاق بأهل الكفر، ونحو ذلك فهذا قد يجري على كثير ممن يدعي الإسلام. وهم المنافقون الذين أمرُهم بالكتاب والسنة معلوم، فمن لم يصلِّ، ولم ينو أن يصلِّي قطُّ (١)، ومات على ذلك من غير توبة فهذا تارك الصلاة، مندرجٌ في عموم الأحاديث؛ وإن لم يظهر في الدنيا حكمُ كفره. ومن قال من أصحابنا: لا يُحكَم بكفره إلا بعد الدعاء والامتناع، فينبغي أن يُحمَل قولُه على الكفر الظاهر. فأما كفر المنافقين فلا يجوز أن يُشترَط له ذلك، فإنَّ أحمد وسائر أصحابنا لم يشترطوا لحقيقة الكفر هذا الشرط» (٢). فواضح أن ابن تيمية ﵀ يرى أن تارك الصلاة كافر ظاهرًا وباطنًا، وهذا في حق من دعي وامتنع عن الصلاة: وكافر باطنًا، ومسلم ظاهرًا قبل ذلك، بحيث يعامل معاملة المنافقين، فيعطى أحكام الإسلام، والله أعلم.

стр. 913

وإذا كان من يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا يكفر في الباطن فإنه يكفر بترك صلاة واحدة؛ لأن تقييده بعدد معين يحتاج إلى توقيف، والحكم بكفره لا يعني ترتب أحكام الكفر عليه، فهو مسلم ظاهرًا حتى يقضي بكفره حاكم شرعي، بأن يقف على سبب تركه للصلاة، فلا يكون له عذر، ويدعوه إلى فعلها فيمتنع، فهنا يحكم القاضي بكفره، وقبل ذلك يعامل معاملة المنافق، والله أعلم.

стр. 914

الباب الثاني شروط الصلاة الشرط الأول من شروط الصلاة الإسلام [م-١٣٤] لا يطالب بالصلاة من لم يقرَّ بالشهادتين، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]. (ح-٣٤٦) وروى مسلم من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ ، قال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يوم وليلة (٢). وجه الاستدلال: أن التكليف بالصلاة مشروط بالإقرار بالشهادتين؛ لأن الصلاة لا تصح إلا من المسلم، ولا يكون الرجل مسلمًا حتى يقرَّ بهما، فكان هذا دليلًا على أن من لم يقرَّ بالشهادتين لا يطلب منه أداء الصلاة، ولا غيرها من العبادات.

стр. 915

المبحث الأول في وجوب الصلاة على الكافر المدخل إلى المسألة: * لا تصح الصلاة من الكافر حال كفره، ولا يطالب بقضائها إذا أسلم. * الكافر مكلف بالإيمان، ومعاقب على تركه، وهذا بالاتفاق. * الإسلام شرط لصحة العبادة بالاتفاق، وهل هو شرط لوجوبها؟ فيه خلاف. * الحكم بصحة أنكحتهم، وإرثهم، وملكهم، وبيعهم، وشرائهم إذا وافق المشروع ثابت في حق الكفار؛ لأنه من خطاب الوضع، وليس من خطاب التكليف. * إذا صح تكليف الكافر بالركن الأول من أركان الإسلام صح تكليفه ببقية الأركان نصًّا أو قياسًا. * جنايات الكافر سبب في الضمان، وهذا ثابت في حقه بالإجماع، وهو من خطاب الوضع، وليس من خطاب التكليف؛ لثبوت ذلك في حق الصبي والمجنون. [م-١٣٥] لا تصح الصلاة من الكافر حال كفره بالاتفاق (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. دلت الآية على أن الله خص افتراض الصلاة على المؤمنين؛ لأن قوله سبحانه: (كتابًا): أي مكتوبًا، والمكتوب بمعنى المفروض حيث لم يذكر
следующие страницы →