← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]. فلو كان النساء يدخلن في لفظ (القوم) لكان ذلك يقتضي ذكر النساء مرتين. ويدل عليه أيضًا قول زهير: وما أدري وسوف أخال أدري أقوم آل حصن أم نساء. الدليل السادس: من الإجماع. فمن الحنفية، قال الزيلعي: لا يجوز الاقتداء بالمرأة إجماعًا (١). وقال ابن الهمام: الإجماع على عدم جواز إمامتها للرجل (٢). ومن المالكية: قال ابن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الرجال لا يؤمهم النساء (٣). ومن الشافعية، قال ابن حجر الهيتمي: «ولا تصح قدوة رجل أي ذكر ولو صبيًا .... بامرأة إجماعاً في الرجل بالمرأة إلا من شذ كالمزني» (٤). ومن الظاهرية، قال ابن حزم: «واتفقوا أن المرأة لا تؤم الرجال وهم يعلمون أنها امرأة، فإن فعلوا فصلاتهم فاسدة بإجماع» (٥). تعقبه ابن تيمية في النفل، فقال: «ائتمام الرجال الأميين بالمرأة القارئة في قيام رمضان يجوز في المشهور عن أحمد، وفي سائر التطوع روايتان» (٦). فخرج النفل عن حكاية الإجماع، ولذلك ابن قدامة حين حكى الإجماع اقتصر على الفرائض، قال في المغني: «ولا خلاف في أنها لا تؤمهم في الفرائض» (٧). وبقي الخلاف في الفرائض محفوظًا عن أبي ثور وابن جرير الطبري، ولا يعلم هذا القول عن غيرهما، وقد وصف جماعة من الفقهاء هذا القول بالشاذ، وأظن المقصود

стр. 8752

بالشذوذ هنا إما لمخالفته الإجماع، فلا يخرق الإجماع، أو من أجل مخالفة هذا القول ظواهر النصوص، أو جاء شذوذه من حيث مخالفة ما عليه عمل المسلمين، والله أعلم. الدليل السابع: (ث-٨٠٢) روى عبد الرزاق عن الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا فكانت المرأة لها الخليل، تلبس القالبين تطول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض، فكان ابن مسعود يقول: أخروهن حيث أخرهن الله. فقلنا لأبي بكر: ما القالبين؟ قال: رقيصان من خشب. [صحيح] (١). وذكر في بعض متون الحنفية مرفوعًا، ولا أصل له (٢). الدليل الثامن: (ح-٣٠٨٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الوليد ابن أبي الوليد قال: سمعت القاسم بن محمد يخبر، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: لا خير في جماعة النساء، إلا في مسجد أو في جنازة قتيل.

стр. 8753

[ضعيف] (١). وجه الاستدلال: أن الحديث نفى الخيرية عن جماعة النساء إلا في المسجد، والاستثناء معيار العموم، ومفهومه: لا خير في جماعة النساء في البيوت وكذا في أي مكان إلا في المسجد، وجماعتهن في المسجد لا تكون إلا خلف الرجال، والله أعلم. الدليل التاسع: (ح-٣٠٩٠) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الله بن محمد العدوي، عن علي ابن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فذكر حديثًا طويلًا، مما جاء فيه: .... ألا لا تؤمن امرأة رجلًا، ولا يؤم أعرابي مهاجرًا، ولا يؤم فاجر مؤمنًا، إلا أن يقهره بسلطان، يخاف سيفه وسوطه. [ضعيف جدًّا] (٢). الدليل العاشر: الجماعة من خصائص الرجال، فكما يختصون بالأذان وإقامة الخطب في الجمعة والأعياد، يختصون بإقامة الجماعة، إلا أن يصلين خلف الرجال، فالمرأة ليست من أهل الاجتماع، ولا يطلب منها إظهار الشعائر. دليل من قال: تصح إمامة المرأة مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٣٠٩١) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثتني جدتي، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث الأنصاري، وكانت قد جمعت القرآن، وكان النبي ﷺ قد أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذن، وكانت تؤم أهل دارها (٣).

стр. 8754

ورواه أبو داود من طريق وكيع بن الجراح، حدثنا الوليد بن عبد الله بن جميع، قال: حدثتني جدتي، وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن أم ورقة بنت عبد الله بن نوفل الأنصارية، أن النبي ﷺ لما غزا بدرًا، قالت: قلت له: يا رسول الله، ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم، لعل الله أن يرزقني شهادة، قال: قري في بيتك فإن الله تعالى يرزقك الشهادة، قال: فكانت تسمى الشهيدة، قال: وكانت قد قرأت القرآن، فاستأذنت النبي ﷺ أن تتخذ في دارها مؤذنًا، فأذن لها، قال: وكانت قد دبرت غلامًا لها وجارية، فقاما إليها بالليل، فغمياها بقطيفة لها حتى ماتت، وذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس، فقال: من كان عنده من هذين علم، أو من رآهما فليجئ بهما، فأمر بهما فصلبا فكانا أول مصلوب بالمدينة (١). وفي رواية لأبي داود من طريق محمد بن الفضيل، عن الوليد بن جميع، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث بهذا الحديث، وفيه … قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخا كبيرًا (٢). [ضعيف] (٣). وجه الاستدلال: كون النبي ﷺ أذن لها بالأذان، فالأذان لا يكون إلا في الفرض، ولو فرض أنه أَذِنَ لها بالنفل، فما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل. وأجيب: بأن الحديث معلٌّ بعلل: أولاها: تفرد بهذا الحديث الوليد بن جميع، وهو صدوق يهم، ومثله لا يحتمل تفرده بمثل هذه السنة. الثانية: أن جدته وعبد الرحمن بن خلاد مجهولان.

стр. 8755

الثالثة: الانقطاع، فالحديث أوله من مسند أم ورقة، وآخره من مسند عمر ﵁، حيث صعد المنبر بعد قتل أم ورقة، ولا يعرف لهما سماع من عمر، ولا من أم ورقة، رضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ ، وقد اشتمل الحديث على أمور يبعد ألا ينقلها الناس، وتفرد هؤلاء بمثل هذا علة توجب ضعفه، من ذلك: - انفراده بهذه السنة، أعني صحة إمامة المرأة، كيف تخرج هذه السنة من المدينة، ولا يعرفها أهلها، ولا ينقلها عن أم ورقة إلا أهل العراق؟ - ومنها: حصول الصلب في المدينة، وكونه أول صلب يحدث فيها، ومثل هذا لو حدث لنقله الناس، واشتهر عنهم. رابعًا: يحمل الحديث لو صح على أنها تؤم نساء أهل دارها، (ح-٣٠٩٢) فقد روى الدارقطني من طريق أبي أحمد الزبيري، أخبرنا الوليد بن جميع، عن أمه، عن أم ورقة، أن رسول الله ﷺ أذن لها أن يؤذن لها ويقام وتؤم نساءها (١). قال ابن قدامة: «وهذه زيادة يجب قبولها، ولو لم يذكر ذلك لتعين حمل الخبر عليه؛ لأنه أذن لها أن تؤم في الفرائض، بدليل أنه جعل لها مؤذنا، والأذان إنما يشرع في الفرائض، ولا خلاف في أنها لا تؤمهم في الفرائض» (٢). الدليل الثاني: كل مصلٍّ مؤد فرض نفسه بدليل أن الإمام إذا بطلت صلاته لا تبطل صلاة المأمومين، وإذا بطلت صلاة المأمومين لا تبطل صلاة الإمام، فإذا كان لا يتعلق صلاة أحدهما بصلاة الآخر وجب أن تصح صلاة أحدهما خلف الآخر. دليل من قال: خاص بالتراويح أو خاص بالنفل: (ح-٣٠٩٣) روى أبو بكر المروذي بإسناده عن أبي خلاد الأنصاري، قال: سَأَلَتْ أم ورقة ﵂ رسولَ الله ﷺ ، قالت: إني أصلي، ويصلي بصلاتي أهلُ داري ومواليَّ، وفيهم رجال ونساء يصلون بقراءتي، وليس معهم قرآن؟ فقال

стр. 8756

رسول الله ﷺ : قدِّمي الرجالَ أمامك، وقومي مع النساء، ويصلون بصلاتك (١). [لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد قال في الفروع: رواه أبو بكر المروذي بإسناد يمنع الصحة]. وجه الاستدلال: حملنا حديث أم ورقة على النفل، جمعًا بينه وبين النهي؛ ولأن الفرض أوسع من النفل. قال ابن قدامة: «تخصيص ذلك بالتراويح واشتراط تأخرها تحكم يخالف الأصول بغير دليل، فلا يجوز المصير إليه، ولو قدر ثبوت ذلك لأم ورقة، لكان خاصا بها، بدليل أنه لا يشرع لغيرها من النساء أذان ولا إقامة، فتختص بالإمامة لاختصاصها بالأذان والإقامة» (٢). ويجاب: بأن دعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، والأصل في الأحكام عمومها لجميع المكلفين. الراجح: أن المرأة لا تؤم الرجال، وفي الفريضة محل اتفاق بين الأئمة الأربعة، وإذا لم تصح في الفريضة فالأصل أن النافلة كالفريضة إلا بدليل صحيح، ولم يثبت في صحة إمامة المرأة في النافلة حديث ولا أثر.

стр. 8757

المبحث الثاني في إمامة الخنثى المشكل المدخل إلى المسألة: قال القاضي إسماعيل من المالكية: لا وجود للخنثى المشكل فلابد من علامة تزيل إشكاله، ونسب ذلك للحسن البصري، لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾، فلو كان هناك ثالث لذكره والجمهور على وجوده. الخنثى إذا لم يكن مشكلًا له حكم ما اتضح به على الصحيح. الضمائر الراجعة إلى الخنثى مذكرة، وإن بانت أنوثته؛ لأن مدلوله شخص صفته كذا وكذا. لا تصح إمامة الخنثى المشكل إلا بامرأة على الصحيح، ويصلي الخنثى خلف الرجل، ولا يصلي خلف المرأة؛ لاحتمال كونه رجلًا. يقف الخنثى المشكل إذا كان مأمومًا وحده خلف الرجال، وأمام النساء. تفرد المالكية بمنع إمامة الخنثى المشكل بالنساء، قال أبو الطاهر المالكي: والمشكل لا تصح إمامته بالرجال ولا بالنساء على المشهور. [م-١٠١٧] اختلف في وجود الخنثى المشكل (١):

стр. 8758

ذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء إلى إمكان وجود الخنثى المشكل، ووقوعه، وعلى ذلك بنى أهل الفرائض، والفقهاء مسائل هذا الباب. وذهب الحسن البصري من التابعين، والقاضي إسماعيل من المالكية إلى أنه لا يوجد خنثى مشكل (١). قال الحسن: لم يكن الله يضيق على عبد من عبيده حتى لا يدري أذكر هو أم أنثى. وقال القاضي إسماعيل: لا بد له من علامة تزيل إشكاله. وحجتهم: أن الله أخبر بقوله: وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى. قال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]. وقال تعالى: ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]. فلو كان هناك جنس ثالث لذكره. والصحيح أن الخنثى المشكل لا يخرج عنهما، والآية سيقت في معرض

стр. 8759

الامتنان، فاقتصر فيها على الغالب، أو يقال: ترك ذكر الخنثى؛ لأنه نادر. فالراجح أن الخنثى قد يكون مشكلًا، وقد يكون غير مشكل. [م-١٠١٨] فإذا كان الراجح وجود الخنثى، فما حكم إمامته؟ فإن كان غير مشكل: بأن بانت ذكورته، أو أنوثته: فقيل: يكره اقتداء خنثى بانت أنوثته بامرأة، ويكره كذلك اقتداء رجل بخنثى بانت ذكورته، اختاره الماوردي، واعتمده المتأخرون من الشافعية (١). قال الأذرعي: «ومحل الكراهة إذا كان الظهور بأمارة غير قطعية، فلو بانت أنوثته بالحمل لم يكره» (٢). وإنما جازت الإمامة؛ لأن الإشكال ارتفع، وكره؛ لأنه اجتهاد غير مقطوع به، وربما نقضه بعض المجتهدين، وأعاده إلى حال الإشكال. وقال الجمهور: له حكم ما اتضح به (٣)، فإن كان رجلًا صحت إمامته مطلقًا للرجال والنساء. وإن حكم بأنه امرأة، والجماعة من الرجال لم تصح إمامته في قول الأئمة الأربعة، وهي مسألتنا السابقة، وقد بحثت ولله الحمد. وإن اقتدى به نساء، كان حكم إمامته حكم الجماعة للنساء، والفقهاء مختلفون فيها: فقيل: تكره تحريمًا، وتصح، وهذا مذهب الحنفية. وقيل: لا تصح مطلقًا، وهذا مذهب المالكية. وقيل: تستحب الجماعة للنساء مطلقًا في الفرض والنفل، وهذا مذهب

стр. 8760

الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة. وسبق بحثها فارجع إليها. وإن كان الخنثى مشكلًا فهذا لا يخرج عن الأحوال التالية: الحال الأولى: أن يصلي خنثى خلف خنثى، فلا تصح الصلاة في قول الأئمة الأربعة (١)؛ لجواز أن يكون الإمام امرأة، والمأموم رجلًا. الحال الثانية: أن يصلي رجل خلف خنثى مشكل، فلا تصح إمامته في قول الأئمة الأربعة (٢)؛ لجواز أن يكون الخنثى امرأة، فيكون قد صلى رجل خلف امرأة، ومع الاحتمال تكون إمامته مشكوكًا فيها، والفرض لا يسقط بالشك. الحال الثالثة: أن يصلى خنثى خلف امرأة، فلا يصح؛ لجواز أن يكون الخنثى رجلًا، فيكون قد صلى خلف امرأة (٣). الحال الرابعة: أن يصلي خنثى مشكل خلف رجل، فصلاته صحيحة، لكن إن صلى وحده وقف خلف الإمام، وإن صلى مع جماعة وقف خلف صفوف الرجال وحده، وأمام صفوف النساء (٤). قال الماوردي: «يجوز للخنثى أن يأتم بالرجل» (٥). لأنه إن قدر رجلًا أو امرأة فالصلاة خلف الرجل صحيحة. وقال الماوردي: «لو أمَّ رجل رجلًا، وخنثى، وامرأة، وقف الرجل عن يمين

стр. 8761

الإمام، والخنثى خلف الرجل، والمرأة خلف الخنثى» (١). الحال الخامسة: أن يصلي نساء خلف خنثى، فاختلف العلماء في حكم إمامته: فقيل: تصح مع الكراهة التحريمية بشرط أن يتقدمهن، فإن قام وسطهن فسدت صلاته؛ لوجود المحاذاة؛ لاحتمال أن يكون رجلًا (٢). وجه هذا القول: لأنه إن كان الخنثى رجلًا فإمامته للنساء صحيحة بإطلاق، وإن كان الخنثى امرأة كانت إمامته صحيحة لكن مع الكراهة التحريمية؛ لأن الجماعة للنساء عند الحنفية تصح مع الكراهة التحريمية، وقد ذكرت أدلة الحنفية على حكم الجماعة للنساء في مسألة مستقلة. واشترط الحنفية أن يتقدمهن؛ لأنه إن قام الخنثى وسطهن مع احتمال كونه رجلًا فسدت صلاته لمحاذاته للنساء (٣). جاء في البحر الرائق: «وكره جماعة النساء؛ لأنها لا تخلو عن ارتكاب محرم … وهو يدل على أنها كراهة تحريمية … فإن فعلن تقف الإمام وسطهن» (٤). فصحح الفعل مع الكراهة التحريمية، وكل صلاة أديت بالكراهة التحريمية عند

стр. 8762

الحنفية فإنه يجب إعادتها وإن كانت صحيحة تعويضًا لما فات في الصلاة الأولى (١). فخلصنا إلى تحرير مذهب الحنفية: بأن صلاة الخنثى المشكل بالرجال لا تصح، وصلاته بالنساء صحيحة مع الكراهة التحريمية، وتجب إعادتها عند الحنفية. وقيل: لا تصح إمامة الخنثى المشكل للنساء، وهذا مذهب المالكية (٢). جاء في الذخيرة: قال أبو الطاهر: «والمشكل لا تصح إمامته بالرجال ولا بالنساء على المشهور» (٣). وجه القول بعدم الصحة: حكم المالكية بفساد إمامة الخنثى المشكل للنساء؛ لاحتمال أن يكون امرأة، والجماعة للنساء غير مشروعة عندهم. قال مالك: «ولا يؤم المرأة رجالًا، ولا نساء، في مكتوبة ولا نافلة» (٤). وقد ذكرنا أدلتهم في مسألة سابقة فارجع إليها. وقيل: تصح إمامته بالنساء، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٥). جاء في التهذيب في فقه الإمام الشافعي: «إذا أم خنثى النساء، يتقدم عليهن؛

стр. 8763

لاحتمال أنه رجل» (١). وجه القول بصحة إمامته: لأنه إن كان رجلًا فصلاة النساء خلف الرجل جائزة، وإن كان الخنثى امرأة فصلاة النساء خلف المرأة صحيحة، بناء على استحباب الجماعة للنساء، وسبق بحث حكم الجماعة للنساء، والله أعلم. مسألة: إذا صلى الخنثى بخنثى، أو صلى رجل خلف خنثى، أو صلى خنثى خلف امرأة وجب على المأموم الإعادة، فلو تأخر في الإعادة حتى تبين ذكورة الخنثى الإمام، أو أنوثة الخنثى المأموم، فهل تسقط الإعادة؟ في المسألة قولان في مذهب الشافعية. الصحيح المشهور من المذهب أن الإعادة لا تسقط؛ لأمرين: الأول: مخالفة الأمر في عقد صلاةٍ خلف من لا تصح إمامته. الثانية: التردد في صحة الصلاة أثناء أدائها يمنع الصحة. القول الثاني: لا تلزمهم الإعادة؛ لأنه قد تبين أنه اقتدى بمن تصح إمامته (٢). والله أعلم.

стр. 8764

الشرط الرابع في اشتراط أن يكون الإمام بالغًا المدخل إلى المسألة: قال النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم) فيها عمومان (أل) في القوم، والنكرة المضافة في قوله: (أقراؤهم) وعمومهما يشمل البالغ وغيره. العام جارٍ على عمومه، لا يجوز الاستثناء فيه إلا بنص، أو إجماع. كل من صحت صلاته صحت إمامته إلا بدليل كإمامة المرأة للرجال، وإمامة الأمي للقارئ ونحوهما. حديث أنس: صففت أنا واليتيم وراء النبي ﷺ والعجوز من ورائنا، فإذا صحت مصافة اليتيم للبالغ، صحت إمامته له؛ لأن حكم مصافة الصبي حكم إمامته. كان عمرو بن سَلِمة يؤم قومه، وهو صبي، امتثالًا لأمر النبي ﷺ لهم بقوله: (وليؤمكم أكثركم قرآنًا)، وهو نص في محل النزاع، واحتجاج بالعام على عمومه. إمامة عمرو بن سلمة لقومه استمرت إلى وفاة النبي ﷺ ، فيبعد أن يكون النبي ﷺ لم يبلغه ذلك، مع حرصه على تفقد أحوال أمته، ولقد كان النبي ﷺ يتولى بنفسه تعيين الأئمة، ويوصيهم بالتخفيف. إذا لم يثبت إقرار النبي ﷺ فقد اطلع عليه الله، وأقره، كما احتج جابر بإباحة العزل بقوله ﵁: كنا نعزل والقرآن ينزل. إذا لم يثبت إقرار الله، ولا إقرار النبي ﷺ ، فهذا اجتهاد جماعي من هؤلاء الصحابة، وقد كانوا بممر الناس، فكانوا يصلون معهم، ولم يعترض عليهم أحد، لا زمن التشريع، ولا زمن خلافة أبي بكر، ولا زمن خلافة عمر ﵁ حتى

стр. 8765

بلغ الصبي في عهد عمر ﵁، واستمر إمامًا حتى توفي شيخًا كبيرًا، فكان إجماعًا سكوتيًا، فهو أبلغ من قول يؤثر عن واحد من الصحابة، قد لا يعلم به أحد. لو كانت إمامته ضرورة لكانت مؤقتة، ولما استمر إمامًا لهم، وبينه وبين البلوغ سنوات، والعرب يعتمدون على الحفظ أكثر من الكتابة، فهل يتصور بقاء العجز في قوم جرم سنوات، وقد بقي إمامًا لهم حتى توفي شيخًا كبيرًا. [م-١٠١٩] إذا أم الصبي صبيًّا مثله فصلاته صحيحة؛ سئل مالك في العتبية عن الغلمان في الكتاب، أيصلي بهم أحدهم؟ فقال: ما زال ذلك من فعل الصبيان وخففه. ولم يحك في البيان في ذلك خلافًا (١). واختلف العلماء في صحة اقتداء الرجل بالصبي في الصلوات المفروضة غير الجمعة، وفي النوافل كالتراويح ونحوها: فقيل: لا تصح إمامته مطلقًا، لا في فرض، ولا نفل، وهو الأصح في مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد رجحها أبو يعلى، وهو مذهب الظاهرية (٢).

стр. 8766

وقيل: تصح مطلقًا، وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١). قال ابن عقيل: «يخرج في صحة إمامة ابن عشر وجه بناء على القول بوجوب الصلاة عليه» (٢). وهذان قولان متقابلان. وقيل: تصح في النافلة، ولا تصح في الفريضة، اختاره بعض الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وقول في مذهب المالكية (٣). سبب الاختلاف: قال النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه)، فنهى النبي ﷺ عن الاختلاف على الإمام، فهل إذا صلى المفترض خلف الصبي الذي صلاته نفل، فهل يعد ذلك من الاختلاف على الإمام، أو لا.

стр. 8767

دليل من قال: لا تصح إمامته: الدليل الأول: (ح-٣٠٩٤) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين (١). [ضعيف] (٢). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (الإمام ضامن) أي يتحمل عن المأمومين، والصبي ليس من أهل الضمان؛ لأنه غير مكلف. وفسر القرافي الضمان بأن تكون صلاة الإمام موافقة لصلاة المأموم. ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث لا يصح من حيث الثبوت، قال أحمد: «ما أُرى لهذا الحديث أصل» (٣). الوجه الثاني: أنهم يختلفون في تفسير الضمان: فقيل: معنى قوله: (الإمام ضامن) يقتضي أن يكون قد تضمن صحة صلاة

стр. 8768

المأموم بصحة صلاته، وإن أخليناه من هذه الفائدة سقط معناه (١). ويعترض عليه: إذا صحت إمامة الصبي لمثله دل على أحد أمرين: إما صحة ضمان الصبي لغيره وإما بطلان تفسير الضمان بالتحمل. وقيل: لا يصح تفسير الضمان بالتحمل؛ لأنه لا يبرأ أحد بصلاة غيره، وإنما معناه: أن تكون صلاة الإمام تتضمن صلاة المأموم بحيث تكون موافقة لصلاة المأموم. قال القرافي: «فحصر الإمام في وصف الضمان فلا يوجد في غيره، وضمانه لا يتصور في الذمة؛ لأنه لا يبرأ أحد بصلاة غيره، بل معناه: أن صلاة الإمام تتضمن صلاة المأموم، ولن يتأتى ذلك حتى يشتمل على أوصاف صلاة المأموم، لكن من جملة أوصافها الوجوب، وهو متعذر في صلاة الصبي، وبهذا التقرير ظهر امتناع إيقاع الظهر خلف من يصلي العصر، والقاضي خلف المؤدي، والمفترض خلف المتنفل» (٢). ورد هذا: بأن هذا أيضًا لا يمكن أن يدخل في ضمان الإمام؛ لأن موافقة صلاة المأموم لصلاة الإمام في النية فلا يصلي العصر خلف من يصلي الظهر، ولا يصلي المفترض خلف المتنفل هذا ليس مسؤولًا عنه الإمام، فلا معنى لقوله ﷺ : (الإمام ضامن)؛ لأن ضامن اسم فاعل، فإسناد الضمان إلى الإمام يدل على قصر الضمان عليه وحده. وينتقض بصحة صلاة المتنفل خلف المفترض فإن ذلك صحيح بالإجماع مع اختلاف صفة صلاة المأموم عن إمامه، بل وبصحة صلاة المفترض خلف المتنفل على الصحيح، كما كان يفعل معاذ ﵁ حيث كان يصلي مع النبي ﷺ فرضه، ثم يعود إلى قومه فيصلي بهم. وقيل: الضامن في اللغة الراعي. قال الخطابي في غريب الحديث: «مَعنى الضَّمان في كَلام العَرَب الرِّعايةُ

стр. 8769

للشيء والمُحافَظةُ عَلَيْهِ ومنه قولهم في الدُّعاء للمُسافر: في حِفْظِ الله وضَمانِه. قَالَ الشاعر: رعَاكِ ضَمانُ الله يا أُمَّ مالكٍ … ولله أن يشقيك أغنى وأوسع فيكون المعنى: أن الإمام يحفظ الصلاة وعدد ركعاتها على القوم، وليس الضمان الذي يوجب الغرامة» (١). الدليل الثاني: (ح-٣٠٩٥) ما رواه ابن ماجه من طريق عبد الحميد بن سليمان، أخي فليح، قال: حدثنا أبو حازم، قال: كان سهل بن سعد الساعدي يقدِّم فتيان قومه، يصلون بهم، فقيل له: تفعل، ولك من القدم ما لك! قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء، يعني، فعليه، ولا عليهم (٢). [ضعيف] (٣). فجمع بين إثبات الضمان، وبين نفي تعدي إساءة الإمام إلى المأموم. الدليل الثالث: (ح-٣٠٩٦) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد .... الحديث، وقد رواه مسلم (٤). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (فلا تختلفوا عليه) فنهى النبي ﷺ عن الاختلاف على الإمام، وإذا صلى المفترض خلف الصبي الذي صلاته نفل، فقد اختلف على الإمام، فدل على عدم صحة صلاة البالغ خلف الصبي.

стр. 8770

وأجيب بجوابين: الجواب الأول: لا نسلم أن في الحديث دلالة على منع اقتداء المفترض بالمتنفل؛ لأن قول النبي ﷺ : (فلا تختلفوا عليه) قد جاء مفسرًا بقوله: (فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا)، فلا يتجاوز بالحديث تفسير النبي ﷺ ، وليس ذلك يعني الاختلاف عليه في غير أفعال الصلاة، كالاختلاف بين نية الإمام ونية المأموم، أو كون أحدهما متنفلًا والآخر مفترضًا، ولو كان هذا مقصودًا ما صحت صلاة المتنفل خلف المفترض، وصلاته صحيحة وحكي إجماعًا، وسوف يأتي توثيق الإجماع عند الكلام على صلاة المفترض خلف المتنفل إن شاء الله تعالى. الجواب الثاني: أن اقتداء المفترض بالمتنفل قد شهدت السنة بصحته، فقد ثبت في الصحيحين أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيؤم بهم (١). ولا يمكن القول أنه كان يصلي مع النبي ﷺ النفل ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم الفرض، لأن معاذًا ما كان ليدع فضل الفريضة خلف النبي ﷺ ويصليها مع غيره. (ح-٣٠٩٧) ولما رواه مسلم من طريق شعبة وشبابة، عن ورقاء، عن عمرو ابن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة (٢). فقوله ﷺ : (فلا صلاة) نكرة في سياق النفي، فتعم كل صلاة نافلة لقوله: (إلا المكتوبة)، فيشمل المكتوبة التي أقيمت، ويشمل ما لو كان المصلي يقضي مكتوبة كانت عليه، وشرع في قضائها، فلا يخرج منها بالإقامة، فكيف يصلي معاذ نفلًا وهو مأمور أن يدع النافلة ليصلي المكتوبة. الدليل الرابع: (ح-٣٠٩٨) روى أحمد، قال: حدثنا هشيم، أخبرنا يونس، عن الحسن،

стр. 8771

عن علي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه (١). [إسناده منقطع ورجح الترمذي والنسائي والدارقطني وقفه] (٢). (ح-٣٠٩٩) وروى البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: قال رسول الله إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ (٣). وجه الاستدلال من الحديثين: حديث علي ﵁ دليل على أن الصبي لا يؤمر بالصلاة من الشارع، وإن أمر به فهو مأمور من الولي على وجه التدريب، ويلزم منه أنه لا يؤمر من الشارع بالإمامة. وحديث مالك بن الحويرث دليل على أن الصبي لا يؤمر بالإمامة؛ لأنه ليس أكبرهم، ومن ائتم بمن لم يؤمر بالإمامة فصلاته باطلة؛ لأن الصحة يلزم منها موافقة الأمر، والصبي غير مأمور بالصلاة. وأجيب: قال النووي: «أما الجواب عن حديث (رفع القلم) فمن وجهين: أحدهما: المراد رفع الإثم، لا إبطال أفعاله. الثاني: أن معناه لا يكتب عليه شيء، وليس فيه منع الكتابة له، وحصول ثوابه» (٤). وأما الجواب عن حديث مالك بن الحويرث. فيقال: لا شك أن الصحة تعني موافقة الأمر، وهذا متحقق في إمامة الصبي، فقد توجه الأمر للمكلفين بأن يؤمهم أكثرهم قرآنا، فإذا قدموا الصبي لذلك فقد وافق فعلهم الأمرَ الشرعي، ولزم منه صحة إمامة الصبي. (ح-٣١٠٠) فقد روى مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري،

стр. 8772

قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … الحديث (١). ف (أقرؤهم) نكرة مضافة فتعم، فيشمل الصبي والبالغ، والعام جار على عمومه، ولا يخصصه إلا نص أو إجماع. الدليل الخامس: (ح-٣١٠١) روى الإمام أحمد من طريق سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. [منكر، تفرد به سوار، على خلاف فيه في لفظه، وله شواهد ضعيفة جدًّا، وأمثل حديث في الباب حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده، وهو ضعيف] (٢). وجه الاستدلال: إذا كان الصبي لا يتوجه له خطاب الشارع بالأمر بالصلاة، وإنما يؤمر وليه أن يأمره بالصلاة؛ لقصور أهليته، فالذي لا ولاية له على نفسه، كيف يكون له ولاية على غيره، والإمامة ولاية صغرى، على أعظم أركان الإسلام العملية، وهو الصلاة، فلا يتولاها إلا كامل الأهلية. ويناقش: بأن الصبي تصح منه الصلاة إجماعًا، ويؤمر بها، ويضرب على تركها إذا كان ابن عشر سنين، فإذا صحت صلاته صحت إمامته، وتصحيح إمامته ليس قائمًا على النظر العقلي، بل على الدليل الشرعي، وإذا صح النص بطل النظر. الدليل السادس: (ح-٣١٠٢) ما رواه البيهقي في الخلافيات من طريق ضرار بن صرد، ثنا يحيى بن يعلى، عن عبد الله بن زيد، عن حرملة بن موسى، عن عبد العزيز بن

стр. 8773

عبد الله القرشي، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقدموا سفهاءكم وصبيانكم في صلاتكم، ولا على جنائزكم؛ فإنهم وفدكم إلى الله (١). [ضعيف] (٢). الدليل السابع: من الآثار: (ث-٨٠٣) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن إبراهيم بن محمد، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم. [ضعيف جدًا] (٣).

стр. 8774

وذكر ابن عبد الهادي في التنقيح، قال: روى الأثرم في سننه، عن ابن مسعود أنه قال: لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود (١). [لم أقف عليه مسندًا، وقد ضعفه ابن رجب بالانقطاع] (٢). الدليل الثامن: من شروط الإمام أن يكون عدلًا، والعدالة من صفات التكليف فهي تتضمن البلوغ، والصبي مرفوع عنه القلم، فلا يوصف بعدالة، ولهذا لا تقبل روايته إذا تحمل وأدى وهو صبي؛ ولأنه لا يؤمن أن يصلي بغير طهارة؛ إذ لا حرج عليه في ذلك، ألا ترى أن شهادته إنما ردت من أجل أنه لا يؤمن أن يشهد بالزور؛ إذ لا حرج عليه في ذلك. ورد: قال الشوكاني: العدالة نقيض الفسق، وهو غير فاسق؛ لأن الفسق فرع تعلق الطلب ولا تعلق (٣). هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا نسلم أن العدالة شرط، وقد مر معنا بحث هذا الشرط، ورجحت صحة إمامة الفاسق، والله أعلم. دليل من قال: تصح إمامة الصبي: الدليل الأول: (ح-٣١٠٣) ما رواه البخاري من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سَلِمَةَ، قال: قال لي أبو قلابة: ألا تلقاه فتسأله؟ قال: فلقيته، فسألته (٤)، فقال:

стр. 8775

كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس، ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو: أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يقر في صدري … وفيه: فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حَقًّا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدموني بين أيديهم، وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّوا عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (١). وجه الاستدلال بالحديث من طريقين: الطريق الأول: الاحتجاج بالحديث باعتبار أن النبي ﷺ علم ذلك وأقره؛ لوقوعه زمن التشريع، فيبعد ألا يعلم النبي ﷺ عن حقيقة نائبه في الصلاة في هذه القبيلة، وقد كان النبي ﷺ يتولى بنفسه تعيين نوابه ومن يتولى الصلاة في الناس في أهم ركن عملي في الإسلام، وهو الصلاة، وهي من أعظم مسؤوليات النبي ﷺ ، ولو كانت الواقعة مرة أو مرتين لقيل يحتمل أن ذلك لم يبلغه، أما أن يستمر هذا الصبي يصلي في قبيلته إلى وفاة النبي ﷺ ، ثم لا يعلم النبي ﷺ شيئًا عن صلاة هذه القبيلة، ومن يتولى الصلاة بها فهذا بعيد جدًّا، وقد استمر هذا الصبي يصلي في قومه حتى توفاه الله شيخًا كبيرًا. فقد روى أحمد وابن أبي شيبة وغيرهما من طريق مسعر بن حبيب الجرمي، حدثنا عمرو بن سلمة، أن أباه ونفرًا من قومه … وذكر نحو هذا الحديث، وفيه: فما شهدت مجمعًا من جرم إلا كنت إمامهم إلى يومي هذا.

стр. 8776

[صحيح] (١). واعترض على هذا: بأنه يشترط في الاحتجاج بإقرار النبي ﷺ أن يكون قد علمه وأقره، والأصل عدم علمه بذلك حتى يثبت. ورد هذا من وجهين: الوجه الأول: تعارض الأصل والظاهر. فالأصل: عدم اطلاع النبي ﷺ . والظاهر: أن النبي ﷺ علمه واطلع عليه؛ لوقوعه زمن التشريع، وإذا تعارض الأصل والظاهر قدم الأقوى منهما، ومما يجعل الظاهر أقوى من الأصل في هذه المسألة، أن إمامة عمرو بن سلمة لقومه استمرت إلى وفاة النبي ﷺ ، فيبعد أن يكون النبي ﷺ لم يبلغه ذلك، مع حرصه على تفقد أحوال أمته، ولقد كان النبي ﷺ يتولى بنفسه تعيين الأئمة، ويوصيهم بالتخفيف، كما قال عثمان بن أبي العاص،

стр. 8777

قلت: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم (١). قال ابن حجر: «يكفي في علمه به قول الصحابي: إنه فعله في عهده. والمسألة مشهورة في الأصول، وفي علم الحديث، وهي: أن الصحابي إذا أضافه إلى زمن النبي ﷺ كان له حكم الرفع عند الأكثر؛ لأن الظاهر أن النبي ﷺ اطلع على ذلك وأقره، لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام .... وقال ابن حجر أيضًا: لم ينصف من قال: إنهم فعلوا ذلك باجتهادهم، ولم يطلع النبي ﷺ على ذلك؛ لأنها شهادة نفي» (٢). ومثل هذه المسألة قول الصحابي: (كنا نفعل) أو (كانوا يفعلون)، كقول أم عطية ﵂: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئًا). هل يكون له حكم الرفع؟ أو يكون موقوفًا؟ وهل يكون حكاية لإجماع؟ أو حكاية لأكثرهم؟ وقد اختلف فيها أهل الأصول، وبُحثت في مصطلح الحديث، والأقوال فيها كالآتي: قيل: إنه مرفوع مطلقًا -يعني له حكم الرفع- قال الحافظ: «وهو الذي اعتمده الشيخان في صحيحيهما، وأكثر منه البخاري» (٣). وقيل: موقوف مطلقًا. وقيل: التفصيل بين أن يضيفه إلى زمن النبي ﷺ فيكون مرفوعًا، أولا يضيفه فلا يكون له حكم الرفع، ونسبه الحافظ إلى الجمهور. وقيل في التفصيل: الفرق بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالبًا فيكون مرفوعًا، أو يخفى فيكون موقوفًا. وعلى تقدير كونه موقوفًا فهل هو من قبيل نقل الإجماع أو لا؟ فجزم بعضهم بأنه إن كان في اللفظ ما يشعر به مثل: كان الناس يفعلون كذا فمن قبيل الإجماع وإلا فلا. هذه عمدة الأقوال في المسألة. وأرجحها قول الجمهور بأنه: إن أضيف إلى

стр. 8778

عهد النبي ﷺ فهو على الصحيح له حكم الرفع (١). الوجه الثاني: إذا لم يثبت إقرار النبي ﷺ فقد اطلع عليه الله، وأقره، وهو حجة زمن التشريع. ويستدل له بما (ح-٣١٠٤) رواه البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال عمرو: أخبرني عطاء، سمع جابرًا رضي الله تعالى عنه، قال: كنا نعزل، والقرآن ينزل. ورواه مسلم. وزاد: قال سفيان: لو كان شيء ينهى عنه لنهى عنه القرآن (٢). كلام سفيان هو مفهوم المخالفة لما تكلم به الصحابي جابر ﵁، وهو ما أراد الإشارة إليه. فمنطوق كلام جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل. مفهومه: لو كان العزل ممنوعًا لنزل الوحي بالنهي عنه. واستغرب ابن حجر استدلال جابر، وتأوله بأن المقصود من القرآن ما هو أعم من التنزيل، فكأنه يقول: فعلناه زمن التشريع، ولو كان حرامًا لم نقر عليه، قال الحافظ في الفتح: «استدلال جابر بالتقرير من الله غريب … والذي يظهر لي أن الذي استنبط ذلك، سواء كان هو جابرًا أو سفيان أراد بنزول القرآن ما يقرأ، أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره، مما يوحى إلى النبي ﷺ ، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حرامًا لم نقر عليه .. » (٣). إلخ كلامه ﵀. وحمل كلام جابر على إقرار النبي ﷺ هو الغريب، فإن إقرار النبي ﷺ يتطلب علمه بذلك، ولا يشترط له نزول الوحي، بخلاف إقرار الله فإنه لا يخفى عليه خافية، وكيف تحفظ الشريعة إذا كان الناس يعملون أعمالًا زمن التشريع يظنون أنها موافقة للشرع، وهي مخالفة لحكم الله وشريعته، فيختلط

стр. 8779

المشروع بغيره، والله قد تعهد بحفظ شريعته، فليس التعهد بحفظ القرآن حفظًا لحروفه فحسب، بل ويشمل ذلك الحفظ حفظ أحكامه من أن تضل الأمة عنها. ولذلك لما بيت المنافقون فضحهم الله ، قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء: ١١٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣]. وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١١ - ٢]. وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]. وقال : ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]. فهذه الآيات تخبر النبي ﷺ بما قالوه أو بما سوف يقولونه. وقد ناقشت مسألة الاحتجاج بإقرار الله في كتابي موسوعة الطهارة، فارجع إليه (١). الطريق الثاني من الاستدلال: إذا لم يثبت إقرار الله، ولا إقرار النبي ﷺ ، فيبقى هذا الحديث اجتهادًا جماعيًّا من هؤلاء الصحابة، في فهم أمر النبي ﷺ ووصيته لهم، بقوله: (ليؤمكم أكثركم قرآنا)، ولا أعلم نصًّا مرفوعًا يعارض اجتهاد هؤلاء الصحابة، ولا أثرًا صحيحًا من قول صحابي آخر يعارض هذا الاجتهاد، وكل ما أثر عن ابن مسعود أو ابن عباس لا يثبت عنهم، فهذه الإمامة من الصبي لم تقع مرة واحدة لم يعلم بها أحد، ولا كانوا

стр. 8780

بمكان معزول، فقد كانوا بممر الناس، فكانوا يصلون معهم، ولم يعترض عليهم أحد، لا زمن التشريع، ولا زمن خلافة أبي بكر، ولا زمن خلافة عمر ﵁ حتى بلغ الصبي في عهد عمر ﵁، واستمر إمامًا حتى توفي شيخًا كبيرًا، فكان إجماعًا سكوتيًا، فهو أبلغ من قول يؤثر عن واحد من الصحابة، قد لا يعلم به أحد، ومع ذلك يحتج بقول الصحابي، فكيف لا يحتج باجتهاد هؤلاء. واعترض على هذا الاستدلال: الاعتراض الأول: أن إمامته بهم في مثل هذه الحال كانت ضرورة؛ لعدم وجود من يقرأ من قومه، وإذا اجتمع أميٌّ بالغ، أو صبي قارئ، قدم الصبي؛ للضرورة، ذكر ذلك الإمام الزهري، والإمام أحمد، وابن بطال في شرح البخاري (١). قال الزهري: إذا اضطروا إليه أمهم (٢). ونقل أبو طالب عن الإمام أحمد في إمامة الغلام: لا يصلي بهم حتى يحتلم، لا في المكتوبة، ولا في التطوع. قيل له: فحديث عمرو بن سلمة، أليس أَمَّ بهم، وهو غلام؟ فقال: لعله لم يكن يحسن يقرأ غيره (٣). ويجاب: مع أن الإمام أحمد لم يجزم بهذا الاحتمال؛ لأنه ساقه مساق الرجاء، فإن في الحديث ما يدل على بعد هذا الاحتمال، فالحديث نص على أن تقديم عمرو بن سلمة؛ لكونه أكثرهم قرآنا، فوالده حمل لقومه أمر النبي ﷺ : (ليؤمكم أكثركم قرآنًا. فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني)، ولم يقل: فنظروا فلم يكن أحد يقرأ القرآن غيري بدليل أن الذي حمل لهم صفة الصلاة، وعلمهم كيف يتوضؤون وكيف يصلون الصلاة في أوقاتها لابد أنه كان معه من القرآن ما تصح به الصلاة،

стр. 8781

ولكن كان الأمر النبوي بتقديم الأكثر قرآنًا. ولو كانت إمامته ضرورة لكانت مؤقتة، ولوجب على قومه أن يتعلموا ليدفعوا عنهم هذه الضرورة، ولما استمر إمامًا لهم، وبينه وبين البلوغ سنوات، وقد بقي إمامًا حتى توفي شيخًا كبيرًا، فتبين أن هذا الافتراض بعيد جدًّا. الاعتراض الثاني: احتمال أن يكون منسوخًا، ذكره أحمد. جاء في مسائل أبي داود، قال: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: لا يؤم الغلام حتى يحتلم. فقيل لأحمد: حديث عمرو بن سلمة؟ قال: لا أدري، أي شيء هذا؟ وسمعته مرة أخرى، وذكر هذا الحديث، فقال: لعله كان في بدء الإسلام (١). قال ابن رجب: «وهذا يشير إلى نسخ حكمه بالكلية» (٢). والإمام أحمد، مرة يراها إمامة ضرورة، ومرة يراه كان في أول الإسلام، وفي ثالثة يتحير به، فيقول: لا أدري أي شيء هذا. والنسخ لا يثبت بالاحتمال. الاعتراض الثالث: ادعى بعضهم أن الإمام أحمد ضعفه، ولم يثبت هذا عن الإمام أحمد، والذي نقله الكوسج في مسائله قال إسحاق بن منصور: قلت: يؤمُ القومَ من لم يحتلم؟ فسكت. قلت: حديث أيوب عن عمرو بن سلمة؟ قال: دعه ليس هو شيء بَيِّن. جَبُنَ أن يقول فيه شيئًا» (٣). فالإمام أحمد تكلم في الحديث من حيث دلالته، لا من حيث ثبوته، فمن حيث دلالته ليس بيِّنًا عند الإمام أحمد؛ لأن أحمد ذكر أن هذا الحديث يحتمل أن

стр. 8782

تقديمه للإمامة كان ضرورة، حيث لا يوجد قارئ، أو أن هذا كان في بدء الإسلام ثم نسخ، وفي ثالثة: يقول: لا أدري أي شيء هذا، ولم يطعن الإمام أحمد من جهة ثبوت الحديث، والحديث صحيح، ولا أعلم أن أحدًا طعن في صحته، وإن تنازع الناس في الاحتجاج به؛ لاعتقادهم أن الصبي ليس من أهل الإمامة. والفقه ليس معصومًا، والإمام الشافعي ﵀ من أسعد الناس بالأخذ بهذا الحديث الصحيح، ولا أجد ما يدفعه، وهو رواية عن الإمام أحمد، والله أعلم. قال ابن المنذر: «لا أعلم شيئًا يوجب بدفع حديث عمرو بن سلمة» (١). الدليل الثاني: (ح-٣١٠٥) ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … الحديث (٢). قال ابن المنذر: إمامة غير البالغ جائزة إذا عقل الصلاة، وقام بها؛ لدخوله في جملة قول النبي ﷺ : (يؤم القوم أقرؤهم) لم يذكر بالغًا ولا غير بالغٍ، والأخبار على العموم لا يجوز الاستثناء فيها إلا بحديث عن رسول الله ﷺ ، أو إجماع. ونوقش: بأن هذا العام خص منه المرأة في الفريضة بالإجماع إلا خلافًا شاذًا لا عبرة به، وإذا دخل العام التخصيص ضعف الاحتجاج بعمومه، فلا يدخل فيه الصبي عند أكثر العلماء؛ لأنه ليس من أهل التكليف. ونوقش: بأن المرأة لم تدخل في هذا العموم حتى تخرج منه بالإجماع، فلفظ: (القوم) اسم للرجال دون النساء، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]. ويدل عليه أيضًا قول زهير:

стр. 8783

وما أدري وسوف أخال أدري أقوم آل حصن أم نساء. فالقوم يطلق على جماعة الذكور. وقول أكثر العلماء لا يكفي لتخصيص النصوص الشرعية، فالنصوص لا يخصصها إلا نص مثلها أو إجماع، وعلى التسليم بأنه خص منه المرأة، فهذا لا يبطل عموم النص فيما عدا المرأة، فأين النص الذي يخرج الصبي من العموم؟. الدليل الثالث: (ث-٨٠٤) روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبدة عن هشام عن أبيه، قال: لما قدم الأشعث قدم غلامًا، فعابوا ذلك عليه، فقال: ما قدمته، ولكني قدمت القرآن. [صحيح إن ثبت سماع عروة من الأشعث] (١). ويناقش هذا: كونهم عابوا ذلك عليه، لا دليل فيه على أن الصلاة خلفه لا تصح، ولذلك لم يطلبوا منه تنحيته، ولا إعادة الصلاة لمن صلى خلفه، ولكن رأوا العيب في تقديم الصبي، وفي الناس من هو أحسن منه مقامًا وقراءة. وقال ابن رجب: ولعل الغلام هاهنا أريد به العبد، لا الصبي. الدليل الرابع: (ح-٣١٠٦) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته، فأكل منه، فقال: قوموا فلأصلي بكم. فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبث، فنضحته بماء، فقام رسول الله ﷺ واليتيم معي، والعجوز من ورائنا، فصلى بنا ركعتين (٢).

стр. 8784

وجه الاستدلال: إذا صحت مصافة اليتيم للبالغ، وأنه يزول بها الانفراد في الصف كمصافة البالغ، فلتعتبر إمامته كالبالغ؛ لأن حكم مصافة الصبي حكم إمامته، فمن منع من إمامة الصبي منع من مصافته، والحديث رد عليه. دليل من قال: تصح في النفل دون الفرض: الدليل الأول: أن النفل أوسع من الفرض، ولهذا جازت النافلة على الراحلة، ولغير القبلة، وصح النفل قاعدًا مع القدرة على القيام. الدليل الثاني: أن المانع من اقتداء المفترض بالمتنفل هو الاختلاف على الإمام، وقد نهى عنه الشارع بقوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) ولا يوجد هذا الاختلاف في اقتداء المتنفل بالصبي، فصلاة كل منهما نافلة. الراجح: أن إمامة الصبي المميز إذا كان قارئًا وعرف عنه المحافظة على الصلوات وإحسان الطهارة، واستجمع شروط الإمامة فإن إمامته صحيحة، وإذا صحت صلاته ومصافته للبالغ صحة إمامته، ولا يقدم الصبي مع وجود بالغ قد استجمع شروط الإمامة خروجًا من خلاف العلماء، إلا أن يكون ذلك في النفل وقصد به التعليم والتدريب، والله أعلم.

стр. 8785

الشرط الخامس في اشتراط العقل المبحث الأول في الصلاة خلف المجنون والسكران المدخل إلى المسألة: العقل شرط التكليف. حكم المجنون حكم الصبي الذي لا يميز لا قصد له ولا تمييز، فليس من أهل العبادة. إذا كان الرجل يجن ويفيق، فأم الناس حال إفاقته صحت إمامته؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. الناس في الإمامة أقسام: منهم من لا تصح إمامته بحال، وهو الكافر والمجنون والسكران الذي لا يدري ما يقول، ومنهم من تصح مع الجهل دون العلم، كالمحدث، ومن عليه نجاسة، ومنهم من تصح بقوم دون قوم، كالأمي لمثله، والمرأة لمثلها، والخنثى للنساء، ومنهم من تصح إمامته لصلاة دون صلاة، كالمسافر لا تصح إمامته في الجمعة، وتصح في غيرها. [م-١٠٢٠] يشترط في الإمام أن يكون عاقلًا، وكما نبهت من قبل أن الأحسن ألا يعد من شروط الإمامة إلا ما كان خاصًا بها، فلا يعد: الإسلام والعقل؛ لأنهما شرطان في مطلق الصلاة وليسا خاصين بالإمام. فإذا كان الرجل مجنونًا وكان جنونه مطبقًا، فصلى خلفه من لا يعلم بحاله: فقيل: لا تصح صلاة من خلفه؛ ويجب عليه أن يعيد الصلاة، وهو مذهب

стр. 8786

الأئمة الأربعة (١). وجه ذلك: لأنه إن صلى خلفه مع علمه بجنونه كان متلاعبًا، وإن لم يعلم جنونه فإن الجنون مما يمكن الوقوف عليه، فيكون منسوبًا إلى شيئ من التفريط. قال النووي: «لو بان الإمام مجنونًا وجبت الإعادة بلا خلاف على المأموم؛ لأنه لا يخفى» (٢). وقيل: لا يجب عليه الإعادة إذا لم يعلم بحاله إلا بعد الفراغ من الصلاة، وهو قول المزني، وقاسه على أصل الشافعي. قال المزني: «أن كل مصلٍ لنفسه لا تفسد عليه صلاته بفسادها على غيره، وهو قياس على أصل الشافعي» (٣). يقصد المزني: أن الأصل عند الشافعي أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، ففساد صلاة الإمام لا يعود بالبطلان على صلاة المأموم، فلو تعمد الإمام الحدث في الصلاة، أو تمادى في إمامته بعد أن تذكر أنه محدث، فصلاته باطلة، ويستحق الإثم، ولا تبطل صلاة المأموم إلا أن يكون عالمًا بحدث إمامه، وتمادى بالصلاة معه خلافًا للجمهور، ويلزم على هذا الأصل الذي قرره الإمام الشافعي أن تكون صلاة المأموم خلف الكافر أو خلف المرأة أو خلف المجنون صحيحة إذا لم يعلم بحاله. حتى قال المزني: القياس عندي على أصله: أن كل مصل خلف جنب، وامرأة، ومجنون، وكافر يجزئه صلاته إذا لم يعلم بحالهم (٤). وحجة المزني: القياس على من ائتم بمحدث، فلم يعلم حتى فرغ من الصلاة،

стр. 8787

فإن صلاة الإمام باطلة، وصلاة المأموم صحيحة في قول جمهور أهل العلم خلافًا للحنفية، والعلة الجامعة الجهل بحال الإمام، فكذلك الصلاة خلف المجنون. والجمهور بما فيهم الشافعية يرون أن الجنون لا يخفى غالبًا، فكان مقصرًا في ترك البحث عن حاله، فوجبت عليه الإعادة لتفريطه. وإذا كان الحكم معلقًا بظهور الجنون وخفائه فليعلق الحكم به، فبعض المجانين يكون رجلًا صالحًا قبل إصابته بالجنون، فإذا جُنَّ لم يضيع الصلاة، ويتحراها، وإذا صف خلف الإمام لم يظهر عليه ما تنقمه عليه إلا أنك إذا كلمته عرفت حقيقة حاله، فمثل هذا قد يخفى على من لا يعرفه، فإذا ائتم به، فينبغي أن تكون صلاته صحيحة إذا لم يعلم بحاله إلا بعد الصلاة، خاصة إذا كنا لا نربط صحة صلاة المأموم بصحة صلاة الإمام، والله أعلم. وإن كان الرجل جنونه متقطعًا، واقتدى به في حال إفاقته، فقيل: تصح إمامته، وهو مذهب الحنفية، والمعتمد عند المالكية، ونص عليه مالك في المختصر، ومذهب الشافعية والحنابلة،، وكره الحنابلة إمامته (١). جاء في البحر الرائق: «لا يجوز الاقتداء بالمجنون، لكن شرط في الخلاصة أن يكون مطبقًا، أما إذا كان يجن ويفيق، يصح الاقتداء به في حالة الإفاقة» (٢). وجاء في النوادر والزيادات: «قال مالك في المختصر: ولا بأس في إمامة المجنون في حين إفاقته» (٣). وقال ابن قدامة: «وإن كان يجن تارة، ويفيق أخرى، فصلى وراءه حال إفاقته،

стр. 8788

صحت صلاته، ويكره الائتمام به؛ لئلا يكون قد احتلم حال جنونه ولم يعلم، ولئلا يعرض الصلاة للإبطال في أثنائها، لوجود الجنون فيها، والصلاة صحيحة، لأن الأصل السلامة، فلا تفسد بالاحتمال» (١). وقيل: تبطل صلاته، ولو اقتدى به في حال إفاقته، نقله ابن عرفة وتوهم عبد الباقي الزرقاني والخرشي أنه هو المعتمد (٢). وجه القول بالبطلان: لاحتمال طرو الجنون له في أثناء الصلاة أو أنه مظنة ذلك. ويتعقب: هذا التعليل يصلح للقول بكراهة إمامته، وأما إفساد الصلاة فلا يكفي فيها احتمال وجود المانع قبل تحقق وجوده. وقال أبو يوسف: من يجن ويفيق، لا يجوز إمامته في حال إفاقته إذا كان أكثر حاله الغيبة (٣). وجهه: إعطاء الأكثر حكم الكل، والله أعلم. وإن اقتدى به وهو يدري أن له حالين جنونًا وإفاقة: فاقتدى به، وهو لا يدري في أي حال هو: فقيل: صلاته صحيحة، وتستحب له الإعادة، وهو مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، وصوبه في تصحيح الفروع (٤). وجه القول بالصحة: أن صلاته مضت على السلامة، والظاهر سلامة الصلاة من المفسد، والصلاة

стр. 8789

لا تبطل بالشك. وقيل: يعيد صلاته، وهو وجه في مذهب الحنابلة (١). وجه القول بالإعادة: أن ذمته اشتغلت بالوجوب، ولم يتحقق ما يبرأ به، فبقي على الأصل، أو بلفظ آخر: ما وجب عليه بيقين لابد أن يخرج منه بيقين، ومع الشك في صحة إمامته لا تبرأ به ذمته. وقيل: إن علم قبل الصلاة إفاقته، وشك في جنونه لم يعد، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢). وجه القول بعدم الإعادة: اليقين لا يزول بالشك، فالظاهر بقاؤه على ما كان عليه، والصلاة لا تبطل بالشك، ولذلك لو علم جنونه، وشك في إفاقته أعاد؛ للعلة نفسها. وإن أمهم، وهو يعقل، وعرض له أمر أذهب عقله في أثناء الصلاة: فالخلاف فيها كالخلاف فيمن بطلت صلاة إمامه أثناء الصلاة. فقيل: تبطل صلاته، وهو مذهب الحنفية والحنابلة. وجه القول بالبطلان: أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في الجملة، حتى إن الإمام لو صلى، وهو محدث، فتذكر في أثناء الصلاة، فسدت صلاته وصلاة كل من صلى خلفه، ولم يستثن الحنفية إلا حالة واحدة: إذا سبقه حدث أصغر بغير اختياره، وهو يصلي، فله أن يخرج ويتوضأ، ويبني. وقيل: يبني المأموم على ما صلى إذا خرج من إمامته مباشرة، وهو مذهب المالكية، والشافعية (٣).

стр. 8790

وجه القول بالبناء: يختلف تعليل الشافعية عن تعليل المالكية: فتعليل الشافعية: أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام مطلقًا، حتى إن الإمام لو تعمد الحدث في الصلاة، أو تمادى في صلاته بعد أن تذكر أنه محدث، فصلاته باطلة، ويستحق الإثم، ولا تبطل صلاة المأموم إلا أن يكون عالمًا بحدث إمامه، وتمادى بالصلاة معه. وتعليل المالكية: أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في الجملة، فإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم إلا أن يكون الإمام معذورًا، كما لو طرأ عليه الجنون أثناء الصلاة، وكما لو صلى الإمام، ناسيًا حدثه، فذكره أثناء الصلاة، فإن للمأموم أن يبني على ما صلى الإمام؛ لأن دخول الإمام بالصلاة معذور؛ فطروء الجنون أو نسيانه لحدثه هو معذور فيه، ولا يكلف ما لا يعلم، فلا تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام، والله أعلم. وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. والخلاف في السكران كالخلاف في الجنون بجامع زوال العقل في كل منهما، والله أعلم.
следующие страницы →