المبحث الثاني في الأعذار الخاصة المبيحة للتخلف عن الجماعة
الفرع الأول التخلف بعذر المرض
المدخل إلى المسألة:
• الجماعة تسقط بالعذر، سواء أقلنا: الجماعة فرض عين، أم كفاية، أم سنة.
• قال الماوردي: كل ما كان عذرًا في التأخير عن الجماعة كان عذرًا في التأخير عن الجمعة.
• المرض المبيح للتخلف عن الجماعة، قال النووي: ضبطوه بأن تلحقه مشقة كمشقة المشي في المطر، فاعتمد على ضبط المشقة بتقريب مشقة وصول المريض إلى محل الصلاة بمشقة المشي بالمطر.
• قال ابن بطال: إذا وسع التخلف عن الجماعة للظلمة والمطر، فالتخلف لعذر المرض مثله.
• إذا شق على المريض الإتيان إلى الجماعة ماشيًا لا راكبًا، لزمه الركوب على القول بوجوب الجماعة.
[م-٩٩٧] لا يمكن حصر الأعذار الخاصة؛ فإن أسباب التخلف عن الجماعة ليست معدودة، وإنما هي محدودة، والمدار على المشقة، وسوف أعرض بعض الأعذار الخاصة المتفق عليها، ثم أنتقل إلى بعض الأعذار المختلف فيها، وما لم يذكر يقاس على ما ذكر، والمدار على وجود المشقة، فإذا تيقن المشقة، أو غلب على ظنه وجودها أبيحت له الرخصة، وأما إذا لم توجد المشقة، أو ترجح له عدم
стр. 8507
وجودها، أو شك فلا يباح له الترخص على القول بوجوب الجماعة، فمن الأعذار الخاصة المتفق عليها: عذر المرض (١).
ويلحق بالمرض: الخوف من حدوثه، نص على ذلك الحنابلة، أو الخوف من تأخر برئه (٢).
لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩].
وقال النبي ﷺ في مرضه: مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس … الحديث (٣).
(ح-٢٩٨٩) وروى البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته، وهو شاك، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم: أن اجلسوا .... الحديث، واللفظ للبخاري (٤).
стр. 8508
وحكى ابن حزم الإجماع على أن المرض عذر (١).
وجاء في المغني: «قال ابن المنذر: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم، أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض»
فإن كان مرض يسير، لا يشق معه شهود الجماعة، كصداع يسير، وحمى خفيفة، فليس بعذر.
قال النووي: «ضبطوه بأن تلحقه مشقة كمشقة المشي في المطر» (٢).
وإن تحامل المريض على نفسه، فحضر الجماعة فهو أفضل ما لم يلحقه ضرر.
(ح-٢٩٩٠) فقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة قالت: أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه، فكان يصلي بهم. قال عروة: فوجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فخرج فإذا أبو بكر يؤم الناس، فلما رآه أبو بكر استأخر، فأشار إليه: أن كما أنت. فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر (٣).
(ح-٢٩٩١) وروى مسلم من طريق الفضل بن دكين عن أبي العميس، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص،
عن عبد الله؛ قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن … وفيه: ولقد رأيتنا، وما يتخلف عنها إلا منافق، معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (٤).
стр. 8509
الفرع الثاني التخلف عن الجماعة لمصلحة الصلاة
المطلب الأول سقوط الجماعة لحضرة طعام يحتاجه
المدخل إلى المسألة:
• النفي في قوله ﷺ : لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان، بمعنى النهي، أي لا تصلوا بحضرة طعام، فالتخلف عن الجماعة لا يقال: مباح، بل مستحب، وتقديم الصلاة على الطعام مع الحاجة إليه مكروه.
• قال أبو الدرداء: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته، وقلبه فارغ. اه فالحاجة: أعم من أن تكون طعامًا، بل كل حاجة إذا لم يقضها شغله التفكير فيها، وهو يصلي، فالمشروع الفراغ منها قبل الصلاة، إلا أن يخشى خروج الوقت.
• العلة في النهي هو تفريغ قلب المصلي من كل ما يشغله، أو يذهب بكمال خشوعه قبل الصلاة، وذلك قرينة صارفة للنهي من التحريم إلى الكراهة.
• كل ما ينقص خشوع الصلاة أو يشق على المصلي فهو عذر يسقط الجماعة، والأول مقيس على التخلف لحضور الطعام، والثاني مقيس على التخلف بسبب بلة المطر.
• ترك الجماعة لحضور الطعام فيه دليل على تيسير الشريعة، ومراعاتها لحاجة الإنسان من جهة، وأهمية الخشوع ومنزلته من الصلاة.
• ينبغي تقديم الفضيلة المتعلقة بذات العبادة على ما يتعلق بمكانها، أو أول وقتها.
• تكره الصلاة مع ذهاب كمال الخشوع، وهل تحرم مع ذهابه بالكلية، فيه خلاف، والأئمة الأربعة على استحباب خشوع القلب، وحكي إجماعًا، ولو صلى صحت صلاته على القولين كما لو فوَّت الخشوع بالاسترسال في الوسوسة.
• لو كان الخشوع واجبًا لكان تركه عمدًا يبطل الصلاة، وسهوًا يوجب سجود السهو.
стр. 8510
[م-٩٩٨] إذا حضر الطعام، وكانت نفسه تتوق إليه، استحب له تقديم الطعام، ولو فاتته الجماعة، وهو مذهب الحنفية، وبعض المالكية، والمذهب عند الشافعية، والأصح في مذهب الحنابلة، على خلاف بينهم في حكم تقديم الصلاة في مثل هذه الحال:
فقيل: يكره تقديم الصلاة، مع سعة الوقت، فإن ضاق الوقت وجب تقديم الصلاة، وهو مذهب الجمهور في الجملة (١).
وقيل: يقدم الطعام، ولو خرج الوقت، وهو وجه ضعيف للشافعية حكاه المتولي وغيره، بل قال ابن حزم: لو صلى لا تجزئ، وفرض عليه أن يبدأ بالأكل (٢).
وقد روى المروذي أن أحمد احتجم بالعسكر، فما فرغ إلا والنجوم قد بدت، فبدأ بالعشاء قبل الصلاة، فما فرغ دخل حتى وقت العشاء، فتوضأ، وصلى المغرب والعشاء (٣).
فأجاز تأخير الصلاة إلى وقت الثانية لأجل العَشاء.
وقيل: يبدأ بالصلاة إلا أن يخاف على الطعام الفساد لو أخره، وبه قال وكيع (٤).
وقال ابن المنذر، عن مالك: يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون طعامًا خفيفًا كشربة السويق (٥).
стр. 8511
وقال الشافعي: إن لم تكن نفسه شديدة التوقان، فإن إتيان الصلاة أحب إلي، وذكر ابن حبيب من المالكية مثل معناه (١).
وقال ابن رجب: «لا بد أن يكون له ميل إلى الطعام، ولو كان ميلًا يسيرًا، صرح بذلك أصحابنا وغيرهم» (٢).
وعن الإمام أحمد ثلاث روايات أخرى:
الأولى: إن كان قد أكل بعض طعامه، فأقيمت الصلاة، فإنه يتم أكله، وإن كان لم يأكل شيئًا فأحب أن يصلي، وهي رواية حرب عنه (٣).
الثانية: عكسه: إذا حضر الطعام، ولم يصب منه شيئًا فلا يقوم إلى الصلاة، وإن تناول منه شيئًا فلا يتمادى في الأكل؛ لأنه قد أخذ منه ما يمنعه من شغل البال، وهي رواية عبد الله وابن هانئ وابن حامد عنه (٤).
стр. 8512
الثالثة: خص أحمد تقديم الطعام على الصلاة في حال المجاعة.
قال أبو الحارث: سئل أحمد عن العشاء إذا وضع، وأقيمت الصلاة، قال: قد جاءت أحاديث، وكان القوم في مجاعة، فأما اليوم فلو قام رجوت (١).
قال ابن رجب: «وفي هذه الرواية تدل على أن تقديم الأكل على الصلاة مختص بحال مجاعة الناس عمومًا، وشدة توقانهم بأجمعهم إلى الطعام، وفي هذا نظر» (٢).
وهل هذا الحكم عام في جميع الصلوات، أو خاص بصلاة معينة؟
فقيل: عام في جميع الصلوات، وهو قول الجمهور.
وقيل: خاص بصلاة المغرب، وللصائم فقط، اختار هذا الطحاوي وأبو العباس القرطبي، وابن دقيق العيد، وهو ظاهر كلام الخطابي (٣).
قال في الإحكام: «لا ينبغي حمل الألف واللام في (الصلاة) على الاستغراق، ولا على تعريف الماهية. بل ينبغي أن تحمل على المغرب .... وقد أوضحته تلك الرواية التي ذكرناها. وهي قوله: (وأحدكم صائم)» (٤).
واختلف القول بتقديم الطعام، هل يتناول منه لقيمات يسد جوعه، أو يأكل حتى يفرغ منه؟
فقال ابن المنذر، عن مالك: يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون طعامًا خفيفًا كشربة السويق (٥).
وقيل: يأكل ما يسكن نفسه فقط، وهو رواية عن أحمد (٦).
стр. 8513
وقال الرافعي: «قال الأئمة: وليس المراد منه أن يستوفي ما يشبع، لكن يأكل لقمًا يكسر سورة جوعه، ويؤخر الباقي إلا أن يكون الطعام مما يؤتى عليه دفعة واحدة، كالسويق، واللبن استثناه المحاملي» (١).
وذكر النووي مثله في الروضة (٢).
وقيل: له أن يأكل حتى يشبع، وصوبه النووي، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٣).
هذه مجمل الأقوال في المسألة، وأنتقل إلى ذكر الأدلة عليها إن شاء الله تعالى.
• دليل من قال: يقدم الطعام إذا حضر وكان محتاجًا إليه:
الدليل الأول:
(ح-٢٩٩٢) روى البخاري من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه. وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام (٤).
الدليل الثاني:
من الإجماع: قال النووي: «وهذا الأمران -يعني حضور الطعام ومدافعة
стр. 8514
الأخبثين- عذران يسقط كل واحد منهما الجماعة بالاتفاق» (١).
• دليل من قال: إن شرع في الأكل ثم أقيمت الصلاة أتم أكله، وإلا قدم الصلاة:
(ح-٢٩٩٣) روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: وقال زهير ووهب بن عثمان، عن موسى بن عقبة، عن نافع
عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل، حتى يقضي حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة.
قال البخاري: رواه إبراهيم بن المنذر، عن وهب بن عثمان، ووهب مديني (٢).
فهذا اللفظ صريح في أن من شرع في عشائه، ثم أقيمت الصلاة، فلا يقم إلى الصلاة حتى يقضي حاجته منه، فلا يتناول الخطاب من لم يتناول من عشائه شيئًا.
• ويجاب:
بأن رواية عبيد الله بن عمر، وأيوب عن نافع أرجح، والواحد منهما مقدم على
стр. 8515
موسى بن عقبة، فكيف إذا اتفق عبيد الله وأيوب؟!
• دليل من قال: إن أقيمت الصلاة وقد شرع في الأكل قدم الصلاة، وإلا قدم الأكل:
الدليل الأول:
(ح-٢٩٩٤) روى البخاري ومسلم من طريق جعفر بن عمرو بن أمية،
عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل ذراعًا يحتز منها، فدعي إلى الصلاة، فقام فطرح السكين، فصلى ولم يتوضأ. متفق عليه (١).
الدليل الثاني:
(ح-٢٩٩٥) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن مغيرة بن عبد الله،
عن المغيرة بن شعبة، قال: ضفت بالنبي ﷺ ذات ليلة، فأمر بجنب، فشوي، قال: فأخذ الشفرة، فجعل يحز لي بها منه، قال: فجاءه بلال يؤذنه بالصلاة، فألقى الشفرة، وقال: ما له تربت يداه؟.
ورواه أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري المعنى، قالا: حدثنا وكيع به، وزاد: وقام يصلي.
[صحيح] (٢).
وقد احتج الإمام أحمد بحديث عمرو بن أمية، وبحديث المغيرة على هذا التفريق، فإن أقيمت الصلاة، وهو لم يطعم قدم الطعام على الصلاة، وإن أقيمت الصلاة، وقد تناول شيئًا من الطعام قدم الصلاة؛ لأنه قد أخذ منه ما يمنعه من شغل البال، وكأن الإمام أحمد لم ير رواية موسى بن عقبة، عن نافع شيئًا، بلفظ: (إذا كان
стр. 8516
أحدكم على الطعام فلا يعجل)، لكن إذا لم يصح هذا مرفوعًا، فقد ثبت عن ابن عمر ﵁ موقوفًا.
(ث-٧٨١) فقد روى مالك في الموطأ، عن نافع،
أن عبد الله بن عمر، كان يقرب إليه عشاؤه، فيسمع قراءة الإمام، وهو في بيته، فلا يعجل عن طعامه حتى يقضي حاجته منه (١).
وأجيب عن حديث عمرو بن أمية وحديث المغيرة بأمور، منها:
الأول: يحتمل أن ذلك في حق الإمام، والإمام لا يتخلف عن الجماعة إذا حضرت الصلاة؛ ليصلي بمن حضر، وحتى لا يشق عليهم بالانتظار، بخلاف المأموم، ولهذا ترجم له الإمام البخاري في صحيحه بقوله: باب إذا دعي الإمام إلى الصلاة، وبيده ما يأكل.
قال ابن حجر: «استدل البخاري في الصلاة بهذا الحديث على أن الأمر بتقديم العشاء على الصلاة خاص بغير الإمام الراتب» (٢).
الثاني: يحتمل أن النبي ﷺ قد قضى حاجته من الطعام، لا سيما أنه كان من عادته في طعامه لقيمات يقمن صلبه، ولم يكن من عادته الشبع من الطعام، وقد يكون حين أكل من اللحم لم يكن جائعًا، فكان القليل منه يقنعه؛ ولذلك لا يقدم الطعام على الصلاة، إلا إذا كان الإنسان بحاجة إلى الطعام، وما يدرينا أن النبي ﷺ حين دعي إلى الصلاة أنه قد ترك الأكل مع حاجته إليه.
قال ابن الملقن: «يجوز أن يكون النبي ﷺ قد قضى حاجته منه، ولا سيما ما علم من قلة أكله ﷺ » (٣).
الثالث: يحتمل: أن الفعل من النبي ﷺ لبيان الجواز، وأن تقديم الطعام على الصلاة من باب الندب.
الرابع: يحتمل أن هذا خاص بالنبي ﷺ ، فلم يكن النبي ﷺ بحاجته إلى الطعام
стр. 8517
كغيره، فقد كان النبي ﷺ يواصل الصيام، وينهى غيره عن الوصال، بخلاف غيره، ولهذا أمر غيره بالأخذ بالرخصة؛ لأنه لا يقوى على مدافعة الشهوة.
الخامس: كون النبي ﷺ ترك الأكل، هذا مجرد فعل، بخلاف أمره ﷺ بتقديم الطعام، فهو من السنة القولية، والقول مقدم على الفعل؛ لأن الفعل لا عموم له، بخلاف القول، ولأن الفعل يرد عليه احتمالات كثيرة ذكرت بعضها، بخلاف القول.
• دليل من قال: الحكم خاص بالمغرب في حق الصائم:
استدل بقوله في الحديث: (فابدؤوا بالعشاء)، وذلك يخرج صلاة النهار، ويبين أنها غير مقصودة، وقد جاء النص على صلاة المغرب.
(ح-٢٩٩٦) فقد روى البخاري من طريق عقيل، عن ابن شهاب،
عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم (١).
قال الخطابي: قوله: «(فابدؤوا بالعشاء)، لفظه عام والمراد به خاص، وإنما رخص في ذلك للصائم الذي تاقت نفسه إلى الطعام، أو الجائع الذي قد بلغ منه الجوع الضعف؛ لأنهما إذا قاما إلى الصلاة وفي أنفسهما الحاجة إلى الطعام لم يستوفيا شرائط الصلاة وحقوقها من الخشوع والإخلاص؛ لمنازعة النفس الطعام، ولم يكن من عادة القوم الاستكثار من الأطعمة ونقل الألوان فتطول مدة الأكل، ويفوت معه وقت الصلاة، إنما كانوا يتناولون الخفيف من الطعام: شربة لبن، أو كف تمر، أو نحو ذلك» (٢).
ولما رواه ابن حبان من طريق موسى بن أعين، عن عمرو بن الحارث، عن ابن شهاب،
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أقيمت الصلاة، وأحدكم صائم، فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم.
[لفظ: (وأحدكم صائم) لفظ شاذ] (٣).
وجه الاستدلال:
أن الصائم لا يملك خيار التوفيق بين تناوله لطعامه، وشهوده لصلاة الجماعة؛ لأن السنة في المغرب المبادرة فيها بالصلاة حيث كان النبي ﷺ يصليها إذا وجبت. فكان على الصائم إما أن يؤجل الطعام لشهود الجماعة، فيأتي إلى الصلاة، وقلبه مشغول بالطعام، ويفوِّت سنة تعجيل الفطر. وإما أن يقدم الطعام، وتفوته الجماعة، فأمره النبي ﷺ بتقديم الطعام على شهود الجماعة؛ ليحصل على مصلحتين: إحداهما: سنة تعجيل الفطر. والثانية: ليأتي إلى صلاته، وقد أفرغ قلبه من التشويش المفضي إلى عدم الخشوع.
ولا يقاس المفطر على الصائم، ولا سائر الصلوات على المغرب؛ لإمكان المصلي من التوفيق بين تقديم طعامه، وشهود الجماعة.
• ورد هذا:
ذكر العشاء في الحديث مفهوم لقب، لا دلالة له من حيث اللفظ، وكذلك القول في صلاة المغرب؛ لعموم قوله ﷺ : (لا صلاة بحضرة طعام … ). وقد احتجت عائشة
стр. 8521
على ابن أخيها القاسم بن محمد بهذا العموم.
(ح-٢٩٩٧) فقد روى مسلم من طريق ابن أبي عتيق؛ قال:
تحدثت أنا والقاسم عند عائشة ﵂ حديثًا. وكان القاسم رجلًا لَحَّانَةً. وكان لأم ولد. فقالت له عائشة: مالك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا؟ أما إني قد علمت من أين أتيت. هذا أدبته أمه، وأنت أدبتك أمك. قال فغضب القاسم وَأَضَبَّ عليها. فلما رأى مائدة عائشة قد أتي بها قام. قالت: أين؟ قال: أصلي. قالت: اجلس. قال: إني أصلي. قالت: اجلس غُدَرُ! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (١).
فقوله: (لا صلاة … ) نكرة في سياق النفي فتعم كل صلاة، وهو ما فهمته أم المؤمنين عائشة ﵂.
قال ابن قدامة: «فهذان -يعني حضور الطعام ومدافعة الأخبثين- من الأعذار التي يعذر فيها في ترك الجماعة والجمعة؛ لعموم اللفظ، فإن قوله: (وأقيمت الصلاة): عام في كل صلاة، وقوله: (لا صلاة) عام أيضًا» (٢).
وقد يكون ذكر العشاء خرج مخرج الغائب لعادة الصحابة أنهم كانوا يتناولون العشاء قبيل صلاة المغرب.
ولو سلمنا أن حديث أنس لا عموم فيه، وكذلك حديث ابن عمر، لكن لا دلالة فيها على قصر الحكم على الخاص، فحديث عائشة نص صريح في العموم، فزال ما يتوهم من التخصيص.
ولو سلمنا أن النصوص وردت في المغرب، وفي طعام العشاء، فالمسكوت عنه مساو للمنطوق في الحكم بلا فرق، فذكر طعام العشاء وذكر صلاة المغرب فرد من أفراد العام، يوافق العام في الحكم، فلا يقتضي تخصيصًا، فسائر الصلوات هي كالمغرب، والغداء كالعشاء، وهذا ما تقتضيه علة الحكم؛ فالعلة في تقديم الطعام على الصلاة: هي التشويش المفضي إلى عدم الخشوع، وهذا لا يقتضي فرقًا بين سائر الصلوات، ولا بين سائر الأطعمة، فالحاجة إلى الطعام غداء كان أم عشاء هو المؤثر في الحكم.
стр. 8522
وممن أخذ بالعموم فقدم الطعام على الصلاة مطلقًا جماعة من الصحابة ذكرهم الترمذي، قال في سننه: «وعليه العمل عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو بكر، وعمر، وابن عمر، وبه يقول أحمد، وإسحاق يقولان: يبدأ بالعشاء وإن فاتته الصلاة في الجماعة … وقد روي عن ابن عباس أنه قال: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء» (١).
وقال به أنس، وأبو الدرداء.
(ث-٧٨٢) وروى البخاري تعليقًا في صحيحه بصيغة الجزم، قال: قال أبو الدرداء: من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته، وقلبه فارغ (١).
فقوله: (حاجته) أعم من أن تكون طعامًا فقط، بل كل حاجة إذا لم يقضها كان قلبه مشغولًا بالتفكير فيها، وهو يصلي، فالمشروع الفراغ منها قبل الصلاة.
وقوله: (حتى يقبل على صلاته) ف (صلاته) نكرة مضافة فتعم كل الصلوات.
• دليل من قال: يأكل من الطعام حتى يشبع:
الدليل الأول:
(ح-٢٩٩٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه.
زاد البخاري: وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام (٢).
ظاهر الحديث: أنه يأكل حتى يفرغ من طعامه، ولا يشترط أن يأكل ما يسد جوعه؛ وهذا ما فهمه ابن عمر ﵁ مع حرصه على السنة، فكان يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام.
الدليل الثاني:
(ح-٢٩٩٩) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب،
عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قدم العشاء فابدؤوا به قبل أن
стр. 8525
تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم (١).
وجه الشاهد من هذا الحديث: قوله: (ولا تعجلوا عن عشائكم) بمعنى (ولا يعجل حتى يفرغ منه) كلاهما يدل على أن الإنسان يأخذ من طعامه حاجته منه، لا يأخذ لقمة أو لقمتين.
قال ابن رجب: حديث ابن عمر صريح … وأنه لا يعجل حتى يفرغ من عشائه (٢).
وقال النووي في شرح مسلم: «قوله ﷺ : (ولا يعجلن حتى يفرغ منه) دليل على أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله، وهذا هو الصواب. وأما ما تأوله بعض أصحابنا على أنه يأكل لقمًا يكسر بها شدة الجوع فليس بصحيح، وهذا الحديث صريح في إبطاله» (٣).
• دليل من قال: يأكل ما يكسر به سورة جوعه:
أن الاقتصاد في الأكل فيه مصلحتان:
مصلحة دينية: وهو إدراك الجماعة، وحسبك بالفضل العظيم الوارد في حقها، حتى اختلف الناس في حكمها من قائل بالشرطية، ومن قائل بالوجوب عينًا أو كفاية، ومن قائل بأنها سنة مؤكدة.
ومصلحة بدنية: وهو اتباع السنة في الأكل، فالمقصود بالحديث أنه يأكل حتى يفرغ من طعامه، هذا مقيد بالمقدر المستحب في الطعام، فالشبع في الطعام ليس محمودًا، فالمقصود به الشبع الشرعي، وهو لقيمات يقمن صلبه، كما جاء ذلك من حديث المقدام بن معد كرب رواه أحمد وأصحاب السنن (٤).
ولقد كان السلف يحذرون من كثرة الأكل.
стр. 8526
• دليل من قال: يقدم الطعام إن كان شديد التوقان له وإلا قدم الصلاة:
إذا تزاحم تحصيل الخشوع مع فضيلة أول الوقت والجماعة، قدم الخشوع؛ لأن ما يتعلق بذات العبادة مقدم على ما يتعلق بمكانها، أو أول وقتها.
فإذا كانت الرغبة ليست شديدة للطعام كان تقديم الصلاة جماعة لا يؤثر على الخشوع، فلم يحصل هذا التزاحم، وتعين عليه تقديم الصلاة؛ لإمكان الجمع بين الخشوع وتحصيل الجماعة أول الوقت؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
قال البغوي: « … إذا كان متماسكًا في نفسه، لا يزعجه الجوع، ولا تنازعه شهوة الطعام، فلا يعجله عن إيفاء حق الصلاة، فيبدأ بالصلاة، فإن النبي ﷺ ، كان يحتز من كتف شاة، فدعي إلى الصلاة، فألقاها، ثم قام فصلى» (١).
• دليل من قال: إذا خشي خروج الوقت قدم الصلاة:
أن مراعاة حرمة الوقت ترفع الكراهة.
ولأن تقديم فريضة الوقت إن أذهب كمال الخشوع، فكمال الخشوع، ليس بواجب إجماعًا، وما أقلَّ المصلين الذين يظفرون بكمال الخشوع إذا صلوا حتى ولو لم يكن بحاجة إلى الطعام؛ لكثرة وساوس الشيطان.
وإن أذهب الخشوع بالكلية، فالخشوع نوعان:
الأول: خشوع الجوارح، وهذا خشوع واجب، إلا أنه لا تأثير لحضور الطعام على الجوارح، فيمكن للمصلي أن يحافظ على جوارحه ساكنة، وإن كان يتشوف إلى الطعام، وحركة الجوارح لا تبطل الصلاة ما لم يكثر ذلك في صلاته حتى يخرج عن هيئة المصلي.
الثاني: خشوع القلب، وهذا في وجوبه خلاف، والأئمة الأربعة على القول بعدم الوجوب (٢)، وحكاه النووي إجماعًا، قال: «أجمع العلماء على استحباب الخشوع والخضوع في الصلاة» (٣).
стр. 8527
وقال ابن دقيق العيد: «إن أريد به: أنه يذهب الخشوع بالكلية: فحكمه حكم من صلى بغير خشوع. ومذهب جمهور الأمة: أن ذلك لا يبطل الصلاة» (١).
ولأن الصلاة لا تنفك من وسوسة، وإذا غلبه الوسواس حتى لم يدر كم صلى بنى على اليقين، وسجد للسهو، ولم تبطل صلاته، ولو كان فواته مفسدًا لأمر بالإعادة (٢).
ولأن المصلي لو ترك الخشوع سهوًا لم يشرع له سجود السهو، فإذا تركه عمدًا لم تبطل صلاته إذا عقل ما صلى فأَدَّاها بحدودها من ركوع وسجود وسائر فرائضها؛ وإن نقص ذلك من ثوابها بقدر ما فاته، فعلم بذلك أنه ليس بواجب؛ لأن ترك الواجب عمده يبطل الصلاة، وسهوه يوجب سجود السهو.
ولأن الرسول إذ نظر إلى أعلام خميصة أبي جهم واشتغل بها لم يعد صلاته، ولم يسجد للسهو.
وإذا قلنا بوجوب الخشوع، فهل هو واجب واحد لا يحكم بتركه حتى يذهب بالكلية من جميع ا لصلاة، أو كل جزء منه واجب حتى يخرج من الصلاة، كل هذا يدل على ضعف منزع القول بوجوب الخشوع، والله أعلم.
وعلى القول بوجوبه، فهو شرط لحصول الثواب عند الله، فالتقصير فيه ينقص من ثواب الصلاة بمقدار ما نقص له من خشوعها، ولا تبطل الصلاة بفواته ولو عمدًا.
ولأن الإعادة تحتاج إلى دليل، ولا دليل على وجوب الإعادة.
وهذا التفصيل مع سعة الوقت، وأما إذا تزاحم الخشوع ومراعاة الوقت، وكان تقديم أحدهما يفوت الآخر، فمراعاة الوقت أوجب.
فالخشوع مستحب على الصحيح كما بينت، والوقت من أهم شروط الصلاة.
стр. 8528
فالشارع أمر بالمحافظة على الوقت حتى في حال الخوف وشدة القتال، وبه قال جمهور أهل العلم، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فطلب الشارع أن تؤدى الصلاة مع الخوف على أي صفة أُدِّيت، جماعة أو منفردين، ركبانًا أو راجلين، حتى ولو تركت بعض واجبات الصلاة، بل وبعض شروطها من أجل المحافظة على الوقت.
ولا شك أن الخوف والقتال لا يذهب بكمال الخشوع فحسب، بل يذهب بالخشوع كله، ومع ذلك لم يقدم الشارع الخشوع على فريضة الوقت، فيكف يراعى الخشوع بتقديم الطعام على فريضة الوقت، فهذا من أغرب الفقه.
قال ابن حجر: «لأن المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما، وخروج الوقت أشد من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف» (١)، والله أعلم.
• دليل من قال: يجب تقديم الطعام ولو خرج الوقت:
الدليل الأول:
حديث عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان. رواه مسلم (٢).
وجه الاستدلال:
قوله: (لا صلاة بحضرة الطعام) فهو نفي بمعنى النهي، أي لا يصلي أحد بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان، وقد جاء في صحيح ابن حبان: (لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام).
والأصل في النهي التحريم، وهو متوجه لنفي الصلاة الشرعية، فيدل على نفي الصحة.
فإذا صح أنه منهي عن الصلاة دل ذلك على أن الوقت متمادى له؛ لأنه مأمور بتأخيره.
• ورد هذا:
بالإجماع على أن النهي ليس للتحريم.
قال ابن عبد البر: «أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام، فأكمل صلاته،
стр. 8529
ولم يترك من فرائضها شيئًا، أن صلاته مجزية عنه … وفي هذا دليل على أن النهي عن الصلاة بحضرة الطعام من أجل خوف اشتغال بال المصلي بالطعام عن الصلاة، وتركه إقامتها على حدودها، فإذا أقامها على حدودها خرج من المعنى المخوف عليه، وأجزأته صلاته لذلك» (١).
فالقول بتقديم الطعام على فريضة الوقت قول شاذ، قال ابن رجب: «ومتى خالف، وصلى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه، فصلاته مجزية عند جميع العلماء المعتبرين، وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر، وإنما خالف فيه شذوذ من متأخري الظاهرية، لا يَعْبَأُ بخلافهم الإجماعُ القديم» (٢).
والاعتماد على دلالات الألفاظ دون الرجوع إلى فهم الصحابة والتابعين والقرون المفضلة هو ما أوقع الظاهرية في الأقوال الشاذة المنكرة، و اللغة العربية هي إحدى الأدوات لفهم النص، وليست الأداة الوحيدة، فالمعنى الشرعي قد يكون أخصَّ أو أعمَّ من المعنى اللغوي، فالسؤال: من قال من الصحابة، أو من التابعين، أو من الأئمة الأربعة: إن المصلي يقدم الطعام، ولو خرج وقت الصلاة؟
أليس الصحابة أعلم بدلالات النصوص، ومعاني الألفاظ، وأحكم في معرفة مقاصد الشريعة من ابن حزم، ومن تأثر بمنهجه في التعامل مع النصوص؟
أين الفقه في هذا القول الشاذ إذا كان في حال القتال والخوف الشديد يقدم الصلاة على أركانها وبعض شروطها حتى إنه مأمور بالصلاة، وهو يمشي ويسعى على الدابة، وينحرف عن القبلة، ويومئ بالركوع والسجود، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، وعند حضور الطعام يقدم الطعام على فريضة الوقت؟ فهل كان الحرص على الطعام أولى من الحرص على الحياة؟ فلولا أن الأصول مختلة ما أثمرت مثل هذا الفقه.
ولست بحاجة إلى مثل هذه القسوة مع ابن حزم وقد توفاه الله لولا أن هذه الأدوات في فهم النصوص يتعامل بها كثير من إخواني، وأصبح من يخالفهم مخالفًا لظاهر النصوص الشرعية، وكأن هذا الظاهر قد أحاطوا به وقصر عنه علم الصحابة والتابعين وأتباعهم.
فلو سلمنا أن قوله ﷺ : (لا صلاة … ) بمنزلة النهي عن الصلاة، فالصارف له
стр. 8530
عن التحريم، الإجماع المتقدم، وفهم السلف، وما فهم من علة النهي، فهذه ثلاث صوارف الواحدة منها تكفي لصرف النهي عن التحريم، والأمر عن الوجوب.
الدليل الثاني:
(ح-٣٠٠٠) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء، ولا يعجل حتى يفرغ منه (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (فابدؤوا بالعشاء) هذا أمر، والأصل فيه الوجوب، من غير فرق بين سعة الوقت وضيقه.
• وأجيب:
بأن الأمر للندب، وليس للوجوب، للإجماع السابق،
(ح-٣٠٠١) ولما رواه البخاري ومسلم من طريق جعفر بن عمرو بن أمية،
عن أبيه، قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل ذراعًا يحتز منها، فدعي إلى الصلاة، فقام فطرح السكين، فصلى ولم يتوضأ. متفق عليه (٢).
وعلى ما قدمت من أن السنة لا تزاحم الفريضة، فالوقت فرض، والخشوع على الأصح مستحب.
قال ابن بطال: «وقد بين هذا المعنى أبو الدرداء في قوله: (من فقه المرء إقباله على طعامه حتى يقبل على صلاته، وقلبه فارغ) ولو كان إقباله على طعامه هو الفرض عليه لم يقل فيه: من فقه المرء أن يبدأ به، بل كان يقول: من الواجب عليه اللازم له أن يبدأ به» (٣).
الدليل الثالث:
الخشوع هو المقصود من الصلاة فهو غاية، والوقت شرط، فهو بمنزلة الوسيلة، والغاية مقدمة على الوسيلة.
стр. 8531
• ويرد:
الخشوع مقصود من الصلاة، والوقت مقصود أيضًا، وقد قدمنا وجه تقديم الوقت على الخشوع.
ولا يلزم من كون الخشوع هو لب الصلاة وروحها أن يكون مقدمًا على الوقت.
فهذا الذكر من مقاصد الحج وغاياته الأسمى.
(ح-٣٠٠٢) وقد روى الإمام أحمد من طريق، سفيان (الثوري)، عن عبيد الله ابن أبي زياد قال: سمعت القاسم قال:
قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة، ذكر الله .
[الراجح وقفه] (١).
والأمر بذكر الله في الحج مستفيض بالقرآن والسنة.
قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٧، ٢٨].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ١٩٨ - ٢٠٠]، ومع ذلك فالذكر في الحج ليس من أركانه، ولا من شروطه، ولا من واجباته.
• الراجح:
تدل الأحاديث أن الصلاة إذا أقيمت، وحضر الطعام، وكانت نفسه تشتهيه، ولا يشترط أن يكون جوعه شديدًا، فإنه يبدأ بالعشاء، سواء أكان قد أكل منه شيئًا أم لا، وأنه لا يقوم منه حتى يقضي حاجته من عشائه، ويفرغ منه.
ولابد من حضور العشاء، فحديث عائشة في البخاري: (إذا وضع العشاء)، وأقيمت الصلاة.
стр. 8532
وحديث ابن عمر: (إذا وضع عشاء أحدكم … ).
وحديث أنس في البخاري: (إذا قدم العشاء … ) هذا لفظ البخاري. وفي رواية لمسلم: (إذا قرب العشاء .... )، وفي رواية أخرى له: (إذا حضر العشاء).
قال الإسماعيلي: الذي رووه بلفظ: (إذا وضع أكثر).
والفرق بين اللفظين: أن الحضور أعم من الوضع، فيحمل قوله: (حضر) أي بين يديه؛ لتتفق الروايتان؛ لاتحاد المخرج … وعلى هذا فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء، لكنه لم يقرب للأكل (١).
وقد يقال: لو لم يحضر الطعام، ونفسه تتوق إليه، فالحكم فيه كما لو حضر، لوجود المعنى، وهو ترك الخشوع. قال الشيخ ابن دقيق العيد: «والتحقيق أن الطعام إذا لم يحضر، فإن تيسر حضوره عن قرب فلا يبعد أن يكون كالحاضر، وإلَّا فلا ينبغي أن يلحق بالحاضر؛ فإن حضور الطعام يوجب زيادة تشوق وتطلع إليه، وهذه الزيادة يمكن أن يكون اعتبرها الشارع في تقديم الطعام على الصلاة، فلا ينبغي أن يلحق بها ما لا يساويها للقاعدة الأصولية: أن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يلغ (٢)، والله أعلم».
стр. 8533
المطلب الثاني التخلف عن الجماعة لمدافعة الأخبثين
المدخل إلى المسألة:
• النفي في قوله ﷺ : لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان، بمعنى النهي، أي لا تصلوا …
• الأصل في النهي من حيث الحكم التكليفي التحريم، ومن حيث الحكم الوضعي الفساد، ما لم ترد قرينة تصرفه عن ذلك.
• الأصل في النفي: أن يحمل على نفي الوجود، فإن وجد حمل على نفي الصحة، فإن اقتضى الدليلُ الصحةَ حمل على نفي الكمال.
• النهي عن الصلاة، وهو حاقن أو بحضرة طعام معلَّل، وليس تعبديًّا محضًا.
• كل قرينة لفظية أو معنوية صالحة لصرف الأمر والنهي من الإلزام إلى غيره فإنها تصرفه، ولا يتشدد في الصوارف.
• العلة في النهي هو تفريغ قلب المصلي من كل ما يشغله أو يذهب بكمال خشوعه قبل الصلاة، وذلك لا ينافي صحة الصلاة إذا أُدِّيت بفرائضها وحدودها.
• تكره الصلاة مع ذهاب كمال الخشوع، وهل تحرم مع ذهابه بالكلية؟ فيه خلاف، والأئمة الأربعة على استحبابه، وحكي إجماعًا، ولو صلى صحت صلاته على القولين، كما لو فوَّت الخشوع بالاسترسال في الوسوسة.
• فوات الخشوع سهوًا لا يجبر بالسجود، فلا تبطل الصلاة بفواته عمدًا.
• إن شغله مدافعة الأخبثين حتى لا يدري كم صلى بنى على اليقين إن لم يكن له غلبة ظن، والله أعلم.
• إذا تزاحمت فضيلتان، إحداهما: تتعلق بذات العبادة، والأخرى بوقتها، أو مكانها قدم منهما ما تعلق بذاتها، كتقديم الطعام من أجل حضور القلب على فضيلة الصلاة في أول الوقت، وتقديم الرمل في الطواف على تركه وإن بعد عن الكعبة.
стр. 8534
[م-٩٩٩] اتفق الفقهاء أن الرجل إذا حصره بول أو غائط وحضرت الصلاة بدأ بقضاء الحاجة، ولو أدَّى ذلك إلى فوات الجماعة، حكى الاتفاق على ذلك النووي في المجموع (١).
واختلفوا في حكم صلاته لو صلى، وهو كذلك:
فقيل: يكره تحريمًا، فإن صلى صحت مع الإثم وهو مذهب الحنفية (٢).
وقيل: إن صلى بطلت صلاته. وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن أحمد، وبه قال القاضي حسين: إن انتهى به ذلك إلى ذهاب الخشوع، وحكم بشذوذه النووي» (٣).
جاء في المجموع: «إذا انتهى به مدافعة الأخبثين إلى أن ذهب خشوعه لم تصح صلاته، وبه جزم القاضي حسين، وهذا شاذ ضعيف. والمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء صحة صلاته مع الكراهة، وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر بطلانها، والله أعلم» (٤).
وقيل: تكره تنزيهًا، فإن صلاها فصلاته صحيحة، ولا يعيدها، وهو المعتمد في
стр. 8535
مذهب الشافعية ومذهب الحنابلة (١).
وروى ابن القاسم عن مالك ما يدل على أن صلاة الحاقن فاسدة، وذلك أنه روي عنه أنه أمره بالإعادة في الوقت وبعد الوقت (٢).
وحمله أصحاب مالك على أنه: إن شغله ذلك عن فرض وجب قطعها، فإن صلى أعاد أبدًا. وإن شغله عن سنة أعاد، ما لم يخرج الوقت، وبعده: لا يعيد. وإن شغله عن إتمام الفضائل فلا إعادة عليه.
قال ابن بشير: «إن شغله عن الفرائض أعاد أبدًا، وعن السنن في الوقت. ويجري على ترك السنن متعمدًا، وعن الفضائل لا شيء عليه» (٣).
وقال العراقيون من أصحاب مالك «إن كان شيئًا خفيفًا فلا شيء عليه، وإن صلى به وهو ضام بين وركيه فإنه يؤمر بالقطع، فإن تمادى أعاد في الوقت. وإن كان مما يشغله عن استيفائها أعاد أبدًا» (٤).
ومحل البطلان ألا يقدر معه الإتيان بالفرض، أو يأتي به لكن مع المشقة الشديدة، ومحله أيضًا أن تدوم هذه الحالة، فإن عرضت ثم زالت فلا إعادة (٥).
стр. 8536
ولا ينبغي الخلاف في بطلان صلاته على جميع المذاهب إذا بلغت به المدافعة إلى حال العجز عن الإتيان بالفرض، وبطلانها؛ إنما هو لترك الفرض، لا لمدافعة الخبث، كما يحكم ببطلانها لو ترك هذا الفرض بلا مدافعة.
قال القاضي عياض: «كلهم مجمعون: أن من بلغ به ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها أنه لا تجزئه، ولا يحل له الدخول كذلك في الصلاة، وأنه يقطع الصلاة إن أصابه ذلك فيها» (١).
وإن قصد به الثاني أنه أداها لكن لا على وجه الكمال، فصلاته صحيحة، إلا على قواعد أهل الظاهر، ولا تستحب الإعادة، إلا على قواعد مذهب مالك؛ حيث يستحبون الإعادة مع الحكم بصحة الصلاة الأولى، وهو من مفرداتهم، وقد ناقشت ذلك في شروط الصلاة، فعاد قول المالكية إلى مذهب الجمهور بالحكم بصحة صلاته.
قال ابن عبد البر: «قد أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته، ولم يترك من فرائضها شيئًا أن صلاته مجزية عنه، فكذلك إذا صلاها حاقنًا فأكمل صلاته» (٢).
فحاصل الأقوال في المسألة:
التحريم، على خلاف في صحة الصلاة:
فقيل: تحرم وتصح، وهو مذهب الحنفية.
وقيل: تحرم ولا تصح، وظاهره حتى ولو لم يذهب ذلك بالخشوع بالكلية، وهو مذهب الظاهرية.
وقيل: لا تصح إن ذهب بالخشوع، وظاهره إن ذهب الخشوع بالكلية، لا إن
стр. 8537
ذهب بكماله، وبه قال القاضي حسين.
وقيل: يعيد الصلاة وجوبًا، إن شغله عن أداء الفرائض أبدًا، ويعيد في الوقت استحبابًا إن شغله عن السنن، وبه قال المالكية، وظاهره، ولو عقل صلاته.
وقيل: يكره تنزيهًا مطلقًا حتى ولو ذهب بالخشوع بالكلية، ولا تشرع الإعادة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة.
هذا ما وقفت عليه من أقوال في المسألة، وقد ذكرت أدلة هذه المسألة في المجلد الحادي عشر عند ذكر مكروهات الصلاة، فارجع إليه هناك إن شئت.
• الراجح:
أن مدافعة الأخبثين عذر في التخلف عن الجماعة، وتقديم الصلاة مكروه، وقد تشتد إذا كانت المدافعة شديدة، وإذا كان الأمر خفيفًا خفت الكراهة تبعًا لذلك، فإن عاد ذلك بالنقص على فرائض الصلاة وأخلَّ بها بطلت صلاته، وكذلك إذا كان تقديم الصلاة يضر بصحته، وإلا كرهت، والله أعلم.
стр. 8538
المطلب الثالث التخلف عن الجماعة لغلبة النعاس والنوم
المدخل إلى المسألة:
• قال ﷺ : إن الدين يسر، ولن يُشَادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا.
• النفي في قوله ﷺ : لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان، بمعنى النهي، أي: لا تصلوا بحضرة طعام.
• العلة في النهي هو تفريغ قلب المصلي من كل ما يشغله، أو يذهب بكمال خشوعه قبل الصلاة.
• كل ما ينقص من الخشوع من نوم، أو حقن، أو حزق، أو غضب، أو شغل، فهو عذر في التخلف عن الجماعة قياسًا على النهي عن الصلاة بحضرة طعام.
• قال أبو الدرداء: من فقه المرء إقباله على حاجته؛ حتى يقبل على صلاته، وقلبه فارغ. اه فالحاجة أعم من أن تكون طعامًا.
• كل حاجة إذا لم يقضها شغله التفكير فيها، وهو يصلي، فالمشروع الفراغ منها قبل الصلاة، إلا أن يخشى خروج الوقت.
• تقديم الصلاة على الطعام مع الحاجة إليه مكروه.
• الصلاة مع غلبة النعاس أشد كراهة؛ لأن تأثير غلبة النعاس على ذهاب الخشوع أبلغ من تأثير التشوف إلى الطعام.
[م-١٠٠٠] نص الشافعية والحنابلة وبعض المالكية على أن غلبة النعاس عذر في التخلف عن الجماعة (١).
стр. 8539
واشترط الحنابلة في غلبة النعاس أن يخاف فوت الصلاة في الوقت، وكذا مع الإمام مطلقًا على الصحيح من المذهب.
وقيل: ليس غلبة النعاس عذر في التخلف عن الجمعة والجماعة، وهو قول في مذهب الحنابلة، قال المجد وصاحب مجمع البحرين وغيرهما: الصبر والتجلد على دفع النعاس، ويصلي معهم أفضل.
ولم يذكر الحنفية غلبة النعاس من الأعذار في التخلف عن الجماعة (١).
• دليل من قال: غلبة النعاس عذر في التخلف عن الجماعة:
الدليل الأول:
حديث عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان. رواه مسلم (٢).
والعلة في النهي هو تفريغ قلب المصلي من كل ما يشغله، أو يذهب بكمال خشوعه قبل الصلاة، فكان كل ما ينقص من الخشوع من نوم، أو حقن، أو جوع فهو عذر في التخلف عن الجماعة قياسًا على النهي عن الصلاة بحضرة الطعام.
وإذا كان تقديم الصلاة على الطعام مع الحاجة إليه مكروهًا، فالصلاة مع غلبة النعاس أشد كراهة؛ لأن تأثير غلبة النعاس على ذهاب الخشوع أبلغ من تأثير التشوف إلى الطعام؛ لأن المصلي إذا دخل في الصلاة، وقطع التشوف إلى الطعام أقبل على صلاته، بخلاف غلبة النعاس فإنه لا يقدر على دفعه في أثناء صلاته.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
стр. 8540
نقل جماعة من المفسرين عن الضحاك أنه قال: المراد به سكر النوم (١).
قال ابن عبد البر: «لا أعلم أحدًا قال ذلك غير الضحاك» (٢).
قال القرطبي: «قول الضحاك صحيح المعنى، فإن المطلوب من المصلي الإقبال على الله تعالى بقلبه، وترك الالتفات إلى غيره، والخلو عن كل ما يشوش عليه من نوم، وحقن وجوع، وكل ما يشغل البال ويغير الحال. قال ﷺ : (إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء. فراعى ﷺ زوال كل مشوش يتعلق به الخاطر، حتى يقبل على عبادة ربه بفراغ قلبه، وخالص لبه، فيخشع في صلاته. ويدخل في هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣).
قال في طرح التثريب: «الآية دلت على أن من لا يعلم ما يقول لا يدخل في الصلاة، فمن أداه غلبة النوم إلى ذلك فهو منهي عن الدخول فيها، ومن إتمامها بعد الشروع حتى يعلم ما يقول» (٤).
وقال ابن العربي: «إن كان أراد أن النهي عن سكر الخمر نهي عن سكر النوم فقد أصاب، ولا معنى له سواه؛ ويكون من باب (لا يقضي القاضي وهو غضبان): دل على أنه منهي عن كل قضاء في حال شغل البال بنوم، أو جوع، أو حقن، أو حزق، فلا يفهم معه كلام الخصوم، كما لا يعلم ما يقرأ، ولا يعقل في الصلاة إذا دافعه الأخبثان، أو كان بحضرة طعام، كما رواه مسلم، ولذلك قال: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٥).
وقال ابن العربي في شرح الموطأ: «وإذا قلنا بالعموم، فنحمله على سكر النوم وغيره، وهو عام في كل صلاة» (٦).
وإدخال النوم بالقياس لعلة جامعة، وهو عدم إدراك ما يقول أولى من اعتبار
стр. 8541
الآية من العام، لأن السكر حقيقة في شرب الخمر، والأصل في الكلام الحقيقة، ولا يطلق على غيره إلا مقيدًا، مثل قول تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [ق: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾.
فأما قول الضحاك، كيف يتناوله النهي حال كونه سكران؟ فنقول: وهذا أيضًا لا زم عليكم، لأنه يقال: كيف يتناوله النهي، وهو نائم لا يفهم شيئًا؟
فالجواب عنه: أن المراد من الآية النهي عن الشرب المؤدي إلى السكر المخل بالفهم حال وجوب الصلاة عليهم، فخرج اللفظ عن النهي عن الصلاة في حال السكر، مع أن المراد منه النهي عن الشرب الموجب للسكر في وقت الصلاة (١).
الدليل الثالث:
(ح-٣٠٠٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن هشام، عن أبيه،
عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم، وهو يصلي، فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى، وهو ناعس، لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه (٢).
قال الباجي: «معنى قوله أن من غلب عليه النوم ولم يستطع مدافعته فليرقد حتى يذهب عنه النوم ويقدر على إقامة الصلاة» (٣).
قال النووي: «وهذا عام في صلاة الفرض والنفل، في الليل والنهار، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، لكن لا يخرج فريضة عن وقتها. قال القاضي: وحمله مالك وجماعة على نفل الليل؛ لأنه محل النوم غالبًا» (٤).
وقال القاضي عياض: «والحديث عام في كل صلاة من الفرض والنفل، وحمله مالك على صلاة الليل، وفى هذا الباب أدخله، وعليه جملة جماعة من العلماء، لأنه غالب غلبة النوم إنما هي في الليل، ومن اعتراه ذلك في الفريضة
стр. 8542
وكان في الوقت سعة، لزمه أن يفعل مثل ذلك وينام، حتى يتفرغ للصلاة، وإن ضاق الوقت عن ذلك صلى على ما أمكنه، وجاهد نفسه، ودافع النوم عنه جهده، ثم إن تحقق أنه أداها وعقلها أجزأته وإلا أعادها» (١).
قال ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن ما شغل القلب عن الصلاة، وعن خشوعها، وتمام ما يجب فيها، فواجب تركه، وواجب ألا يصلي المرء إلا وقلبه متفرغ لصلاته، ليكون متيقظًا فيها مقبلًا عليها، وبالله التوفيق» (٢).
قال ابن بطال: «لا ينبغي للمصلى أن يقرب الصلاة مع شاغل له عنها، أو حائل بينه وبينها، لتكون همه لا همَّ له غيرها … وهذا يدل أن النوم اليسير بخلاف ذلك» (٣).
الدليل الرابع:
روى مسلم من طريق معمر، عن همام بن منبه قال:
هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول فليضطجع (٤).
وذكره صلاة الليل لا يقتضي تخصيصًا، فهو فرد من أفراد العام.
وقد روى البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
فالظرف في فقوله: (إذا نعس) عام في الوقت، في الليل والنهار.
وقوله: (في الصلاة) ف (أل) في الصلاة عام في جميع الصلوات، فرضها ونفلها.
قال العراقي في طرح التثريب: وقوله: (فلم يدر ما يقول)، يحتمل معناه أوجهًا:
أحدها: أنه لنعاسه صار لا يفهم ما ينطق به.
الثاني: أنه لا يدري لشدة نعاسه ما بعد اللفظ الذي نطق به حتى يأتي به.
الثالث: أنه لشدة نعاسه لا يقدر على النطق أصلًا، وهذه مراتب أخفها الأول
стр. 8543
وأشدها الأخير (١).
فإذا كان الرجل يؤمر بالنوم وترك الصلاة، ولو تلبس فيها، فمن باب أولى أن يؤمر بالنوم قبل التلبس بالصلاة إذا غلبه النعاس، وغلب على ظنه أنه يقوم قبل خروج الوقت، والله أعلم.
• دليل من قال: لا تسقط الجماعة بغلبة النعاس:
لا أعلم دليلًا للقول بأن الجماعة لا تسقط بغلبة النعاس، فكيف يسقط الجماعة بحضرة الطعام، ثم يتردد بإسقاطها بغلبة النعاس، والله أعلم.
стр. 8544
الفرع الثالث التخلف عن الجماعة بسبب الرائحة الكريهة
المطلب الأول في دخول المسجد لمن أكل ثومًا ونحوه
المدخل إلى المسألة:
• لم تمنع النصوص من أكل الثوم، ولكنها منعت دخول المسجد لمن أكله.
• إباحة الثوم لا تعني إباحة الدخول إلى المسجد، لقوله ﷺ : (فلا يغشانا في مساجدنا).
• ورد النهي مؤكدًا وصريحًا عن دخول المسجد لمن أكلها (فلا يقربَنَّ مسجدنا)، والأصل في النهي التحريم، وتوكيد النهي يعني قطع حمله على الكراهة.
• دخول المسجد لصلاة الجمعة واجب، وآكل الثوم ممنوع من دخول المسجد، ولا ينهى عنه إلا لمحرم.
• حملت النصوص ثلاث تعليلات في أكل الثوم، أذية الملائكة، وأذية الناس، وحرمة المسجد
• الأصل في أذية الناس والملائكة التحريم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
• إخراج من وجدت منه رائحة الثوم من المسجد عقوبة له، والمكروهات لا تعزيز فيها، لا سيما بالحرمان من الواجبات كالجمعة.
• الروائح الكريهة تؤثر على خشوع المصلين، ومراعاة المحافظة على خشوع المصلين أولى من مصلحة صلاة آكل الثوم مع الجماعة، ولذلك نهي عن الصلاة بحضرة الطعام، ومصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد.
• سئل مالك، أيكره لآكل الثوم المشي في السوق؟ فقال: ما سمعت ذلك إلا في المسجد.
стр. 8545
[م-١٠٠١] من أكل كراثًا أو ثومًا أو بصلًا غير مطبوخ فلا يدخل المسجد للصلاة، على خلاف بين العلماء في حكم دخوله:
فقيل: يكره كراهة تحريمية، وهو ظاهر مذهب الحنفية، ومال إلى القول بالتحريم ابن رشد الجد، وأبو الوليد الباجي من المالكية، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن حزم، ونسبه القاضي عياض وغيره للظاهرية (١).
قال أبو الوليد الباجي: «وهل يدخلها -يعني المساجد- من أكل الثوم إذا لم يكن فيها أحد؟ قال القاضي أبو الوليد: وعندي أنه لا يجوز ذلك؛ لقوله: فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم» (٢).