الآية من العام، لأن السكر حقيقة في شرب الخمر، والأصل في الكلام الحقيقة، ولا يطلق على غيره إلا مقيدًا، مثل قول تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ [ق: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾.
فأما قول الضحاك، كيف يتناوله النهي حال كونه سكران؟ فنقول: وهذا أيضًا لا زم عليكم، لأنه يقال: كيف يتناوله النهي، وهو نائم لا يفهم شيئًا؟
فالجواب عنه: أن المراد من الآية النهي عن الشرب المؤدي إلى السكر المخل بالفهم حال وجوب الصلاة عليهم، فخرج اللفظ عن النهي عن الصلاة في حال السكر، مع أن المراد منه النهي عن الشرب الموجب للسكر في وقت الصلاة (١).
الدليل الثالث:
(ح-٣٠٠٣) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن هشام، عن أبيه،
عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نعس أحدكم، وهو يصلي، فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى، وهو ناعس، لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه (٢).
قال الباجي: «معنى قوله أن من غلب عليه النوم ولم يستطع مدافعته فليرقد حتى يذهب عنه النوم ويقدر على إقامة الصلاة» (٣).
قال النووي: «وهذا عام في صلاة الفرض والنفل، في الليل والنهار، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، لكن لا يخرج فريضة عن وقتها. قال القاضي: وحمله مالك وجماعة على نفل الليل؛ لأنه محل النوم غالبًا» (٤).
وقال القاضي عياض: «والحديث عام في كل صلاة من الفرض والنفل، وحمله مالك على صلاة الليل، وفى هذا الباب أدخله، وعليه جملة جماعة من العلماء، لأنه غالب غلبة النوم إنما هي في الليل، ومن اعتراه ذلك في الفريضة
стр. 8542
وكان في الوقت سعة، لزمه أن يفعل مثل ذلك وينام، حتى يتفرغ للصلاة، وإن ضاق الوقت عن ذلك صلى على ما أمكنه، وجاهد نفسه، ودافع النوم عنه جهده، ثم إن تحقق أنه أداها وعقلها أجزأته وإلا أعادها» (١).
قال ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن ما شغل القلب عن الصلاة، وعن خشوعها، وتمام ما يجب فيها، فواجب تركه، وواجب ألا يصلي المرء إلا وقلبه متفرغ لصلاته، ليكون متيقظًا فيها مقبلًا عليها، وبالله التوفيق» (٢).
قال ابن بطال: «لا ينبغي للمصلى أن يقرب الصلاة مع شاغل له عنها، أو حائل بينه وبينها، لتكون همه لا همَّ له غيرها … وهذا يدل أن النوم اليسير بخلاف ذلك» (٣).
الدليل الرابع:
روى مسلم من طريق معمر، عن همام بن منبه قال:
هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ ، فذكر أحاديث منها وقال رسول الله ﷺ : إذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول فليضطجع (٤).
وذكره صلاة الليل لا يقتضي تخصيصًا، فهو فرد من أفراد العام.
وقد روى البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة،
فالظرف في فقوله: (إذا نعس) عام في الوقت، في الليل والنهار.
وقوله: (في الصلاة) ف (أل) في الصلاة عام في جميع الصلوات، فرضها ونفلها.
قال العراقي في طرح التثريب: وقوله: (فلم يدر ما يقول)، يحتمل معناه أوجهًا:
أحدها: أنه لنعاسه صار لا يفهم ما ينطق به.
الثاني: أنه لا يدري لشدة نعاسه ما بعد اللفظ الذي نطق به حتى يأتي به.
الثالث: أنه لشدة نعاسه لا يقدر على النطق أصلًا، وهذه مراتب أخفها الأول
стр. 8543
وأشدها الأخير (١).
فإذا كان الرجل يؤمر بالنوم وترك الصلاة، ولو تلبس فيها، فمن باب أولى أن يؤمر بالنوم قبل التلبس بالصلاة إذا غلبه النعاس، وغلب على ظنه أنه يقوم قبل خروج الوقت، والله أعلم.
• دليل من قال: لا تسقط الجماعة بغلبة النعاس:
لا أعلم دليلًا للقول بأن الجماعة لا تسقط بغلبة النعاس، فكيف يسقط الجماعة بحضرة الطعام، ثم يتردد بإسقاطها بغلبة النعاس، والله أعلم.
стр. 8544
الفرع الثالث التخلف عن الجماعة بسبب الرائحة الكريهة
المطلب الأول في دخول المسجد لمن أكل ثومًا ونحوه
المدخل إلى المسألة:
• لم تمنع النصوص من أكل الثوم، ولكنها منعت دخول المسجد لمن أكله.
• إباحة الثوم لا تعني إباحة الدخول إلى المسجد، لقوله ﷺ : (فلا يغشانا في مساجدنا).
• ورد النهي مؤكدًا وصريحًا عن دخول المسجد لمن أكلها (فلا يقربَنَّ مسجدنا)، والأصل في النهي التحريم، وتوكيد النهي يعني قطع حمله على الكراهة.
• دخول المسجد لصلاة الجمعة واجب، وآكل الثوم ممنوع من دخول المسجد، ولا ينهى عنه إلا لمحرم.
• حملت النصوص ثلاث تعليلات في أكل الثوم، أذية الملائكة، وأذية الناس، وحرمة المسجد
• الأصل في أذية الناس والملائكة التحريم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
• إخراج من وجدت منه رائحة الثوم من المسجد عقوبة له، والمكروهات لا تعزيز فيها، لا سيما بالحرمان من الواجبات كالجمعة.
• الروائح الكريهة تؤثر على خشوع المصلين، ومراعاة المحافظة على خشوع المصلين أولى من مصلحة صلاة آكل الثوم مع الجماعة، ولذلك نهي عن الصلاة بحضرة الطعام، ومصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد.
• سئل مالك، أيكره لآكل الثوم المشي في السوق؟ فقال: ما سمعت ذلك إلا في المسجد.
стр. 8545
[م-١٠٠١] من أكل كراثًا أو ثومًا أو بصلًا غير مطبوخ فلا يدخل المسجد للصلاة، على خلاف بين العلماء في حكم دخوله:
فقيل: يكره كراهة تحريمية، وهو ظاهر مذهب الحنفية، ومال إلى القول بالتحريم ابن رشد الجد، وأبو الوليد الباجي من المالكية، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن حزم، ونسبه القاضي عياض وغيره للظاهرية (١).
قال أبو الوليد الباجي: «وهل يدخلها -يعني المساجد- من أكل الثوم إذا لم يكن فيها أحد؟ قال القاضي أبو الوليد: وعندي أنه لا يجوز ذلك؛ لقوله: فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم» (٢).
стр. 8546
وقال ابن حزم: «والثوم والبصل والكراث حلال، إلا أن من أكل منها شيئًا فحرام عليه أن يدخل المسجد حتى تذهب الرائحة» (١).
وقيل: يكراه كراهة تنزيهية دخول المسجد لمن أكل ثومًا ونحوه. وهو مذهب الجمهور، والصحيح من مذهب الحنابلة. قال ابن مفلح الحنبلي: وظاهره ولو خلى المسجد من آدمي؛ لتأذي الملائكة، والمراد حضور الجماعة، ولو لم يكن بمسجد، ولو في غير صلاة. ونص ابن قدامة على كراهة أكله مطلقًا، أراد دخول المسجد أو لا (٢).
جاء في البيان والتحصيل: «سئل مالك عن الكراث يؤكل، فيأتي آكله إلى المسجد، فقال: إنه ليكره كل ما آذى الناس … » (٣).
وقال القيرواني في الرسالة: «ولا ينبغي لمن أكل الكراث، أو الثوم، أو البصل نيَّئًا أن يدخل المسجد» (٤).
قال ابن ناجي في شرحه: «وظاهر كلامه أن دخوله مكروه، لا محرم لقوله: (ولا ينبغي)، وهو كذلك في سماع ابن القاسم قال: يكره ريح الثوم. قيل: البصل والكراث مثله؟ قال: ما سمعت فيه شيء وما أحب أن يؤذي الناس … » (٥).
وقال زروق: «وقد أخذ به جمهور العلماء وأرباب الفتيا، قالوا بكراهتها؛
стр. 8547
لدخول المسجد من غير تحريم، خلافًا لأهل الظاهر» (١).
واشترط الشافعية أن يتعسر زوال ريحه بغسل ومعالجة، بخلاف ما إذا سهل من غير مشقة، فلا يكون عذرًا (٢).
وقال ابن قدامة: «فإن أتى المساجد كره له ذلك، ولم يحرم عليه» (٣)، قال في الإنصاف: « … على الصحيح من المذهب» (٤).
وقال بعض العلماء: إن النهي خاص بمسجد النبي ﷺ ، وبملائكة الوحي خاصة.
قال القاضي عياض: «جمهور العلماء أن النهي عن دخول المساجد لأجلها نهي عام في كل مسجد. وذهب بعضهم إلى أن هذا خاص في مسجد المدينة؛ لأجل ملائكة الوحي، وتأذيهم بذلك» (٥).
• أدلة القائلين بالكراهة والتحريم:
أدلتهم واحدة، مستندين إلى جملة من الأحاديث أكتفي فيها بما ورد في الصحيحين أو في أحدهما، منها:
(ح-٣٠٠٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : من أكل ثومًا، أو بصلًا فليعتزلنا، أو
стр. 8548
ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته. وإنه أتي ببدر -قال ابن وهب: يعني طبقًا- فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحًا، فسأل عنها، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: قربوها. فقربوها إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها، قال: كُلْ؛ فإني أناجي من لا تناجي (١).
(ح-٣٠٠٥) وروى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله قال: حدثني نافع،
عن ابن عمر ﵄: «أن النبي قال في غزوة خيبر: من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يَقْرَبَنَّ مسجدنا (٢).
هذا الحديث من أصح أسانيد ابن عمر ﵁، وقد رواه أصح كتابين بعد كتاب الله البخاري ومسلم، وقد اشتمل الحديث على النهي، وأكد ذلك بنون التوكيد، وتوكيد النهي لا يعني إلا التحريم.
(ح-٣٠٠٦) وروى البخاري ومسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب، قال:
سئل أنس، عن الثوم فقال: قال رسول الله ﷺ : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا، ولا يصلي معنا (٣).
(ح-٣٠٠٧) وروى مسلم من طريق من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنَّ مسجدنا، ولا يؤذينَّا بريح الثوم (٤).
(ح-٣٠٠٨) وروى مسلم من طريق هشام، حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد،
عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر فيما قال: .... إنكم، أيها الناس! تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين. هذا البصل والثوم. لقد رأيت رسول الله ﷺ ، إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد، أمر به
стр. 8549
فأخرج إلى البقيع. فمن أكلهما فليمتهما طبخًا (١).
• وجه من قال بالتحريم:
ورد النهي صريحًا عن دخول المسجد لمن أكلها، والأصل في النهي التحريم.
ولأن الحكم علل بالأذية نصًّا، وأذية الناس والملائكة محرمة، وقد أضيف لهما حرمة المساجد وتنزيهها عن الروائح الخبيثة حتى أخرج من وجدت من رائحة الثوم من المسجد عقوبة له، والمكروهات لا تعزير فيها، لا سيما بالحرمان من الواجبات كالجمعة والجماعة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
ولأن هذه الروائح الكريهة تؤثر على خشوع المصلين، وتنفرهم من حضور الجماعة والجمعة، ومصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد.
وقد قال الخطابي: «قد توهم بعض الناس أن أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة، فوضع هذا الحديث في جملة الأعذار المبيحة ترك حضور الجماعات، وإنما هذا توبيخ له وعقوبة على فعله؛ ليحرم بذلك فضيلة الجماعة» (٢).
والعقوبة لا تكون إلا على فعل محرم، ولم يحرم أحد أكل الثوم إلا أن يكون سببًا في ترك واجب كالجمعة، وقد اختلف العلماء في دخول المسجد للجمعة بين القول بالتحريم والكراهة، وسيأتي إن شاء الله تعالى البحث فيها.
ومن قال بالكراهة، صرف النهي عن التحريم بقرائن وإشارات من هذه النصوص، ولبعض الأحاديث.
ففي حديث جابر: أمر النبي ﷺ بتقريبها إلى أصحابه، وأمر بأكلها بقوله: (كُلْ؛ فإني أناجي من لا تناجي)، فكون النبي ﷺ يأمر غيره بأكلها، ويعلل امتناعه من أكلها بشيء يختص به، وهو قوله ﵇: (فإني أناجي من لا تناجي) صريح بإباحته، وفيه رد على الحنابلة الذين قالوا بكراهة أكلها مطلقًا، فالنبي ﷺ لا يأمر بفعل المكروه.
стр. 8550
(ح-٣٠٠٩) وروى مسلم من طريق إسماعيل بن علية عن الجريري، عن أبي نضرة،
عن أبي سعيد؛ قال: لم نَعْدُ أن فتحت خيبر. فوقعنا -أصحاب رسول الله ﷺ - في تلك البقلة الثوم، والناس جياع، فأكلنا منها أكلًا شديدًا، ثم رحنا إلى المسجد فوجد رسول الله ﷺ الريح، فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يَقْرَبْنَا في المسجد. فقال الناس: حرمت. حرمت. فبلغ ذاك، النبي ﷺ فقال: أيها الناس! إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي. ولكنها شجرة أكره ريحها (١).
وأخذ ابن بطال من قوله: (من أكل من هذه الشجرة … ) دليل الإباحة، قال ابن بطال: «في هذا الحديث من الفقه إباحة أكل الثوم؛ لأن قوله: (من أكل) لفظ إباحة … وقد أكل الثوم جماعة من السلف» (٢).
وقال ابن عبد البر: «وفي هذا الحديث أيضًا من الفقه: أن أكل الثوم ليس بمحرم؛ لأن الحرام لا يقال فيه: (من فعله فلا يفعل كذا لشيء غيره؛ لأن هذا لفظ إباحة، لا لفظ منع» (٣).
• وأجيب:
بأن قوله: (من أكل من هذه الشجرة) لا دلالة فيه صريحة على الإباحة، فقد يرد مثل هذا في المنهيات، قال ﷺ : من غشنا فليس منا. رواه مسلم (٤).
ومثله: من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار. متفق عليه.
وقال ابن المنير كما في الفتح: «هذا الصيغة إنما تعطي الوجود، لا الحكم، أي من وجد منه الأكل، وهو أعم من كونه مباحًا أو غير مباح» (٥).
قال ابن رجب: «وذهب إلى تحريم أكله طائفة قليلة من أهل الظاهر. وروي عن بعض المتقدمين أيضًا، والنصوص الصحيحة صريحة برد هذا الكلام» (٦).
стр. 8551
إباحة أكل الثوم لا يعني إباحة الدخول إلى المسجد، فهما مسألتان منفصلتان، فقد دلت النصوص على إباحة أكل الثوم، ونهت عن الدخول إلى المسجد، وحمل النهي على الكراهة؛ لأن الثوم مباح ليس جيدًا، فإذا ترتب على المباح ترك واجب كترك الجمعة حرم أكل الثوم، وقبل وجوب الجمعة لا يمنع الإنسان من تناوله، والله أعلم.
• دليل من قال: يحرم في مسجد النبي ﷺ خاصة ومن أجل ملائكة الوحي فقط:
الدليل الأول:
(ح-٣٠١٠) روى البخاري حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن عبيد الله قال: حدثني نافع،
عن ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ قال في غزوة خيبر: من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يَقْرَبَنَّ مسجدنا (١).
فاحتجوا بقوله: (مسجدنا) على خصوص ذلك بمسجد النبي ﷺ .
•وأجيب:
بأن لفظ: (مسجدنا) نكرة مضافة فتعم كل مسجد إلا بدليل يدل على التخصيص، ولا دليل.
وقد رواه مسلم، قال: حدثنا محمد بن المثنى، وزهير بن حرب، قالا: حدثنا يحيى -وهو القطان- عن عبيد الله به، بلفظ: … من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم - فلا يأتين المساجد (٢).
قال ابن رجب: «وهذا صريح بعموم المساجد، والسياق يدل عليه؛ فإنه لم يكن بخيبر مسجد بني للنبي ﷺ ، إنما كان يصلي بالناس في موضع نزوله منها».
وقد روي، أنه اتخذ بها مسجدًا، والظاهر: أنه نصب أحجارًا في مكان، فكان يصلي بالناس فيه، ثم قد نهى من أكل الثوم عن قربان موضع صلاتهم.
(ح-٣٠١١) يدل عليه ما خرجه مسلم (٣)، من حديث أبي نضرة،
عن أبي سعيد؛ قال: لم نَعْدُ أن فتحت خيبر. فوقعنا -أصحاب رسول الله ﷺ -
стр. 8552
في تلك البقلة الثوم، والناس جياع، فأكلنا منها أكلًا شديدًا، ثم رحنا إلى المسجد فوجد رسول الله ﷺ الريح. فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يَقْرَبْنَا في المسجد. فقال الناس: حرمت. حرمت. فبلغ ذاك، النبي ﷺ فقال: أيها الناس! إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي. ولكنها شجرة أكره ريحها» (١).
ف (أل) في قوله: (في المسجد) لعموم المساجد، وليست للعهد.
(ح-٣٠١٢) وروى البخاري من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء قال:
سمعت جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : من أكل من هذه الشجرة يريد الثوم فلا يغشانا في مساجدنا (٢).
فقوله: (مساجدنا) صيغة صريحة في عموم المساجد.
(ح-٣٠١٣) وقد روى أحمد من طريق الحكم بن عطية، عن أبي الرباب، قال:
سمعت معقل بن يسار، يقول: كنا مع النبي ﷺ في مسير له، فنزلنا في مكان كثير الثوم، وإن أناسًا من المسلمين أصابوا منه، ثم جاءوا إلى المصلى يصلون مع النبي ﷺ ، فنهاهم عنها، ثم جاءوا بعد ذلك إلى المصلى، فنهاهم عنها، ثم جاءوا بعد ذلك إلى المصلى، فوجد ريحها منهم، فقال: من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا في مسجدنا.
[ضعيف] (٣).
стр. 8553
فحديث معقل حصل في مصلى، والمصلى لا يأخذ حكم المسجد، فلا يصح الاعتكاف فيه، ولا تشرع له تحية المسجد، ولا تمتنع منه الحائض على القول بأنها ممنوعة، فلو صح حديث معقل لكان الحكم عامًّا في كل مجمع عبادة، ولو لم يكن مسجدًا، ولدخل في ذلك مجالس الذكر، والعلم، وحلق التعليم، ونحوها، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٣٠١٤) ما رواه أبو نعيم في الحلية، من طريق محمد بن إسحاق البكري حفظًا، حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن الزهري،
عن أنس: أن النبي ﷺ كان لا يأكل الثوم، ولا الكراث، ولا البصل، من أجل أن الملائكة تأتيه ولأنه يكلم جبريل ﵉.
[منكر، والمعروف أنه مرسل] (١).
ولكن معناه صحيح، فقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قربها لبعض أصحابه، وقال له: كل فإني أناجي من لا تناجي (٢).
فهذه علة أخرى خاصة بالنبي ﷺ في الامتناع عنها مطلقًا، ولو خارج المسجد، زيادة على ما صح من التعليلات العامة السابقة لعموم الناس لما فيها من أذية عموم
стр. 8554
الملائكة، وأذية بني آدم، وصيانة المساجد من الروائح الكريهة.
(ح-٣٠١٥) فقد روى مسلم من طريق هشام الدستوائي، عن أبي الزبير،
عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإنس (١).
فالملائكة عام، وليس خاصًا بملائكة الوحي.
قال ابن رجب: «ولا ينافي التعليل بمناجاة الملك التعليل بمناجاة بني آدم، كما ورد تعليل النهي عن قربان أكل الثوم للمساجد بالعلتين جميعًا» (٢).
وقال ابن رجب «خرج ابن جرير الطبري خرج بإسناد فيه ضعف من حديث أبي أيوب الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: لما امتنع من أكل الطعام الذي أرسله إليه: (إن فيها هذه البقلة: الثوم، وأنا رجل أقرب الناس وأناجيهم، فأكره أن يجدوا مني ريحه، ولكن مر أهلك أن يأكلوها).
وهذه الرواية: تدل على أنه كره أكلها لكثرة مخالطته للناس وتعليمهم القرآن والعلم، فيستفاد من ذلك: أن من كان على هذه الصفة، فإنه يكره له من ذلك ما لا يكره لمن لم يكن مثل حاله» (٣).
• الراجح:
أن أكل الثوم مباح والدخول إلى المسجد لمن أكله حرام، وإذا وجب على المكلف دخول المسجد حرم عليه أكل الثوم، وقبل ذلك يكون تناوله على الإباحة، والله أعلم، وسوف يتبين زيادة تفصيل عند الكلام على أكلها يوم الجمعة، فانظره في الفصل التالي إن شاء الله تعالى.
стр. 8555
المطلب الثاني حكم أكل الثوم في يوم الجمعة
المدخل إلى المسألة:
• كره الشافعية والحنابلة أكل الثوم، وكرهوا دخول المسجد، وعدوا ذلك عذرًا في التخلف عن الجمعة، والسؤال: كيف تترك الجمعة، وهي فرض بالإجماع من أجل مكروه؟
• لا يقدم ترك المكروه على فعل الواجب، فالأصل أن الواجب لا يترك إلا لما هو أوجب منه.
• لو كان دخول المسجد مكروهًا لكان مجرد الحاجة ترفع الكراهة، فكيف بحضور الجمعة؟ فالصحيح أن دخول المسجد محرم.
• إذا تزاحم فعل الواجب (شهود الجمعة) وترك المحرم (دخول المسجد)، فيقدم ترك المحرم؛ لحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فاجتنبوه).
• صلاة الجمعة مجمع على وجوبها، ويلزم منه وجوب الامتناع عن أكل الثوم إذا وجبت عليه الجمعة.
•إذا وجبت الجمعة حرم على المسلم من أهل الحضر كل ما يحبس عنها من بيع، وقعود، ورقاد، وصلاة، وسفر، ومنه أكل الثوم.
[م-١٠٠٢] وقفنا في المسألة السابقة على حكم دخول المسجد لمن أكل الثوم، وأن العلماء اختلفوا فيه بين الكراهة والتحريم.
والسؤال: ما حكم أكلها يوم الجمعة، وما حكم شهود الجمعة لمن أكلها؟
فمن قال: يكره دخول المسجد، فهؤلاء اختلفوا على ثلاثة أقوال:
стр. 8556
القول الأول:
منهم من عد الأكل من الثوم ونحوه عذرًا للتخلف عن الجمعة والجماعة، كالشافعية والحنابلة، وبعض المالكية، وسبق العزو إلى القول في المسألة السابقة.
جاء في مطالب أولي النهى: «يعذر بترك الجمعة والجماعة آكلُ نحوِ بصلٍ، كثوم، وكراث، وفجل، وكل ما له رائحة منكرة، وهو مُتَّجِهٌ» (١).
مع تصريحهم بكراهة دخول المسجد، جاء في دقائق أولي النهى: «وكره حضور مسجد، وحضور جماعة لآكل بصل، أو فجل ونحوه، كثوم وكراث حتى يذهب ريحه» (٢).
والسؤال: كيف تترك الجمعة، وهي فرض بالإجماع من أجل دفع مكروه؟
لعلهم جعلوا ذلك من قبيل الرخصة، فيجوز التخلف، ولا يجب، وهو ظاهر كلام بعض الشافعية، حيث صرح جماعة من متأخري الشافعية أنه لو أكل الثوم بقصد إسقاط الجمعة أثم، ولم تسقط عنه، ويلزمه الحضور، ويسن له السعي في إزالة الرائحة (٣).
стр. 8557
فأسقط عنه الترخص بالتخلف إذا قصد التحايل على إسقاط الجمعة، وألزمه بالحضور مع وجود الرائحة الكريهة، ولو كان تخلفه عزيمة من أجل أذية الناس والملائكة لاقتصر على تأثيمه، ولما أوجب عليه الحضور، ولأوجب عليه إزالة الريحة، ولم يجعل إزالتها سنة.
والرخصة قد تكون واجبة كالأكل من الميتة لمن خشي الهلاك، وقد تكون مستحبة كالقصر في السفر، وقد تكون مكروهة، أي: خلاف الأولى، ومثلوا له بالفطر في حق المسافر الذي لا يشق عليه الصوم، وقد تكون مباحة، وهذا كثير.
فهذه من قبيل الرخص المكروهة، فهل يمكن تخريج ترك الجمعة الواجبة مع قولهم: يكره أكله ويكره دخول المسجد، هل يمكن أن يخرج على الرخص المكروهة، الله أعلم.
• ويناقش:
هناك فرق بين الصيام لمن لا يشق عليه في السفر؛ لأن الفطر نفسه مباح، فإذا أفطر من لا يشق عليه الفطر، فهو لم يترك واجبًا من أجل دفع مكروه، بخلاف الأكل من الثوم فهو وإن كان الأصل في أكله أنه مباح أو مكروه،، لكن إذا أكله، فإما أن نقول: يجب عليه حضور الجمعة مع الكراهة، وهذا متوافق مع حكم أكله وحكم دخول المسجد.
وإما أن نقول: لا يحضر الجمعة، وهي فرض عين، وإذا ترتب على المباح أو المكروه ترك واجب حرم أكل الثوم، كسائر المباحات والمكروهات إذا ترتب عليها ترك واجب، فالسمر مع الزوج مباح، ولو ترتب على السهر النوم عن صلاة الفجر حرم السمر، والبيع بعد نداء الجمعة مباح، وإذا ترتب عليه الانشغال عن الجمعة حرم البيع. فأما القول بأن أكل الثوم مكروه، ودخول المسجد مكروه، وإذا أكله لا يصلي الجمعة في المسجد، كان هذا القول على خلاف القواعد؛ حيث قدم ترك المكروه على فعل الواجب، والأصل أن الواجب لا يترك إلا لما هو أوجب منه، كأن يكون دخول المسجد حرامًا، فيتزاحم فعل الجمعة الواجب وترك المحرم، فيقدم ترك المحرم (الذي هو الدخول إلى المسجد) على الواجب؛
стр. 8558
لحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فاجتنبوه). والله أعلم.
القول الثاني:
من الفقهاء من أوجب عليه حضور الجمعة؛ وجعل إزالة رائحتها سنة؛ لأن حضور الجمعة واجب، فلا يترك لدفع مكروه، نص عليه الرملي في فتاويه.
جاء في فتاوى الرملي: «سئل: عمن أكل ذا ريح كريه في يوم جمعة جاهلًا بأنه يوم جمعة، وكانت إزالته غير عسرة، فهل تجب عليه إزالة ذلك؛ ليحضر، أو يجب عليه الحضور، ولو لم يزلها؟
فأجاب: بأنه يجب عليه تحصيل الجماعة، وإن لم يزلها؛ لأن إزالته سنة» (١).
وهذا الكلام من الرملي وإن كان متوافقًا مع حكم أكل الثوم في مذهب الشافعية، إلا أنه خلاف المعتمد في مذهب الشافعية.
القول الثالث:
من الفقهاء من فرق بين الجماعة والجمعة، فأباح له أكل الثوم للتخلف عن الجماعة؛ لعدم وجوبها عنده، ومنعه من أكل الثوم للتخلف عن الجمعة إذا وجبت عليه.
اختار هذا ابن عبد البر، قال في التمهيد: «في هذا الحديث -يعني: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا- من الفقه أيضًا: أن حضور الجماعة ليس بفرض؛ لأنه لو كان فرضًا ما كان أحد ليباح له ما يحبسه عن الفرض، وقد أباحت السنة لآكل الثوم التأخر عن شهود الجماعة، وقد بينا أن أكله مباح، فدل ذلك على ما وصفنا، وبالله عصمتنا. ألا ترى أن الجمعة إذا نودي لها، حرم على المسلمين من أهل الحضر كل ما يحبس عنها من بيع، وقعود، ورقاد، وصلاة، وكل ما يشتغل به المرء عنها؟ وكذلك من كان من أهل المصر حاضرًا فيه، لا عذر له في التخلف عن الجمعة؛ أنه لا يحل له أن يدخل على نفسه ما يحبسه عنها، فلو كانت الجماعة فرضًا، لكان أكل الثوم في حين وقت الصلاة حرامًا، وقد ثبتت إباحته، فدل ذلك على أن حضور الجماعة ليس بفرض، والله أعلم» (٢).
وقال ابن دقيق العيد: «الحديث صريح في التخلف عن الجماعة في المساجد
стр. 8559
بسبب أكل هذه الأمور. واللازم عن ذلك أحد أمرين:
إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحًا، وصلاة الجماعة غير واجبة على الأعيان.
أو تكون الجماعة واجبة على الأعيان، ويمتنع أكل هذه الأشياء إذا آذت، إن حملنا النهي عن القربان على التحريم، وجمهور الأمة على إباحة أكلها؛ لقوله ﵇: (ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكني أكرهه).
ولأنه علل بشيء يختص به. وهو قوله ﵇: (فإني أناجي من لا تناجي).
ويلزم من هذا: أن لا تكون الجماعة في المسجد واجبة على الأعيان.
وتقريره: أن يقال: أكل هذه الأمور جائز بما ذكرناه، ومن لوازمه: ترك صلاة الجماعة في حق آكلها للحديث. ولازم الجائز جائز. فترك الجماعة في حق آكلها جائز. وذلك ينافي الوجوب عليه. ونقل عن أهل الظاهر أو بعضهم: تحريم أكل الثوم، بناء على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان» (١).
وحيث إن صلاة الجمعة مجمع على وجوبها، فيلزم منه وجوب الامتناع عن أكلها يوم الجمعة؛ لأنه جعل ما كان واجبًا على الأعيان يمتنع عليه تناول ما يمنعه من شهود ذلك، والله أعلم.
وأما من قال: يحرم دخول المسجد لمن أكل ثومًا، وهو مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب المالكية، ووجه في مذهب الحنابلة، ومذهب الظاهرية، فاختلفوا أيضًا على أقوال:
القول الأول:
يحرم أكلها على كل من علم بخروج الوقت، أو فوات الجمعة قبل زوال الرائحة، وهذا توجيه من قال بوجوب الجماعة والجمعة، كالحنفية، وابن حزم (٢).
стр. 8560
ومن خصَّ وجوب الجماعة للجمعة حرَّم أكل الثوم يوم الجمعة على من يلزمه حضورها.
وهذان القولان لا اعتراض عليهما؛ لأن قولهما في أكل الثوم متفق مع حكمهما على صلاة الجماعة والجمعة، فيباح أكل الثوم إذا لم يترتب عليه ترك واجب.
القول الثاني:
قالوا: يجب عليه أن يستعمل ما يزيل رائحته، نص على ذلك اللخمي.
قال اللخمي: «على كل من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا نَيَّئًا أن يستعمل ما يزيل ذلك عنه» (١).
وقال في التبصرة: «لقول النبي ﷺ : (من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا)، فأسقط حقه من المسجد، وإذا كان من حق المصلين والملائكة والمسجد أن يخرج عنهم، وكان حضور الجمعة واجبًا، وجب عليه أن يزيل ما عليه من تلك الروائح، وأما قول النبي ﷺ فيمن كان يوجد منه الريح: ( … لو اغتسلتم)، ولم يوجب ذلك، فإن تلك الروائح قد ألفها بعضهم من بعض، ولم يستثقلوها، وليست رائحة العباء كغيرها (٢).
وهذا القول حسن لو كان ذلك بالإمكان، فجزء من الرائحة ينبعث من المعدة،
стр. 8561
ولم يبين صاحب هذا القول: ما السبيل إذا تعذرت إزالة الرائحة، هل يشهد الجمعة مع بقاء الرائحة، أو يعذر؛ لعجزه؟
القول الثالث:
يحرم عليه دخول المسجد، ويلزم منه تحريم أكل الثوم يوم الجمعة إذا علم أن رائحته لا تزول وقت الصلاة، وإذا أكله فقد عصى، ولا يشهد الجمعة.
جاء في مواهب الجليل: «وهل يجوز للشخص أكلها يوم الجمعة؟
الذي يفهم من كلام الْأَبِيِّ في شرح مسلم، أنه إذا علم أنها لا تزول من فيه بعد زوال الشمس، أنه لا يجوز أكلها» (١).
وقد عد الشيخ خليل من المالكية أكل الثوم من الأعذار المبيحة للتخلف، فقال في المختصر: «وعذر تركها والجماعة: شِدّّةُ وَحَل … وأكلٌ كثوم». زاد الدردير في الشرح: «وحرم أكله يوم الجمعة على من تلزمه» (٢).
فكونه يعذر في التخلف لا يجعل من أكله مباحًا؛ إذ لو كان أكله مباحًا للزم منه جواز التخلف عن الجمعة؛ لأن لازم الجائز جائز؛ وهذا مخالف للإجماع.
ولأن كل ما يمنع من إتيان الفرض والقيام به، فحرام عمله والتشاغل به، فإذا كان أكل الثوم سيمنع من مشاهدة الجمعة كان حرامًا على الإنسان أكله في ذلك اليوم، والله أعلم.
فالجمعة واجبة على الأعيان، ولا تتم إلا بترك أكل الثوم؛ لهذه الأحاديث، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
стр. 8562
ولذلك ذكر في أسنى المطالب: أن الخوف على خبزه في التنور أو على طبيخه في القدر على النار ولا متعهد يخلفه أن ذلك عذر في التخلف عن الجماعة، قال الزركشي: هذا إذا لم يقصد بذلك إسقاط الجمعة، وإلا فليس بعذر، ولو وقع ذلك يوم الجمعة حرم عليه كالسفر يومها (١).
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: «من أكل الثوم يوم الجمعة لا أرى له أن يشهد الجمعة في المسجد، ولا في رحابه، وبئس ما صنع حين أكل الثوم، وهو من أهل الجمعة» (٢).
فالإمام مالك في هذه الرواية جعل أكل الثوم ونحوه مانعًا من صلاة الجمعة في المسجد ورحابه. ولم يتكلم عن سقوط الجمعة، وهذا نص في تحريم دخول المسجد.
وهل له أن يصلي في فناء المسجد حيث منع من الصلاة فيه وفي رحابه؟ علمًا أن المالكية في المعتمد يمنعون من صلاة الجمعة بالأفنية في حال الاختيار وسعة الجامع.
في هذه المسألة لهم قولان:
قيل: يصلي في فناء المسجد، ولا يصلي فيه، ولا في رحابه، اختاره ابن شعبان؛ لكونه ممنوعًا من الدخول إلى الجامع شرعًا، فأشبه من صلّى بالفناء، وقد ضاق المسجد عنه، وقد يجوز لصاحب العذر ما لا يجوز لغيره (٣).
وقيل: يصليها ظهرًا، وهو اختيار خليل في مختصره حيث عد ذلك عذرًا في التخلف عن الجمعة، وأطلق الخلاف المازري، ولم يجزم بشيء (٤).
стр. 8563
• الراجح:
الذي يظهر لي أن الرجل إذا أكل الثوم قبل وجوب الجمعة عليه، فالعذر يكون سابقًا لوجوب الجمعة، فلم تجب عليه، فيجوز له التخلف بشرط ألا يكون قد تناول هذا حيلة.
قال ابن عبد البر: «الجمعة إذا نودي لها، حرم على المسلمين من أهل الحضر كل ما يحبس عنها من بيع، وقعود، ورقاد، وصلاة، وكل ما يشتغل به المرء عنها؟ وكذلك من كان من أهل المصر حاضرًا فيه، لا عذر له في التخلف عن الجمعة؛ أنه لا يحل له أن يدخل على نفسه ما يحبسه عنها» (١).
وكلام ابن عبد البر صريح في المنع بعد وجوب الجمعة عليه وذلك بعد النداء لها، وأما قبل النداء فلم تجب عليه الجمعة.
وتسقط الجمعة بالسفر، وهو في أصله مباح، لكن يحرم السفر على من أنشأه بعد وجوب الجمعة؛ فكذلك الثوم، فمن أكله قبل وجوب الجمعة عليه كره له، وسقطت عنه الجمعة؛ لأن الجمعة لم تجب عليه.
وبعد وجوب الجمعة عليه يحرم على من تلزمه الجمعة أكله على خلاف بين الفقهاء متى يدخل وقت الجمعة.
وقال محمد بن عبد الدائم البرماوي الشافعي: «الذي أعتقده، وأدين لله به أنه يحرم بعد الفجر كالسفر» (٢).
وقد أجاز المالكية، والشافعية في أحد القولين النوم للمكلف قبل دخول الوقت، ولو غلب على ظنه أنه لا يقوم للصلاة، وبعد دخول الوقت لا يجوز له النوم إلا إذا غلب على ظنه أنه يقوم في الوقت.
جاء في الشرح الصغير: «ولا يحرم النوم قبل الوقت، ولو علم استغراقه
стр. 8564
الوقت، بخلافه بعد دخول الوقت» (١).
وجاء في نهاية المحتاج: «فإن نام قبل دخول الوقت، لم يحرم، وإن غلب على ظنه عدم تيقظه فيه؛ لأنه لم يخاطب بها» (٢).
فإن قيل: ثبت أن النبي ﷺ كان يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها، وهذه كراهية قبل وجوبها.
أجاب الشبراملسي من الشافعية بقوله: «الكراهة لخفة أمرها توسعوا فيها فأثبتوها لمجرد الاحتياط، ولا كذلك التحريم» (٣).
بل أطلق النبي ﷺ الكراهة على المستحب إذا وقع خلاف الأكمل، فقال: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة). رواه أحمد وغيره من حديث المهاجر بن قنفذ (٤).
فالذكر مستحب، ولو من المحدث، إلا أنه من المتطهر أكمل.
стр. 8565
المطلب الثالث في إخراج آكل الثوم من المسجد
المدخل إلى المسألة:
• إباحة الثوم لا تعني إباحة الدخول إلى المسجد، لقوله ﷺ : (فلا يغشانا في مساجدنا).
• قال ﷺ : (من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربنا في مسجدنا)، الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير (نا): أي فلا يقربنا حال كوننا في المسجد، ومفهومه: جواز قربانهم في غير المسجد.
• تقييد النهي في المسجد مفهومه جواز غشيان الأسواق والمجامع الأخرى من حلق الذكر وغيرها سوى المسجد.
• أذية الرائحة أخف من غيرها؛ لهذا كان النهي مقيدًا في المسجد.
• قول النبي ﷺ للمغيرة: (إن لك عذرًا) يحتمل أنه عنى العذر في أكله، وليس في دخول المسجد.
[م-١٠٠٣] هل يُخْرَج آكل الثوم من المسجد؟
الخلاف في إخراجه من المسجد مبني على الخلاف في حكم دخوله.
فمن قال بكراهة دخوله المسجد استحب إخراجه منه، وهو أحد القولين في المالكية، ومذهب الشافعية، والحنابلة (١).
قال الخرشي: «إذا أكل شيئًا من ذلك خارج المسجد، فهل يجوز لآكله
стр. 8566
الدخول فيه، أو يكره؟ قولان» (١).
وجاء في دقائق أولي النهى: «ويستحب إخراجه» (٢).
• واستدلوا على عدم وجوب إخراجه:
(ح-٣٠١٦) بما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة،
عن المغيرة بن شعبة، قال: أكلت ثومًا، ثم أتيت مصلى النبي ﷺ ، فوجدته قد سبقني بركعة، فلما صلى، قمت أقضي، فوجد ريح الثوم، فقال: من أكل هذه البقلة، فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها. قال: فلما قضيت الصلاة أتيته، فقلت: يا رسول الله إن لي عذرًا، ناولني يدك، قال: فوجدته والله سهلًا، فناولني يده، فأدخلتها في كمي إلى صدري، فوجده معصوبًا، فقال: إن لك عذرًا (٣).
[اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني إرساله] (٤).
стр. 8567
وقد احتج ابن قدامة في المغني بخبر المغيرة أنه لا يحرم الدخول؛ لأنه عليه أفضل الصلاة والسلام لم يخرجه من المسجد. وقال: إن لك عذرًا.
وجاء في نهاية المحتاج: «ولا يكره للمعذور دخول المسجد، ولو مع الريح، صرح به ابن حبان -يعدونه من أصحابهم- بخلاف غيره، فإنه يكره في حقه كما في آخر شروط الصلاة من الروضة .... والأوجه كما يقتضيه إطلاقهم عدم الفرق بين المعذور وغير المعذور؛ لوجود المعنى، وهو التأذي» (١).
• ويجاب:
بأن دخول المغيرة المسجد كان بعد إقامة الصلاة؛ وشروعهم فيها؛ لأنه قد فاتته بعض الصلاة، فلم يكن بالإمكان منعه من الدخول، وبعد الفراغ من الصلاة سوف ينصرف الناس من المسجد، فلا حاجة لإخراجه.
وأما قوله: (إن لك عذرًا) فيحتمل أنه عنى العذر في أكله، وليس في دخول المسجد، وقد أبان تخريج الحديث أن المحفوظ فيه أنه مرسل، والمرسل مختلف في الاحتجاج به، وأهل الحديث على رده، فلا يعارض به الأحاديث الكثيرة في
стр. 8568
الصحيحين بالنهي عن قربان المسجد، والأمر باعتزاله، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يأمر بإخراج من أكله إلى البقيع.
والأذية منه لا فرق فيه بين المعذور وغيره، والله أعلم.
ومن قال بتحريم دخول المسجد، فقد أوجب إخراجه منه، نص عليه بعض الحنفية، وهو أحد القولين في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة، وبه قال أهل الظاهر (١).
جاء في المنتقى شرح الموطأ: «وهل يدخلها من أكل الثوم إذا لم يكن فيها أحد؟ قال القاضي أبو الوليد: وعندي أنه لا يجوز ذلك؛ لقوله ﷺ : فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم» (٢).
وجاء في شرح الخرشي: يحرم أكل شيء من ذلك خارج المسجد يوم الجمعة قبل الصلاة ما لم يكن عنده ما يزيل به رائحة المأكول (٣).
ويلزم من تحريم دخولها إخراجه منها؛ لأن بقاءه فيها منكر.
قال في الفروع: «إن حرم دخوله وجب إخراجه، وإلا استحب» (٤).
وقال الحموي الحنفي بعد أن نقل هذه المسألة عن بعض الشافعية، قال: «قواعد مذهبنا لا تأبى شيئًا مما ذكر» (٥).
بل نص أبو سعيد الخادمي الحنفي على وجوب إخراجه من المسجد، ونسب ذلك إلى الفقهاء، قال في بريقة محمودية: «قال الفقهاء: كل من وجد فيه رائحة كريهة، ولو سماوية كالبخر، يجب إخراجه من المسجد» (٦).
стр. 8569
• واستدلوا على وجوب إخراجه:
(ح-٣٠١٧) روى مسلم من طريق هشام، حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد،
عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر فيما قال: .... إنكم، أيها الناس! تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين. هذا البصل والثوم. لقد رأيت رسول الله ﷺ ، إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد، أمر به فأخرج إلى البقيع. فمن أكلهما فليمتهما طبخًا (١).
فلو كان له حق في دخول المسجد لم يخرج منه بهذه الصورة.
(ح-٣٠١٨) وروى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله قال: حدثني نافع،
عن ابن عمر ﵄: «أن النبي قال في غزوة خيبر: من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن مسجدنا (٢).
(ح-٣٠١٩) وروى البخاري ومسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب، قال:
سئل أنس، عن الثوم فقال: قال رسول الله ﷺ : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا، ولا يصلي معنا (٣).
(ح-٣٠٢٠) وروى مسلم من طريق من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنَّ مسجدنا، ولا يؤذينَّا بريح الثوم (٤).
• والراجح
وجوب إخراجه؛ لأن العلة الأذية للغير، وهي محرمة؛ ولأن الأحاديث فيها
стр. 8570
النهي عن دخول المسجد، والأصل في النهي التحريم، فمن دخل فقد انتهك النهي، وتعدى على غيره بالأذية فوجب إخراجه، وقد كان النبي ﷺ يأمر بإخراجه إلى البقيع، ونبي الرحمة ما خير بين أمرين إلا أختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فلولا أن بقاءه من الإثم لما أخرج بهذه الطريقة، والله أعلم.
стр. 8571
المطلب الرابع من أكل ثومًا وأمكنه الاقتداء بالإمام خارج المسجد
المدخل إلى المسألة:
• الاقتداء بالإمام له أربعة طرق: إما سماع الإمام أو سماع المبلغ عنه، وإما رؤية الإمام، أو رؤية من خلفه، والسماع مقدم على الرؤية.
• شروط العبادة توقيفية يتوقف عليها صحة العبادة، فلا تثبت إلا بنص أو إجماع.
• المسافة بين الإمام والصف الأول، وبين الصفوف بعضها ببعض لا يوجد فيها تقدير من الشارع، والمقادير تحتاج إلى توقيف، لا تدرك بالاجتهاد.
• إذا لم تشترط الرؤية لصحة الاقتداء داخل المسجد فيصح اقتداء من على سطح المسجد أو في قبوه، لم تشترط الرؤية خارج المسجد.
• إذا لم يشترط اتصال الصفوف داخل المسجد لم يشترط اتصالها خارج المسجد.
• العبرة بالاقتداء إمكانية السماع، وإذا لم يمكن السماع قامت الرؤية مقامه.
• اشتراط اتصال الصفوف، أو عدم وجود حائل من جدار، أو نهر أو طريق لصحة الاقتداء لا دليل عليها، والشروط لا تثبت إلا بنص أو إجماع.
[م-١٠٠٤] لو أكل ثومًا وأمكنه الاقتداء بالإمام، وهو خارج المسجد، وكان يرى الإمام أو من خلفه، فهل يلزمه حضور الجمعة؟
هذا يتوقف على صحة اقتداء من كان خارج المسجد إذا لم تتصل الصفوف،
فقيل: لا يصح إلا بشرط اتصال الصفوف، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد اختارها الخرقي (١)، وهذا أضيق المذاهب.
стр. 8572
وقيل: بصحة الاقتداء، ولو لم تتصل الصفوف، وهم الجمهور، على خلاف بينهم في اشتراط الرؤية، وعدم وجود حائل من نهر أو طريق.
فقال المالكية: إذا أمكن الاقتداء برؤية أو سماع صح الاقتداء، وإن اختلف المكان، ولو فصل نهر أو طريق إلا في الجمعة (١).
وقيل: يصح الاقتداء بشرط: رؤية الإمام أو من خلفه، وعدم وجود حائل من طريق أو نهر، ولم ينفرد المأموم في الصف، وهذا مذهب الحنابلة (٢).
стр. 8573
وقيل: يصح الاقتداء بشرط الرؤية لمن في المسجد، وقرب المسافة، ولو حال طريق أو نهر، وقدروا البعد بثلاثمائة ذراع تقريبًا لا تحديدًا على الأصح، وتعتبر المسافة في الأصح من آخر المسجد، وليس من آخر صف في المسجد، وهذا مذهب الشافعية (١).
والتقادير مبناها على التوقيف، ولا نص يمكن الفصل فيه.
إذا وقفت على هذا التفصيل نأتي لمسألتنا:
فعلى قول الجمهور الذي لا يشترط للاقتداء اتصال الصفوف، فإن من أكل ثومًا، لو صلى خارج المسجد، وأمكن الاقتداء بالإمام بالسماع فقط عند المالكية في غير الجمعة، أو بشرط رؤية الإمام أو من خلفه عند الشافعية والحنابلة أنه صلاته صحيحة، واشترط الحنابلة أن يصلى معه شخص آخر حتى لا ينفرد في الصف.
قال المازري المالكي بعد أن ذكر الخلاف في حضور الأجذم: «لا يجدون موضعًا يتميزون فيه مما تجزئ فيه صلاة الجمعة. وأما لو وجدوه لوجبت عليهم الجمعة، ومنعت الخلطة؛ لأنا يمكننا حينئذ إقامة الحقين جميعًا: حق الله تعالى، وحق الناس.
ولا شك أن الجامع إذا ضاق بأهله وأتوا للصلاة متميزين عن الناس في الأقبية بموضع لا يلحق الناس ضررهم أن الجمعة واجبة عليهم؛ إذا صلوا بمكان لا يلحق ضررهم الناس، وكان المكان مما تجزي فيه الجمعة» (٢).
جاء في حاشية الرملي على أسنى المطالب: «لو كان به ريح كريه، وأمكنه
стр. 8574
الوقوف خارج المسجد بحيث لا يؤذي، فينبغي أن يلزمه حضور الجمعة» (١).
أما أدلة هذه المسألة فسوف أذكرها إن شاء الله تعالى في أحكام الاقتداء فذاك موضعها إن شاء الله تعالى، بلغني الله ذلك بمنه وكرمه.
стр. 8575
المطلب الخامس في غشيان آكل الثوم مجامع الناس وأسواقهم
المدخل إلى المسألة:
• لم تمنع النصوص من أكل الثوم، ولكنها منعت دخول المسجد لمن أكله.
• قال ابن دقيق العيد: «توسع القائسون، فأجروا حكم المجامع التي ليست بمساجد، كمصلى العيد، ومجمع الولائم مجرى المساجد لمشاركتها في تأذي الناس بها، فصرح ابن دقيق أن إدخال ما ليس بمسجد في حكم المسجد جرى من باب التوسع بالقياس، وليس لدلالة النصوص.
• حملت النصوص ثلاث تعليلات في أكل الثوم: حرمة المسجد، وأذية الملائكة، وأذية الناس.
• من العلماء من رأى أن هذه العلل هي علل متعددة، كل علة منها مستقلة إذا وجدت استقلت بالحكم، ولا مانع أن يعلل الحكم بأكثر من علة على الصحيح.
• مقتضى القول أنها علل مستقلة، منع آكل الثوم من غشيان الناس في مجامعهم وأسواقهم، ومن دخول المسجد، ولو كان خاليًا، ومنع جماعة المسجد من دخوله لو أكل الجميع الثوم.
• من العلماء من رأى أن هذه العلل الثلاث هي علة واحدة مركبة، والعلة المركبة إذا وجد بعض أجزائها في محل الحكم لا يكفي لترتب الحكم حتى يجتمع أجزاء العلة، كتعليل الربا بالطعم والكيل، لا يستقل أحدهما بالحكم.
• إذا تخلف جزء من العلة لم يترتب الحكم عليها، فيجوز للجماعة المحصورة إذا أكلت ثومًا أن تدخل المسجد، وأن تصلي فيه، ويجوز لمن أكل ثومًا أن
стр. 8576
يدخل المسجد إذا كان خاليًا، ويجوز له أن يغشى الأسواق ومجامع الناس؛ لفوات جزء من العلة.
• سئل مالك، أيكره لآكل الثوم المشي في السوق؟ فقال: ما سمعت ذلك إلا في المسجد.
[م-١٠٠٥] لو خلا المسجد من آدمي، فهل يجوز لآكل الثوم دخول المسجد؟
وهل يختص النهي بالمسجد، فلو صلى آكل الثوم مع جماعة خارج المسجد، كما لو كانوا في بستان أو في سفر، ونحوهما، فهل يشمله النهي؟
ولو اتفق أهل بلد جميعهم على أكل البصل، فهل يكره حضورهم للجمعة؟
وما حكم خروج آكل الثوم إلى مجامع الناس وأسواقهم؟.
هذه المسائل جمعتها؛ لأن الخلاف فيها واحد، ومرده إلى الاختلاف في توصيف علية النهي عن أكل الثوم.
• وقد اختلف الفقهاء في هذه المسائل على أقوال، منها:
القول الأول: مذهب المالكية:
قسم المالكية المجامع إلى قسمين:
مجامع للعبادة -ولو لم تكن مسجدًا- فهذا يمنع منها آكل الثوم، فألحقوا مصلى العيد والجنائز بالمسجد، وكذلك مجالس العلم، وحلق الذكر.
ومجامع للدنيا كالأسواق، فلا يمنع منها آكل الثوم.
وأما المسجد فمنعوا من دخوله، ولو كان خاليًا (١).
جاء في البيان والتحصيل: «سألت مالكًا عن آكل الثوم، أيكره له المشي في السوق؟ فقال: ما سمعت ذلك إلا في المسجد» (٢).
وجاء في شرح الزرقاني: «وحرم أكله بمسجد، وكذا بغيره لمن يريد جمعة،
стр. 8577
أو جماعة، أو مجلس علم، أو ذكر، أو وليمة، أو مصلى عيدين، أو جنائز، وتأذوا برائحته إلا أن يقدر على إزالته بمزيل» (١).
وقال أبو الوليد الباجي: «هل يدخلها - يعني المساجد- من أكل الثوم إذا لم يكن فيها أحد؟ قال: عندي أنه لا يجوز ذلك؛ لقوله ﷺ : فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم» (٢).
القول الثاني: مذهب الشافعية.
جاء في تحفة المحتاج: «كره لآكل ذلك -ولو لعذر- فيما يظهر الاجتماع بالناس» (٣).
جاء في نهاية المحتاج: «ولا فرق في ثبوت الكراهة بين كون المسجد خاليًا، أو لا» (٤).
وجاء في حاشية ابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج: «موضع الجماعة خارج المسجد ينبغي أن حكمه حكم المسجد فليتأمل» (٥).
وما ذكره العبادي لا يوافق عليه الشافعية:
جاء في حاشية الرملي على أسنى المطالب: «لو كان به ريح كريه، وأمكنه الوقوف خارج المسجد بحيث لا يؤذي، فينبغي أن يلزمه حضور الجمعة» (٦).
ونص الشافعية على أن حريم المسجد لا يثبت له حكم المسجد في جواز الاعتكاف فيه، وتحريم المكث على الجنب، والمرور على الحائض (٧).
وجاء في حاشية الرملي على أسنى المطالب: «ولو اتفق أن أهل بلد جميعهم أكلوا بصلًا ونحوه يوم الجمعة، وتعذر زوال رائحته، فهل يكره حضورهم، فتسقط عنهم الجمعة أم لا؟ يجب حضورهم وصلاتهم الجمعة» (٨).
стр. 8578
فكان المدار عندهم على أذية الناس في المسجد، وجعلوا أذية الملائكة وحرمة المسجد تبعًا.
ويظهر أن المتقدمين من الشافعية لا نصوص عندهم على بعض هذه الفروع، وأما المتأخرون فمختلفون فيما بينهم، والله أعلم.
القول الثالث:
قال الحنابلة: يكره حضور مسجد وجماعة مطلقًا، ولو لم يكن بمسجد، ولو في غير صلاة (١).
فجعلوا الكراهة في المسجد مطلقًا حرمة للمسجد، وفي الجماعة سواء كان ذلك في عبادة أم في غيرها.
وقد انتقد ابن دقيق العيد هذا التوسع في القياس.
قال ابن دقيق العيد: «وقد توسع القائسون في هذا … وأجروا حكم المجامع التي ليست بمساجد، كمصلى العيد، ومجمع الولائم مجرى المساجد لمشاركتها في تأذي الناس بها» (٢).
فصرح ابن دقيق أن إدخال ما ليس بمسجد في حكم المسجد جرى من باب التوسع بالقياس، وليس لدلالة النصوص.
القول الرابع:
قال ابن حزم: «له الجلوس في الأسواق، والجماعات، والأعراس، وحيث شاء إلا المساجد؛ لأن النص لم يأت إلا فيها» (٣).
فصارت الأقوال كالتالي:
كراهة حضور المجامع مطلقًا للعبادة وغيرها.
كراهة حضور مجامع العبادة، في المساجد وغيرها، ولا يكره مجامع الأسواق ونحوها.
стр. 8579
اختصاص النهي في المساجد.
اختصاص النهي بأذية الناس في المسجد، فإذا كان المسجد خاليًا فلا يمنع آكل الثوم من دخولها، وكذا لا يمنع من الدخول جماعة كلها قد أكلت الثوم.
• دليل من قال: يكره حضور المجامع مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٠٢١) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، قال:
سئل أنس، عن الثوم فقال: قال رسول الله ﷺ : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا، ولا يصلي معنا. هذا لفظ مسلم (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (فلا يقربنا). قال ابن رجب: «وفي النهي لمن أكلهما عن قربان الناس: دليل على أنه يكره له أن يغشى الناس حتى يذهب ريحها، ولكن حضوره مجامع الناس للصلاة، والذكر، ومجالسته لأهل العلم والدين أشد كراهة من حضوره الأسواق، ومجالسته الفساق» (٢).
• وأجيب:
بأنه قد اختلف فيه على عبد العزيز بن صهيب:
فتارة رواه هكذا بالنهي عن الأمرين معًا: عن قربان الناس، وعن الصلاة مع المسلمين.
وتارة رواه بلفظ: (فلا يقربن مسجدنا) فقط.
وفي لفظ ثالث بالشك: (فلا يقربنَّ، أو لا يصلين معنا)، وهو حديث واحد، إما قال النبي ﷺ هذا، أو هذا، أو ذاك، وإذا شك الراوي في لفظ حديثه دل على عدم ضبطه، والمتيقن النهي عن دخول المسجد، فيختص الحكم به (٣).
стр. 8580
الدليل الثاني:
جاء الحديث بالأمر في قعوده ببيته، فلو كان مختصًّا بدخول المسجد لم يأمره بالقعود في البيت.
(ح-٣٠٢٢) فقد روى البخاري، قال: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته. وإنه أتي ببدر -قال ابن وهب: يعني طبقًا- فيه