صلاته لغيره، ولو كانت الصلاة خلف الفاسق معصية لم تصح خلف أئمة الجور، ولا جازت طاعتهم بالصلاة خلفهم، كما لا تجوز طاعتهم في سائر المعاصي مما هو أقل شأنًا من الصلاة، فإن الطاعة بالمعروف، ولا طاعة في معصية، وإذا كان هذا في إمامة الفاسق ففي مستور الحال من باب أولى.
ونوقش هذا:
لا يلزم من صحة صلاته صحة إمامته؛ كالمرأة تصح صلاتها، ولا تصح إمامتها للرجال، والأمي تصح صلاته، ولا تصح إمامته، والعبد تصح صلاته، ولا تصح إمامته في الجمعة.
ورد هذا:
بأن إمامة المرأة ردت لكونها للرجال، وهذا مانع لا يتعلق بالإمامة، ولهذا تصح إمامتها للنساء على الصحيح، والأمي إنما لم تصح إمامته لإخلاله بركن من أركان الصلاة، وهو القراءة، بخلاف الفاسق، ولهذا تصح إمامته لمثله إذا لم يوجد قارئ، والصحيح صحة إمامة العبد، وسوف يأتينا الخلاف في صحة إمامته في أحكام الجمعة، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
الدليل الرابع:
الأصل في المسلم العدالة عملًا بالظاهر، وتحسينًا للظن بأهل القبلة، وهذا لا يسع الناس غيره؛ إذ لو اعتبرنا العدالة ظاهرًا وباطنًا لضاق بنا المجال، وتعذر علينا معرفة من اتصف بهذه الحال.
وهذه أدلة صحيحة كافية في الاستدلال على المسألة، وهناك أدلة لا تصح، أسوق بعضها، وإن كان في الصحيح غنية عنها.
الدليل الخامس:
(ح-٣٠٦١) ما رواه عبد الله بن أحمد في فضائل الصحابة، قال: حدثني أبو صالح الحكم بن موسى، أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا حميد بن مالك اللخمي، عن مكحول،
عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا معاذ، أطع كل أمير، وصلِّ
стр. 8682
خلف كل إمام، ولا تسبنَّ أحدًا من أصحابي.
[ضعيف] (١).
الدليل السادس:
(ح-٣٠٦٢) روى ابن المظفر من طريق عثمان بن عبد الله، أخبرنا مالك، عن نافع،
عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: صلوا خلف من قال لا إله إلا الله، وصلوا على من قال لا إله إلا الله (٢).
[موضوع] (٣).
الدليل السابع:
(ح-٣٠٦٣) ما رواه الطبراني في الأوسط من طريق عمرو بن الحصين، قال: حدثنا علي بن أبي سارة، قال: حدثنا علي بن زيد، عن عروة،
عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تكفِّروا أحدًا من أهل قبلتكم بذنب؛ وإن عملوا بالكبائر، وصلوا مع كل إمام، وجاهدوا مع كل أمير.
[ضعيف جدًّا] (١).
الدليل الثامن:
(ح-٣٠٦٤) ما رواه الدارقطني من طريق عباد بن الوليد أبي بدر، حدثنا الوليد ابن الفضل، أخبرني عبد الجبار بن الحجاج بن ميمون الخراساني، عن مكرم بن حكيم الخثعمي، عن سيف بن منير،
عن أبي الدرداء، قال: أربع خصال سمعتهن من رسول الله ﷺ لم أحدثكم بهن فاليوم أحدثكم بهن، سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تكفروا أحدًا من أهل قبلتي بذنب وإن عملوا الكبائر، وصلوا خلف كل إمام، وجاهدوا، أو قال: قاتلوا مع كل أمير، والرابعة: لا تقولوا في أبي بكر الصديق، ولا في عمر، ولا في عثمان، ولا في علي إلا خيرًا، قولوا ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤].
قال الدارقطني: ولا يثبت إسناده، من بين عباد وأبي الدرداء ضعفاء.
[ضعيف] (٢).
стр. 8685
الدليل التاسع:
(ح-٣٠٦٥) روى الدارقطني من طريق عمر بن صبح، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، والأسود،
عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: ثلاث من السنة: الصف خلف كل إمام، لك صلاتك، وعليه إثمه، والجهاد مع كل أمير، لك جهادك، وعليه شره، والصلاة على كل ميت من أهل التوحيد وإن كان قاتل نفسه.
قال الدارقطني: عمر بن صبح متروك (١).
دليل من قال: تكره إمامته مطلقًا:
الدليل الأول
(ح-٣٠٦٦) ما رواه ابن أبي عاصم، قال: حدثنا القاسم بن محمد بن إبراهيم حدثنا يحيى بن يعلى، أخبرنا عبد الله بن موسى، عن القاسم الشامي،
عن مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وكان، بدريًّا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن سركم أن تقبل صلاتكم، فليؤمكم خياركم، فإنهم وفودكم فيما بينكم وبين ربكم (٢).
[ضعيف] (٣).
стр. 8686
الدليل الثاني:
(ح-٣٠٦٧) ما رواه الدارقطني من طريق أبي الوليد المخزومي، حدثنا ابن جريج، عن عطاء،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : إن سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم.
стр. 8687
قال الدارقطني: أبو الوليد هو خالد بن إسماعيل ضعيف (١).
الدليل الثالث:
(ح-٣٠٦٨) روى الدارقطني من طريق الحسين بن نصر، حدثنا سلام بن سليمان، حدثنا عمر، عن محمد بن واسع، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : اجعلوا أئمتكم خياركم؛ فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين الله . قال الدارقطني: هذا عندي هو عمر بن يزيد قاضي المدائن (٢).
стр. 8688
[ضعيف].
دليل من قال: يكره الائتمام به إلا أن يكون إمامًا راتبًا:
أما كراهية الائتمام به إذا لم يكن إمامًا راتبًا فقد ذكرتها في أدلة القول السابق.
وأما نفي الكراهة عن المجهول إذا كان إمامًا راتبًا، فقد اختلف شيوخ المالكية هل نفي الكراهة مطلقًا، أو بشرط أن تكون الجهة التي نصبته تراعي الشروط الشرعية، فيه تردد في مذهب المالكية.
وسبب التردد اختلاف التعليل:
فحجة من قال: بنفي الكراهة عن الصلاة خلف الإمام الراتب مطلقًا:
لأنه نائب عن السلطان، فإذا كان يُصَلَّى خلف الحاكم الشرعي ولو كان فاسقًا فكذلك الحكم في نوابه.
(ح-٣٠٦٩) فقد روى مسلم من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت،
عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١).
فإذا كان هذه سنة النبي ﷺ مع الأمراء، فكذلك مع نوابهم.
وقد صلى الصحابة خلف أمراء بني أمية، وفيهم من كان يشرب الخمر، وفيهم من عرف بالظلم كالحجاج.
وسوف نأتي على ذكر هذه الآثار عند الكلام على الصلاة خلف الفاسق في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
стр. 8689
حجة من قال: يشترط لنفي الكراهة أن يكون من يوليه يراعي الشروط الشرعية:
قالوا: إن تصرف الحاكم ونوابه من أمراء وقضاة ومدراء، لا يتصرفون إلا بما فيه الحظ والمصلحة للناس، عملًا بالقاعدة الفقهية: تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، فكذلك نوابه (١).
حتى قال مجموعة من الفقهاء: كل متصرف عن الغير فعليه أن يتصرف بالمصلحة (٢).
فإذا كانت الجهة التي تختار الأئمة والمكلفة من قبل ولي الأمر تراعي الشروط الشرعية في تنصيب الأئمة كان اختيارها للإمام رافعًا لجهالة حاله؛ لأنها باختيارها قد شهدت له بالعدالة والأهلية للإمامة، فارتفعت الكراهة عن الصلاة خلفه.
وإن كانت هذه الجهة لا تراعي الشروط الشرعية، فإنه يكره الصلاة خلف الإمام الراتب إذا كان مجهول الحال حتى يكشف عن حاله، والله أعلم.
والراجح:
صحة الصلاة خلف مجهول الحال، لثلاثة أمور:
أحدها: أن صلاة هذا الرجل لنفسه صحيحة، تسقط عنه الطلب، وفعل الإمام كفعل المنفرد، لا أثر له في صلاة المأموم، ولذلك تصح إمامته ولو لم ينو الإمامة على الصحيح، فيكفي أن ينوى المأموم الائتمام فيصح الاقتداء به، علم الإمام أو لم يعلم، وهذا دليل على خفة شرط الإمامة، فالمأموم لا يحتاج من إمامه إلا صحة صلاته، فلو كان لها ذلك الأثر في صلاة المأموم لاشترط للإمام أن ينوي الإمامة، واتهام الفاسق أنه ربما يصلي صلاة فاسدة، ثم قياس مجهول ا لحال عليه، فهذا لا يفعله إلا من كان مغموسًا في النفاق، فكما أنه يصوم ويزكي ويحج، وأفعاله على
стр. 8690
الصحة، فكذلك صلاته.
والثاني: أن الأصل في المسلم السلامة، وليس التهمة.
والثالث: ضعف من يقول بارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام صحة وفسادًا، فهذا لم يطرده أحد من الأئمة عدا الحنفية، والله أعلم.
стр. 8691
المبحث الثاني الصلاة خلف الإمام الفاسق
الفرع الأول في تعريف الفسق
تعريف الفسق اصطلاحًا (١).
الفسق نوعان: نوع يتعلق بالجوارح.
عرفه ابن نجيم والنووي: بأنه ارتكاب كبيرة أو الإصرار على صغيرة (٢).
وقال ابن مفلح في تعريفه: من فعل كبيرة أو أكثر من الصغائر (٣).
وزاد بعض العلماء: والسلامة مما يخرم المروءة (٤).
فاشترطوا في الصغيرة إما الإصرار، وإما الإكثار من الصغائر، وبينهما فرق.
ونوع يتعلق بالاعتقاد: عرفه الماوردي بقوله: المتأول بشبهة تعترض، فيتأول
стр. 8692
لها خلاف الحق (١).
كالخوارج، والمعتزلة والأشاعرة.
وإذا كان الفسق هو الخروج، فإن خرج به من الإيمان فذلك الفسق كفرًا، وإلا كان معصية.
فمن الأول: قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. أي خرج عن أمر ربه، وعدل عنه ومال.
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٣٣].
وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠].
ولا يكذب بعذاب النار إلا القوم الكافرون.
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وهو أخو عثمان لأمه، بعثه رسول الله ﷺ مصدقًا إلى بني المصطلق، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله ﷺ ، قال: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم … إلخ فنزلت هذه الآية (٢).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. فكل كفر فسق، وليس كل فسق كفرًا.
فالمقصود بهذا الباب هو الفسق الذي لا يخرج من الملة، فالصلاة خلف الكافر تكلمت عليها في فصل مستقل، فالحمد لله.
стр. 8693
الفرع الثاني في حكم الصلاة خلف الفاسق
المطلب الأول الصلاة خلف الولاة الظلمة
المدخل إلى المسألة:
قال الإمام أحمد: الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة: يسفك فيها الدماء، وتستباح فيها الأموال، وتنتهك فيها المحارم … قيل: والناس اليوم، أليس هم في فتنة يا أبا عبد اللَّه؟ قال: وإن كان، فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمت الفتنة، وانقطعت السبل، الصبر على هذا، ويسلم لك دينك؛ خير لك.
إذا قبلت رواية المبتدع على الصحيح ما لم يستحل الكذب فمن باب أولى صحة الصلاة خلفه؛ لأن من كان محلًا للوثوق به في الأخبار الدينية فأجدر أن يوثق به في القيام بما يجب عليه من حقوق الصلاة.
صلى ابن عمر خلف الحجاج كما في صحيح البخاري، وصلى خلف نجدة الحروري، وصلى خلف الخشبية، طائفة من الرافضة.
قال ميمون بن مهران، وقد سئل عن الصلاة خلف الخوارج، فقال: أنت لا تصلي له إنما تصلي لله، قد كنا نصلي خلف الحجاج، وكان حروريًا أزرقيًّا.
قال الإمام أحمد: حين شاوره بعض الناس في الخروج على الحاكم لنشره القول بخلق القرآن، فأنكر عليهم، وقال: اصبروا حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر.
[م-١٠١٣] ذهب عامة العلماء على صحة الصلاة خلف الحاكم الشرعي الذي تؤدى إليه الطاعة، وسواء أكان فسقه بالعمل أم بالاعتقاد، وهو مذهب الأئمة
стр. 8694
الثلاثة، حتى نصَّ كثير من أهل العلم على هذه المسألة في كتب العقائد، وإن كانت مسألة فقهية؛ لمخالفة سبيل الخوارج والرافضة، وهو قول في مذهب المالكية (١).
قال أحمد: «إذا تغلب الخوارج على بلد صلي خلفهم، وقال مرة: يصلى خلفهم الجمعة، صلى ابن عمر خلف نجدة الحروري» (٢).
وقال أحمد أيضًا: «وأرى الصلاة خلف كل بر وفاجر، وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج» (٣).
وقال النخعي: «كانوا يصلون وراء الأمراء ما كانوا، وكان أبو وائل يجمع مع المختار» (٤).
стр. 8695
وقال مالك في رواية: لا يصلى خلف أهل الأهواء إذا تغلبوا، وظاهر المدونة جواز الصلاة خلف أئمة الجور فرقًا بين البدعة والمعصية (١).
ونقل ابن المنذر والقرطبي عن الإمام مالك التفريق بين أهل الأهواء وبين أهل الجور، ونقله الخطابي عن الإمام أحمد (٢).
стр. 8696
ومن الأدلة على صحة الصلاة خلف أئمة الجور والمبتدعة:
الدليل الأول:
(ح-٣٠٧٠) ما رواه مسلم من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله ابن الصامت،
عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صلَّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١).
وسوف أناقش دلالة هذا الحديث عند الكلام على مسألة الصلاة خلف الفاسق إذا لم يكن واليًا في فصل قادم، فانظره هناك وفقك المولى.
الدليل الثاني:
(ح-٣٠٧١) ما رواه البخاري من طريق الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم (٢).
وجه الاستدلال:
جاء في فتح الباري: «قوله: (وإن أخطئوا) أي ارتكبوا الخطيئة، ولم يرد به الخطأ المقابل للعمد؛ لأنه لا أثم فيه» (٣).
стр. 8697
الدليل الثالث:
(ث-٧٩٢) روى البخاري من طريق الأوزاعي: حدثنا الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عدي بن خيار:
أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁، وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج؟ فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم (١).
الدليل الرابع:
(ث-٧٩٣) وقد روى البيهقي في السنن من طريق يونس بن محمد المؤدب، حدثنا أبو شهاب، حدثنا يونس بن عبيد، عن نافع قال:
كان ابن عمر يسلم على الخشبية والخوارج وهم يقتتلون، فقال: من قال: حي على الصلاة أجبته، ومن قال: حي على الفلاح أجبته، ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم وأخذ ماله، قلت: لا.
[حسن] (٢).
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: الصلاة حسنة، لا أبالي من شاركني فيها.
[صحيح] (٣).
стр. 8698
الدليل الخامس:
وصلى ابن عمر خلف الحجاج في عرفة مع ما عرف عنه من سفكه للدماء المعصومة.
(ح-٣٠٧٢) فقد روى البخاري من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم قال:
كتب عبد الملك إلى الحجاج: ألا يخالف ابن عمر في الحج، فجاء ابن عمر ﵁ وأنا معه، يوم عرفة، حين زالت الشمس، فصاح عند سرادق الحجاج، فخرج وعليه ملحفة معصفرة، فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواح إن كنت تريد السنة. قال: هذه الساعة؟ قال: نعم، قال: فَأَنْظِرْنِي حتى أفيض على رأسي، ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحجاج، فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة، وعجل الوقوف، فجعل ينظر إلى عبد الله، فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق (١).
الدليل السادس:
(ث-٧٩٤) وروى مسلم من طريق حضين بن المنذر، أبي ساسان. قال:
شهدت عثمان بن عفان، وأتي بالوليد، قد صلى الصبح ركعتين. ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما حمران؛ أنه شرب الخمر. وشهد آخر؛ أن رآه يتقيأ. فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها. فقال: يا علي! قم فاجلده … الحديث (٢).
وقال ابن الأثير في أسد الغابة:
(ث-٧٩٥) وروى عمر بن شبة، عن هارون بن معروف، عن ضمرة بن ربيعة،
عن ابن شوذب، قال: صلى الوليد بن عقبة بأهل الكوفة صلاة الصبح أربع ركعات، ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما زلنا معك فِي زيادة منذ اليوم (٣).
стр. 8699
[صحيح، وضمرة راوية عبد الله بن شوذب].
(ث-٧٩٦) وروى البخاري في التاريخ الكبير، قال عبد الله: حدثني معاوية بن صالح،
عن عبد الكريم البكاء؛ أدركت عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، كلهم يصلون خلف أئمة الجور (١).
[ضعيف] (٢).
قال ابن حزم: «ما تأخر قط أحد من الصحابة الذين أدركوا المختار بن عبيد والحجاج، وعبيد الله بن زياد، وحبيش بن دلجة، وغيرهم عن الصلاة خلفهم، وهؤلاء أفسق الفساق، وأما المختار فكان متهما في دينه مظنونًا به الكفر» (٣).
الدليل السابع:
(ث-٧٩٧) وروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، قال:
كان الحسن بن علي والحسين يصليان خلف مروان، قال: فقيل له: أما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت؟ قال: فيقول: لا والله، ما كانوا يزيدون على صلاة الأئمة (٤).
[والد جعفر: محمد بن علي بن الحسين لم يدرك الحسن والحسين] (٥).
قال ابن قدامة: «والحسين والحسن، وغيرهما من الصحابة كانوا يصلون مع مروان. والذين كانوا في ولاية زياد وابنه كانوا يصلون معهما. وصلوا وراء الوليد بن عقبة، وقد شرب الخمر وصلى الصبح أربعا، وقال: أزيدكم، فصار هذا إجماعًا (٦).
стр. 8700
ونوقش:
بأن الصلاة خلفه حين كان أميرًا على المدينة، وقبل أن يشهر سيفه طلبًا للخلافة، وأما رميه طلحة ﵁ بسهم فقد كان متأولًا كما نقله الحافظ ابن حجر.
قال ابن حزم: لا نعلم لمروان شيئًا يجرح به قبل خروجه على ابن الزبير.
الدليل الثامن:
إذا كان المبتدع تقبل روايته على الصحيح ما لم يستحل الكذب إذا عرف بضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فكذلك من باب أولى صحة الصلاة خلفهم؛ لأن من كان محلًا للوثوق به في الأخبار الشرعية فأجدر أن يوثق به في القيام بما يجب عليه من حقوق الصلاة.
فقد أخرج البخاري لعمران بن حطان الخارجي، وأخرج البخاري لعبد الحميد ابن عبد الرحمن، وقال فيه أبو داود السجستاني: كان داعية إلى الإرجاء.
وأخرج الشيخان للأعمش وأبي إسحاق السبيعي، وفيهما بدعة التشيع، وأخرجا لقتادة، وفيه بدعة القدر.
وقد أورد الحافظ في هدي الساري من رمي من رجال البخاري بطعن في الاعتقاد فبلغوا (٦٩) راويًا.
قال ابن المديني: «لو تركت أهل البصرة للقدر، وتركت أهل الكوفة للتشيع لخربت الكتب» (١).
فالمدار في القبول على صدق الراوي، وضبطه لما يرويه، وورعه.
وما ذهب إليه البخاري هو مذهب كثير من المحدثين، فقد روى مسلم ل (أبان بن تغلب الكوفي)، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال، وقال: شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه، وعليه بدعته، وقد وثقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غاليًا في التشيع. وقال السعدي: زائغ مجاهر … إلخ (٢).
وهناك بعض الأدلة العامة آثرت ذكرها عند البحث في مسألة إمامة الفاسق.
стр. 8701
دليل من قال: لا يصلى خلف أهل الأهواء:
المانع من الصلاة خلف أهل الأهواء راجع: إما لأن بعضهم قد اختلف في كفره، والمصلي يجب أن يحتاط لصلاته، فلا يصلي إلا خلف من تيقن إسلامه.
وإما من أجل ردع المبتدع فإذا رأى الناس تتحاشى الصلاة خلفه حمله ذلك على ترك بدعته، فيكون الامتناع من الصلاة خلفه من باب إنكار المنكر، ولتحذير الناس من الاغترار ببدعته، أو تقليده، ولردع المخفي لبدعته حتى لا يعلنها، ويجاهر بها، ومن أجل حفظ دين الناس وصيانته عن البدع؛ لأن الناس مع الوقت إذا كان الناس يصلون خلفه، ولا تنكر بدعته فقد يعتقد عامة الناس أن هذه البدعة من السنة، فينكرون على من ينكرها، حتى يصبح المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، ولا يلزم أن يكون ذلك لبطلان صلاته، ولا لفساد إمامته، والله أعلم.
ويناقش:
القول بأنه لا يصلى إلا خلف من تيقن إسلامه، فالأصل بقاء الإسلام، ولا ينتقل عنه إلا أن يرى كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان.
وبقية الكلام يدل على أن ترك الصلاة خلفه من باب السياسة الشرعية، لكن هذا الكلام يصلح مع غير الولاة؛ فإن ترك الصلاة خلف الولاة قد يتسبب في مفاسد أكبر من مفسدة البدعة، وقد تحدث للناس فتنة وامتحان، فإذا كان الناس يمتحنون إذا لم يلتزم الدعاء لهم في كل جمعة على المنابر مع أنه لم يرد في السنة، فكيف إذا تركت الصلاة خلف الولاة، فإن الشريعة جاءت في تحقيق المصالح وتكثيرها، وقطع المفاسد وتقليلها، وتفويت أدنى المصلحتين لجلب المصلحة الكبرى منهما، وارتكاب أدنى الضررين لتفويت الضرر الأكبر منهما. وترك الصلاة خلفهم فيه ما فيه على وحدة الناس، واجتماع كلمتهم، ولا يلزم من الصلاة خلفه طاعته في معصية، ولا متابعته في بدعته.
(ث-٧٩٨) فقد روى ابن أبي شيبة، حدثنا هشيم، عن أبي حرة،
عن الحسن، قال: لا يضر المؤمن صلاته خلف المنافق، ولا ينفع المنافق صلاة المؤمن خلفه.
[أبو حرة صدوق إلا أنه كان يدلس عن الحسن، قال البخاري: يتكلمون في
стр. 8702
روايته عن الحسن] (١).
وقد روى حرب الكرماني في مسائله، حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن هشام بن حسان،
عن الحسن، أنه سئل عن صاحب البدعة، الصلاة خلفه؟ قال: صَلِّ خلفه، وعليه بدعته صاغرًا صَدِئًا.
[قال الحافظ: هشام بن حسان ثقة … وفي روايته عن الحسن و عطاء مقال لأنه قيل: كان يرسل عنهما] (٢).
فإذا كان هذا في الصلاة خلف المنافق، فكيف بالصلاة خلف المبتدع الذي لم يكفر ببدعته، وإنما غايته أن يلتحق بفسقة المسلمين.
(ث-٧٩٩) وروى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، قال:
سألت ميمونًا عن رجل، فذكر أنه من الخوارج، فقال: أنت لا تصلي له، إنما تصلي لله، قد كنا نصلي خلف الحجاج، وكان حروريا أزرقيًا.
[حسن] (٣).
ولأن صلاة المأموم على الصحيح غير مرتبطة بصلاة الإمام صحة وفسادًا، فلكل صلاته، فإن كانت صلاة الإمام فاسدة لم يلزم منها فساد صلاة المأموم وهو مذهب الشافعية.
ولأن الحكم بصحة صلاة الإمام أو فسادها بحسب الظاهر، فمن صحت صلاته لنفسه صحت إمامته، هذا هو الظاهر، ولا نكلف بغير الظاهر.
стр. 8703
المطلب الثاني الصلاة خلف الفاسق في غير الجمعة والعيد
المدخل إلى المسألة:
الأئمة متفقون على كراهة الصلاة خلف الإمام الفاسق وإن اختلفوا في صحتها.
محل كراهة الاقتداء بالفاسق عند وجود العدل، وإلا فلا كراهة.
الصلاة خلف إمام فاسق أولى من الانفراد.
العدل من أهل الإمامة أولى من الفاسق، وإن اختص الفاسق بزيادة القراءة والعلم وسائر الخصال.
الإجماع على أن الفاسق بالاعتقاد أخطر من الفاسق بالأعمال.
الأصل أن من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره إلا بدليل كإمامة المرأة للرجال، والأمي للقارئ.
لا يوجد نص من الكتاب، ولا من السنة، ولا من إجماع الصحابة على اشتراط العدالة في الإمامة.
العدالة صفة كمال وليست شرطًا في صحة الإمامة، وشروط العبادة توقيفية، والأصل عدم الاشتراط.
المعاصي خارج الصلاة لا تبطل الصلاة، فلا تبطل الإمامة.
من اتهم الفاسق بأنه قد يتهاون بشروط الصلاة فقد قفا ما ليس له به علم.
لو كان فسق الإمام مفسدًا لإمامته لم يكن هناك فرق بين الولاة وبين غيرهم، كما لا يفرق بين الولاة وغيرهم في باقي صفات الأئمة، بأن لا يكون أميًّا،
стр. 8704
ولا يلحن في الفاتحة لحنًا يغير المعنى، ولا يخل بشروط الصلاة.
الصحة والفساد حكم وضعي، فالصلاة خلف الفاسق إما أن تكون باطلة أو صحيحة، لا فرق في ذلك بين الولاة وبين غيرهم، ولا بين العاصي والمبتدع، ولا بين الداعية والمجاهر وبين المستتر.
من قال بترك الصلاة خلف الفاسق حمله على ذلك العمل على إنكار المنكر، لا لفساد الصلاة، فهو من باب السياسة الشرعية.
[م-١٠١٤] المترشح للإمامة ينبغي له أن يكون عدلًا متجنبًا للكبائر غير مصر على الصغائر.
قال الماوردي: يحرم على الإمام نصب الفاسق إمامًا للصلوات؛ لأنه مأمور بمراعاة المصالح، وليس منها أن يوقع الناس في صلاة مكروهة (١).
ولأن تصرف الراعي منوط بالمصلحة، ولا مصلحة دينية ولا دنيوية في تنصيب الفسقة أئمة على الناس.
قال ابن تيمية: «الأئمة متفقون على كراهة الصلاة خلف الفاسق لكن اختلفوا في صحتها … ولم يتنازعوا أنه لا ينبغي توليته» (٢).
وإذا لم يوجد قارئ إلا من الفسقة صح توليته، ويراعى في ذلك تولية أقل الفاسقين فسقًا حتى لا تتعطل الشعيرة.
وأما إذا وجد غيره، فقد اختلف العلماء في صحة الصلاة خلف الفاسق في غير الجمعة والعيد:
فقيل: تصح الصلاة خلف الفاسق والمبتدع الذي لا يكفر ببدعته مع الكراهة، وهو مذهب الحنفية والشافعية، ورواية عن الإمام مالك ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم (٣).
стр. 8705
ومحل كراهة الاقتداء بهم عند وجود غيرهم، وإلا فلا كراهة.
وأن الصلاة خلف إمام فاسق أولى من الانفراد.
ونص الشافعية وابن تيمية أن العدل من أهل الإمامة أولى من الفاسق، وإن اختص الفاسق بزيادة القراءة والعلم وسائر الخصال (١).
جاء في مختصر المزني: «وأكره إمامة الفاسق، والمظهر للبدع، ولا يعيد
стр. 8706
من ائتم بهما» (١).
وقيل: لا تصح، خلف الفاسق والمبتدع فإن صلى خلفه أعاد أبدًا، وهو قول في مذهب المالكية، اختاره أصبغ وابن حبيب، وهو المذهب عند الحنابلة، وأحد القولين عن ابن تيمية (٢).
قال القاضي عبد الوهاب: «ولا تجوز إمامة الفاسق» (٣).
قال الباجي: «ولم يخص جمعة من غيرها» (٤).
وقال القرافي: «وأما الفاسق بجوارحه فظاهر المذهب منعه» (٥)، وهو ما اختاره خليل في مختصره (٦)
وقال القاضي أبو يعلى: «لا تصح إمامة الفاسق، سواء كان فسقه في اعتقاده، أو في أفعاله في أصح الروايتين» (٧).
وقال ابن تيمية كما في الإنصاف: «لا تصح خلف أهل الأهواء والبدع
стр. 8707
والفسقة مع القدرة» (١).
وقيل: تصح الصلاة خلف الفاسق مع الكراهة، بشرط أن يكون فسقه لا تعلق له بالصلاة كالزنا والسرقة، ولا تصح خلف أهل الأهواء، وهذا مذهب المالكية (٢).
قال الدردير: «والمعتمد أنه لا تشترط عدالته فتصبح إمامة الفاسق بالجارحة ما لم يتعلق فسقه بالصلاة» (٣).
وقيل: لا يصلى خلف أهل الأهواء إذا كان داعية، ويخاصم في بدعته، وهو رواية عن أحمد (٤).
وقيل: المصر والمجاهر لا يصلى خلفه، والمستور المعترف ببعض الشيء، فالصلاة خلف الكامل أولى، وخلفه لا بأس بها، قاله ابن أبي زيد من المالكية، وعن مالك: ليس المصر والمجاهر كغيره (٥).
стр. 8708
وقيل: بالتفريق بين أن يكون فسقه بتأويل كالذي يشرب النبيذ، ويتأول أقوال أهل العراق، أو يكون بغير تأويل، فأجازوا الصلاة وراء المتأول، ولم يجيزوها وراء غير المتأول، حكاه ابن رشد، ولم ينسبه (١).
وفي إطلاق الفسق على المجتهد المخطئ فيه نظر كبير، كإطلاق بعض طلبة العلم في عصرنا البدعة على الأقوال المرجوحة في المسائل الخلافية، وهو خطأ بيِّن، لأن كل بدعة ضلالة، وليس قول المجتهد المخطئ من الضلال في شيء، بل له أجر على اجتهاده، ولأنه يلزم منه وقوع الصحابة رضوان الله عليهم في البدعة في مسائل الاجتهاد التي وقع فيها خلاف بينهم، ووقوع الأئمة الأربعة في البدع، بل ووقوع سائر المجتهدين في البدعة؛ لأن ما من مجتهد إلا وله صواب وخطأ، بل ووقوع صاحب هذا القول، إلا أن يدعي العصمة من الخطأ، بل يلزم منه وقوع النبي ﷺ بالبدعة فيما اجتهد فيه وأخطأ.
ولا يخرج من هذا اللازم بالقول بأن هناك فرقًا بين الحكم على الفعل بأنه بدعة، وبين وصف الفاعل بأنه مبتدع؛ لأنني أقول: إن الشرع نهى عن الوقوع في البدعة، وحذر منها (إياكم ومحدثات الأمور … )، ولم يحذر الشارع من الوقوع في الخطأ إذا أفرغ المجتهد وسعه في طلب الحق.
فخلص لنا خمسة أقوال:
تصح مطلقًا مع الكراهة، وهو مذهب الحنفية والشافعية.
لا تصح مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة.
تصح خلف الفاسق إن كان فسقه لا يتعلق بالصلاة، ولا تصح خلف المبتدع، وهذا مذهب المالكية.
هذه الأقوال المعتمدة في مذاهب الأئمة، وهناك أقوال أخرى ترجحت لبعض المجتهدين منها:
لا تصح خلف المبتدع الداعية دون غيره.
стр. 8709
لا يصلى خلف المجاهر والمصر، بخلاف المستتر.
تصح إن كان فسقه بالجوارح متأولًا، ولا تصح إن كان بغير تأويل.
سوف أذكر الاستدلال للأقوال المعتمدة في مذاهب الأئمة، دون الاجتهادات الفردية؛ لأنها قائمة على السياسة الشرعية، ولأن الغرض منها إنكار المنكر أو تقليله، كالتفريق بين الداعية وغيره، أو بين المجاهر وغيره، أو بين المتأول وغيره، فكل هذه الأقوال تدخل تحت قول من قال بصحة إمامة الفاسق، ولكن تركت الصلاة خلف الداعية والمجاهر وغير المتأول لردعه عن المنكر.
سبب اختلافهم:
يقول ابن رشد: «سبب اختلافهم في هذا أنه شيء مسكوت عنه في الشرع، والقياس فيه متعارض.
فمن رأى أن الفسق لما كان لا يبطل صحة الصلاة، ولم يكن يحتاج المأموم من إمامه إلا صحة صلاته فقط على قول من يرى أن الإمام يحمل عن المأموم أجاز إمامة الفاسق.
ومن قاس الإمامة على الشهادة، واتهم الفاسق أن يكون يصلي صلاة فاسدة كما يتهم في الشهادة أن يكذب لم يجز إمامته، ولذلك فرق قوم بين أن يكون فسقه بتأويل أو بغير تأويل، وإلى قريب من هذا يرجع من فرق بين أن يكون فسقه مقطوعًا به أو غير مقطوع به؛ لأنه إذا كان مقطوعًا به، فكأنه غير مقدور في تأويله … ومنهم من فرق بين أن يكون فسقه في شروط صحة الصلاة، أو في أمور خارجة عن الصلاة بناء على أن الإمام إنما يشترط فيه وقوع صلاته صحيحة» (١).
دليل من قال: تصح إمامة الفاسق مطلقًا، سواء أكان فسقه عمليًّا أم اعتقاديًّا:
الدليل الأول:
لا يوجد نص من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله، ولا من إجماع الصحابة على اشتراط العدالة في الإمامة، فهي صفة كمال وليست شرطًا في صحة الإمامة، وشروط العبادة توقيفية، والأصل عدم الاشتراط.
стр. 8710
الدليل الثاني:
الصلاة خلف أئمة الجور دليل على صحة الائتمام بالرجل الفاسق.
(ح-٣٠٧٣) من ذلك ما رواه البخاري من طريق الحسن بن موسى الأشيب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار،
عن أبي هريرة: أن رسول الله قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطؤوا فلكم وعليهم (١).
وله شاهد من حديث عقبة.
(ث-٨٠٠) وروى البخاري من طريق الأوزاعي: حدثنا الزهري، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عدي بن خيار:
أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁، وهو محصور، فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج؟ فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم (٢).
وصلى ابن عمر خلف الحجاج في عرفة مع ما عرف عن الحجاج من سفكه للدماء المعصومة (٣).
وصلى بعض الصحابة خلف الوليد بن عقبة وهو سكران كما في صحيح مسلم (٤).
وسبق أن سقت نصوص هذه الأحاديث في الصلاة خلف أئمة الجور، فارجع إليها إن شئت.
وأجيب:
بأن هذا ليس عامًا في كل إمام فاسق، بل هو خاص بالأمراء، ومن له حق الطاعة، وعامة أهل السنة والجماعة على الصلاة خلفهم، ولا يقاس عامة الناس على الولاة، ولا يترتب على ترك الصلاة خلف الفسقة مفسدة ولا فتنة.
стр. 8711
ورد هذا الجواب:
الحكم الشرعي نوعان: تكليفي، وينقسم إلى واجب ومحرم … إلخ
ووضعي، وينقسم: إلى صحيح وفاسد … إلخ.
وصحة الصلاة وفسادها حكم وضعي، فالصلاة خلف الفاسق إما أن تكون باطلة أو صحيحة، ولا يوجد قسم ثالث، فإن كان فسق الإمام مفسدًا لإمامته لم يكن هناك فرق بين الولاة وبين غيرهم، كما لا يفرق بين الولاة وغيرهم في باقي صفات الأئمة، بأن لا يكون أميًا، ولا لحانًا يلحن في الفاتحة لحنًا يغير المعنى، ولا يخل بأركان الصلاة وشروطها، إلى غير ذلك من صفات الإمام.
والتفريق إن وجد ينبغي أن يكون عائدًا لما في ذلك من النهي عن المنكر، لا لأجل فساد الصلاة، فإذا هجر الناس الصلاة خلف الفاسق من عامة الناس فذلك من أجل حمله على ترك المنكر، وهذه الطريقة لا تجدي مع الولاة، فلو كانت الصلاة خلف الفاسق باطلة لفسقه كانت الصلاة خلف أئمة الجور كذلك، ولا جازت طاعتهم كما لا تجوز طاعتهم في سائر المعاصي مما هو أقل شأنًا من إمامة الصلاة، فإن الطاعة بالمعروف، ولا طاعة في معصية.
الدليل الثالث:
(ح-٣٠٧٤) فقد روى الإمام مسلم من طريق أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت،
عن أبي ذَرٍّ، قال: قال لي رسول الله ﷺ : كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صلَّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم، فَصَلِّ، فإنها لك نافلة (١).
وجه الاستدلال:
تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر لا يجوز، وهو موجب للفسق، وصحح النبي ﷺ الصلاة خلفهم.
стр. 8712
وأجيب:
بأن محمد بن نصر المروزي حمل الحديث على أنهم يؤخرون الصلاة عن الوقت المختار إلى وقت أهل الأعذار (١).
قال النووي: « … المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، وَلَمْ يُؤَخِّرْهَا أَحَدٌ منهم عن جميع وقتها، فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع» (٢).
وحمله ابن تيمية على أنه تأخير الظهر إلى العصر، والعصر إلى الاصفرار.
قال ابن تيمية: «إنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر، والعصر إلى وقت الاصفرار، وذلك مما هو مذمومون عليه، ولكن ليسوا كمن تركها أو فوتها حتى غابت الشمس، فإن هؤلاء أمر النبي ﷺ بقتالهم، ونهى عن قتال أولئك، فإنه لما ذكر أنه سيكون أمراء يفعلون ويفعلون، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صَلُّوا» (٣).
ويرد على هذا الجواب:
قوله في الحديث: (يؤخرون الصلاة عن وقتها): لفظ (وقتها) مفرد مضاف فيعم التأخير كل وقتها، المختار وغيره، أوله كآخره، فمن خص التأخير بجزء من الوقت فقد خصص كلام الرسول ﷺ بلا مخصص. ومثله قول النبي ﷺ في حديث ابن مسعود: حين سئل عن أفضل الأعمال فقال: الصلاة على وقتها. رواه مسلم (٤).
فمن صلى قبل خروج الوقت فقد صدق عليه أنه صلاها على وقتها.
قال ابن دقيق العيد: «قوله: (الصلاة على وقتها) ليس فيه ما يقتضي أول الوقت وآخره، وكان المقصود به: الاحتراز عما إذا وقعت خارج الوقت قضاء» (٥).
ولأن من صلى بعد الوقت المختار، وقبل خروج الوقت فقد أدرك الوقت
стр. 8713
وصلاته أداء بالإجماع. وأما الذم فهو محل خلاف بين العلماء، فالشافعية، وقول في مذهب الحنابلة يرون أن من أخرج الصلاة عن الوقت المختار لم يأثم، وهو الراجح.
فجبريل ﵇ صلى بالنبي ﷺ العصر في اليوم الأول حين كان ظل كل شيء مثله، وصلى به في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثليه.
وقال ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: وقت العصر ما لم تصفر الشمس.
وهو قدر زائد عن المثلين، فتبين أن المثلين ليس حدًّا واجبًا.
وصلى النبي ﷺ العصر مختارًا غير معذور في حديث أبي موسى في اليوم الثاني، والقائل يقول: قد احمرَّت الشمس.
وهو قدر زائد على المثلين، وعلى الاصفرار، وإذا احمرَّت الشمس فلم يبقَ عليها إلا الغروب.
(ث-٨٠١) وقد روى عبد الرزاق في المصنف، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: إمامًا يوخر الصلاة حتى يصليها مفرطا فيها؟ قال: صلِّ معه، الجماعة أحبُّ إليَّ، قلت: فما لك، ألا تنتهي إلى قول ابن مسعود في ذلك؟ قال: الجماعة أحب إلي إذا لم تفت، قلت: وإن اصفرت الشمس للغروب ولحقت برؤوس الجبال؟ قال: نعم، ما لم تغب (١).
[مقطوع على عطاء، وإسناده في غاية الصحة].
وقد سبقت مناقشة هذه المسألة في مبحث مستقل، في المجلد الثاني، ولله الحمد.
فمن ادَّعى أن الإثم وأداء الصلاة في وقتها يجتمعان فقد خالف النص والأصل.
أما كونه خالف النص:
(ح-٣٠٧٥) فلما رواه مسلم من حديث أبي قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : ..... إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى (٢).
فقوله: (إنما) أداة حصر، فَحَصَرَ التفريط على من تعمد التأخير حتى دخل
стр. 8714
وقت الصلاة الأخرى، وليس حتى خرج وقت الاختيار.
وهذا يشمل جميع الصلوات خرج من ذلك الفجر بالإجماع لوجود فاصل بين وقت الصبح ووقت الظهر، وبقي ما عداه، فمن قال: إن التفريط على من صلى الصلاة في آخر وقتها قبل مجيء الصلاة الأخرى فهو مخالف لمنطوق هذا الحديث الصحيح.
فدل الحديث على أن الصلاة خارج الوقت المختار ليس محرمًا، ما دام أن الوقت لم يخرج، وإنما المحرم هو إيقاع الصلاة خارج وقتها.
وأما كونه مخالفًا للأصل:
فالأصل: أن الصلاة واجب موسع، فآخر الوقت كأوله في الجواز من غير فرق بين المختار وغيره.
وأبعد منه من حمل تأخير الصلاة إلى صلاة تجمع معها، والنص لا يخصصه إلا نص مثله أو إجماع، فقوله: (يؤخرون الصلاة عن وقتها) (الصلاة) لفظ عام يشمل كل الصلوات، فكيف يخصص بالظهر والمغرب فقط، وظاهره يدل على إيقاع الصلاة خارج وقتها الذي حده الرسول ﷺ من غير فرق بين كون الصلاة تجمع إلى الأخرى أو لا تجمع، وليس في النص ما يشير إلى أنهم يجمعون الصلاة بلا سبب، فيكون الذم متوجهًا إلى الجمع، وليس إلى تأخير الصلاة عن وقتها.
الدليل الرابع:
أن الفاسق صلاته لنفسه صحيحة بالإجماع، ومن صحت صلاته صحت إمامته إلا بدليل، فالمأموم لا يطلب من الإمام أكثر من أن تكون صلاته صحيحة في نفسها؛ ليصح الاقتداء به، وفعل الإمام كفعل المنفرد، لا أثر له في صلاة المأموم، ولذلك تصح إمامة الرجل، ولو لم ينو الإمامة على الصحيح، فيكفي أن ينوى المأموم الائتمام فيصح الاقتداء به، عَلِمَ الإمامُ أو لم يعلم، وهذا دليل على خفة شرط الإمامة، فلو كان لها ذلك الأثر في صلاة المأموم لاشترط للإمام نية الإمامة، واتهام الفاسق أنه ربما يصلي صلاة فاسدة، فهذا لا يفعله إلا من كان مغموسًا في النفاق، فالفسق لا ينافي محبة الله ورسوله، كما قالها النبي ﷺ في شارب الخمر
стр. 8715
عندما تكلم فيه بعض الصحابة، والفاسق لم يصلِّ إلا وهو يريد من عبادته الجنة والنجاة من النار، فكما أنه يصوم ويزكي ويحج، وأفعاله على الصحة، فكذلك صلاته، فالأصل أنها على الصحة حتى يثبت العكس، وصحة صلاته كافية لصحة إمامته، واتهام العصاة أنه يتهاونون في شروط الصلاة وأركانها لا دليل عليه.
وهذه الأدلة كافية في إثبات صحة إمامة الفاسق، وقد وردت أحاديث ضعيفة، أسوقها مبينًا ضعفها.
الدليل الخامس:
(ح-٣٠٧٦) ما رواه أبو داود من طريق العلاء بن الحارث، عن مكحول،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ الصلاة المكتوبة واجبةٌ خلفَ كل مسلمٍ برًّا كان أو فاجرًا، وإنْ عَمِلَ الكبائر.
[ضعيف] (١).
стр. 8716
الدليل السادس:
(ح-٣٠٧٧) روى الدارقطني من طريق محمد بن عمرو بن حنان، حدثنا بقية، حدثنا أبو إسحاق القنسريني، حدثنا فرات بن سليمان، عن محمد بن علوان، عن الحارث،
عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : من أصل الدين الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل أمير، ولك أجرك، والصلاة على كل من مات من أهل القبلة.
стр. 8717
[ضعيف جدًّا] (١).
الدليل السابع:
ما يروى عن معاذ وأبي الدرداء مرفوعًا: … صلِّ خلف كل إمام.
ومن حديث عائشة مرفوعًا: … صلوا مع كل إمام.
ومن حديث ابن مسعود مرفوعًا: … الصف خلف كلِّ إمام.
ومن حديث ابن عمر مرفوعًا … صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله.
وهذه الأحاديث لا يصح منها شيء فهو بين موضوع وشديد الضعف، وقد خرجتها فيما سبق عند بحث الصلاة خلف مستور الحال، فارجع إليها مشكورًا.
دليل من قال: لا تصح إمامة الفاسق مطلقًا، سواء أكان فسقه عمليًّا أم اعتقاديا:
الدليل الأول:
قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
والفاسق ناقص التقوى، فلو كان يتقي الله لما أصر على معصيته.
стр. 8718
وأجيب:
قال ابن عطية: المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة … اه (١).
فشرط قبول العمل الإيمان، والإخلاص والمتابعة.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الفرقان: ٩٤].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤].
وليس من شروط قبول العمل السلامة المطلقة من الفسق، وأين من لم يعص ربه.
قال ابن حزم: «كل فاسق إذا نوى بصلاته رحمة الله تعالى فهو في ذلك من المتقين فصلاته متقبلة، ولو لم يكن من المتيقن إلا من لا ذنب له ما ستحق أحد هذا الاسم بعد رسول الله ﷺ قال الله ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]» (٢).
الدليل الثاني:
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
الإمام هو الذي يؤتم به، فدلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقًا،
قال الرازي: «لا يخلو قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى.
стр. 8719
ولما بطل الوجه الأول؛ لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم، ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى، وغير مقتدى بهم فيها، فلا يكونون أئمة في الدين، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق» (١).
ويجاب:
كون الفاسق لا يكون إمامًا في الدين يقتدى به: أي ليس محلًا لأن يؤخذ منه الحلال والحرام، ولا يعني ذلك أنه لا تصح إمامته، ففعل الإمام في الصلاة لا يتجاوز فعل المنفرد كما بينت، فما صح من المنفرد صح من الإمام، وقد اختلف العلماء في تفسير الآية، وذكر ابن جرير أقوالًا مختلفة في تفسير الآية، أذكرها باختصار:
فمنهم من فسر العهد بالنبوة، فيكون المعنى: لا ينال النبوة أهل الظلم والشرك.
وقال آخرون: عهده أمره، فلا يكون إمامًا في الدين من كان ظالمًا، وهذا يعني أنه قد يكون إمامًا في أمور الدنيا كما يقال: عن الحجاج الثقفي إمام، وأما إمامة الدين فهي خاصة بأوليائه، كإمامة أحمد ومالك والثوري.
قال عطاء: أبى الله أن يجعل من ذريته ظالمًا إماما. قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.
وقال ابن عباس قال، ليس لظالم عهد.
وقال قتادة معنى الآية لا ينال أماني أعدائي، وأهل الظلم لعبادي. أي: لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم، وأكل به وعاش.
وقيل: هذا خبر، فقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أي: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق، فهو إعلام من الله تعالى ذكره لإبراهيم: أن من ولده من يشرك به، ويجور عن قصد السبيل، ويظلم نفسه وعباده، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾.
ذكر هذه الأقوال ابن جرير الطبري في تفسيره، وكلها تحتملها الآية، والله أعلم، ولا تعرض لها لإمامة الصلاة (٢).
стр. 8720
الدليل الثالث:
(ح-٣٠٧٨) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
الإمام ضامن بنص الحديث؛ فهو يتحمل القراءة عن المأموم، وصلاة الفاسق وإن كان الأصل سلامتها من المفسد، إلا إن الظاهر من حال الفاسق تهاونه في أوامر الله ، ولذلك ارتكب ما يوجب فسقه، فلا وثوق به في المحافظة على الشروط، وصلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام صحة وفسادًا، ولهذا لم يقبل خبر الفاسق في الرواية، وإن كان الأصل عدم الكذب، فكان عدم تقديمه للإمامة عملًا بالظاهر وتقديمًا له على الأصل، احتياطًا لسلامة صلاة من خلفه من المسلمين.
وأجيب:
أما الحديث فمن حيث الثبوت لا حجة فيه؛ لأنه ضعيف.
كما أنه لا حجة فيه من حيث الدلالة، فالضمان قد لا يكون المراد به فساد صلاة المأموم بفساد صلاة إمامه، وإنما يكون معنى الحديث أن التبعة والعهدة على الإمام إذا قصر، وليس على المأموم شيء فيما قصر فيه إمامه، فيحمل معناه على معنى الحديث الصحيح: (يصلون لكم فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم)، هذا على افتراض صحة الحديث.
ودعوى ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام صحة وفسادًا قول لا دليل عليه؛ لقوله تعالى ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وقوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤].