← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

الفرع الثاني في التفضيل بين الإمامة والأذان مدخل إلى المسألة: التماس الفضل مبني على عظم الأجر، أو على عظم الأثر. الإمامة وظيفة النبي ﷺ وخلفائه من بعده، بينما لم يؤذن رسول الله ﷺ قط، ولا خلفاؤه الراشدون. الإمام موضع القدوة، فمن اقتدي به في أعظم أركان الإسلام العملية فحري أن يقتدى به في سائر أمور الدين والدنيا ومن شرفه لا يتقدم عليه، والمؤذن إخبار بدخول الوقت، ودعوة لفعل الصلاة. شروط الإمامة أعلى من شروط الأذان، قال ﷺ : ليؤذن لكم أحدكم، وقال عن الإمام: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. استُدِلَّ على استخلاف أبي بكر ﵁ في الصلاة في مرض موت النبي ﷺ على استحقاقه للإمامة العظمى. شرف النداء من شرف المنادى لها، ولئن كان المؤذن قوله حسن، فإن الإمام فعله أحسن. الإمامة من المقاصد، والأذان من الوسائل. تستمد الإمامة فضلها من فضل صلاة الجماعة، فكل فضيلة ثبتت لصلاة الجماعة فالإمامة سبب فيها؛ لأن الإمامة شرط لانعقادها. لم يرد حديث واحد يقضي بأن الأذان أفضل من الإمامة، والإمامة نوع من الولاية، ويطلق عليها الإمامة الصغرى بخلاف الأذان الأحاديث الواردة في الترغيب في الأذان راجع إلى زهد الناس في هذه العبادة الشاقة، فرتب الشارع عليها من الأجر ما يدعو الناس إلى التزاحم عليها، ولا يلزم من ذلك تفضيل الأذان على الإمامة، فلا تلازم بين الأجر والفضل. والله أعلم.

стр. 8612

[م-١٠٠٩] اختلف العلماء في التفضيل بين الأذان والإمامة: فقيل: الإمامة أفضل من الأذان، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، ووجه عند الشافعية، رجحه الرافعي، ورواية عند الحنابلة (١). وقيل: الأذان أفضل، اختاره بعض الحنفية، وبعض المالكية، وهو الراجح عند الشافعية، وصححه النووي، وهو الأصح في مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (٢). وقيل: الأذان والإمامة سواء، وهو قول في مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية، ووجه عند الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٣). وقيل: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وجميع خصالها فهي أفضل، وإلا فالأذان، قاله جمع من الشافعية، منهم أبو علي الطبري، والقاضي حسين (٤).

стр. 8613

حجة من قال: الإمامة أفضل: الدليل الأول: (ح-٣٠٣٦) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (١). (ح-٣٠٣٧) وروى مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل وظيفة الأذان لأحدهم بلا مفاضلة، فالأذان ليس بمستحق للأفضل، وأما الإمامة فاختار لها الأكمل، واعتبار الأكمل أحق بها من غيره مشعر بمزيد شرف لها. الدليل الثاني: أن النبي ﷺ لم يثبت عنه أنه أذَّن، ولم يكن الله ليختار لنبيه إلا ما كان الأفضل. وكذلك كان الخلفاء بعده كانوا يتولون الإمامة دون الأذان. وأجيب: بأنهم كانوا مشتغلين عن الأذان بمصالح المسلمين التي لا يقوم غيرهم فيها مقامهم، فلم يتفرغوا للأذان ومراعاة أوقاته، وقد كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ قائمًا على المراقبة البصرية ومتابعة علامات دخول الوقت، وكان الظل يتغير بتغير الفصول وطول النهار وقصره، فتجد الواحد منهم يرقب الشمس ويتابع الظل حتى يقف على أن الشمس قد زالت للظهر، ثم يتابع الظل لمعرفة دخول العصر حين

стр. 8614

يكون ظل كل شيء مثله عدا فيء الزوال، ثم يأخذ بمراقبة الشمس حتى تغرب للمغرب، ثم يرقب غياب الشفق لدخول العشاء، ثم يرقب الفجر حتى يطلع الصبح. ويناقش من وجهين: الوجه الأول: بأن هناك علامات ثابتة لا تتغير، في دخول بعض الأوقات، وهو المغرب حيث يدخل وقته بغروب الشمس، وهي علامة واضحة للجميع، وكذا العشاء حيث يدخل بغياب الشفق، فمثل هذين الوقتين لا يأخذان وقتًا لمراقبتهما. الوجه الثاني: لو كان هذا هو الحامل لهم على ترك الأذان لفعلوا ذلك أحيانًا، فإذا كان شغلهم بالشأن العام لم يمنعهم عن الجهاد في سبيل الله، وقد كان النبي ﷺ في مقدمتهم في الجهاد، لم يمنعهم ذلك أحيانًا من الأذان، فلما لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أذن ولو مرة واحدة، وكذلك الخلفاء من بعده، دل هذا على أن وظيفة الإمامة أفضل، وقد كان الرسول ﷺ يسافر مع أصحابه فيدخل الوقت، وهم مجتمعون فيأمر النبي ﷺ بلالًا بالأذان، وقد كان بالإمكان أن يفعل ذلك بنفسه، وعلى التنزل فإنه كان بإمكان الخلفاء أن يأمروا مواليهم أن يقوموا عنهم بمراقبة علامات دخول الوقت، حتى إذا دخل الوقت قاموا هم بشعيرة الأذان حرصًا على هذه الفضيلة العظيمة، والله أعلم. الدليل الثالث: الإمامة من المقاصد والأذان من الوسائل، وإنما شرف الأذان لشرف المنادى لها، وتستمد الإمامة فضلها من فضل صلاة الجماعة؛ لأن كل فضيلة لصلاة الجماعة فالإمامة سبب فيها؛ لأن الإمامة شرط لانعقادها. ولفظ الإمامة مشعر بمزيد فضل، فإن الإمامة تعني أنه موضع القدوة لقومه فمن اقتدي به في أعظم أركان الإسلام العملية فحري أن يقتدى به في سائر أمور الدين والدنيا، ولهذا أطلق لفظ الإمام على الأنبياء، قال الله عن إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ

стр. 8615

إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقال : ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٣٧] أي: جعلنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يؤتم بهم في الخير في طاعة الله في اتباع أمره واجتناب نهيه. وأطلق لفظ الإمام على العالم الرباني المقتدى به، فكان هذا اللفظ المشتق دالًا على شرف من اتصف به، وعلى كمال صفاته. ولهذا لا يطلق لفظ الإمام إلا على من كان رأسًا في الأمر خيرًا كان أو شرًا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]. ولئن كان المؤذن قوله حسن، فإن الإمام فعله أحسن. والمؤذن تابع للإمام، لا يقيم الصلاة إلا بإذنه، ويضاف إليه، فيقال: مؤذن رسول الله ﷺ ، ومؤذن أبي بكر ومؤذن عمر. حجة من قال: الأذان أفضل: فضل الأذان يرجع إلى أمرين: أحدهما: في دلالة ألفاظه. والثاني: في الأحاديث الواردة في فضله. أما بيان الأول: فلم يكن هذا النداء قائمًا على الدعوة إلى الصلاة فقط، بل اشتمل على الإيمان بالله، وتوحيده، والإيمان برسالة محمد ﷺ . فكانت كلماتُ الأذان جامعةً لعقيدة الإيمان، فالمؤذن يستفتح أذانه بجملة: الله أكبر، الدالة على إثبات الذات وما تستحقه من صفات الكمال، والتنزيه عن أضدادها. وحذف المفضل منه للإطلاق: أي أن الله أكبر من كل شيء. وبعد أن أثبت الذات وصفات الكمال لله سبحانه، بقوله: الله أكبر من كل شيء، انتقل إلى الإيمان به بتوحيده، فمن كانت هذه صفته فإنه أهل لتوحيده بالعبادة، ولهذا ثنى المؤذن بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، وهذه الشهادة عمدة الإيمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين. ثم انتقل إلى شهادة أخرى، وهي متممة للشهادة الأولى، وذلك بقوله: أشهد أن محمدًا رسول الله، وبها ينال الإيمان بنبوة محمد ﷺ وبرسالته، ولا تقبل الشهادة الأولى من دون الشهادة الثانية، إلا أنها تأتي بعد الإيمان بالله وبوحدانيته، وهاتان

стр. 8616

الشهادتان يدخل بهما الإنسان الإسلام، وينال بهما العصمة، عصمة الدم، والمال، والعرض. وهي أول ما يدعى إليهما الخلق كما في حديث ابن عباس في بعث معاذ إلى اليمن، فإنه قال له: يا معاذ إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في اليوم والليلة. الحديث. وبعد الإقرار بالشهادتين تأتي الدعوة إلى الصلاة، وإنما جاءت الدعوة إلى الصلاة عقب الشهادتين؛ لأن الصلاة لا تقبل ولا يقبل غيرها من الأعمال إلا بعد الإقرار بالشهادتين. ثم يدعو بعد ذلك إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء، ثم ختم الأذان بتعظيم الله وتوحيده، فكان آخر الأذان كأوله، فدلالة ألفاظ الأذان ناطقة بفضله. وأما فضل الأذان من حيث الأحاديث التي ترغب فيه، وتتكلم عن فضله، فهناك أحاديث كثيرة، من ذلك: (ح-٣٠٣٨) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، عن أبيه، أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري ﵁، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ (١). (ح-٣٠٣٩) ومنها ما رواه البخاري من طريق مَالِك، عَنْ سُمَيٍّ مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: لو يعلم الناس ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، ولو يعلمون ما في التهجير

стр. 8617

لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوًا (١). إشارة إلى أنه ينبغي التنافس فيه، والتزاحم عليه ولو بوسيلة الاقتراع على استحقاقه لعظم ثوابه. (ح-٣٠٤٠) ومنها ما رواه البخاري من طريق الأعرج، عَنْ أبي هريرة: أن رسول الله قال: إذا نُودِيَ للصلاة أَدْبَرَ الشيطان، وله ضُرَاطٌ، حتى لا يسمع التَّأْذِينَ، فإذا قضى النداء أقبل، حتى إذا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أدبر، حتى إذا قضى التَّثْوِيبَ أقبل، حتى يَخْطِرَ بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلَّى (٢). (ح-٣٠٤١) ومنها ما رواه مسلم من طريق عَبْدَة، عن طلحة بن يحيى، عن عمه، قَالَ: كنت عند معاوية بن أبي سفيان، فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة، فقال معاوية: سمعت رسول الله يقول: المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة. وقد تكلمت على معناه في كتاب الأذان، فارجع إليه إن شئت. (ح-٣٠٤٢) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني موسى بن أبي عثمان، قال: حدثني أبو يحيى، مولى جعدة، قال: سمعت أبا هريرة، أنه سمع من فم رسول الله ﷺ يقول: المؤذن يغفر له مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس، وشاهد الصلاة يكتب له خمس وعشرون حسنةً، ويكفر عنه ما بينهما (٣). [أرجو أن يكون حسنًا] (٤).

стр. 8618

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8621

(ح-٣٠٤٣) ومنها ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (١). [ضعيف] (٢). قال الشافعي في الأم: «أُحِبُّ الأذانَ؛ لقول رسول الله: اللهم اغفر للمؤذنين، وأكره الإمامة للضمان، وما على الإمام فيها» (٣). (ث-٧٨٣) ومنها ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا وكيع، عن عبيد الله بن الوليد، عن عبيد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة، قالت: ما أرى هذه الآية نزلت إلا في المؤذنين ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا

стр. 8622

مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. [ضعيف جدًّا] (١). قال ابن رجب: «قد قيل إنها نزلت في المؤذنين، روي عن طائفة من الصحابة» (٢). الدليل الثاني: (ث-٧٨٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا شريك، عن جابر، عن عامر، عن سعد، قال: لأن أقوى على الأذان أحب إليَّ من أن أحجَّ، وأعتمرَ، وأجاهدَ (٣). [ضعيف جدًّا] (٤). الدليل الثالث: (ث-٧٨٥) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا يزيد ووكيع، عن إسماعيل، قال: قال قيس: قال عمر: لو كنت أطيق الأذان مع الخِلِّيفى لأذنت (٥). [صحيح] (٦).

стр. 8623

ويجاب: بأن معنى الأثر لولا الخلافة لأذنت أي مع الإمامة، وليس في تفضيل الأذان المطلق. الدليل الرابع: (ث-٧٨٦) ما رواه يعقوب بن سفيان في مشيخته، من طريق غياث بن عبد الحميد، عن مطر عن الحسن، عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: سهام المؤذنين عند الله يوم القيامة كسهام المجاهدين وهو فيما بين الأذان والإقامة كالمتشحط في سبيل الله في دمه (١). [ضعيف] (٢). الدليل الخامس: (ث-٧٨٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد، عن الربيع بن صبيح، قال أخبرنا أبو فاطمة رجل قد أدرك أصحاب النبي، قال: قال ابن مسعود: لو كنت مؤذنًا ما باليت أن لا أحج، ولا أغزو (٣). [ضعيف] (٤). حجة من قال: الأذان والإمامة سواء في الفضل: هؤلاء نظروا إلى أدلة الفريقين، فأخذوا منهما أنهما سواء في الفضل. حجة من قال: الأذان أفضل إلا لمن قام بجميع خصال الإمامة: هؤلاء رأوا أن القيام بجميع خصال الإمامة يؤدي إلى القيام بأنواع كثيرة من

стр. 8624

القربات تجعله أفضل من الأذان؛ لأن المطلوب في الأذان هو معرفة الوقت، وقوة الصوت، والمطلوب للإمامة أن يكون قارئًا لكتاب الله، متعلمًا لأحكام الإمامة، ونحو ذلك؛ ولأن الأذان وسيلة، والإمامة غاية، والله أعلم. الراجح: أرى أن أقرب الأقوال للصواب أن الإمامة أفضل، وقد قُدِّمَ أبو بكر لإمامة الصلاة للمسلمين، لكونه أفضلهم، وفهم من ذلك أفضليته للإمامة الكبرى، والأحاديث الواردة في الترغيب في الأذان راجع إلى أن الناس يزهدون فيه، فالشارع يرتب عليه من الفضل ما يدعو الناس إلى التزاحم عليه، ولا يلزم من ذلك تفضيله على الإمامة، ولم يرد حديث واحد يقضي بأن الأذان أفضل من الإمامة، والإمامة هي نوع من الولاية، ويطلق عليها الإمامة الصغرى بخلاف الأذان، والله أعلم.

стр. 8625

المبحث الثالث في أخذ الأجرة على الإمامة المدخل إلى المسألة: ما يعطاه الإمام في الصلاة من غير شرط جائز، سواء أكان ما يعطاه رزقًا أو مكافأة أو وقفًا؛ لأن هذا ليس داخلًا في المعاوضات على القرب؛ بل هو من باب النفقة والهبة. لا يجوز الرزق مع وجود متطوع بالإمامة؛ لأن تصرف الحاكم في بيت المال معلق بالمصلحة، كتصرف الوصي في مال اليتيم. كل عمل واجب على الشخص لا تجوز المعاوضة عليه سواء أكان واجبًا بأصل الشرع، أم كان واجبًا بالنذر. الإمامة فرض كفاية، ويقبل النِّيابة، ولم يتعين عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه. الإمامة في الصلاة يلزم منها أمران: الصلاة بالناس، والارتباط بالجماعة والمسجد. المعاوضة على الإمامة ليس على القيام والركوع والسجود؛ لأن نفعها قاصر على صاحبها، بل على ما يلزم منها من ارتباط الإمام بالمكان والجماعة، وتعطيل مصالحه، وكف نفسه عن التنقل والسفر، فمن حين أن يقرب وقت الصلاة عليه أن يدع كل شيء ليكون قريبًا من المسجد؛ ليتمكن من الإمامة. قال ﷺ : (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) فإذا جازت المعاوضة على القرآن تعليمًا ورقية، جازت المعاوضة على مثله من القرب، ومنها الإمامة في الصلاة. [م-١٠١٠] هذه المسألة فرع عن مسألة حكم المعاوضة على القربات، والقربات يختلف حكمها باختلاف نوعها، فمنها ما هو بدني محض كالصلاة، ومنها ما هو مالي محض كالزكاة، ومنها ما هو مركب منهما كالجهاد والحج. والبدني منها يختلف أيضًا، فمنها ما نفعه لا يتجاوز فاعله، وهو واجب متعين على فاعله كالصلاة.

стр. 8626

ومنها ما هو متعد، وليس واجبًا عينيًّا كتعليم القرآن، والأذان، والإمامة لهذا تجد المذهب الفقهي الواحد لا يطرد حكمه في القرب، فالمالكية والشافعية يفرقون بين أخذ الأجرة على الإمامة، وأخذ الأجرة على الأذان، فأحببت التنبيه حتى لا تقاس بعض العبادات على بعض (١). وقد اتفق الفقهاء على أن ما يؤخذ من بيت المال من رزق على القربات كالإمامة والأذان والقضاء لا يعد أجرة، ويجوز أخذه إجماعًا؛ لأنه من باب النفقة والإعانة، وليس من باب المعاوضة (٢). قال ابن قدامة: «القضاء والشهادة والإمامة يؤخذ عليه الرزق من بيت المال، وهو نفقة في المعنى، ولا يجوز أخذ الأجرة عليها» (٣). كما أن ما يدفع للإمام من مكافأة أو مثوبة بلا شرط يجوز أخذه؛ لأن هذا ليس داخلًا في المعاوضات على القرب (٤)، إذا تبين هذا نأتي لهذه المسألة، فأقول. اختلف الفقهاء في الإمامة في الصلاة، هل يجوز أخذ الأجرة عليها؟ فقيل: لا يجوز مطلقًا، وهذا مذهب متقدمي الحنفية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة واختاره ابن حبيب من المالكية (٥).

стр. 8627

وقيل: يجوز مطلقًا، اختاره ابن عبد الحكم من المالكية، قال ابن يونس: وهو القياس، ورجحه أبو بكر بن العربي، وهو وجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد (١). قال ابن العربي: «ما كان من فروض الكفايات فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه، ومن ذلك الإمامة؛ فإن الصلاة، وإن كانت متوجهة على جميع الخلق فإن تقدم بعضهم بهم من فروض الكفاية، فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها» (٢). وقيل: يجوز الاستئجار على الإمامة مع الأذان، وكأن الأجرة إنما وقعت على الأذان والقيام بالمسجد، لا على الصلاة، وهو المعتمد في مذهب المالكية (٣). وروى أشهب عن مالك، أنه سئل عن الصلاة خلف من استؤجر في رمضان يقوم للناس، فقال: أرجو ألا يكون به بأس، وإن كان به بأس فعليه، لا على من

стр. 8628

صلى خلفه، وروى ابن القاسم أنه كرهه، وقال: وهو أشد كراهة له في الفريضة (١). وقيل: يجوز للضرورة، وهو مذهب بعض المتأخرين من الحنفية، وفي وجه عند الحنابلة: يجوز للحاجة، ورجحه ابن تيمية (٢). فتلخص الخلاف في المسألة إلى أربعة أقوال: لا يجوز مطلقًا. يجوز مطلقًا. يجوز تبعًا للأذان. يجوز مع الحاجة. دليل من قال: لا يجوز مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٣٠٤٤) ما رواه الإمام أحمد، عن عفان، عن حماد بن سلمة وحماد بن

стр. 8629

زيد، فرقهما، أخبرنا سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن عثمان بن أبي العاص، قال: قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، قال: أنت إمامهم، واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرًا (١). [صحيح] (٢).

стр. 8630

وجه الاستدلال: إذا امتنع أخذ الأجرة على الأذان امتنع أخذها عن الإمامة من باب أولى، فإن الأذان عبادة مركبة من رفع الصوت بالأذان والذي هو عبادة محضة، وعمل وتفرغ لمراقبة الوقت مما لا يدخل في العبادة، بخلاف الإمامة.

стр. 8631

ونوقش هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول: قال الجوزقاني: «رواه جماعة كثيرة عن عثمان، ولم يقل منهم أحد: (واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا)، إلا ما تفرد به حماد عن الجريري .... » (١). وأجيب: لم يتفرد به حماد بن سلمة، بل تابعه على هذا حماد بن زيد، عن الجريري، كما رواه بالزيادة أيضًا علي ومحمد، ابنا عبيد الطنافسي (ثقتان)، قال: حدثنا عمرو بن عثمان بن موهب، عن موسى بن طلحة به. كما رواه بالزيادة أيضًا أشعث بن سوار، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، وقد أبان ذلك تخريج الحديث، فزال توهم علة التفرد، فلله الحمد. الوجه الثاني: أن الحديث محمول على الندب كما يشعر قوله: (واتخذ) (٢). وقد ينازع المستدل بذلك بأن الأصل في الأمر الوجوب. الوجه الثالث: أن هذا الحديث دليل على جواز أخذ الأجرة على الأذان؛ لأنه إنما فضل المؤذن المحتسب الذي لا يأخذ على أذانه أجرًا على غيره ممن يطلب المعاوضة، ولو كانت المعاوضة حرامًا على الأذان لكان جميع المسلمين لا يأخذون على أذانهم أجرًا، ولجاء الحديث بلفظ: لا يؤخذ على الأذان أجرًا، ونحو ذلك (٣). وأجيب: بأن الأجر يطلق على معنيين: المعنى الأول: الأجر عن طريق الإجارات المعقودة قبل وجوبها، مما يأخذه المستأجر، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ثم

стр. 8632

قال: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦]، والائتمار لا يكون إلا عند الاختلاف فيما تعقد الإجارات عليه. المعنى الثاني: الأجر المراد به المثوبة والمكافأة على الفعل بعد وقوعه، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. وهذا يأتي بعد الفعل، وليس على سبيل المعاوضة. وحديث عثمان بن أبي العاص: (اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) المقصود بالأجر: المثوبة والمكافأة على الفعل بلا استئجار، فيكون من يأبى قبول المثوبة والمكافأة أفضل ممن يقبل ذلك منهم، فأمر النبي ﷺ عثمان بن أبي العاص أن يتخذ أفضل المؤذنين، وأعلاهم رتبة على الثواب على الأذان (١). ورد هذا الجواب بأمرين: الأمر الأول: إذا فسرت الأجر بالمثوبة بطل الاحتجاج به على تحريم المعاوضة. الأمر الثاني: الأجرة إذا أطلقت فالمراد بها الثمن، ولا يترك المعنى الظاهر المتبادر إلى غيره إلا بقرينة تمنع من إرادة المعنى الظاهر، ولا قرينة هنا، فالصحيح أن الأجرة المراد بها الثمن، وأن الحديث يدل على تفضيل المؤذن الذي لا يأخذ أجرًا على غيره، وليس على تحريم أخذ الأجرة، والله أعلم. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. وجه الاستدلال: الإمامة قربة عظيمة، والأجرة عرض دنيوي، فإذا كان لا يؤم الناس إلا بعرض من الدنيا، فقد أراد بعمل الآخرة عرضًا من الدنيا، فحبط عمله. قال أبو داود: سمعت أحمد، سئل عن إمام، قال لقوم: أصلي بكم رمضان

стр. 8633

بكذا وكذا درهما؟ قال: أسأل الله العافية، من يصلي خلف هذا؟!» (١). ويناقش من وجهين: الوجه الأول: إن قصد بالمعاوضة المعاوضة على القيام والركوع والسجود فهذه أعمال محضة لله لا تصرف لغيره، ولا يشرك معه أحد، والمعاوضة عليها يبطلها. ولأن عمل الإمام بالصلاة كعمل المنفرد، ويكفيه أن يصلي ويقتدي به من يريد، وتحصل فضيلة الجماعة للمأموم، ولو لم ينوِ الإمام الإمامة على الصحيح، وسبق بحث هذه المسألة، نعم، إحراز فضيلة الجماعة للإمام، يتوقف على نيته للإمامة، وهذه نفعها غير متعد، فلا تجوز المعاوضة عليها. وإن قصد بالعقد على الإمامة العقد على تفريغ الوقت بحبس البدن على إمامة هذا المكان وهذه الجماعة دون غيرهما، فالإمام من قبل دخول الوقت لا بد أن يفرغ نفسه من كل مصالحه، ويرتبط بالمسجد ليصلي بالناس، فهذه المعاوضة لم تكن على العبادة نفسها، بل على ما يلزم منها من ارتباط بالمكان، وتعطيل لمصالحه، وكف نفسه عن التنقل والسفر، فهذه معاوضة مباحة. الوجه الثاني: الصلاة وإن كانت واجبة على جميع المصلين إلا أن التقدّم للإمامة لم يتعين على الإمام، فكانت المعاوضة على ما ليس بواجب عينًا، وكل ما كان من فروض الكفاية فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه، ومن ذلك الإمامة، هذا هو أصل الباب. الدليل الثالث: قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. (ح-٣٠٤٥) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا يونس وسريج بن النعمان قالا:

стр. 8634

حدثنا فليح، عن عبد الله بن عبد الرحمن أبي طوالة، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. قال سريج في حديثه: يعني ريحها (١). [اختلف في وصله وإرساله، ورجح الدارقطني إرساله] (٢).

стр. 8635

وجه الاستدلال: دلت الآية والحديث أنه لا يجوز إرادة الدنيا بعمل الآخرة، فمن أراد الدنيا بعمل الآخرة حبط عمله، ومنه الإمامة، وتعليم القرآن، والجهاد. ونوقش هذا من أكثر من وجه: الوجه الأول: أن الحديث لا يصح. الوجه الثاني: أن الحديث لو صح لم يكن فيه دليل، ذلك أن الحديث قال: (لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا)، فالآخرة ليس لها نصيب من إرادته، وهذا لا يفعله مسلم، ولا يدخل فيه ما إذا أراد الدنيا والآخرة معًا، أو كانت الآخرة هي الغالبة. قال تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح ١٠ - ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]. وقال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. الوجه الثالث: أن أخذ الأجرة ليس على الفعل، وإنما على التزامه مكانًا معينًا،

стр. 8636

وهو غير مأمور به عينًا (١). الدليل الرابع: الإمام خليفة للرسول ﷺ في الدعاء والإمامة، وقد قال الله تعالى ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، فمن يكون خليفته ينبغي أن يكون مثله (٢). ولأن أخذ الأجرة من الناس على الطاعات كالإمامة ينفرهم عن فعل الطاعة، قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠]. فكان أخذ الأجرة سببًا في تنفير الناس عن الطاعات ونوقش من أكثر من وجه: الوجه الأول: الآية تخاطب النبي ﷺ أن يقول لكفار قريش: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ﴾، على ما أدعوكم إليه، وعلى تبليغي الرسالة جعلًا أو أجرًا (٣). وهذا أحرى أن يتبع، كما قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١]. فليست الآية نصًا في أخذ العوض على أعمال القرب. الوجه الثاني: الاقتداء بالرسول ﷺ يجب فيما هو واجب، ويستحب فيما هو مستحب، وكون الرسول ﷺ لم يأخذ على إمامته أجرًا، فهذا دليل على استحباب التطوع بالإمامة، وهذا لا اختلاف عليه، ولكن مجرد الترك لا يدل على تحريم أخذ الأجر، فلو كان محرمًا لنهى النبي ﷺ عن أخذه، ولذلك النبي ﷺ لم يأخذ الرزق على الإمامة، وهو جائز بالاتفاق، فلو كان الترك دليلًا على التحريم لحرم أخذ الرزق. الوجه الثالث: أن أخذ الأجرة إذا كان عن طريق العقد فإن من شرط صحته أن يكون عن

стр. 8637

تراض، ودون إكراه، وعن رغبة وقبول من الطرفين، وأن يبذله الموسرون والراغبون في الأجر، وهذا يدفع دعوى التنفير. الدليل الخامس: (ح-٣٠٤٦) ما رواه أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا مغيرة بن زياد، عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة. عن عبادة بن الصامت، قال: عَلَّمتُ ناسًا من أهل الصفة الكتابة والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوسًا. فقلت: ليست لي بمال، وأرمي عنها في سبيل الله، فسألت النبي ﷺ فقال: إن سرك أن تطوق بها طوقًا من نار فاقبلها. [ضعيف، قال ابن عبد البر: ليس في هذا الباب حديث يجب به حجة من جهة النقل] (١).

стр. 8638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8639

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8640

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8641

الدليل السادس: (ح-٣٠٤٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام يعني الدستوائي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي راشد الحبراني، قال: قال عبد الرحمن بن شبل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اقرؤوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به (١). [اختلف في إسناده والراجح فيه أن يحيى سمعه من زيد بن سلام، عن جده، عن أبي راشد الحبراني] (٢).

стр. 8642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8644

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8645

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8646

وجه الاستدلال: الحديث نهى عن الأكل بالقرآن، ومن الأكل به المعاوضة عليه، والقرآن ركن أساسي في الصلاة، كما قال النبي ﷺ : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، فالمعاوضة على الإمامة معاوضة على ذكر الله، ومنه قراءة القرآن. وأجيب: بأن المقصود بالنهي عن الأكل به هو الأكل به بالباطل، كأخذ الأجرة على قراءة القرآن في المآتم ونحوذلك، وليس على تعليم القرآن جمعًا بينه وبين حديث:

стр. 8647

(إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) رواه البخاري. وحديث: (زوجتكها بما معك من القرآن)، متفق عليه، وسيأتي ذكرهما في أدلة القائلين بالجواز إن شاء الله تعالى، وإذا أمكن الجمع تعين الأخذ به. الدليل الثامن: (ث-٧٨٨) روى ابن المنذر في الأوسط من طريق يحيى البكاء، أن ابن أبي محذورة قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن إني أحبك في الله، فقال له ابن عمر: وأنا أبغضك في الله قال: سبحان الله أحبك في الله وتبغضني في الله، فقال ابن عمر: إنك تأخذ على أذانك أجرًا (١). [ضعيف، في إسناده يحيى البكاء]. الدليل التاسع: كل مكلف تجب عليه الصلاة، وإذا صلى فالاقتداء به في صلاته لا يوجب عليه زيادة فعل؛ لأن فعل الإمام هو فعل المنفرد، وفعل المنفرد لا يجوز أخذ الأجرة عليه، فكذلك الإمامة، فكان أخذ الإجارة على ما يلزمه فعله، ويجبر عليه من أكل المال بالباطل، وكما لو أخذ أجرًا على صيامه، واعتكافه، وحجه وعمرته لنفسه. قال ابن قدامة: «وأمّا ما لا يتعدى نفعُه فاعِلَه من العبادات المحضة، كالصيام، وصلاة الإنسان لنفسه، وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه، فلا يجوز أخذ الأجر عليها بغير بخلاف؛ لأنّ الأجر عوض عن الانتفاع، ولم يحصل لغيره ها هنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان الّتي لا نفع فيها» (٢). ويناقش: بأن الصلاة لا تلزمه في مسجد بعينه، فإذا تقلد الرجل الإمامة التزم الصلاة بمسجد معين، ولزمه الارتباط بهذا المكان أوقات الصلوات، وهو غير لازم له، فكان يمكنه أن يصلي حيث أدركته الصلاة، وهذا عمل خارج عن مجرد الصلاة. واعترض: بأن الخلاف حول المعاوضة على الإمامة وأخذ الأجرة عليها، وأما تكلف

стр. 8648

الإمام بالصلاة في مكان معين فهذا أمر خارج عن مسألة الخلاف، فإذا كان الإمام مجاورًا للمسجد، فلا مشقة عليه، فهل يجوز له أخذ الأجرة على الإمامة؟ إن قلتم: لا يجوز له أخذ الأجرة على الإمامة نقضتم مذهبكم. وإن قلتم بالجواز أبطلتم دليلكم. ورد هذا الاعتراض: بأن الإمام وإن كان مجاورًا للمسجد فإنه لا ينفك عن التنقل لمصالحه، ومن حاجته للسفر، فإذا انتصب للإمامة فمن حين أن يقرب وقت الصلاة عليه أن يدع كل شيء يشتغل به ليكون قريبًا من المسجد ليتمكن من الصلاة بالناس، وإذا لم يتمكن أناب من يقوم عنه بالإمامة، بخلاف المأموم فإنه يصلي حيث أدركته الصلاة، فهذا الارتباط لا ينفك عن الإمامة، ولذلك جرى التفريق في الحكم بين المصلي منفردًا وبين الإمام، فالأول لا يجوز له المعاوضة بخلاف الثاني. ولذلك قال المازري عن بعض شيوخه: «يرتفع الخلاف في المنع إذا كان ثم فعل لا يلزم المصلي، كما يرتفع الخلاف في الجواز إذا لم يزد على الواجب» (١). ونقل عن المازري أنه حكى قولًا بجواز الإجارة لمن بعدت داره، لا لمن قربت، وما ذكره نحو قول ابن بشير هو عند المحققين خلاف في حال، فإن كان يتكلف في ملازمة الصلاة في موضع معين، والقصد إليه يشق صحت الإجارة، وإن كان لا مشقة في ذلك لم يصح (٢). دليل من قال بالجواز مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٣٠٤٨) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي مليكة. عن ابن عباس أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق، إن في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا؟ فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ فجاء بالشاء إلى

стр. 8649

أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرًا فقال رسول الله ﷺ : إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله (١). وجه الاستدلال: قوله: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) فإذا جازت المعاوضة على القرآن رقية وتعليمًا، جازت المعاوضة على سائر القرب، ومنها الإمامة في الصلاة. الدليل الثاني: (ح-٣٠٤٩) ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للأول من طريق عن أبي بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يَقْرُوهُمْ، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق، فقالوا: إنكم لم تَقْرُونَا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بُزَاقَهُ ويتفل، فَبَرَأَ، فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ ، فسألوه فضحك وقال: وما أدراك أنها رقية؟ خذوها، واضربوا لي بسهم (٢). وجه الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالحديث السابق. وأجيب عن الحديثين: بأن الرقاة مركبة من أمرين: - التداوي كصنعة. - وكونه بالقرآن. فهو أشبه بتعليم القرآن حيث يتركب من التعليم كحرفة، وكونه بالقرآن. ولأنه ليس على الناس أن يرقي بعضهم بعضًا، بخلاف الإمامة في الصلاة، فهي واجبة. ورد: بأن الإمامة في الصلاة أيضًا مركبة من أمرين:

стр. 8650

أحدهما: الصلاة بالناس، وهذه عبادة. والثاني: الارتباط بالجماعة والمسجد، فإذا قرب الوقت فعليه أن يعطل مصالحه، ليكون قريبًا من المسجد عند حضور الصلاة، وهذا عمل لا علاقة له بالقربة، والمعاوضة على الثاني، وليست على الأول. وأما الجواب عن قولكم: الإمامة واجبة، فالإمامة من فروض الكفاية، فلا تجب على شخص بعينه، وإذا تعينت على الشخص لم يجب عليه المعاوضة عليها. الدليل الثالث: (ح-٣٠٥٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني وهبت نفسي لك من نفسي، فقال رجل: زوجنيها. قال: قد زوجناكها بما معك من القرآن، ورواه مسلم واللفظ للبخاري (١). وجه الاستدلال: من الشروط المتفق عليها أنه لا نكاح إلا بصداق، وأن الصداق لا بد أن يكون مالًا، قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]. فلما قال النبي ﷺ : (زوجناكها بما معك من القرآن) فالباء في قوله (بما معك) للعوض، حيث جعل تعليم القرآن مالًا يستحل به الرجل نكاح المرأة. (ح-٣٠٥١) وقد روى مسلم من طريق عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، أخبرني شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يحدث، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة (٢). واعترض: بأن هناك فرقًا بين المهر والأجر، فالمهر ليس بعوض محض، وإنما وجب نحلةً
следующие страницы →