وجه الاستدلال:
الحديث نهى عن الأكل بالقرآن، ومن الأكل به المعاوضة عليه، والقرآن ركن أساسي في الصلاة، كما قال النبي ﷺ : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، فالمعاوضة على الإمامة معاوضة على ذكر الله، ومنه قراءة القرآن.
وأجيب:
بأن المقصود بالنهي عن الأكل به هو الأكل به بالباطل، كأخذ الأجرة على قراءة القرآن في المآتم ونحوذلك، وليس على تعليم القرآن جمعًا بينه وبين حديث:
стр. 8647
(إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) رواه البخاري.
وحديث: (زوجتكها بما معك من القرآن)، متفق عليه، وسيأتي ذكرهما في أدلة القائلين بالجواز إن شاء الله تعالى، وإذا أمكن الجمع تعين الأخذ به.
الدليل الثامن:
(ث-٧٨٨) روى ابن المنذر في الأوسط من طريق يحيى البكاء،
أن ابن أبي محذورة قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن إني أحبك في الله، فقال له ابن عمر: وأنا أبغضك في الله قال: سبحان الله أحبك في الله وتبغضني في الله، فقال ابن عمر: إنك تأخذ على أذانك أجرًا (١).
[ضعيف، في إسناده يحيى البكاء].
الدليل التاسع:
كل مكلف تجب عليه الصلاة، وإذا صلى فالاقتداء به في صلاته لا يوجب عليه زيادة فعل؛ لأن فعل الإمام هو فعل المنفرد، وفعل المنفرد لا يجوز أخذ الأجرة عليه، فكذلك الإمامة، فكان أخذ الإجارة على ما يلزمه فعله، ويجبر عليه من أكل المال بالباطل، وكما لو أخذ أجرًا على صيامه، واعتكافه، وحجه وعمرته لنفسه.
قال ابن قدامة: «وأمّا ما لا يتعدى نفعُه فاعِلَه من العبادات المحضة، كالصيام، وصلاة الإنسان لنفسه، وحجه عن نفسه، وأداء زكاة نفسه، فلا يجوز أخذ الأجر عليها بغير بخلاف؛ لأنّ الأجر عوض عن الانتفاع، ولم يحصل لغيره ها هنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان الّتي لا نفع فيها» (٢).
ويناقش:
بأن الصلاة لا تلزمه في مسجد بعينه، فإذا تقلد الرجل الإمامة التزم الصلاة بمسجد معين، ولزمه الارتباط بهذا المكان أوقات الصلوات، وهو غير لازم له، فكان يمكنه أن يصلي حيث أدركته الصلاة، وهذا عمل خارج عن مجرد الصلاة.
واعترض:
بأن الخلاف حول المعاوضة على الإمامة وأخذ الأجرة عليها، وأما تكلف
стр. 8648
الإمام بالصلاة في مكان معين فهذا أمر خارج عن مسألة الخلاف، فإذا كان الإمام مجاورًا للمسجد، فلا مشقة عليه، فهل يجوز له أخذ الأجرة على الإمامة؟
إن قلتم: لا يجوز له أخذ الأجرة على الإمامة نقضتم مذهبكم. وإن قلتم بالجواز أبطلتم دليلكم.
ورد هذا الاعتراض:
بأن الإمام وإن كان مجاورًا للمسجد فإنه لا ينفك عن التنقل لمصالحه، ومن حاجته للسفر، فإذا انتصب للإمامة فمن حين أن يقرب وقت الصلاة عليه أن يدع كل شيء يشتغل به ليكون قريبًا من المسجد ليتمكن من الصلاة بالناس، وإذا لم يتمكن أناب من يقوم عنه بالإمامة، بخلاف المأموم فإنه يصلي حيث أدركته الصلاة، فهذا الارتباط لا ينفك عن الإمامة، ولذلك جرى التفريق في الحكم بين المصلي منفردًا وبين الإمام، فالأول لا يجوز له المعاوضة بخلاف الثاني.
ولذلك قال المازري عن بعض شيوخه: «يرتفع الخلاف في المنع إذا كان ثم فعل لا يلزم المصلي، كما يرتفع الخلاف في الجواز إذا لم يزد على الواجب» (١).
ونقل عن المازري أنه حكى قولًا بجواز الإجارة لمن بعدت داره، لا لمن قربت، وما ذكره نحو قول ابن بشير هو عند المحققين خلاف في حال، فإن كان يتكلف في ملازمة الصلاة في موضع معين، والقصد إليه يشق صحت الإجارة، وإن كان لا مشقة في ذلك لم يصح (٢).
دليل من قال بالجواز مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٠٤٨) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي مليكة.
عن ابن عباس أن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق، إن في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا؟ فانطلق رجل منهم، فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرأ فجاء بالشاء إلى
стр. 8649
أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرًا فقال رسول الله ﷺ : إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله (١).
وجه الاستدلال:
قوله: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) فإذا جازت المعاوضة على القرآن رقية وتعليمًا، جازت المعاوضة على سائر القرب، ومنها الإمامة في الصلاة.
الدليل الثاني:
(ح-٣٠٤٩) ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للأول من طريق عن أبي بشر، عن أبي المتوكل،
عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يَقْرُوهُمْ، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق، فقالوا: إنكم لم تَقْرُونَا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بُزَاقَهُ ويتفل، فَبَرَأَ، فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ ، فسألوه فضحك وقال: وما أدراك أنها رقية؟ خذوها، واضربوا لي بسهم (٢).
وجه الاستدلال بهذا الحديث كالاستدلال بالحديث السابق.
وأجيب عن الحديثين:
بأن الرقاة مركبة من أمرين:
- التداوي كصنعة.
- وكونه بالقرآن. فهو أشبه بتعليم القرآن حيث يتركب من التعليم كحرفة، وكونه بالقرآن.
ولأنه ليس على الناس أن يرقي بعضهم بعضًا، بخلاف الإمامة في الصلاة، فهي واجبة.
ورد:
بأن الإمامة في الصلاة أيضًا مركبة من أمرين:
стр. 8650
أحدهما: الصلاة بالناس، وهذه عبادة.
والثاني: الارتباط بالجماعة والمسجد، فإذا قرب الوقت فعليه أن يعطل مصالحه، ليكون قريبًا من المسجد عند حضور الصلاة، وهذا عمل لا علاقة له بالقربة، والمعاوضة على الثاني، وليست على الأول.
وأما الجواب عن قولكم: الإمامة واجبة، فالإمامة من فروض الكفاية، فلا تجب على شخص بعينه، وإذا تعينت على الشخص لم يجب عليه المعاوضة عليها.
الدليل الثالث:
(ح-٣٠٥٠) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم،
عن سهل بن سعد، قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إني وهبت نفسي لك من نفسي، فقال رجل: زوجنيها. قال: قد زوجناكها بما معك من القرآن، ورواه مسلم واللفظ للبخاري (١).
وجه الاستدلال:
من الشروط المتفق عليها أنه لا نكاح إلا بصداق، وأن الصداق لا بد أن يكون مالًا، قال تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤].
فلما قال النبي ﷺ : (زوجناكها بما معك من القرآن) فالباء في قوله (بما معك) للعوض، حيث جعل تعليم القرآن مالًا يستحل به الرجل نكاح المرأة.
(ح-٣٠٥١) وقد روى مسلم من طريق عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، أخبرني شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يحدث،
عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة (٢).
واعترض:
بأن هناك فرقًا بين المهر والأجر، فالمهر ليس بعوض محض، وإنما وجب نحلةً
стр. 8651
وَوُصْلَةً، ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته، وصح مع فساده، بخلاف الأجر في غيره (١).
ورد:
بأن الله سماه أجرة في كتابه، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤].
وأما الاعتراض بوجوب تسمية الأجرة، ولا يجب تسمية مقدار الصداق، فهذا ليس بشيء، فقد أجاز الحنفية والمالكية وقول في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة أن يستأجر الإنسان حمالًا أو خياطًا أو حلاقًا ولو لم يتعرضا لمقدار الأجرة، وله أجرة المثل (٢).
الدليل الرابع: من القياس:
قياس الإمامة في الصّلاة على الإمامة الكبرى في جواز أخذ الأجرة بجامع أن كلًا منهما عامل لمصلحة المسلمين.
قال ابن العربي: «والصّحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان والصلاة والقضاء، وجميع الأعمال الدينية، فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله، وينيب في كلّ واحد منها، فيأخذ النائب أجره كما يأخذ المستنيب، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ : (ما تركت بعد نفقة عيالي ومؤونة عاملي فهو صدقة) (٣).
ونوقش:
بأن ما يأخذه الحاكم والقاضي من بيت مال المسلمين هو من باب الرزق، وليس من باب الأجرة، ثم إن عقد الحاكم عقد مركب من أعمال كثيرة جدًّا، منها ما هو من باب الولاية المستمدة من الشرع، كإقامة الحدود، والأمر بإقامة الصلوات، والجمعة والعيدين، وكونه وليَّ من لا ولي له من القصر، ومنها ما هو من باب الوكالة المستمدة من أهل الحل والعقد، أو من اختيار المسلمين له ومبايعتهم إياه، كتصرفه في الأموال العامة، ومثله كل عمل دنيوي محض كشق الطرق وتأمينها،
стр. 8652
وإقامة الأسواق ومراقبتها، وإنشاء الوزارات، ومحاسبتها، ونحو ذلك، فهناك فارق كبير بين وظيفة الإمامة في الصلاة وبين الإمامة العظمى، فلا يقاس الأدنى على الأعلى، والله أعلم.
الدليل الخامس:
الإجارة على الإمامة نفع يصل إلى المستأجر فجاز أخذ الأجرة عليه.
الدليل السادس:
قياس الإمامة في الصلاة على العاملين في الزكاة بجامع أن كلًا منهما من فروض الكفاية، ويستحقون أجرة على عملهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
ونوقش هذا:
بأن الزكاة عبادة مالية، بخلاف الصلاة فإنها عمل بدني.
ولأن الإمام في الصلاة يصلي لنفسه فلا يستحق أجرًا بخلاف عامل الزكاة فإنه يعمل لغيره، ولأن هناك فرقًا بين الزكاة والعمل على تحصيلها، فالزكاة عبادة، وتحصيلها عمل بدني، المعاوضة على العمل، وليس على الزكاة.
دليل من قال: يجوز الاستئجار على الإمامة والأذان معًا:
قالوا: الأذان تجوز المعاوضة عليه وحده؛ لأنه يصحبه عمل من مراقبة دخول الوقت، فإذا استأجره على الأذن والصلاة معًا جاز ذلك، لأن الصلاة في العقد تبع للأذان، فالشيء قد يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا.
(ح-٣٠٥٢) لما رواه البخاري ومسلم من طريق سالم
عن ابن عمر: ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا، وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع.
فالمشتري إذا اشترط الثمر بعد تأبيره، فقد اشترط ثمرًا لم يبد صلاحه، وهو
стр. 8653
منهي عن بيعه، وإنما جاز بيعه تبعًا لغيره، وكذلك المال الذي في حوزة العبد قد يكون ذهبًا، وثمن العبد قد يكون ذهبًا أيضًا، فأجاز النبي ﷺ للمشتري أن يشترط المال دون مراعاة لقواعد الصرف، وإنما جاز ذلك؛ لأنه تابع غير مقصود، ولا يجوز بيع الحمل في البطن للجهالة، ويجوز بيع الحيوان الحامل تبعًا، ولو كان الحمل له ثمن مقصود.
فكذلك المعاوضة على الأذان والصلاة معًا جار على هذه القاعدة والتي دلت عليها نصوص الشريعة، والله أعلم.
دليل من قال: تجوز المعاوضة على الإمامة للضرورة أو الحاجة:
الأصل أن هذه الأعمال لا تجوز الإجارة عليها، وأدلتهم فيها أدلة القائلين بعدم الجواز، وسبق ذكر أدلتهم.
وأما دليل الجواز للضرورة والحاجة:
فمعلوم من قواعد الشريعة أن الضرورات تبيح المحظورات، فلا محرم مع الضرورة، قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. [الأنعام: ١١٩]
فإذا كانت هذه المحرمات التي فصَّل الله تحريمها إذا اضطر الإنسان إليها وألجأته الضرورة إليها كانت حلالا عليه، فما بالك بأمر تحريمه ليس بيِّنًا.
وأما دليل الجواز مع الحاجة، وهي أخف من الضرورة؛ فلأن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة (١).
وكان المتقدمون من أصحاب أبي حنيفة منعوا أخذ الأجر على تعليم القرآن والأذان والإمامة ونحوها؛ لأن هؤلاء قديمًا كانت لهم عطايا ومكافآت في بيت المال من غير شرط، وهذا الزمان قَلَّ ذلك، واشتغل هؤلاء بمعائشهم، حتى ظهر التواني في القيام بالأمور الدينية، وضعفت همة النَّاس في الاحتساب، فلو امتنع الجواز لتعطلت المساجد، وضيعت صلاة الجماعة، وضيع تحفيظ القرآن وتعليمه لأولاد المسلمين، وهذا فيه ضرر كبير، فكان الجواز من قبيل دفع ضرورة الناس.
стр. 8654
ونوقش هذا:
مقتضى التعليل جواز دفع الأجرة، لا جواز قبضها، لأنه يكون بمنزلة الرشوة من صاحب الحق؛ فإنه يجوز له الدفع إذا لم يمكنه الوصول إلى حقه إلا بذلك، ويحرم على الآخذ، ولا يصح أن يقال: إنه لما ظهر التواني في الأمور الدينية قلنا بجواز دفع الأجرة وجواز أخذها بعد أن لم يكن ذلك جائزًا؛ فإن لازم هذا جواز تغيير المشروع لما يظن بالرأي أنه مصلحة، وهذا فاسد، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وقد قال النبي ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١).
الراجح:
جواز أخذ الأجرة على كل قربة تقترن بعمل ليس قربة في نفسه، ولا يجب على المستأجر فعله، كالأذان، والإمامة، وتعليم القرآن ونحو ذلك، والله أعلم.
стр. 8655
الباب الأول في شروط الإمامة
الشرط الأول أن يكون الإمام مسلمًا
المدخل إلى المسألة:
عَدُّ الإسلام من شروط الإمامة فيه مسامحة؛ إذا هو شرط عام في كل العبادات، ولا يعد من شروط الشيء إلا ما كان خاصًا به.
لا تصح الصلاة من الكافر مطلقًا، حتى ولو حكمنا بإسلامه إذا صلى.
القول بإسلام الكافر إذا صلى لا يقضي بصحة تلك الصلاة؛ لأن الصلاة تتقدمها الطهارة والنية، ولا يصحان من الكافر، فلم تنعقد صلاته.
الحكم بإسلامه إذا صلى لتضمنها الشهادتين، لا يقضي بصحة تلك الصلاة؛ لأن النطق بالشهادتين لا يكون إلا في آخر صلاته، فما صلاه قبل ذلك من عقد تكبيرة الإحرام، وصلاة بعض الركعات لم يصح.
إذا لم يصح جزء من صلاته لم يصح باقي الصلاة؛ لأن الصلاة يبنى بعضها على بعض، وإذا لم تصح صلاته لم تصح إمامته.
من صلى خلف كافر، ولو زنديقًا أو مرتكبًا بدعة مكفرة بالاتفاق، فإن كان يعلم بكفره لم تصح صلاته قولًا واحدًا، واختلفوا في صحة صلاته إذا صلى خلف من يظنه مسلمًا، فبان كافرًا.
لا يلزم من بطلان صلاة الإمام بطلان صلاة المأموم، حتى ولو كان المأموم لا يقرأ فيما يجهر فيه الإمام، كما لو صلى خلف إمام محدث، ولم يعلم إلا بعد الفراغ من الصلاة، فإن صلاة المأموم صحيحة عند الحنابلة والمالكية، فبطلان
стр. 8656
صلاة الإمام لا يعني بطلان الاقتداء به، ولو لم يقرأ المأموم الفاتحة.
لا يكلف المأموم صحة صلاة إمامه، بل هي أثرٌ ناشئ عن فعل المصلي وحده إمامًا كان أو مأمومًا، وبطلان صلاة أحدهما لا يسري للآخر.
سقوط القراءة عن المأموم لا يلزم منه أن الإمام تحملها عنه.
لا يتصور أن يتحمل الإمام ما هو ركن على المأموم، فصح أن القراءة لم تجب على المأموم أصلًا.
لم يأت حديث صحيح أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم، وأن بطلان صلاة الإمام يفسد صلاة المأموم؛ كأثرٍ عن بطلان التحمل.
إذا أتى المأموم، والإمام راكع صحت له الركعة، ولم يقرأ المأموم، ولا يصح تخريج ذلك على التحمل؛ لأن المأموم لم يلتزم الصلاة قبل ذلك، فكيف: يقال تحملها عنه.
يستحب المالكية والحنابلة للمأموم القراءة في الصلاة السرية، وفي سكتات الإمام، فلو كان الإمام قد تحملها فلماذا يكرر الركن؟.
لا يصح حديث الإمام ضامن، ولو صح فمعناه: أن التبعة والعهدة على الإمام إذا قصر، وليس على المأموم شيء فيما قصر فيه إمامه، فيحمل على معنى الحديث الصحيح: (فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم).
كل من صلى حسب ما أمر شرعًا، وجهل حقيقة الإمام عذر بجهله، وصلاته صحيحة، ولا يكلف الإعادة، سواء أجهل حدث الإمام أم جهل إسلامه، ومن أراد أن يبطل صلاة المأموم بفعل خفي من الإمام فعليه الدليل، والأصل الصحة.
[م-١٠١١] كثير من المذاهب يذكر شروط الإمامة بذكر أضدادها، فيقول: لا تصح خلف كافر، ولا فاسق، بما يفيد اشتراط الإسلام والعدالة، وهكذا بقية الشروط (١).
стр. 8657
وكما قال أبو الطيب المتنبي: .............. وبضدها تتبين الأشياء.
والأحسن ألا يعد من شروط الإمامة إلا ما كان خاصًّا بها فلا يعد الإسلام ولا العقل؛ لأنهما شرطان عامان في كل العبادات.
قال الدسوقي: وفي عَدِّه -يعني الإسلام- من شروط الإمام مسامحة؛ إذا هو شرط في الصلاة مطلقًا، ولا يعد من شروط الشيء إلا ما كان خاصًا به (١).
والكافر ليس من أهل القرب، إلا ما استثني كاغتسال الزوجة الذمية من الحيض إذا كانت تحت مسلم؛ وأراد مجامعتها؛ لكون الحيض مركبًا من طهارتين: طهارة الحدث، ويختص بها المسلم، وطهارة الخبث، وهي عامة، لا تشترط لها نية.
وكذلك تصح التذكية من الكتابي تيسيرًا على المسلمين، وإن كانت النسيكة من القرب، التي يجب أن يكون الذبح فيها لله وحده، وعليه أن يذكر اسم الله عليها.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].
والإسلام شرط لصحة الصلاة بالإجماع، فمن لا تصح صلاته كيف يتصور صحة إمامته؟! وهل الإسلام شرط لوجوب الصلاة، بحيث لا تجب الصلاة على الكافر؟
стр. 8658
في ذلك خلاف بين أهل العلم، لاختلافهم في مسألة أصولية: هل الكافر مخاطَبٌ بفروع الشريعة؟
وقد تكلمت على هذه المسألة في المجلد الأول فلا حاجة لإعادة البحث.
ومن الأدلة على أن الصلاة من شرطها الإسلام:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
فقوله سبحانه: (كتابًا): أي مكتوبًا، والمكتوب بمعنى المفروض حيث لم يذكر في القرآن لفظ الكتاب وما تصرف منه إلا فيما هو لازم، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٢]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦].
فدلت الآية بمنطوقها: على أن الصلاة كانت فرضًا على المؤمنين.
ودلت بمفهومها: أن الكفار لا يخاطَبون بالصلاة مخاطبة أداء، فلا يؤمرون بأدائها حتى يقوموا بشرطها، وهو الإسلام.
(ح-٣٠٥٣) روى مسلم من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس،
عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يوم وليلة .... الحديث (١).
ولأن شرط الثواب على العمل الدال على قبوله وصحته أن يكون صادرًا من أهل الإيمان، وإذا أطلق الإيمان شمل الإسلام كما هو معلوم.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الفرقان: ٩٤].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ
стр. 8659
الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤].
كما أن الكفر محبط للعمل، وحبوطه دليل على بطلانه وعدم صحته.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [[التوبة: ١٧].
وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤].
(ح-٣٠٥٤) ومن السنة ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري،
قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (١).
(ح-٣٠٥٥) روى مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي،
عن أبي موسى الأشعري، قال: … إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا. فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم (٢).
والكافر ليس أحدنا.
ومن الإجماع، قال خليل في التوضيح: «ولا خلاف في اشتراط الإسلام» (٣).
قال الحطاب: «ولا تصح منه بالإجماع؛ لفقد الإسلام» (٤).
وهل يصح القول بصحة الصلاة خلف الكافر تخريجًا على القول بالحكم
стр. 8660
بإسلامه إذا صلى؟.
جاء في الإنصاف: «حكى ابن الزاغوني رواية بصحة صلاة الكافر، بناء على صحة إسلامه بها، وبنى على صحة صلاته صحة إمامته على احتمال» (١).
ومسألة الحكم بإسلامه إذا صلى سبق بحثها، وهي مسألة خلافية (٢)، وحتى لو حكمنا بإسلامه إذا صلى فإن إمامته لا تصح.
وجه القول بذلك:
إذا حكمنا بإسلام الكافر بالصلاة، فإما أن نحكم بإسلامه بمجرد الصلاة، فيكون من الإسلام بالفعل، أو نحكم بإسلامه؛ لتضمن الصلاة الشهادتين، فيكون من الإسلام بالقول، وهما قولان للفقهاء ممن قال بإسلامه إذا صلى، وعلى كلا القولين لا تصح صلاته.
فمن عدَّه من الإسلام بالفعل، يقال له: كيف تصح صلاته، والصلاة تفتقر إلى النية والوضوء، وهما لا يصحان من الكافر في قول جمهور أهل العلم خلافًا
стр. 8661
للحنفية؛ لأن الوضوء عبادة، وهو ليس من أهلها، فإذا لم تصح الطهارة لم تصح الصلاة، فكيف يكون بالصلاة مسلمًا مع الحكم ببطلانها؟
والحنفية وإن صححوا الوضوء من الكافر إلا أنهم لا يقولون بصحة إسلامه إذا صلى إمامًا، فيشترطون أن يصلي مؤتمًا.
ومن عدَّه من الإسلام بالقول؛ لتضمنها الشهادتين، فيقال: النطق بالشهادتين لا يكون إلا في آخر صلاته، وعليه فقد نوى الصلاة، وعقد تكبيرة الإحرام، وصلى بعض الركعات وهو كافر، وإذا لم يصح جزء من صلاته لم يصح باقي الصلاة؛ لأن الصلاة يبنى بعضها على بعض، وعليه فلا تصح إمامته بناء على الحكم بإسلامه.
جاء في الفواكه الدواني: «لا تصح إمامة الكافر، وإن حكم بإسلامه، إن نطق بالشهادتين» (١).
فصارت إمامة الكافر لا تصح مطلقًا، سواء أحكمنا بإسلامه لمجرد الصلاة، أم حكمنا بإسلامه لتضمنها الشهادتين، ومن باب أولى إذا لم نحكم بإسلامه بالصلاة، والله أعلم.
وقد بحثت هذه المسألة في شروط الصلاة، في المجلد الثاني، ورجحت أن الكافر إذا وجد يصلي، فإن مات قبل أن يصرح بإسلامه حكم بإسلامه تقديمًا للظاهر على الأصل.
وإن قال: إنه لم يرد بذلك الدخول في الإسلام قُبِل كلامه، ولم يحكم بإسلامه بمجرد الفعل تقديمًا للصريح على المحتمل، والمتيقن على المظنون.
وإن سكت، فلا يحكم بإسلامه لمجرد الفعل؛ لأنه قد يصلي تجربة، أو يصلي مجاملة للمسلمين، أو يصلي خوفًا، أو طمعًا، أو لغيرها من الاحتمالات، فلا يجزم بإسلامه بمجرد الصلاة، والله أعلم.
هذا من حيث تخريج القول بصحة إمامة الكافر على مسألة الحكم بإسلامه إذا صلى، ولكن السؤال: هل يلزم من بطلان إمامته بطلان الائتمام به، فلو أن رجلًا
стр. 8662
صلى خلف كافر فهل يصح الاقتداء به؟
فإن كان يعلم بكفره لم تصح صلاته قولًا واحدًا. وإن جهل كفره، فلم يعلم به حتى انتهى من الصلاة، فاختلفوا:
فقيل: تلزمه الإعادة أبدًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة، والأصح في مذهب الشافعية، واستثنى الحنفية ما لو أمهم زمانًا، ثم قال: إنه كان كافرًا فليس عليهم الإعادة؛ لأن خبره غير مقبول لفسقه باعترافه (١).
ومقتضى التعليل أنه لو أخبرهم عدل عن كفره لزمتهم الإعادة.
ولهذا جاء في النهر الفائق: «لو أخبر أنه أَمَّهم زمانًا بغير طهارة أو مع نجاسة
стр. 8663
مانعة لا يجب الإعادة؛ لأن خبره غير مقبول في الديانات؛ لفسقه باعترافه وفي البزازية: وإن احتمل أنه قال ذلك تورعًا أعادوا» (١).
وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: «ومن صلى خلف من ظاهره الإسلام، ثم باطنه الكفر، أو كان لا يعرف حاله أصلًا، ثم علم أنه كان كافرًا فصلاته باطلة، خلافًا لبعض الشافعية» (٢).
وقال الشافعي: «إذا صلوا مع رجل صلاة كثيرة، ثم أعلمهم أنه غير مسلم، أو علموا من غيره أعادوا كل صلاة صلوها خلفه» (٣).
وقال ابن قدامة: «الكافر لا تصح الصلاة خلفه بحال، سواء علم بكفره بعد فراغه من الصلاة، أو قبل ذلك، وعلى من صلى وراءه الإعادة» (٤).
وقيل: لا تلزمهم الإعادة، وبه قال أشهب، وأبو ثور، والمزني، وابن حزم (٥).
وقيل: إن كان متظاهرًا بكفره كاليهودي والنصراني لزمته الإعادة بلا خلاف عند الشافعية، وإن كان مستترًا بكفره كالزنديق والملحد صحت صلاته؛ وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، اختاره القاضي حسين، وصححه البغوي، والرافعي، وهو قول في مذهب الحنابلة (٦).
стр. 8664
وقيل: لا يعيد مأمومه ما جهر فيه، ويعيد ما أسر فيه، حكي قولًا في مذهب المالكية (١).
وقيل: إن كان آمنا، واستمر على إظهار إسلامه، بحيث طالت مدة صلاته إمامًا بالناس فالصلاة التي صليت خلفه صحيحة، ولا إعادة للمشقة. وهو قول ثالث في مذهب المالكية (٢).
دليل من قال: لا تصح صلاة المأموم مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٣٠٥٦) ما رواه ابن شاهين في ناسخ الحديث، قال: حدثنا أحمد بن نصر ابن إشكاب البخاري، قال: حدثنا محمد بن خلف بن رجاء، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسن بن صالح، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة من خلفه (٣).
[تفرد به مجموعة من المجاهيل، وأعرض عنه الأئمة في الأمهات فلو كان صحيحًا لرووه؛ لشدة الحاجة إليه في بابه] (٤).
الدليل الثاني:
(ح-٣٠٥٧) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
стр. 8665
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
فإذا لم تكن للضامن صلاة لم تكن للمضمون له.
ويناقش:
بأن الضمان قد لا يكون المراد بها فساد صلاة المأموم بفساد صلاة إمامه، وإنما يكون معنى الحديث أن التبعة والعهدة على الإمام إذا قصر، وليس على المأموم شيء فيما قصر فيه إمامه، فيحمل معناه على معنى الحديث الصحيح: (يصلون لكم فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم)، هذا على افتراض صحة الحديث.
الدليل الثالث:
(ث-٧٨٩) ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار من طريق أبي معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث:
أن عمر ﵁ نسي القراءة في صلاة المغرب، فأعاد بهم الصلاة (٣).
[صحيح عن عمر] (٤).
فإذا بطلت صلاة المأموم لبطلان صلاة إمامه المسلم، ولو بعد الفراغ من الصلاة، فكيف لا تبطل صلاة المأموم خلف من لا تصح صلاته بإطلاق، وهذا ما جعل الحنفية يقولون: إذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم.
ويناقش:
اختلف على عمر في الإعادة، فروي عنه أنه أعاد بهم الصلاة لترك القراءة كما هنا، وروي أنه صلى بأصحابه صلاة الصبح، وهو جنب، فأعاد وحده، وكذلك فعل
стр. 8666
ابنه عبد الله، والصلاتان كلاهما جهرية، فلو كان أحد الأثرين في صلاة سرية لقيل سبب الإعادة ترك القراءة في صلاة جهرية، ومن القراءة ما هو ركن، كالفاتحة، وقد يكون المأموم لم يقرأ الفاتحة، فيكون حكم الإعادة حكم ما لو ترك الإمام والمأموم ركنًا من الصلاة، فالواجب عليهما إكمال الصلاة، أو الإعادة إن طال الفصل، فلما اختلف على عمر في إعادة المأموم، فليس أحد الأثرين بأولى من الآخر، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى الأثران في أدلة القول الآخر، والله أعلم.
الدليل الرابع:
أن الصلاة عبادة تفتقر إلى النية والوضوء، وهما لا يصحان من الكافر.
وأجيب:
لا نقاش في بطلان صلاة الكافر، والخلاف في بطلان صلاة المأموم إذا اقتدى به، ولم يعلم بكفره حتى فرغ من الصلاة.
الدليل الخامس:
الإسلام شرط لصحة الصلاة بالإجماع، إمامًا كان المصلي أو مأمومًا وإذا لم يكن الإمام مصليًّا لإقامته على الكفر، لم يكن المقتدي به مصليًّا؛ لكونه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة، أشبه ما لو ائتم بمجنون.
ورد هذا:
بأن الإسلام شرط لصحة صلاة الإمام هذا لا نقاش فيه، كما أن الطهارة شرط لصحة الصلاة بالإجماع، ولو صلى الإمام، وهو محدث، ولم يعلم بحدثه إلا بعد الصلاة وجب عليه الإعادة وحده، وصحت صلاة المأموم عند جمهور العلماء خلافًا للحنفية، فلا يلزم من بطلان صلاة الإمام بطلان صلاة المأموم إلا أن يكون كفر الإمام ظاهرًا ليس خفيًا، أو كان المأموم يعرفه بذلك، وأما مع الجهل بحاله فينبغي أن تكون صلاته صحيحة؛ لأن الكفر والإيمان من أعمال القلوب، ولا يكلف المأموم معرفة ما لا طاقة له بمعرفته، واليوم لباس أكثر المسلمين لا يختلف عن لباس الكفار، وإذا لم يتميز الكافر بما يدل عليه فمن أين للمأموم أن يعرف حاله؟
стр. 8667
الدليل السادس:
الإمام يتحمل عن المأموم القراءة في قول جمهور الفقهاء، والقديم من قول الشافعي، ومن القراءة ما هو ركن في الصلاة كالفاتحة، ولا يصح تحمل الإمام قراءتها عن المأموم إلا إذا كان الإمام في صلاة صحيحة، والكافر والإمام إذا تذكر حدثه وتمادى في الصلاة لم يكن في صلاة ليصح تحمله عن المأموم.
وأجيب:
فساد صلاة الإمام لا يلزم منها فساد صلاة المأموم، أرأيت الإمام إذا صلى، وهو محدث، فعلى مذهب الحنفية: تبطل صلاة المأموم مطلقًا لا فرق بين أن يعلم الإمام بحدثه قبل السلام أو بعد السلام؛ لأن المأموم ممنوع من القراءة مطلقًا في الصلاة السرية والجهرية (١).
قال الطحاوي: «ومن صلى بالناس جنبًا أعاد، وأعادوا» (٢).
وعلى مذهب الشافعية: صلاته صحيحة مطلقًا: حتى لو علم بحدثه أثناء الصلاة وتمادى في الصلاة، أو تعمد أن يصلي، وهو محدث؛ لأن المأموم عندهم يقرأ الفاتحة مطلقًا في السرية والجهرية، وهو لم يعلم بحدث إمامه، فأركان الصلاة بالنسبة للمأموم لم يتطرق لها خلل، ولا يؤاخذ بفعل الإمام (٣).
стр. 8668
والإشكال قائم على مذهب المالكية والحنابلة، فإن تذكر بعد السلام، فصلاة المأموم صحيحة، وهم ممن لا يرى القراءة خلف الإمام، وإن تذكر الإمام حدثه في أثناء الصلاة، فقال المالكية: يبني المأموم على ما صلاه إمامه، وهو محدث، وقال الحنابلة: يستأنف (١).
والسؤال: كيف يتحمل الإمام القراءة عن المأموم، وصلاته لم تنعقد؛ لكونه محدثًا، ولهذا يطالب بإعادة الصلاة، والجواب عنه هو الجواب عن الكافر إذا لم يعلم بحاله بجامع أن كل واحد منهما لم تنعقد صلاته، هذا لحدثه، وهذا لكفره.
فأقول بهذه المسألة برأيي فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمن جهلي وقصور علمي، ومن الشيطان، وأسال الله أن يفتح ويسدد.
فالسؤال: قول الفقهاء بتحمل الإمام القراءة عن المأموم، أهو اصطلاح فقهي، أم حكم شرعي.
فإن كان حكمًا شرعيًا وجب التسليم له طاعة لله ورسوله، ومن خالفه باجتهاده كان مخطئًا معذورًا بالاجتهاد.
وإن كان اصطلاحًا فقهيًا مختلفًا فيه، فالأمر يمكن مناقشته، فالفقهاء أحيانًا يصطلحون على لفظ، ولا يلتزمون لوازمه، كإطلاق لبس المخيط على لبس العمامة والقميص والسراويل للمحرم، وإطلاق تحية المسجد على صلاة ركعتين لمن دخل المسجد، ومثله لفظ التحمل، لا يراد لوازمه، فالمقصود به أن الفاتحة لا تجب على المأموم، وتجب على الإمام والمنفرد.
وسقوطها عن المأموم لا يخرج عن ثلاث احتمالات:
стр. 8669
إما لأن الإمام يتحملها عنه، وقد قال به بعض الفقهاء.
وإما لأن المأموم مأمور بالاستماع والإنصات لقراءة إمامه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، والمستمع في حكم القارئ، ولهذا لو استمع للقرآن خارج الصلاة شرع له سجود التلاوة إما مطلقًا على قول وإما تبعًا لسجود القارئ.
ويلزم على هذا أن يقال: تجب القراءة في الصلاة السرية، وفي سكتات الإمام، وفي الركعة الثالثة والرابعة من الصلوات المكتوبة، وهذا قد قيل به، وإن لم يكن مذهبًا للحنابلة والمالكية.
وإما لأن القراءة أصلًا لا تجب على المأموم، ليس لكون الإمام يتحملها عنه، وإن أطلق ذلك بعض الفقهاء، لأنه لا يتصور أن يتحمل الإمام ما هو ركن على المأموم، فصح أنه لم تجب عليه القراءة، ولهذا صحح المالكية والحنابلة الصلاة خلف المحدث، ولا يصح أن يقال: تحملها الإمام عنه، وصلاته لم تنعقد أصلًا.
وإذا أتى المأموم، والإمام راكع صحت له الركعة، ولم يقرأ المأموم، ولا يصح تخريج ذلك على التحمل؛ لأن المأموم لم يلتزم الصلاة قبل ذلك، فكيف: يقال تحملها عنه.
ولم يقل أحد من الفقهاء: إن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم بإطلاق إلا الحنفية، ولهذا يمنعون المأموم من القراءة مطلقًا في السرية والجهرية، ويبطلون صلاة المأموم ببطلان صلاة إمامه مطلقًا إلا إذا سبقه الحدث دون إرادته أثناء الصلاة. وأما الشافعية، فلا يقولون بالتحمل مطلقًا، وكذلك المالكية والحنابلة لا يقولون بالتحمل إذا صلى المأموم خلف المحدث، ولم يعلم بحدثه إلا بعد الصلاة، وكذلك يستحبون للمأموم القراءة في الصلاة السرية، وفي سكتات الإمام، فلو كان الإمام قد تحملها فلماذا يكرر الركن، وقد اختار جماعة من العلماء صحة اقتداء القارئ خلف الأمي اختاره بعض الحنابلة، وأشهب من المالكية، والمزني وابن المنذر من الشافعية، والثوري وأبو ثور، وعطاء وقتادة، فتبين أن دعوى التحمل اصطلاح مختلف فيه، وأن المتيقن أن المأموم لا قراءة عليه في الصلاة الجهرية حتى لو كانت صلاة الإمام فاسدة، والله أعلم.
стр. 8670
وجه من قال: تصح الصلاة خلفه مطلقًا إذا لم يعلم حاله:
الدليل الأول:
(ح-٣٠٥٨) ما رواه البخاري من طريق الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم (١).
وجه الاستدلال:
جاء في فتح الباري: «قوله: (وإن أخطئوا) أي ارتكبوا الخطيئة، ولم يرد به الخطأ المقابل للعمد؛ لأنه لا أثم فيه» (٢).
وقال ابن تيمية: «فهذا نص في أن الإمام إذا أخطأ كان درك خطئه عليه، لا على المأمومين» (٣).
وقال ابن المنذر كما في فتح الباري: «هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت فسدت صلاة من خلفه» (٤).
قال المزني: «أن كل مصل لنفسه لا تفسد عليه صلاته بفسادها على غيره، وهو قياس على أصل الشافعي» (٥).
يقصد المزني: أن الأصل عند الشافعي أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، ففساد صلاة الإمام لا يعود بالبطلان على صلاة المأموم، لو تعمد الإمام الحدث في الصلاة، أو تمادى في إمامته بعد أن تذكر أنه محدث، فصلاته باطلة، ويستحق الإثم، ولا تبطل صلاة المأموم إلا أن يكون عالمًا بحدث إمامه، وتمادى بالصلاة معه خلافًا للجمهور، ويلزم على هذا الأصل الذي قرره الإمام الشافعي أن تكون صلاة المأموم خلف الكافر صحيحة إذا لم يعلم حاله.
стр. 8671
حتى قال المزني: القياس عندي على أصله: أن كل مصل خلف جنب، وامرأة، ومجنون، وكافر يجزئه صلاته إذا لم يعلم بحالهم (١).
ورد هذا:
قول النبي ﷺ (يصلون لكم) يقصد به أئمة الجور، وهم من عامة المسلمين، وقياس الكافر على المسلم قياس فاسد، فهل يقاس: من لا تصح إمامته بحال على من أمرنا الشارع بالصلاة خلفه، والجهاد معه؟.
فالشارع أمرنا بالصلاة خلف الأئمة، ولو كانوا فساقًا، فالمأموم في صلاته قد امتثل الأمر الشرعي حسب ما أُمِر، فصحت صلاته، ومن أراد أن يبطل صلاة المأموم فعليه الدليل، والأصل الصحة، وأما الصلاة خلف الكافر فلم نؤمر بالصلاة خلفه، فإذا صلى المأموم خلفه لم يكن معذورًا؛ لأن الكافر الأصلي لا يخفى أمره، ولو خفي لم يكن عذرًا؛ لأن من أصول الشافعية أن العذر النادر لا عبرة به، والصلاة خلف الإمام المحدث يتكرر، بخلاف الصلاة خلف الكافر، فهذا من أندر النادر.
الدليل الثاني:
القياس على من ائتم بمحدث، فلم يعلم حتى فرغ من الصلاة، فإن صلاة الإمام باطلة، وصلاة المأموم صحيحة في قول جمهور أهل العلم خلافًا للحنفية، والعلة الجامعة الجهل بحال الإمام.
(ح-٣٠٥٩) فقد روى أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أسامة بن زيد، عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن ابن ثوبان،
عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة، فلما كبر انصرف، وأومأ إليهم: أي كما أنتم، ثم خرج فاغتسل، ثم جاء، ورأسه يقطر، فصلى بهم، فلما صلى، قال: إني كنت جنبًا، فنسيت أن أغتسل (٢).
وجه الاستدلال:
فالنبي ﷺ قد أحرم بالصلاة، وهو جنب، وتذكر بعد شروعه في الصلاة،
стр. 8672
فمضت صلاتهم على الصحة، فعاد، واستأنف تكبيرة الإحرام، وبنوا على صلاتهم.
وأجيب:
[بأن حديث أبي هريرة في الصحيحين (فلما قام في مصلاه، وانتظرنا أن يكبر انصرف) وهو المحفوظ] (١).
والأصل عدم تعدد القصة، والله أعلم.
(ث-٧٩٠) وروى عبد الرزاق، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
عن زييد بن الصلت أنه قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى الجرف، فنظر فإذا هو قد احتلم، فصلى، ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلا وقد احتلمت وما شعرت، وصليت وما شعرت. قال: فاغتسل، وغسل ما رأى في ثوبه، ونضح ما لم ير، ثم أذن وأقام، ثم صلى بعد ما ارتفع الضحى متمكنًا (٢).
[صحيح] (٣).
(ث-٧٩١) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سالم،
عن ابن عمر، أنه صلى بهم الغداة، ثم ذكر أنه صلى بغير وضوء، فأعاد، ولم يعيدوا (٤).
[صحيح] (٥).
فهذا أمير المؤمنين صلى بأصحابه في صلاة جهرية، والظاهر أنهم لم يقرؤوا الفاتحة، ومع ذلك صحت صلاة من خلفه مع بطلان صلاته، وكذلك فعل ابنه.
ورد هذا:
بأن الإمام المحدث يشترط لصحة صلاة المأموم ألا يعلم بحدث نفسه حتى
стр. 8673
يفرغ من الصلاة، فلو علم بحدثه أثناء الصلاة، واستمر في صلاته بطلت صلاة المأموم، بخلاف الكافر فإنه قد دخل الصلاة، وهو يعلم بكفره.
وأجيب:
هذا الرد يتنزل على مذهب الحنابلة فقط، ولا يتنزل على مذهب الشافعية، لأنهم يصححون صلاة المأموم، ولو صلى الإمام، وهو يعلم أنه محدث.
ولا يتنزل أيضًا على مذهب المالكية إذا صلى ناسيًا حدثه، ثم تذكر أثناء الصلاة، فخرج من الصلاة، ولم يتماد؛ لأن الإمام لما عذر بنسيانه صح الاقتداء به، وإن كانت صلاته باطلة، فبطلان صلاة الإمام لا يعني بطلان الاقتداء به، إلا أن يكون الإمام متعديًا، والقياس إذا صحت الصلاة خلف المحدث صحت الصلاة خلف الكافر إذا لم يعلم المأموم بحدث هذا، وكفر ذاك، وسواء قرأ المأموم الفاتحة أو لم يقرأ، لأن القراءة ليست واجبة على المأموم، والله أعلم.
دليل من قال: إن كان مستترًا بكفره كالزنديق والملحد صحت صلاته:
إذا صلى المسلم خلف الكافر، وجبت عليه الإعادة؛ لأن الكافر له علامة يمتاز بها عن المسلمين، والكافر لا يخفى كفره؛ لأنه يباهي المسلمين بدينه، ويناظرهم عليه، فإذا غفل المأموم عنه انتسب إلى التفريط، بخلاف الكافر الذي يخفي كفره كالزنادقة والملحدين، وكذلك من اتصف ببدعة مكفرة، فإذا صلى رجل خلفه جاهلًا بحاله، ثم بان له حقيقة الحال لا تلزمه الإعادة قياسًا على الصلاة خلف الجنب.
ويناقش:
هذا يصدق في كافر صار إمامًا راتبًا، أما إذا اجتمع جماعة وأرادوا الصلاة فقدموا رجلًا يظنونه مسلمًا، ولا يعرف بعضهم بعضا، فتقدم وصلى بهم، فمن أين يُعْرَف الكافر من المسلم، وكل واحد من المصلين لا يعرف عين الآخر، ولباس أكثر المسلمين اليوم لا فرق فيها بين مسلم وكافر.
فإذا كان لا يمكن معرفة حال الإمام، فصلى خلفه أحد يظنه مسلمًا، ثم علم أنه كافر، فصلاته تامة؛ لا فرق بين الكافر الأصلي والزنديق؛ لأنه الله لم يكلف أحدًا بمعرفة ما في قلوب الناس، وقياسًا على الصلاة خلف المحدث المتعمد.
стр. 8674
دليل من قال: إن كان آمنا وطالت مدة إمامته فصلاة من صلى خلفه صحيحة:
هذا القول يرجع إلى القول السابق، فإذا أظهر الإمام إسلامه ولم يكن خائفًا، وطالت مدة صلاته بالناس أصبح هذا الإمام ظاهره الإسلام، فمن صلى خلفه معتقدًا إسلامه، فتبين أنه يبطن الكفر، فهو معذور.
ولأن المطالبة بإعادة الصلاة مع طول إمامته فيها مشقة على الناس، وإذا سقطت الصلاة عن الحائض مع أهليتها للتكليف لتكرار الحيض، ولم يسقط قضاء الصوم لانتفاء التكرار، فمن باب أولى أن تسقط الإعادة على المأموم إذا طالت مدة إمامة الكافر بالناس، وكان يتظاهر بالإسلام، والله أعلم.
ويناقش:
هذا القول قد يعكس، فيقال، إذا طالت مدة إمامته كان المأموم غير معذور في عدم كشف حال الإمام؛ لأن من طالت إمامته للناس ولم يكشف حاله كان المأموم منسوبًا إلى نوع من التفريط، لأن دلائل الكفر واضحة، وإن تكلف الرجل في إخفائها، ولا بد أن يبدر منه من لحن القول ما يدل على ما يكتمه الصدر، بخلاف رجل كافر لا يعرف تقدم في صلاة من الصلوات، فأم الناس، وهم يظنونه مسلمًا.
ثم اشتراط طول المدة، ما مقدار الطول؟ هذا يحتاج إلى توقيف.
وأما التعليل بسقوط القضاء للمشقة مع طول المدة فهذا تعليل ظاهر، والمشقة معتبرة، لكن هذا يقال: إذا قلنا: صلاة المأموم باطلة خلف الكافر، والمخالف يقول: لا يجب القضاء حتى يسقط بطول المدة؛ لأن المأموم معذور بجهله، والله أعلم.
دليل من قال: لا يعيد مأمومه ما جهر فيه، ويعيد ما أسر فيه:
لم أقف على دليل هذا القول، وقد حكاه بعض المالكية قولًا في مذهبهم، ولو عكس لكان له وجه؛ لأن الصلاة السرية يقرأ المأموم الفاتحة، فتصح الصلاة خلف الكافر، بخلاف الجهرية فإن المأموم مأمور بالاستماع إلى قراءة إمامه، وقد ناقشت هذا القول وأجبت عنه.
стр. 8675
الراجح:
المسألة تنازعها أصلان:
الأول: الخلاف في ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه، فمن قال: بارتباط الصلاتين صحة وفسادًا، فسوف يبطل صلاة المأموم خلف من لا تصح إمامته سواء أكان لحدثه أو كان لعدم أهليته للإمامة كالكافر والمجنون والمرأة للرجال، ونحوها.
ومر معنا فيما سبق اختلاف الفقهاء في ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه إلى ثلاثة أقوال:
الأول: القول بارتباط الصلاتين صحة وفسادًا، فإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة كل من صلى خلفه، ولو لم يعلم ذلك إلا بعد الفراغ من الصلاة، وهذا مذهب الحنفية.
الثاني: القول بعدم الارتباط مطلقًا، حتى إن الإمام لو تعمد الحدث في الصلاة، أو تمادى في صلاته بعد أن تذكر أنه محدث، فصلاته باطلة، ويستحق الإثم، ولا تبطل صلاة المأموم إلا أن يكون عالمًا بحدث إمامه، وتمادى بالصلاة معه، وهذا قول الشافعي. والعجيب: أن الشافعي مع تبنيه هذا الأصل لم يصحح الصلاة خلف الكافر، ولو خفي كفره (١).
الثالث: أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في الجملة، فإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم إلا أن يكون الإمام معذورًا، كما لو صلى الإمام، وهو
стр. 8676
محدث، فلم يتذكر الإمام حتى فرغ من الصلاة، فإنه يعيد وحده دون المأموم؛ لأن دخول الإمام بالصلاة معذور؛ لنسيانه حدثه، والمأموم معذور لجهله بحال الإمام، وهو مذهب المالكية والحنابلة، ولم يعدوا الإمام معذورًا بجهله في حال الكافر.
الأصل الثاني:
هل الكفر مما يخفى على المأموم، فيعذر وهذا اختيار طائفة من العلماء كالمزني وأشهب، وابن حزم، أو لا يخفى فينسب إلى نوع من التفريط.
فمن قال: لا يخفى، اختلفوا في إبطال صلاته:
منهم من أبطل الصلاة خلف الكافر مطلقًا بلا تفريق بين الكافر الأصلي والزنديق والمبتدع الكافر ببدعته ولو ستر بدعته، وهو قول الأئمة الأربعة، وكونه قد يوجد كافر، ولا علامة له فهذا نادر، والأعذار النادرة ليست معتبرة عند الشافعية.
وهناك من فرق بين الكافر الأصلي المعلن لكفره، وبين المنافق والزنديق والملحد المستتر بكفره، فيعيد إذا صلى خلف الأول دون الثاني، وعلى هذا بعض الشافعية.
والذي أميل إليه أن الصلاة خلف الكافر إذا لم يعلم المأموم بحاله، ولم ينسب إلى نوع من التفريط في معرفة حاله أن صلاته صحيحة، ولا يكلف ما لا طاقة له به، وسواء قرأ الفاتحة خلف الإمام أو لم يقرأ فإن القراءة لا تجب على المأموم خاصة في الصلاة الجهرية، والله أعلم.
стр. 8677
الشرط الثاني في اشتراط العدالة
المبحث الأول في الصلاة خلف مستور الحال
المدخل إلى المسألة:
شروط العبادة توقيفية كالعبادة، لأن الشروط صفات في العبادة.
لا يوجد نص من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله، ولا من إجماع الصحابة على اشتراط الوقوف على العدالة الباطنة، والأصل عدم الاشتراط.
القول باشتراط الوقوف على العدالة الباطنة للأئمة فيه حرج، وتضييق على الناس، وما جعل علينا في الدين من حرج.
الأصل في المسلم السلامة عملًا بالظاهر، وتحسينًا للظن بأهل القبلة.
قال ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … إلخ الحديث، فلفظ (أقرؤهم) عام يشمل المجهول والمعلوم، ولو كانت العدالة الباطنة شرطًا لذكرها في صفات الأئمة.
الأصل أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته إلا بدليل.
لم يكلف المأموم العلم باعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول: ماذا تعتقد، إلا أن يكون منتصبًا لاختيار الأئمة للناس، فواجب عليه اختيار الأصلح؛ لأن التصرف للغير منوط بالمصلحة.
إذا نوى المأموم الائتمام بغيره صح الاقتداء، علم الإمام أو لم يعلم، وهذا دليل على خفة الشرط في الأئمة، وأن لكل من الإمام والمأموم صلاته المستقلة عن الآخر.
[م-١٠١٢] الناس ثلاثة: رجل معلوم العدالة ظاهرًا وباطنًا، فهذا الذي لا يختلف الناس في أهليته للإمامة إذا توفرت فيه باقي الشروط.
стр. 8678
الثاني: ما كان معلومًا بالفسق، فهذا مختلف في أهليته للإمامة، وسوف أفرد له فصلًا خاصًا.
الثالث: مستور الحال، وهو المجهول: ممن لم تثبت عدالته، ولا يُعْلَم فسقه.
وقد اختلف العلماء في حكم إمامته:
فقال الشافعية والحنابلة: تصح إمامة مستور الحال بلا كراهة (١).
قال الشافعي: «إذا ائتموا برجل لا يعرفونه، فأقام الصلاة أجزأت عنهم صلاته، ولو شكوا أمسلم هو أو غير مسلم أجزأتهم صلاتهم، وهو مسلم في الظاهر حتى يعلموا أنه ليس بمسلم» (٢).
جاء في معونة أولي النهى: «وعلى المذهب لا يشترط لصحة الصلاة العلم بعدالة الإمام» (٣).
وقال ابن قدامة: «وإن لم يعلم حاله، ولم يظهر منه ما يمنع الائتمام به فصلاة المأموم صحيحة، نص عليه أحمد؛ لأن الأصل في المسلمين السلامة، ولو صلى خلف من يشك في إسلامه فصلاته صحيحة؛ لأن الظاهر أنه لا يتقدم للإمامة إلا مسلم» (٤).
وقال المالكية: تكره إمامته إلا أن يكون إمامًا راتبًا في المسجد، فلا يكره، وهل نفي الكراهة خلف الإمام الراتب مطلقًا، أو بقيد أن يكون توليه من سلطان عادل تردد (٥).
стр. 8679
قال العدوي: «وكره الائتمام بشخص مجهولِ حالٍ، لا إن كان راتبًا، فلا يكره أن يؤتم به، وهل مطلقًا، أو يقيد بكون تولية ذلك من السلطان العادل» (١).
وجاء في الذخيرة: قال مالك: لا يصلى خلف المجهول إلا أن يكون إمامًا راتبًا (٢).
قال ابن حبيب: «ولا ينبغي أَنْ يأتمَّ بمن لا يعرفه، إلا إمام راتب في المسجد، فلتأتمَّ به حتى تعلم منه ما لا يرضى» (٣).
وقيل: لا يؤتم بمجهول، حكاه بعض المالكية، وظاهره الإطلاق، وهو رواية عن الإمام أحمد (٤).
قال في الإنصاف: «وروي عنه -أي عن أحمد- أنه لا يصلي إلا خلف من يعرف. قال أبو بكر: وهذا على الاستحباب» (٥).
فصارت الأقوال ثلاثة في الائتمام بمجهول العدالة:
لا يكره الائتمام به مطلقًا.
يكره مطلقًا.
يكره الائتمام به إلا أن يكون إمامًا راتبًا في مسجد.
دليل من قال: تصح الصلاة خلف مستور الحال مطلقًا:
الدليل الأول:
شروط العبادة توقيفية كالعبادة، فإذا كانت العبادة لا تثبت إلا بدليل، فكذلك
стр. 8680
شروطها لا تثبت إلا بدليل؛ لأن الشروط أوصاف فيها، ولا يوجد نص من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله، ولا من إجماع الصحابة على اشتراط العدالة الباطنة، ولا على بطلان إمامة مجهول الحال، والأصل أن من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره.
الدليل الثاني:
قال ابن تيمية: «يجوز للرجل أن يصلي الصلوات الخمس، والجمعة، وغير ذلك خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف مستور الحال» (١).
وقال أيضًا: «من قال: إن الصلاة محرمة أو باطلة خلف من لا يعرف حاله فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة» (٢).
ونوقش:
لم يثبت الإجماع، فالمالكية: يكرهون الصلاة خلف مجهول الحال إلا أن يكون إمامًا راتبًا على خلاف، هل يصلى خلفه مطلقًا، أو يصلى خلفه إذا كانت الجهة التي نصبته تتحرى العدالة في الأئمة، ولا تحابي أحدًا.
الدليل الثالث:
(ح-٣٠٦٠) ما رواه البخاري من طريق الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرة: أن رسول الله قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم (٣).
فإن قيل: هذا في أئمة الجور، وأهل السنة والجماعة على صحة الصلاة خلفهم.
قيل: الصحيح من أقوال أهل العلم أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت
стр. 8681
صلاته لغيره، ولو كانت الصلاة خلف الفاسق معصية لم تصح خلف أئمة الجور، ولا جازت طاعتهم بالصلاة خلفهم، كما لا تجوز طاعتهم في سائر المعاصي مما هو أقل شأنًا من الصلاة، فإن الطاعة بالمعروف، ولا طاعة في معصية، وإذا كان هذا في إمامة الفاسق ففي مستور الحال من باب أولى.
ونوقش هذا:
لا يلزم من صحة صلاته صحة إمامته؛ كالمرأة تصح صلاتها، ولا تصح إمامتها للرجال، والأمي تصح صلاته، ولا تصح إمامته، والعبد تصح صلاته، ولا تصح إمامته في الجمعة.
ورد هذا:
بأن إمامة المرأة ردت لكونها للرجال، وهذا مانع لا يتعلق بالإمامة، ولهذا تصح إمامتها للنساء على الصحيح، والأمي إنما لم تصح إمامته لإخلاله بركن من أركان الصلاة، وهو القراءة، بخلاف الفاسق، ولهذا تصح إمامته لمثله إذا لم يوجد قارئ، والصحيح صحة إمامة العبد، وسوف يأتينا الخلاف في صحة إمامته في أحكام الجمعة، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
الدليل الرابع:
الأصل في المسلم العدالة عملًا بالظاهر، وتحسينًا للظن بأهل القبلة، وهذا لا يسع الناس غيره؛ إذ لو اعتبرنا العدالة ظاهرًا وباطنًا لضاق بنا المجال، وتعذر علينا معرفة من اتصف بهذه الحال.
وهذه أدلة صحيحة كافية في الاستدلال على المسألة، وهناك أدلة لا تصح، أسوق بعضها، وإن كان في الصحيح غنية عنها.
الدليل الخامس:
(ح-٣٠٦١) ما رواه عبد الله بن أحمد في فضائل الصحابة، قال: حدثني أبو صالح الحكم بن موسى، أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا حميد بن مالك اللخمي، عن مكحول،
عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا معاذ، أطع كل أمير، وصلِّ
стр. 8682
خلف كل إمام، ولا تسبنَّ أحدًا من أصحابي.
[ضعيف] (١).
الدليل السادس:
(ح-٣٠٦٢) روى ابن المظفر من طريق عثمان بن عبد الله، أخبرنا مالك، عن نافع،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: صلوا خلف من قال لا إله إلا الله، وصلوا على من قال لا إله إلا الله (٢).
[موضوع] (٣).
الدليل السابع:
(ح-٣٠٦٣) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق عمرو بن الحصين، قال: حدثنا علي بن أبي سارة، قال: حدثنا علي بن زيد، عن عروة،
عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تكفِّروا أحدًا من أهل قبلتكم بذنب؛ وإن عملوا بالكبائر، وصلوا مع كل إمام، وجاهدوا مع كل أمير.
[ضعيف جدًّا] (١).
الدليل الثامن:
(ح-٣٠٦٤) ما رواه الدارقطني من طريق عباد بن الوليد أبي بدر، حدثنا الوليد ابن الفضل، أخبرني عبد الجبار بن الحجاج بن ميمون الخراساني، عن مكرم بن حكيم الخثعمي، عن سيف بن منير،
عن أبي الدرداء، قال: أربع خصال سمعتهن من رسول الله ﷺ لم أحدثكم بهن فاليوم أحدثكم بهن، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تكفروا أحدًا من أهل قبلتي بذنب وإن عملوا الكبائر، وصلوا خلف كل إمام، وجاهدوا، أو قال: قاتلوا مع كل أمير، والرابعة: لا تقولوا في أبي بكر الصديق، ولا في عمر، ولا في عثمان، ولا في علي إلا خيرًا، قولوا ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤].
قال الدارقطني: ولا يثبت إسناده، من بين عباد وأبي الدرداء ضعفاء.
[ضعيف] (٢).
стр. 8685
الدليل التاسع:
(ح-٣٠٦٥) روى الدارقطني من طريق عمر بن صبح، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود،
عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: ثلاث من السنة: الصف خلف كل إمام، لك صلاتك، وعليه إثمه، والجهاد مع كل أمير، لك جهادك، وعليه شره، والصلاة على كل ميت من أهل التوحيد وإن كان قاتل نفسه.
قال الدارقطني: عمر بن صبح متروك (١).
دليل من قال: تكره إمامته مطلقًا:
الدليل الأول
(ح-٣٠٦٦) ما رواه ابن أبي عاصم، قال: حدثنا القاسم بن محمد بن إبراهيم حدثنا يحيى بن يعلى، أخبرنا عبد الله بن موسى، عن القاسم الشامي،
عن مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وكان، بدريًّا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن سركم أن تقبل صلاتكم، فليؤمكم خياركم، فإنهم وفودكم فيما بينكم وبين ربكم (٢).
[ضعيف] (٣).