← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

يدخل المسجد إذا كان خاليًا، ويجوز له أن يغشى الأسواق ومجامع الناس؛ لفوات جزء من العلة. • سئل مالك، أيكره لآكل الثوم المشي في السوق؟ فقال: ما سمعت ذلك إلا في المسجد. [م-١٠٠٥] لو خلا المسجد من آدمي، فهل يجوز لآكل الثوم دخول المسجد؟ وهل يختص النهي بالمسجد، فلو صلى آكل الثوم مع جماعة خارج المسجد، كما لو كانوا في بستان أو في سفر، ونحوهما، فهل يشمله النهي؟ ولو اتفق أهل بلد جميعهم على أكل البصل، فهل يكره حضورهم للجمعة؟ وما حكم خروج آكل الثوم إلى مجامع الناس وأسواقهم؟. هذه المسائل جمعتها؛ لأن الخلاف فيها واحد، ومرده إلى الاختلاف في توصيف علية النهي عن أكل الثوم. • وقد اختلف الفقهاء في هذه المسائل على أقوال، منها: القول الأول: مذهب المالكية: قسم المالكية المجامع إلى قسمين: مجامع للعبادة -ولو لم تكن مسجدًا- فهذا يمنع منها آكل الثوم، فألحقوا مصلى العيد والجنائز بالمسجد، وكذلك مجالس العلم، وحلق الذكر. ومجامع للدنيا كالأسواق، فلا يمنع منها آكل الثوم. وأما المسجد فمنعوا من دخوله، ولو كان خاليًا (١). جاء في البيان والتحصيل: «سألت مالكًا عن آكل الثوم، أيكره له المشي في السوق؟ فقال: ما سمعت ذلك إلا في المسجد» (٢). وجاء في شرح الزرقاني: «وحرم أكله بمسجد، وكذا بغيره لمن يريد جمعة،

стр. 8577

أو جماعة، أو مجلس علم، أو ذكر، أو وليمة، أو مصلى عيدين، أو جنائز، وتأذوا برائحته إلا أن يقدر على إزالته بمزيل» (١). وقال أبو الوليد الباجي: «هل يدخلها - يعني المساجد- من أكل الثوم إذا لم يكن فيها أحد؟ قال: عندي أنه لا يجوز ذلك؛ لقوله ﷺ : فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم» (٢). القول الثاني: مذهب الشافعية. جاء في تحفة المحتاج: «كره لآكل ذلك -ولو لعذر- فيما يظهر الاجتماع بالناس» (٣). جاء في نهاية المحتاج: «ولا فرق في ثبوت الكراهة بين كون المسجد خاليًا، أو لا» (٤). وجاء في حاشية ابن قاسم العبادي على تحفة المحتاج: «موضع الجماعة خارج المسجد ينبغي أن حكمه حكم المسجد فليتأمل» (٥). وما ذكره العبادي لا يوافق عليه الشافعية: جاء في حاشية الرملي على أسنى المطالب: «لو كان به ريح كريه، وأمكنه الوقوف خارج المسجد بحيث لا يؤذي، فينبغي أن يلزمه حضور الجمعة» (٦). ونص الشافعية على أن حريم المسجد لا يثبت له حكم المسجد في جواز الاعتكاف فيه، وتحريم المكث على الجنب، والمرور على الحائض (٧). وجاء في حاشية الرملي على أسنى المطالب: «ولو اتفق أن أهل بلد جميعهم أكلوا بصلًا ونحوه يوم الجمعة، وتعذر زوال رائحته، فهل يكره حضورهم، فتسقط عنهم الجمعة أم لا؟ يجب حضورهم وصلاتهم الجمعة» (٨).

стр. 8578

فكان المدار عندهم على أذية الناس في المسجد، وجعلوا أذية الملائكة وحرمة المسجد تبعًا. ويظهر أن المتقدمين من الشافعية لا نصوص عندهم على بعض هذه الفروع، وأما المتأخرون فمختلفون فيما بينهم، والله أعلم. القول الثالث: قال الحنابلة: يكره حضور مسجد وجماعة مطلقًا، ولو لم يكن بمسجد، ولو في غير صلاة (١). فجعلوا الكراهة في المسجد مطلقًا حرمة للمسجد، وفي الجماعة سواء كان ذلك في عبادة أم في غيرها. وقد انتقد ابن دقيق العيد هذا التوسع في القياس. قال ابن دقيق العيد: «وقد توسع القائسون في هذا … وأجروا حكم المجامع التي ليست بمساجد، كمصلى العيد، ومجمع الولائم مجرى المساجد لمشاركتها في تأذي الناس بها» (٢). فصرح ابن دقيق أن إدخال ما ليس بمسجد في حكم المسجد جرى من باب التوسع بالقياس، وليس لدلالة النصوص. القول الرابع: قال ابن حزم: «له الجلوس في الأسواق، والجماعات، والأعراس، وحيث شاء إلا المساجد؛ لأن النص لم يأت إلا فيها» (٣). فصارت الأقوال كالتالي: كراهة حضور المجامع مطلقًا للعبادة وغيرها. كراهة حضور مجامع العبادة، في المساجد وغيرها، ولا يكره مجامع الأسواق ونحوها.

стр. 8579

اختصاص النهي في المساجد. اختصاص النهي بأذية الناس في المسجد، فإذا كان المسجد خاليًا فلا يمنع آكل الثوم من دخولها، وكذا لا يمنع من الدخول جماعة كلها قد أكلت الثوم. • دليل من قال: يكره حضور المجامع مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٣٠٢١) ما رواه مسلم من طريق إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، قال: سئل أنس، عن الثوم فقال: قال رسول الله ﷺ : من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا، ولا يصلي معنا. هذا لفظ مسلم (١). وجه الاستدلال: قوله: (فلا يقربنا). قال ابن رجب: «وفي النهي لمن أكلهما عن قربان الناس: دليل على أنه يكره له أن يغشى الناس حتى يذهب ريحها، ولكن حضوره مجامع الناس للصلاة، والذكر، ومجالسته لأهل العلم والدين أشد كراهة من حضوره الأسواق، ومجالسته الفساق» (٢). • وأجيب: بأنه قد اختلف فيه على عبد العزيز بن صهيب: فتارة رواه هكذا بالنهي عن الأمرين معًا: عن قربان الناس، وعن الصلاة مع المسلمين. وتارة رواه بلفظ: (فلا يقربن مسجدنا) فقط. وفي لفظ ثالث بالشك: (فلا يقربنَّ، أو لا يصلين معنا)، وهو حديث واحد، إما قال النبي ﷺ هذا، أو هذا، أو ذاك، وإذا شك الراوي في لفظ حديثه دل على عدم ضبطه، والمتيقن النهي عن دخول المسجد، فيختص الحكم به (٣).

стр. 8580

الدليل الثاني: جاء الحديث بالأمر في قعوده ببيته، فلو كان مختصًّا بدخول المسجد لم يأمره بالقعود في البيت. (ح-٣٠٢٢) فقد روى البخاري، قال: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته. وإنه أتي ببدر -قال ابن وهب: يعني طبقًا- فيه

стр. 8581

خضرات من بقول، فوجد لها ريحًا، فسأل عنها، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: قربوها، فقربوها إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها قال: كُل فإني أناجي من لا تناجي. قال البخاري: «وقال ابن عفير، عن ابن وهب: بقدر فيه خضرات، ولم يذكر الليث وأبو صفوان، عن يونس: قصة القدر، فلا أدري هو من قول الزهري أو في الحديث» (١). • وأجيب: خالف ابن جريج الزهري، فرواه عن عطاء، بلفظ: من أكل من هذه الشجرة يريد الثوم، فلا يغشانا في مساجدنا. وليس فيه الأمر باعتزال الناس، ولا القعود في البيت. وابن جريج صاحب عطاء لزمه سبع عشرة سنة. ورواه عن ابن جريج: محمد بن حجاج، وعبد الرزاق وهما من أثبت أصحابه، كما رواه أبو عاصم ومحمد بن بكر، وهما ثقتان ثبتان من المكثرين عن ابن جريج، كما رواه جماعة غيرهم من الثقات عن ابن جريج. ورواه الزهري، عن عطاء بالشك (فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا)، وبالأمر بالقعود بالبيت. والزهري إمام، وأحاديثه عن عطاء يسيرة جدًّا بجانب ما روى، ولم يروه عن الزهري إلا يونس بن يزيد، وتابعه عقيل لكنه من رواية سلامة بن روح، وسلامة متكلم فيه. قال الطبراني في الأوسط: «لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا يونس، وما أسند الزهري، عن عطاء بن أبي رباح حديثًا غير هذا» (٢).

стр. 8582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8583

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8585

الدليل الثالث: (ح-٣٠٢٣) ما رواه مسلم، قال: حدثني محمد بن رافع، وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربن مسجدنا، ولا يؤذينا بريح الثوم (١). وجه الاستدلال: نهى عن أمرين: قربان المسجد، وأذية المسلمين بريح الثوم، وظاهره كل واحد منهما منهي عنه على وجه الاستقلال لاستخدام العطف، ولو كان يريد النهي عن أذية المصلين، لقال: فلا يقربن مسجدنا يؤذينا بريح الثوم، والله أعلم. [رواه الإمام أحمد في إحدى روايتيه، ومحمد بن يحيى الذهلي، وسلمة بن شبيب وكلهم ثقات أثبات، وإسحاق بن إبراهيم الدبري صدوق عن عبد الرزاق به، فقالوا: (فلا يؤذينا في مسجدنا) فجعل الأذية في المسجد، وكذا رواه إبراهيم بن سعد، والإمام مالك وصالح بن أبي الأخضر، عن الزهري خلافًا لما رواه معمر على اختلاف عليه] (٢).

стр. 8586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8587

الدليل الرابع: (ح-٣٠٢٤) وروى الحميدي في مسنده من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: إذا أكلتم هذه الخضرة، فلا تجالسونا في المجلس؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الناس (١). [منكر] (٢).

стр. 8588

• دليل من قال: النهي خاص بالمسجد: الدليل الأول: (ح-٣٠٢٥) روى البخاري ومسلم من طريق عبيد الله قال: حدثني نافع، عن ابن عمر ﵄: «أن النبي ﷺ قال في غزوة خيبر: من أكل من هذه الشجرة يعني الثوم فلا يقربن مسجدنا (١). فخص النهي عن قربان المسجد. • ونوقش: قوله: (فلا يقربن مسجدنا) المسجد له حقيقة لغوية، يطلق، ويراد به مواضع السجود من الإنسان، الجبهة والأنف واليدان والركبتان والرجْلَانِ، فيدخل فيه المسجد المعروف، وما يتخذه الإنسان في بيته ليصلي فيه النافلة، قال ﷺ : وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا. وله حقيقة شرعية: وهو مكان أوقف لله ليؤدي فيه المسلمون صلواتهم الخمس جماعة. والأصل حمل كلام الشارع على الحقيقة الشرعية إلا بقرينة، والقرينة هنا أن

стр. 8589

خيبر في وقت فتحها ليس فيها مسجد. قال ابن رجب: «لم يكن بخيبر مسجد بني للنبي ﷺ ، إنما كان يصلي بالناس في موضع نزوله منها. وقد روي أنه اتخذ بها مسجدًا، والظاهر: أنه نصب أحجارًا في مكان، فكان يصلي بالناس فيه، ثم قد نهى من أكل الثوم عن قربان موضع صلاتهم. (ح-٣٠٢٦) يدل عليه ما خرجه مسلم (١)، من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد؛ قال: لم نَعْدُ أن فتحت خيبر. فوقعنا -أصحاب رسول الله ﷺ - في تلك البقلة الثوم، والناس جياع، فأكلنا منها أكلًا شديدًا، ثم رحنا إلى المسجد فوجد رسول الله ﷺ الريح. فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يَقْرَبْنَا في المسجد. فقال الناس: حرمت. حرمت. فبلغ ذاك، النبي ﷺ فقال: أيها الناس! إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي. ولكنها شجرة أكره ريحها» (٢). الدليل الثاني: (ح-٣٠٢٧) روى البخاري، حدثنا مسدد: حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز قال: قيل لأنس: ما سمعت النبي ﷺ في الثوم؟ فقال: من أكل فلا يقربن مسجدنا (٣). الدليل الثالث: (ح-٣٠٢٨) ما رواه مسلم من طريق هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل البصل والكراث، فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإنس (٤).

стр. 8590

• وأجيب: في حديث أنس النهي عن دخول المسجد لمن أكل ثومًا، وهذا لا يدل على قصر الحكم على المسجد؛ لثبوت النهي عن دخول المصلى، وهو ليس بمسجد، فهو فرد من أفراد العام، لا يدل على التخصيص. وأما حديث جابر، فإنه نهى عن دخول المسجد، وعلل ذلك بالأذية، أذية الملائكة، وأذية الآدمي، والعلة ليست قاصرة؛ لأن الأذية الموجبة للمنع من دخول المسجد قد توجد في غير المسجد، فكل مجمع يجتمع فيه الناس إذا وجد فيهم آكل الثوم حصلت لهم نفس الأذية الموجبة للمنع من دخول المسجد، فإذا قصر الحكم على المسجد، فما فائدة التعليل بالأذية، فالغاية من تعليل الأحكام تعدية الحكم إلى من الأصل إلى الفرع لعلة جامعة. الدليل الرابع: (ح-٣٠٢٩) روى مسلم من طريق هشام، حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر فيما قال: .... إنكم، أيها الناس! تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين. هذا البصل والثوم. لقد رأيت رسول الله ﷺ ، إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد، أمر به فأخرج إلى البقيع. فمن أكلهما فليمتهما طبخًا (١). • ونوقش: بأن إخراجه إلى البقيع، وهو خارج المدينة دليل على أن الحكم لا يختص بالمسجد، وإلا لكفى إخراجه منه، والله أعلم. • ورد: قد يكون هذا السلوك تعزيرًا لتجاوز الناس هدي النبي ﷺ ، وقد يكون حدث مرة لردع الناس عن حضور المسجد. • الراجح: واضح أن النصوص لم تمنع من أكل الثوم، ولكنها منعت من دخول المسجد

стр. 8591

وحملت النصوص ثلاث تعليلات. (١) - حرمة المسجد. (٢) - أذية الملائكة. (٣) - أذية الناس (١). فمن رأى من العلماء أن هذه العلل هي علل متعددة، كل علة منها علة مستقلة تستقل بالحكم، ولا مانع أن يعلل الحكم بأكثر من علة على الصحيح، كتعليل تحريم الوطء لكونها مُحْرِمة وحائضًا، وكل واحد منهما لو قدر منفردًا تعلق به اقتضاء تحريم الوطء، فكذلك آكل الثوم، فإذا وجدت أذية الناس، ولو خارج المسجد، أو أذية الملائكة وحدهم، كما لو دخل المسجد، وهو خالٍ من المصلين، أو كان المسجد له جماعة محصورة، فأكلت كلها ثومًا أو بصلًا منعوا من دخول المسجد؛ لأنه وإن انتفت علة أذية الآدمي، لم تنتف علة أذية الملائكة، وانتهاك حرمة المسجد، فالمساجد تصان عن الروائح الكريهة. فمن عَدَّ هذه العلل عللًا مستقلة منع من حضور مجامع الناس مطلقًا، سواء أكانت لعبادة أم لغيرها؛ لأن أذية المسلمين كما لا تجوز في المسجد، لا تجوز خارج المسجد، وكما لا تجوز أذية الجماعة من المسلمين لا تجوز أذية الواحد منهم، ولهذا جاء في بعض الأحاديث الأمر بالقعود بالبيت، وكان يأمر بإخراج من وجد منه ريح الثوم إلى البقيع، والبقيع خارج المدينة، ولم يكتف بإخراجه من المسجد. قال ابن دقيق العيد: «قوله ﵇: «فإن الملائكة تتأذى إشارة إلى التعليل بهذا. وقوله في حديث آخر: (يؤذينا بريح الثوم) يقتضي ظاهره التعليل بتأذي بني آدم، ولا تنافي بينهما، والظاهر أن كل واحد منهما علة مستقلة. والله أعلم» (٢). ومن العلماء من رأى أن هذه الثلاث علل هي علة واحدة مركبة، والعلة المركبة إذا وجد بعض أجزائها في محل الحكم لا يكفي لترتب الحكم حتى يجتمع أجزاء العلة، كما لو قيل: العلة في الربا الطعم والكيل، فإذا وجد الطعم وحده، أو الكيل وحده لم يجر الربا حتى يجتمع أجزاء العلة.

стр. 8592

قال ابن حجر: «قد علل المنع في الحديث بترك أذى الملائكة، وترك أذى المسلمين، فإن كان كل منهما جزءَ علة اختص النهي بالمساجد وما في معناها، وهذا هو الأظهر، وإلا لعم النهي كلَّ مجمع، كالأسواق، ويؤيد هذا البحث قوله في حديث أبي سعيد عند مسلم (من أكل من هذه الشجرة شيئًا فلا يقربنا في المسجد) قال القاضي ابن العربي: ذكر الصفة في الحكم يدل على التعليل بها» (١). يقصد ابن العربي أن شبه الجملة (في المسجد) متعلق بمحذوف حال من الضمير (نا): أي فلا يقربنا حال كوننا في المسجد، والحال هو صفة في المعنى؛ لكونه مشتقًّا. وجاء في حاشية الرملي على أسنى المطالب: «ولو اتفق أن أهل بلد جميعهم أكلوا بصلًا ونحوه يوم الجمعة، وتعذر زوال رائحته، فهل يكره حضورهم فتسقط عنهم الجمعة أم لا؟ فقال: يجب حضورهم، وصلاتهم الجمعة» (٢). وقال الماوردي: «لو أكله أهل المسجد كلهم لم يمنعوا منه» (٣). هذه الفتوى مبنية على أن جزءًا من العلة قد تَخَلَف، وهي أذية المصلين، فيتخلف الحكم تبعًا لذلك، ولا تستقل بالحكم أذية الملائكة. ولأننا لو عللنا الحكم بأذية الملائكة لحرمنا أكل الثوم مطلقًا؛ لأن الحفظة لا ينفكون عن المكلف عن اليمين وعن الشمال. «ولأن الملائكة موجودون في غير المسجد أيضًا، فما وجه التقييد بالمسجد؟ وقد يجاب: بأن المنع من غير المسجد تضييق لا يحتمل، وما من محل إلا وتوجد الملائكة فيه، وأيضًا يمكن الملائكة البعد عنه في غير المسجد، بخلاف المسجد، فإنهم يحبون ملازمته فليتأمل» (٤). ولا ينفصل عن هذا اللازم بالقول: إن عدد الملائكة بالمسجد أكثر؛ لأن الأذية للواحد كالأذية للجمع في المنع، فالأذى ممنوع، ولأن الحكم لو علق بعدد الملائكة لاختلف الحكم بين المسجد الصغير والكبير، وإنما الذي له تأثير في

стр. 8593

الحكم: تخلف جزء من العلة. ولأن الأذية بالرائحة ليس لها تأثير إلا في عدد محدود؛ لأن انتشار الرائحة لا يعم جميع المكان، ولا يتأذى به جميع الحاضرين، فلا يكاد يجد ريحها إلا من كان قريبًا من صاحب الرائحة، فالكثرة ليس مراعاة في الحكم. ولو كانت الكثرة هي المؤثرة لكان المنع من الخروج إلى الأسواق أولى بالمنع من المسجد، فإن حضور الناس في الأسواق أكثر منه في المساجد، ومع ذلك فالصحيح أن الرجل لا يمنع من الخروج إلى الأسواق. جاء في البيان والتحصيل: «سألت مالكًا عن آكل الثوم، أيكره له المشي في السوق؟ فقال: ما سمعت ذلك إلا في المسجد» (١). قال ابن حزم: «له الجلوس في الأسواق، والجماعات، والأعراس، وحيث شاء إلا المساجد؛ لأن النص لم يأت إلا فيها» (٢). فلو كانت كل واحدة منها علة مستقلة لمنع من الخروج للأسواق، ولأن حرمة المسلم أعظم من حرمة المسجد، بل وأعظم من حرمة الكعبة، وإنما جاز له الخروج إلى الأسواق؛ لأن الأذية بالرائحة جزء من علة، لا تستقل بالحكم، والله أعلم. وقال شيخنا ابن عثيمين ﵀ في لقاء الباب المفتوح، وقد سئل: «لو أن شخصًا أكل ثومًا أو بصلًا، ثم ذهب يصلي، ولكنه لم يصلِّ في المسجد، صلى مع إخوة له في البر، أو في مزرعة، فهل هذا يعد من النهي؟ قال شيخنا: الصحيح أنه لا يكره أن يصلي الإنسان جماعة، وقد أكل بصلًا، أو ثومًا، إلا إذا كان يؤذي المصلين [يقصد شيخنا إلا إذا لم يأذن له المصلون؛ لأن الأذية لازمة]، فإذا كان يؤذي المصلين فلا يدخل معهم، أما المساجد، فإنه لا يحل له أن يحضر، وقد أكل بصلًا أو ثومًا، وبقيت رائحتهما فيه [يعني: وإن أذن له المصلون] فإن زالت الرائحة فلا بأس [ظاهره: ولو كان المسجد خاليًا]. قال السائل: لو كانوا جميعهم قد أكلوا بصلا؟

стр. 8594

فأجاب الشيخ: لا بأس يصلون جماعة ولا حرج». يقصد خارج المسجد. فالملائكة الحفظة ضعف عدد المصلين، ولم يجعل شيخنا أذيتهم جزءًا من العلة، فنظر إلى علة المسجد وجعلها علة مستقلة بالحكم. وجعل علة المصلين من الحق الشخصي، فإن أذنوا صلى معهم، وجعل علة الملائكة تبعًا، فإذا أكل الجميع بصلًا فلا مانع من صلاتهم جماعة خارج المسجد. والذي يظهر لي: أننا إما أن نجعل كل واحدة من العلل الثلاث تستقل بالحكم، فنمنعه من الخروج إلى مجامع الناس وأسواقهم، ونمنعه من دخول المسجد، ولو كان خاليًا من المصلين، وإما أن نجعل العلل الثلاث علةً واحدة، فإذا تخلف جزء من العلة لم يترتب الحكم عليها، فيجوز للجماعة المحصورة إذا أكلت ثومًا أن تدخل المسجد، وأن تصلي فيه، ويجوز لمن أكل ثومًا أن يدخل المسجد إذا كان خاليًا، ويجوز له أن يغشى الأسواق ومجامع الناس، لفوات جزء من العلة، والله أعلم، وكل قول له حظ من النظر، والذي يشكل أن القول بمنعه من غير المسجد كالأسواق لم ينقل مع توفر الداعي، ووجد إخراج الرجل من المسجد،، ولأننا لو حكمنا بأن كل علة مستقلة، وأن الأذية تستقل بالحكم وحدها، فإن أذية الملائكة الحفظة لازمة من أكل الثوم، وأذية الواحد من المؤمنين أو من الملائكة لا فرق فيها في الحكم، فيؤول الأمر إلى تحريم الثوم، والله أعلم.

стр. 8595

الفرع الرابع في التخلف عن الجماعة للعمى المدخل إلى المسألة: • أحكام التخلف عن الجماعة معللة، كالتخلف عن الجماعة لحضور الطعام ونزول المطر وانتشار الوحل. • الضابط في التخلف عن الجماعة: إما لتحصيل الخشوع أو كماله كترك الجماعة لحضور الطعام والبرد، أو لدفع مشقة ظاهرة في عرف أكثر الناس، ولا عبرة بالمتساهل ولا بالمتشدد كالتخلف بسبب البرد الشديد، والمطر، والوحل. • أسباب التخلف عن الجماعة محدودة، وليست معدودة. • قال النووي: كل ما لحق به مشقة شديدة فهو عذر -يعني في التخلف عن الجماعة- إشارة إلى أن أسباب التخلف عن الجماعة ليست معدودة، فالضابط وجود المشقة. • الأعمى إن كان قادرًا بنفسه بلا مشقة أو كان له قائد وجبت عليه الجمعة، وإلا سقطت عنه. • إذا سقطت الجماعة من بلل المطر سقطت الجماعة عن الأعمى من باب أولى؛ لأن البلل لا يغلق البصر بخلاف العمى فإن الظلمة فيه مستحكمة، والخوف أن يتأذى بما يعرض له متوقع. [م-١٠٠٦] اختلف الفقهاء في العمى، هل يعذر في تركه الجماعة؟ فقيل: العمى عذر مطلقًا. وهو قول أبي حنيفة (١). وقيل: العمى ليس بعذر إن كان له قائد، أو كان يقدر بنفسه، وهو مذهب

стр. 8596

الجمهور، وبه قال محمد بن الحسن وأبو يوسف (١). قال في الإنصاف: «لا يعذر أيضًا بالعمى إذا وجد من يقوده» (٢). وقال القاضي حسين والمتولي من الشافعية: «تلزمه إن أحسن المشي بالعصا بلا قائد» (٣). وهذا القول ليس قولًا مستقلًا، بل يرجع إلى قول الجمهور: لأن من أحسن المشي بالعصا بلا قائد يصدق عليه أنه قادر بنفسه. • دليل من قال: العمى ليس بعذر إن قدر بنفسه أو بالقائد: الدليل الأول: (ح-٣٠٣٠) ما رواه مسلم من طريق مروان الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم قال: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له. فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم. قال: فأجب (٤). [غريب من حديث أبي هريرة، لم يروه عن أبي هريرة إلا يزيد بن الأصم، ولا عنه إلا ابن أخيه عبيد الله] (٥). وجه الاستدلال: الرسول ﷺ علق وجوب الإجابة بسماع النداء من الأعمى وغيره، فلم يعد العمى مع سماع النداء عذرًا له في التخلف إذا كان قادرًا بنفسه، أو كان له قائد.

стр. 8597

وقد علم النبي ﷺ من حال ابن أم مكتوم أنه كان يمشي بلا قائد؛ لشدة حِذقه، وذكائه، كما هو مشاهد في بعض العميان يمشي بلا قائد، لا سيما إذا كان يعرف المكان قبل العمى، أو تكرر المشي إليه بقائد، فلكثرة عادته في التردد استغنى عن القائد، وقد كان النبي ﷺ يستخلفه على المدينة، فكان يصلي بهم، وهو أعمى، وقد ذكر أهل التاريخ أنه خرج إلى القادسية فشهد القتال، فاستشهد هناك، وقيل: بل رجع إلى المدينة ومات بها، بما يدل على أن العمى لم يكن عائقًا (١). • وأجيب: بأن الحديث معلٌّ سندًا ومتنًا. أما الإسناد، فلم يروه عن أبي هريرة إلا يزيد بن الأصم، ولا عنه إلا ابن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن الأصم. وهذا أصح إسناد روي فيه هذا الحديث، وما عداه مما روي مسندًا فلا يصح، وأكثرها لا يصلح للاعتبار. وعبيد الله بن عبد الله ذكره البخاري في التاريخ الكبير، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وسكتا عليه، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي التقريب، مقبول. والحديث غريب من حديث أبي هريرة، وأبو هريرة له أصحاب يعتنون بحديثه، فأين كبار أصحابه عن هذا الحديث المهم، والذي يتعلق بأهم العبادات، وهي الصلاة، والسلف لهم عناية بأحاديث الصلاة، فأين سعيد بن المسيب، وأبو صالح السمان، والأعرج، وابن سيرين، وأبو سلمة، وطاوس، وهمام بن منبه، فهؤلاء هم كبار أصحاب أبي هريرة، والمعدودون في الطبقة الأولى من أصحابه، لماذا لم يحفظوا لنا هذا الحديث عن أبي هريرة؟ ويزيد بن الأصم ليس هو من المكثرين عن أبي هريرة حتى يغتفر له تفرده عن سائر أصحاب أبي هريرة. هذا ما يتعلق بإسناد الحديث، وقد أوضحت ذلك في تخريج الحديث، بما يكفي، فارجع إليه إن شئت. وأما ما يتعلق بالمتن: فإن الأمة مجمعة على سقوط الجماعة بالعذر، نص على ذلك جمع من أهل العلم (٢).

стр. 8598

وإذا كان الأعمى لا قائد له يقوده إلى المسجد كما في حديث أبي هريرة، وبينه وبين المسجد نخل وشجر كما في مرسل عبد الله بن شداد، ويخشى على حياته من السباع والهوام، كما في مرسل ابن أبي ليلى، والمكلف إذا خشي على ماله سقطت عنه الجماعة بالإجماع، فكيف إذا خشي على نفسه؟ والأعمى من غير قائد كالزمن، ومع القائد كالبصير، ولما قال ابن أم مكتوم: لا قائد له، ويخشى على نفسه من السباع والهوام كان ذلك محمولًا على الحقيقة، وليس على التوهم، وابن أم مكتوم من المهاجرين الأوائل، لا يطلب الترخص في التخلف، وهو لا يشق عليه. ولا يصح القول بأن الخوف على نفسه من السباع والهوام وكونه بينه وبين المسجد شجر ونخل جاءت عن طريق بعض المراسيل، والمراسيل لا حجة فيها؛ لأنه لا يصح أن تُقَوِّي حديث أبي هريرة بهذه المراسيل، ثم لا تقبل الاعتراض عليك بألفاظها بحجة أنها مراسيل، فإذا أنكرت ألفاظها أسقطت الاعتبار بها، وبقي حديث أبي هريرة لا شاهد له، ويكفي الأعمى عذرًا أنه لا قائد له، وهذا منصوص عليه في حديث أبي هريرة في مسلم. وقال الجوزجاني فيما نقله عنه الحافظ ابن رجب وأقره: «إن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد من الفقهاء بظاهره، بمعنى: لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن مكتوم، والله أعلم» (١). قال الشوكاني: « … أمر الأعمى بحضور الجماعة، مع عدم القائد، ومع شكايته من كثرة السباع والهوام في طريقه كما في مسلم، ومع قوله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] في غاية الإشكال (٢).

стр. 8599

فكان الشوكاني يقول: لا بد من تأويل حديث ابن أم مكتوم، ولا حاجة لتأويله، وهو معلٌّ سندًا ومتنًا. فالنبي ﷺ علق وجوب الإجابة على سماع النداء، ولم يعلقه على حذق الأعمى وقدرته على الوصول إلى المسجد حتى نتكلف التأويل. والمستفتي إذا قال: ليس له قائد يلائمه، وأنه يخاف على نفسه السباع والهوام، وبينه وبين المسجد نخل وشجر فإنه يُدَينُ فيما بينه وبين الله ، ولو كان النبي ﷺ لم يتحقق من عذره لراجعه فيما يدعيه، لا أن يقول له: أجب النداء موهمًا أن هذه الأعذار لا أثر لها في سقوط الجماعة مطلقًا، بينما هي مسقطة للجماعة لو تحققت، ولكن واقع الحائل أن النبي ﷺ لم يقتنع من تحققها، هذه دعوى بلا برهان. وقد تمت مناقشة الاستدلال بالحديث بشكل أوسع في صلاة الجماعة، فارجع إليه. الدليل الثاني: جاء في شرح زروق على الرسالة عن ابن رشد: الأعذار على ثلاثة أقسام قسم يبيح التخلف باتفاق … وذكر منها الأعمى إذا كان لا قائد له (١). • دليل من قال: العمى عذر مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٣٠٣١) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع الأنصاري: أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول ﷺ : يا رسول الله، إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله ﷺ فقال: أين تحب أن أصلي. فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله ﷺ ورواه مسلم (٢). وفي رواية: (أنكرت بصري). هكذا رواه عقيل ومعمر وإبراهيم بن سعد في

стр. 8600

البخاري، ويونس في مسلم (١). ورواه الأوزاعي عن الزهري عند مسلم: (إن بصري قد ساء) (٢). ورواية مالك: أنه أعمى لعله يريد أنه كالأعمى؛ لأنه اعتذر بقوله: (إنها تكون الظلمة والسيل). والظلمة للأعمى لازمة. وجه الاستدلال: عتبان اعتذر بأنه ضعيف البصر، وأنها تكون الظلمة والسيل وأنه يشق عليه الذهاب إلى المسجد، فلم يسأله النبي ﷺ عن قائد يعتمد عليه، فكانت القدرة متعلقة بالمكلف نفسه، فلما ترك النبي السؤال عن القائد علم أن تكليف الأعمى باتخاذ قائد يقوده إلى المسجد لا دليل عليه. • ونوقش: أن عذر ابن أم مكتوم هو العمى، والعمى ليس عذرًا يبيح التخلف عن الجمعة إن قَدَرَ الأعمى بنفسه على إتيان الجمعة، أو كان لا يقدر بنفسه، وله قائد، فإن الأعمى مع القائد كالبصير، بينما عذر عتبان بن مالك الظلمة والمطر، وحيلولة السيول بينه وبين المسجد، مع ضعف البصر، وكل واحد من هذه الأعذار هو عذر مستقل بنفسه عند جمهور العلماء، وقد سبق بحث هذه الأعذار بمباحث مستقلة، بخلاف العمى، فإن العلماء مختلفون في كونه عذرًا، فجمهور العلماء لا يعدونه عذرًا إذا كان قادرًا بنفسه، أو كان له قائد، والله أعلم. الدليل الثاني: من شروط التكليف القدرة، وأن يكون قادرًا بنفسه، فكل مكلف لا يكون قادرًا بنفسه على القيام بالواجب فإنه يسقط عنه، ولا عبرة بالقدرة عن طريق غيره، فالمرء لا يكلف بقدرة غيره. • واعترض عليه: بأن المرأة لا يجب عليها الحج إلا إذا تبرع محرمها بالذهاب معها، فوجب

стр. 8601

الحج على المرأة بقدرة غيرها. • ورد عليه: بأن المحرم مختلف في حكمه، أهو شرط للوجوب أم هو شرط للأداء، فإذا قلنا: شرط للأداء، وهو الصحيح، فالحج واجب على المرأة بالقدرة على الحج، وليس بتطوع المحرم، حتى لو ماتت قبل أداء الحج أخذ من مالها ودفع لمن يحج عنها، وإنما المحرم شرط للأداء؛ لضعف المرأة، وحاجتها إلى الحماية، والخوف عليها من الضياع، ولذلك لو حجت بلا محرم أجزأ عنها، ولو كانت مكية وجب عليها الحج بنفسها، فليس المحرم شرطًا لوجوب الحج عليها، ولا شرطًا لصحته. الدليل الثاني: إذا كان مجرد بلل الثياب بالمطر عذرًا يسقط الجماعة؛ لما فيه من المشقة، فالمشقة التي تلحق الأعمى أشد من ذلك بكثير، فكان مقتضى القياس سقوط الجماعة عنه. • ويجاب: إذا تحققت المشقة، وكان منزله بعيدًا عن المسجد، ولم يكن له قائد سقطت عنه الجمعة، وهذا قول الأئمة الأربعة، فكان سقوط الجمعة لوجود المشقة، ومفهومه: أن الأعمى لو كان قادرًا بنفسه للوصول إلى الجامع بلا مشقة لم يكن العمى عذرًا يسقط عنه الجماعة، وكذا لو كان له قائد، والله أعلم. • الراجح: هذه المسألة فرع عن حكم صلاة الجماعة في المسجد، والأئمة الأربعة على أن صلاتها في المسجد سنة، وقد سبق بحث المسألتين: حكم صلاة الجماعة، وحكم صلاتها في المسجد، فارجع إليهما إن أردت الاستزادة، وإنما البحث فرع عن القول بأن صلاة الجماعة واجبة في المسجد، وهو قول ضعيف جدًّا، والله أعلم.

стр. 8602

الفرع الخامس في سقوط الجماعة مخافة الضرر المدخل إلى المسألة: • إذا سقطت الجماعة للمطر والوحل باتفاق الأئمة الأربعة سقطت الجماعة بالخوف على النفس والمال والأهل من باب أولى. • العجز الشرعي كالعجز الحسي. • إذا سقطت الجماعة لتحصيل كمال الخشوع كالنهي عن الصلاة بحضرة طعام، سقطت الجماعة بالخوف؛ لذهاب الخشوع بالكلية. • اختفى بعض فقهاء التابعين خوفًا من ظلم الحجاج، وتركوا الجمعة والجماعة، وكانوا معذورين، منهم إبراهيم النخعي مفتي الكوفة، والحسن البصري. • إذا سقط في الصلاة بعض ما يجب فيها بسبب الخوف لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فيومئ بالركوع والسجود مستقبلًا للقبلة أو مستدبرًا لها، فمن باب أولى سقوط ما يجب لها كالجماعة. • نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، وأمر بالصلاة جماعة، وإذا تزاحم الأمر والنهي قدم النهي؛ لقوله ﷺ : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. [م-١٠٠٧] الخوف عذر بالاتفاق في الجملة، تسقط معه الجمعة والجماعة، سواء أكان ضررًا محققًا أم مظنونًا، أم نتيجة علة مرضية. ويختلف الفقهاء في التوسع في ضرب الأمثلة، وأكثر من توسع في ذلك الشافعية، والحنابلة، فالمالكية، ولم يتوسع في ذلك الحنفية، ولا يقصد من ضرب

стр. 8603

الأمثلة الحصر، فإن مثل هذا لا يمكن حصره، فهم يذكرون أمثلة لأنواع مختلفة، وقس عليها غيرها من أمثالها أو أشد. والخوف كما يكون على النفس، يكون على المال، ويكون على الأهل. والخوف على النفس يكون من الهلاك أو الضرر أو من الحبس ظلمًا، ويدخل فيه الخوف من عقوبة بحق يرجو العفو عنها لو تغيب، وتقبل شرعًا الإسقاط، كقود، وحد قذف، وتعزير، بخلاف ما لا يقبل العفو كحد سرقة، وشرب، وزنا إذا بلغت الإمام فليست بعذر. أو خاف من ملازمة غريم كما كان يقع ذلك في السابق، وهو معسر، وعجز عن إثباته، أو قدر ولكن خاف الحبس ظلمًا، ما لم يكن ظالمًا في منعه. والخوف على المال، يكون بالخوف على ضياعه، أو على تلفه، أو على نقص يجحف بصاحبه، وسواء أكان الخوف على ماله أو على مال معصوم يقدر على الذب عنه، وإن لم يلزمه، حتى لو خاف على خبز في تنور، وطبيخ على نار ونحوه، ولا متعهد لهما، ولم يقصد بذلك إسقاط الجماعة وإلا فليس بعذر، ولا فرق عند عدم قصد ذلك بين علمه بنضجه قبل فوت الجماعة وعدمه على الأوجه، بشرط أن يحتاج إليه، وأن يخشى تلفه لو لم يخبزه (١).

стр. 8604

وأكثر هذه الفروع مبني على إسقاط الجمعة والجماعة لدفع الضرر. ومنها ما هو مبني على دفع المشقة، كالخوف من ملازمة الغريم، أو من فوات رفقة السفر. والدليل على هذه المسائل، من الكتاب، والسنة، والإجماع والقياس. أما الكتاب، فقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وأما الخوف على المال، فقد نهى الشارع عن إضاعة المال: (ح-٣٠٣٢) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الشعبي، قال: حدثني كاتب المغيرة بن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: أن اكتب إلي بشيء سمعته من النبي ﵇ فكتب إليه: سمعت النبي ﵇ يقول: إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة

стр. 8605

المال، وكثرة السؤال (١). (ح-٣٠٣٣) وروى أبو داود من طريق قتيبة، حدثنا جرير، عن أبي جناب، عن مغراء العبدي، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا، من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر -قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي صلى (٢). [لا يصح مرفوعًا، والمعروف وقفه على ابن عباس] (٣). وأما الإجماع، فقال ابن حزم: «ومن العذر في التخلف عن الجماعة في المسجد: المرض، والخوف، والمطر .... فأما المرض والخوف فلا خلاف في ذلك» (٤). وأما القياس، فوجهه: إذا سقطت الجماعة للمطر والوحل باتفاق الأئمة الأربعة سقط الجماعة بالخوف على النفس والمال والأهل من باب أولى.

стр. 8606

أحكام الإمامة تمهيد المبحث الأول في تعريف الإمامة تعريف الإمامة اصطلاحًا (١): اتباع مصل فأكثر بجميع صلاته أو بجزء منها بمصلٍّ آخر في أفعال الصلاة مما

стр. 8607

تشرع له الجماعة، وربط صلاتهم بأفعال صلاته. فقولي: (اتباع مصل فأكثر) هذا حقيقة الائتمام، وهي المتابعة. وقولي: (بمصل يقتدون به) هذه حقيقة الإمامة، وهي الاقتداء، فلا يكون الإمام إمامًا إلا بتوفر هذين الشرطين: نية الاقتداء من المأموم، والتزام المتابعة. قال ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا … وقولي: (ربط صلاتهم بأفعال صلاته): إشارة إلى أن الارتباط بين الإمام والمأموم هو في الأفعال فحسب على الصحيح، فاختلاف النية لا يؤثر، فمن خالف إمامه في الصلاة لم يتخذه إمامًا، ولهذا حرم الشارع مسابقة الإمام. (ح-٣٠٣٤) فقد روى مسلم من طريق علي بن مسهر، عن المختار بن فلفل، عن أنس قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف … الحديث (١). هذا ما تقتضيه الإمامة، (إني إمامكم فلا تسبقوني … ) فمن سبق إمامه لم يتخذه إمامًا، فالنهي عن مسابقته؛ لأنه إمامهم. (ح-٣٠٣٥) وروى مسلم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: لا تبادروا الإمام، إذا كبر، فكبروا، وإذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين. وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد (٢). وروى الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعًا: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار (٣).

стр. 8608

المبحث الثاني في أهمية الإمامة الفرع الأول في فضل الإمامة [م-١٠٠٨] يستمد فضل الإمامة من فضل صلاة الجماعة، ومن أهمية دور المسجد في المجتمع. وصلاة الجماعة والأذان لها من شعائر الإسلام العظيمة، وتؤدى في خير البقاع: في بيوت الله. قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ [النور: ٣٦]. ويكفي المساجد شرفًا أن أضيفت إلى الله ، فبيوت الله هي المساجد، وهي محل إقامة الصلاة جماعة، وهي محل صلاوته، فالصلاة أعظم أركان الإسلام العملية، والإمامة فيها تعني أن الإمام فيها موضع القدوة لقومه فمن اقتدي به في أعظم أركان الإسلام العملية فحري أن يقتدى به في سائر أمور الدين والدنيا. وهي وظيفة النبي محمد ﷺ ، فكان يصلي بأصحابه حضرا وسفرًا حتى توفاه الله، وهي وظيفة خلفائه في حياته ومن بعده. فكان إذا أناب أميرًا على مدينة كان إمامهم في الصلاة، فأناب أبا هريرة على المدينة، وعتاب بن أسيد على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وأناب أبا موسى ومعاذا وعليًا ﵃ على اليمن، وأناب عمرو بن حزم على نجران. وكذلك كان خلفاؤه من بعده، فكان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يصلون بالمسلمين؛ لأن المقدم في الصلاة كان مقدمًا في الإمامة العظمى، ولهذا حرص النبي ﷺ أن يقدم أبا بكر في إمامة المسلمين في مرضه الذي مات فيه، فكان في

стр. 8609

هذا إشارة إلى أحقيته بالخلافة. فمن كان إمام قومه فهو دال على فضله عليهم، ولهذا كان من شروطها العدالة، والعلم، قال النبي ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة … الحديث. فكان توفر شروط الإمامة في الرجل دالًا على خيريته وفضله وعلو مرتبته. قال السرخسي: «والأصل فيه أن مكان الإمامة ميراث من النبي ﷺ ، فإنه أول من تقدم للإمامة فيختار له من يكون أشبه به خلقًا وخلقًا، ثم هو مكان استنبط منه الخلافة؛ فإن النبي ﷺ لما أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، قالت الصحابة بعد موته إنه اختار أبا بكر لأمر دينكم فهو المختار لأمر دنياكم، فإنما يختار لهذا المكان من هو أعظم في الناس» (١). وقال الإمام أحمد: «ومن الحقِّ الواجب على المسلمين: أن يُقدِّموا خيارهم وأهل الدين، والأفضل منهم، أهل العلم بالله الذين يخافون الله ويراقبونه. وقال الإمام الماوردي: «ينبغي أن يَتقدَّم إلى الإمامة مَنْ جَمَعَ أوصافها، وهي خمسة: القراءة، والفقه، والنسب، والسنّ، والهجرة، بعد صحَّة الدين وحسن الاعتقاد، فمَنْ جمعها وكملت فيه، فهو أحقُّ بالإمامة ممَّن أخلَّ ببعضها، لأنَّ الإمامة منزلة اتباع واقتداء، فاقتضى أن يكون متحمِّلها كامل الأوصاف المعتبرة فيها، فإن لم تجتمع في واحدٍ، فأحقُّهم بالإمامة من اختصَّ بأفضلها» (٢). وهذه الإمامة الصغرى تعود الناس على السمع والطاعة والانضباط، فكل مجتمع بحاجة إلى إمام يرجعون إليه، ويصدرون عنه، فيه تتوحد الكلمة، ويجتمع عليه الناس، والمسلمون قد اعتادوا هذا الانضباط فلا يرون عظمته، فلا يراهم كافر لأول مرة إلا عجب من هذا الانضباط، يصفون كما تصف الملائكة عند ربهم، كأنهم بينان مرصوص، فمن نظر إلى الحرم المكي والألوف خلف إمامهم يركع فيركعون في وقت واحد، لا يتخلف أحد منهم، ويرفع رأسه فيرفعون رؤوسهم،

стр. 8610

فيسجد فيتبعه الناس سجودًا، هذا المشهد من لا يرى عظمته لو نظم هذا الأمر أحد من الناس لن يصل إلى هذه الدقة في الاتباع والانضباط إلا طاعة لله ، ولهذا حرص النبي ﷺ إذا بعث بعثًا ولو كانوا من ثلاثة رجال أمر عليهم أميرًا حتى لا تتفرق كلمتهم، ويفشل أمرهم. لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا

стр. 8611

الفرع الثاني في التفضيل بين الإمامة والأذان مدخل إلى المسألة: التماس الفضل مبني على عظم الأجر، أو على عظم الأثر. الإمامة وظيفة النبي ﷺ وخلفائه من بعده، بينما لم يؤذن رسول الله ﷺ قط، ولا خلفاؤه الراشدون. الإمام موضع القدوة، فمن اقتدي به في أعظم أركان الإسلام العملية فحري أن يقتدى به في سائر أمور الدين والدنيا ومن شرفه لا يتقدم عليه، والمؤذن إخبار بدخول الوقت، ودعوة لفعل الصلاة. شروط الإمامة أعلى من شروط الأذان، قال ﷺ : ليؤذن لكم أحدكم، وقال عن الإمام: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. استُدِلَّ على استخلاف أبي بكر ﵁ في الصلاة في مرض موت النبي ﷺ على استحقاقه للإمامة العظمى. شرف النداء من شرف المنادى لها، ولئن كان المؤذن قوله حسن، فإن الإمام فعله أحسن. الإمامة من المقاصد، والأذان من الوسائل. تستمد الإمامة فضلها من فضل صلاة الجماعة، فكل فضيلة ثبتت لصلاة الجماعة فالإمامة سبب فيها؛ لأن الإمامة شرط لانعقادها. لم يرد حديث واحد يقضي بأن الأذان أفضل من الإمامة، والإمامة نوع من الولاية، ويطلق عليها الإمامة الصغرى بخلاف الأذان الأحاديث الواردة في الترغيب في الأذان راجع إلى زهد الناس في هذه العبادة الشاقة، فرتب الشارع عليها من الأجر ما يدعو الناس إلى التزاحم عليها، ولا يلزم من ذلك تفضيل الأذان على الإمامة، فلا تلازم بين الأجر والفضل. والله أعلم.

стр. 8612

[م-١٠٠٩] اختلف العلماء في التفضيل بين الأذان والإمامة: فقيل: الإمامة أفضل من الأذان، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه عند الشافعية، رجحه الرافعي، ورواية عند الحنابلة (١). وقيل: الأذان أفضل، اختاره بعض الحنفية، وبعض المالكية، وهو الراجح عند الشافعية، وصححه النووي، وهو الأصح في مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (٢). وقيل: الأذان والإمامة سواء، وهو قول في مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية، ووجه عند الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٣). وقيل: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهي أفضل، وإلا فالأذان، قاله جمع من الشافعية، منهم أبو علي الطبري، والقاضي حسين (٤).

стр. 8613

حجة من قال: الإمامة أفضل: الدليل الأول: (ح-٣٠٣٦) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (١). (ح-٣٠٣٧) وروى مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل وظيفة الأذان لأحدهم بلا مفاضلة، فالأذان ليس بمستحق للأفضل، وأما الإمامة فاختار لها الأكمل، واعتبار الأكمل أحق بها من غيره مشعر بمزيد شرف لها. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ لم يثبت عنه أنه أذَّن، ولم يكن الله ليختار لنبيه إلا ما كان الأفضل. وكذلك كان الخلفاء بعده كانوا يتولون الإمامة دون الأذان. وأجيب: بأنهم كانوا مشتغلين عن الأذان بمصالح المسلمين التي لا يقوم غيرهم فيها مقامهم، فلم يتفرغوا للأذان ومراعاة أوقاته، وقد كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ قائمًا على المراقبة البصرية ومتابعة علامات دخول الوقت، وكان الظل يتغير بتغير الفصول وطول النهار وقصره، فتجد الواحد منهم يرقب الشمس ويتابع الظل حتى يقف على أن الشمس قد زالت للظهر، ثم يتابع الظل لمعرفة دخول العصر حين

стр. 8614

يكون ظل كل شيء مثله عدا فيء الزوال، ثم يأخذ بمراقبة الشمس حتى تغرب للمغرب، ثم يرقب غياب الشفق لدخول العشاء، ثم يرقب الفجر حتى يطلع الصبح. ويناقش من وجهين: الوجه الأول: بأن هناك علامات ثابتة لا تتغير، في دخول بعض الأوقات، وهو المغرب حيث يدخل وقته بغروب الشمس، وهي علامة واضحة للجميع، وكذا العشاء حيث يدخل بغياب الشفق، فمثل هذين الوقتين لا يأخذان وقتًا لمراقبتهما. الوجه الثاني: لو كان هذا هو الحامل لهم على ترك الأذان لفعلوا ذلك أحيانًا، فإذا كان شغلهم بالشأن العام لم يمنعهم عن الجهاد في سبيل الله، وقد كان النبي ﷺ في مقدمتهم في الجهاد، لم يمنعهم ذلك أحيانًا من الأذان، فلما لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أذن ولو مرة واحدة، وكذلك الخلفاء من بعده، دل هذا على أن وظيفة الإمامة أفضل، وقد كان الرسول ﷺ يسافر مع أصحابه فيدخل الوقت، وهم مجتمعون فيأمر النبي ﷺ بلالًا بالأذان، وقد كان بالإمكان أن يفعل ذلك بنفسه، وعلى التنزل فإنه كان بإمكان الخلفاء أن يأمروا مواليهم أن يقوموا عنهم بمراقبة علامات دخول الوقت، حتى إذا دخل الوقت قاموا هم بشعيرة الأذان حرصًا على هذه الفضيلة العظيمة، والله أعلم. الدليل الثالث: الإمامة من المقاصد والأذان من الوسائل، وإنما شرف الأذان لشرف المنادى لها، وتستمد الإمامة فضلها من فضل صلاة الجماعة؛ لأن كل فضيلة لصلاة الجماعة فالإمامة سبب فيها؛ لأن الإمامة شرط لانعقادها. ولفظ الإمامة مشعر بمزيد فضل، فإن الإمامة تعني أنه موضع القدوة لقومه فمن اقتدي به في أعظم أركان الإسلام العملية فحري أن يقتدى به في سائر أمور الدين والدنيا، ولهذا أطلق لفظ الإمام على الأنبياء، قال الله عن إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ

стр. 8615

إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقال : ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٣٧] أي: جعلنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يؤتم بهم في الخير في طاعة الله في اتباع أمره واجتناب نهيه. وأطلق لفظ الإمام على العالم الرباني المقتدى به، فكان هذا اللفظ المشتق دالًا على شرف من اتصف به، وعلى كمال صفاته. ولهذا لا يطلق لفظ الإمام إلا على من كان رأسًا في الأمر خيرًا كان أو شرًا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]. ولئن كان المؤذن قوله حسن، فإن الإمام فعله أحسن. والمؤذن تابع للإمام، لا يقيم الصلاة إلا بإذنه، ويضاف إليه، فيقال: مؤذن رسول الله ﷺ ، ومؤذن أبي بكر ومؤذن عمر. حجة من قال: الأذان أفضل: فضل الأذان يرجع إلى أمرين: أحدهما: في دلالة ألفاظه. والثاني: في الأحاديث الواردة في فضله. أما بيان الأول: فلم يكن هذا النداء قائمًا على الدعوة إلى الصلاة فقط، بل اشتمل على الإيمان بالله، وتوحيده، والإيمان برسالة محمد ﷺ . فكانت كلماتُ الأذان جامعةً لعقيدة الإيمان، فالمؤذن يستفتح أذانه بجملة: الله أكبر، الدالة على إثبات الذات وما تستحقه من صفات الكمال، والتنزيه عن أضدادها. وحذف المفضل منه للإطلاق: أي أن الله أكبر من كل شيء. وبعد أن أثبت الذات وصفات الكمال لله سبحانه، بقوله: الله أكبر من كل شيء، انتقل إلى الإيمان به بتوحيده، فمن كانت هذه صفته فإنه أهل لتوحيده بالعبادة، ولهذا ثنى المؤذن بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، وهذه الشهادة عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين. ثم انتقل إلى شهادة أخرى، وهي متممة للشهادة الأولى، وذلك بقوله: أشهد أن محمدًا رسول الله، وبها ينال الإيمان بنبوة محمد ﷺ وبرسالته، ولا تقبل الشهادة الأولى من دون الشهادة الثانية، إلا أنها تأتي بعد الإيمان بالله وبوحدانيته، وهاتان
следующие страницы →