الأئمة الأربعة (١).
وجه ذلك:
لأنه إن صلى خلفه مع علمه بجنونه كان متلاعبًا، وإن لم يعلم جنونه فإن الجنون مما يمكن الوقوف عليه، فيكون منسوبًا إلى شيئ من التفريط.
قال النووي: «لو بان الإمام مجنونًا وجبت الإعادة بلا خلاف على المأموم؛ لأنه لا يخفى» (٢).
وقيل: لا يجب عليه الإعادة إذا لم يعلم بحاله إلا بعد الفراغ من الصلاة، وهو قول المزني، وقاسه على أصل الشافعي.
قال المزني: «أن كل مصلٍ لنفسه لا تفسد عليه صلاته بفسادها على غيره، وهو قياس على أصل الشافعي» (٣).
يقصد المزني: أن الأصل عند الشافعي أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، ففساد صلاة الإمام لا يعود بالبطلان على صلاة المأموم، فلو تعمد الإمام الحدث في الصلاة، أو تمادى في إمامته بعد أن تذكر أنه محدث، فصلاته باطلة، ويستحق الإثم، ولا تبطل صلاة المأموم إلا أن يكون عالمًا بحدث إمامه، وتمادى بالصلاة معه خلافًا للجمهور، ويلزم على هذا الأصل الذي قرره الإمام الشافعي أن تكون صلاة المأموم خلف الكافر أو خلف المرأة أو خلف المجنون صحيحة إذا لم يعلم بحاله.
حتى قال المزني: القياس عندي على أصله: أن كل مصل خلف جنب، وامرأة، ومجنون، وكافر يجزئه صلاته إذا لم يعلم بحالهم (٤).
وحجة المزني: القياس على من ائتم بمحدث، فلم يعلم حتى فرغ من الصلاة،
стр. 8787
فإن صلاة الإمام باطلة، وصلاة المأموم صحيحة في قول جمهور أهل العلم خلافًا للحنفية، والعلة الجامعة الجهل بحال الإمام، فكذلك الصلاة خلف المجنون.
والجمهور بما فيهم الشافعية يرون أن الجنون لا يخفى غالبًا، فكان مقصرًا في ترك البحث عن حاله، فوجبت عليه الإعادة لتفريطه.
وإذا كان الحكم معلقًا بظهور الجنون وخفائه فليعلق الحكم به، فبعض المجانين يكون رجلًا صالحًا قبل إصابته بالجنون، فإذا جُنَّ لم يضيع الصلاة، ويتحراها، وإذا صف خلف الإمام لم يظهر عليه ما تنقمه عليه إلا أنك إذا كلمته عرفت حقيقة حاله، فمثل هذا قد يخفى على من لا يعرفه، فإذا ائتم به، فينبغي أن تكون صلاته صحيحة إذا لم يعلم بحاله إلا بعد الصلاة، خاصة إذا كنا لا نربط صحة صلاة المأموم بصحة صلاة الإمام، والله أعلم.
وإن كان الرجل جنونه متقطعًا، واقتدى به في حال إفاقته،
فقيل: تصح إمامته، وهو مذهب الحنفية، والمعتمد عند المالكية، ونص عليه مالك في المختصر، ومذهب الشافعية والحنابلة،، وكره الحنابلة إمامته (١).
جاء في البحر الرائق: «لا يجوز الاقتداء بالمجنون، لكن شرط في الخلاصة أن يكون مطبقًا، أما إذا كان يجن ويفيق، يصح الاقتداء به في حالة الإفاقة» (٢).
وجاء في النوادر والزيادات: «قال مالك في المختصر: ولا بأس في إمامة المجنون في حين إفاقته» (٣).
وقال ابن قدامة: «وإن كان يجن تارة، ويفيق أخرى، فصلى وراءه حال إفاقته،
стр. 8788
صحت صلاته، ويكره الائتمام به؛ لئلا يكون قد احتلم حال جنونه ولم يعلم، ولئلا يعرض الصلاة للإبطال في أثنائها، لوجود الجنون فيها، والصلاة صحيحة، لأن الأصل السلامة، فلا تفسد بالاحتمال» (١).
وقيل: تبطل صلاته، ولو اقتدى به في حال إفاقته، نقله ابن عرفة وتوهم عبد الباقي الزرقاني والخرشي أنه هو المعتمد (٢).
وجه القول بالبطلان:
لاحتمال طرو الجنون له في أثناء الصلاة أو أنه مظنة ذلك.
ويتعقب:
هذا التعليل يصلح للقول بكراهة إمامته، وأما إفساد الصلاة فلا يكفي فيها احتمال وجود المانع قبل تحقق وجوده.
وقال أبو يوسف: من يجن ويفيق، لا يجوز إمامته في حال إفاقته إذا كان أكثر حاله الغيبة (٣).
وجهه: إعطاء الأكثر حكم الكل، والله أعلم.
وإن اقتدى به وهو يدري أن له حالين جنونًا وإفاقة: فاقتدى به، وهو لا يدري في أي حال هو:
فقيل: صلاته صحيحة، وتستحب له الإعادة، وهو مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة، وصوبه في تصحيح الفروع (٤).
وجه القول بالصحة:
أن صلاته مضت على السلامة، والظاهر سلامة الصلاة من المفسد، والصلاة
стр. 8789
لا تبطل بالشك.
وقيل: يعيد صلاته، وهو وجه في مذهب الحنابلة (١).
وجه القول بالإعادة: أن ذمته اشتغلت بالوجوب، ولم يتحقق ما يبرأ به، فبقي على الأصل، أو بلفظ آخر: ما وجب عليه بيقين لابد أن يخرج منه بيقين، ومع الشك في صحة إمامته لا تبرأ به ذمته.
وقيل: إن علم قبل الصلاة إفاقته، وشك في جنونه لم يعد، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٢).
وجه القول بعدم الإعادة:
اليقين لا يزول بالشك، فالظاهر بقاؤه على ما كان عليه، والصلاة لا تبطل بالشك، ولذلك لو علم جنونه، وشك في إفاقته أعاد؛ للعلة نفسها.
وإن أمهم، وهو يعقل، وعرض له أمر أذهب عقله في أثناء الصلاة:
فالخلاف فيها كالخلاف فيمن بطلت صلاة إمامه أثناء الصلاة.
فقيل: تبطل صلاته، وهو مذهب الحنفية والحنابلة.
وجه القول بالبطلان:
أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في الجملة، حتى إن الإمام لو صلى، وهو محدث، فتذكر في أثناء الصلاة، فسدت صلاته وصلاة كل من صلى خلفه، ولم يستثن الحنفية إلا حالة واحدة: إذا سبقه حدث أصغر بغير اختياره، وهو يصلي، فله أن يخرج ويتوضأ، ويبني.
وقيل: يبني المأموم على ما صلى إذا خرج من إمامته مباشرة، وهو مذهب المالكية، والشافعية (٣).
стр. 8790
وجه القول بالبناء:
يختلف تعليل الشافعية عن تعليل المالكية:
فتعليل الشافعية: أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام مطلقًا، حتى إن الإمام لو تعمد الحدث في الصلاة، أو تمادى في صلاته بعد أن تذكر أنه محدث، فصلاته باطلة، ويستحق الإثم، ولا تبطل صلاة المأموم إلا أن يكون عالمًا بحدث إمامه، وتمادى بالصلاة معه.
وتعليل المالكية: أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في الجملة، فإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم إلا أن يكون الإمام معذورًا، كما لو طرأ عليه الجنون أثناء الصلاة، وكما لو صلى الإمام، ناسيًا حدثه، فذكره أثناء الصلاة، فإن للمأموم أن يبني على ما صلى الإمام؛ لأن دخول الإمام بالصلاة معذور؛ فطروء الجنون أو نسيانه لحدثه هو معذور فيه، ولا يكلف ما لا يعلم، فلا تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام، والله أعلم.
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.
والخلاف في السكران كالخلاف في الجنون بجامع زوال العقل في كل منهما، والله أعلم.
стр. 8791
المبحث الثاني في إمامة السكران
المدخل إلى المسألة:
السكران من ظهر فيه أثر السكر، ولا يزول حكمه حتى يعود إلى الحال التي كان عليه قبل سكره.
القليل من تغير العقل بسبب السكر مانع من الصلاة كالكثير.
القول بأن السكران لا يكون سكرانًا حتى لا يعرف الليل من النهار، ولا السماء من الأرض فهذا بعيد أن يوجد في السكر.
نهى الله السكران عن قربان الصلاة حال سكره، وهذا دليل على أن السكران معه قدر من العقل يفهم معه الخطاب، ويوجه له الأمر والنهي.
من لم تصح صلاته لن تصح إمامته.
السكران الذي لا يدري ما يقول كالمجنون وزيادة؛ بجامع زوال العقل، ويزيد السكران كونه فاسقًا بفعله ما لم يكن معذورًا بسكره.
العقل مناط التكليف، فلو شرب الخمر ولم يتغير عقله صحت صلاته، فصحت إمامته.
[م-١٠٢١] الرجل إذا شرب المسكر، فحكم إمامته حكم تأثر عقله في المسكر، وله ثلاثة أحوال:
الحال الأولى:
أن يذهب عقله جملة بحيث لم يعد يميز بين الأشياء، فهذا لا يختلف العلماء في أنه في حكم المجنون، لا تصح منه الصلاة، ومن باب أولى ألا تصح صلاة من
стр. 8792
صلى خلفه، وإن اختلف الناس في وجوب القضاء عليه، وهذه مسألة سبق بحثها (١).
قال الشافعي: وإن أم سكران لا يعقل، فمثل المجنون (٢).
وقال الصاوي في حاشيته: «والخلاف في السكران الذي عنده نوع من العقل، وأما الطافح الذي لا يعرف الأرض من السماء، ولا الرجل من المرأة، فهذا لا خلاف في أنه كالمجنون في جميع أحواله وأقواله فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين الناس» (٣).
دليله من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فلم تكن له صلاة حتى يعلمها ويريدها.
ومن الإجماع: قال ابن تيمية: « … أن عبادته -يعني السكران- كالصلاة لا تصح بالنص والإجماع، فإن الله نهى عن قرب الصلاة مع السكر حتى يعلم ما يقوله، واتفق الناس على هذا … » (٤).
وقال أيضًا: «اتَّفق العلماء على أنَّه لا تصحُّ صلاةُ مَنْ زال عقله بأيِّ سبب» (٥).
ولأن مناط التكليف هو العقل، فإذا زال ارتفع التكليف.
ولو جاز تكليف السكران الذي لا يعقل بالصلاة حال سكره لجاز تكليف الصبي؛ لأن الصبي له عقل وتمييز أكمل من تمييز السكران الفاقد عقله بالجملة.
الحال الثانية: ألا يتأثر عقله بالمسكر مطلقًا، إما لقلة ما شرب، أو لتعوده على شربه؛ حتى صار لا يتأثر به، فهذا إن كان معذورًا في تناول المسكر فالجمهور على صحة الصلاة خلفه، وإن كان معتديًا في شربه أخذ حكم الصلاة خلفه حكم الصلاة خلف الفاسق، فمن اشتراط العدالة في الإمام أبطل الصلاة خلف متعاطي السكر؛ لفسقه، إلا أن يكون الحاكم الشرعي، ومن صحح الصلاة خلف الفاسق صحح
стр. 8793
الصلاة خلفه (١).
وقد بحثت حكم الصلاة خلف الفاسق، فارجع إليه.
قال الشافعي: «وإن أمَّ شارب يعقل أجزأته الصلاة، وأجزأت من صلى خلفه» (٢).
ولأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
وقال مالك في الموازية: يعيد في الوقت وغيره وإن لم يسكر؛ لأن الخمر في جوفه (٣).
وعلى القول أن عرق السكران نجس لا تؤثر فيه الاستحالة يكون جميع الجسد نجسًا (٤).
وجه كونه نجسًا:
أن ما يتولد في باطن الآدمي لا يحكم له بالنجاسة إلا بعد انفصاله.
وأما إذا تناول النجس بعد انفصاله، وبعد أن قضي له بالنجاسة، فإن باطنه ينجس بما أدخله عليه من النجاسات اختيارًا بلا ضرورة.
فمن شرب خمرًا، أو أكل ميتة، أو شرب بولًا أو غيره من الأعيان النجسة باختياره
стр. 8794
من غير ضرورة بطلت صلاته؛ لأنه ملابس في صلاته ما قضى الله عليه بالنجاسة.
وقولنا: ما في باطن الحيوان لا يقضى عليه بشيء، إنما يريد العلماء بذلك الذي لم يقض عليه قبل ذلك بالتنجيس، أما ما قضي عليه بالتنجيس قبل ذلك فلا فرق بينه في ظاهر الجسد وفي باطنه تبطل به الصلاة، فإن حدث عنه عرق يختلف في نجاسة ذلك العرق بناء على الخلاف في رماد الميتة ونحوه من النجاسات التي طرأت عليها التغيرات والاستحالات (١).
وقال الدسوقي في حاشيته: «ولو أكل أو شرب نجسًا وجب عليه أن يتقايأه إن أمكن، وإلا وجب عليه الإعادة أبدًا مدة ما يرى بقاء النجاسة في بطنه، فإن لم يمكن التقايؤ فلا شيء عليه؛ لعجزه عن إزالتها» (٢).
الراجح:
هذا القول لا أعرفه إلا للمالكية، وهو مبني على أمرين: نجاسة الخمرة، وهو قول الجمهور، وفيها خلاف، وتنجس الباطن بها، ولم أحفظ نصًا يأمر بتطهير الباطن بالتقيؤ، أو الانتظار عن الصلاة مدة بقاء الخمرة في جوفه، فالآية الكريمة جعلت غاية النهي عن قربان الصلاة قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. فإذا علم السكران ما يقول كان مخاطبًا بالصلاة، وما زاد على ذلك فهو خروج عن مقتضى الآية، ولو قالوا: يتمضمض ويصلى كما كان يشترط ذلك ابن المبارك بإعطاء داخل الفم حكم الخارج لكان الأمر قريبًا، فالراجح قول الجمهور، والله أعلم.
الحال الثالثة: من تغير عقله، ولم يذهب بالكلية، فهل يدخل في حد السكران، أو يلحق بالعاقل؟ في هذا خلاف بين العلماء.
فقيل: له حكم الصاحي، وهذا مذهب الحنفية (٣).
стр. 8795
قال ابن نجيم: «فسروه هنا -يعني السكران- بمذهب أبي حنيفة: وهو من لا يعرف الرجل من المرأة، ولا السماء من الأرض، فإن كان معه من العقل ما يقوم به التكليف فهو كالصاحي» (١).
وهذا لا يختلف عن القول السابق؛ لأن المانع عنده ليس أهليته، وإنما المانع نجاسة فمه.
وقيل: له حكم السكران، وهو مذهب الجمهور (٢).
قال أحمد: «إذا تغير عقله عن حال الصحة، فهو سكران، وحكي عن مالك نحوه» (٣).
وقال الشافعي في حد أقل السكر: «أن يغلب على عقله في بعض ما لم يكن يغلب عليه قبل الشرب» (٤).
قال ابن المنذر: «وبمعناه قال الثوري، وأبو ثور» (٥).
وقال الماوردي: «ليس حد السكر عندنا أنه لا يعقل، فيصير ملحقًا بالنائم، وقد حده الشافعي ﵁ فقال: السكران من عزب عنه بعض عقله، فكان مرة يعقل، ومرة لا يعقل» (٦).
وقال أبو حنيفة: «السكران من لا يعرف الليل من النهار، والسماء من الأرض وهذا بعيد أن يوجد في السكر» (٧).
стр. 8796
وقال ابن حزم: «ومن خلط فأتى بما يعقل، وما لا يعقل فهو سكران، لأنه لا يعلم ما يقول» (١).
وقيل: إذا كان الغالب عليه اختلاط العقل فهو سكران، وبه قال أبو يوسف، ورجحه الطحاوي (٢).
دليل الحنفية على أن السكران هو الذي لا يعرف السماء من الأرض:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
وجه الاستدلال:
ظاهر الآية يدل على أن السكر الذي يتعلق به الحكم هو الذي لا يعقل صاحبه ما يقول، وأن السكران الذي يدري ما يقول: لا يتناوله النهي عن فعل الصلاة، فالسكران متى ميَّز فذلك دلالة الصحو، وهذا ضد السكر، فمتى ثبت أحدهما أو شيء منه لا يثبت الآخر.
ويناقش:
قوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (ما) تحتمل أن تكون مصدرية، فيكون التقدير حتى تعلموا قولكم. وقول: نكرة مضافة إلى معرفة فتعم جميع القول.
أو تكون موصولة، فيكون المعنى: حتى تعلموا الذي تقولونه.
وأسماء الموصول من ألفاظ العموم، وعليه فالآية جعلت غاية النهي أن يعلم ما يقول، وظاهر الآية: أن يعلم جميع ما يقول، فمن لم يعلم بعض ما يقول فلا يزال تأثير السكر فيه، فلا ينتفي عنه السكر حتى يعلم جميع ما يقوله.
الدليل الثاني:
أن السكران الذي يميز معه من العقل ما يقوم به التكليف فكان كالصاحي، بخلاف السكران الذي لا يدري ما يقول فهذا لا يجوز تكليفه، فهو كالمجنون والنائم.
стр. 8797
ويناقش:
العلماء متفقون على أنه يشترط لصلاة السكران أن يعلم ما يقول، وهل هو شرط لوجوب الصلاة عليه، أم هو شرط لصحة الأداء؟ فيه خلاف.
فوجوب القضاء على السكران هو أثر من القول بأنه مكلف، وهي مسألة مختلف فيها، فتكليف السكران بالقضاء لا يعني وجوب الأداء عليه حال سكره ما دام لا يعلم جميع ما يقول، فالنائم يجب عليه قضاء الصلاة إجماعًا، ولا يجب عليه أداء الصلاة وقت النوم، فسقوط الأداء لا يلزم منه سقوط القضاء فالأئمة الأربعة يرون وجوب القضاء على السكران مطلقًا سواء علم ما يقوله أم لا، وهو دليل على تكليفه، وهي قضية ناقشتها في شروط الصلاة، فارجع إليها.
دليل من قال: إذا تغير عقله عما كان عليه قبل شرب الخمر فهو سكران:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
وجه الاستدلال:
فقد خاطب الشارع السكران حال السكر بالكف عن الصلاة حتى يعلم ما يقول، فدل على أن السكران معه قدر من العقل يفهم معه الخطاب، ويوجه له الأمر والنهي، ولو كان السكران لا يكون إلا من لا يعرف شيئًا لم يخاطب بالنهي عن قربان الصلاة في تلك الحال، ولَمَا اهتدى سكران لمنزله أبدًا؛ إذ معروف أن السكران يأتي منزله، ويقال: جاءنا، وهو سكران (١).
قال ابن قدامة: «السكران لا يزول عقله بالكلية ولهذا يتقي المحذورات ويفرح بما يسره، ويساء بما يضره، ويزول سكره عن قرب من الزمان، فأشبه الناعس، بخلاف النائم والمجنون» (٢).
وأجيب:
الآية تنهى شارب الخمر عن شرب الخمر في أوقات الصلوات؛ لأن شربه
стр. 8798
له سيكون سببًا في تركه للصلاة، فهو خطاب للمسلم قبل سكره، لهذا كان بعض الصحابة بعد نزول هذه الآية لا يشرب الخمر إلا بعد صلاة العشاء فلا يصبح إلا وقد ذهب عنه السكر.
ويناقش:
هذا تأويل مخالف لظاهر الآية، فالآية تقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، والواو حالية، أي لا تصلوا حال كونكم سكارى، والنهي عن قربان الصلاة أبلغ من النهي عن الصلاة، فكوننا نؤول الآية إلى معنى: لا تشربوا الخمرة في أوقات الصلاة لا يساعد عليه اللفظ، ولو كان هذا معنى الآية لم يكن هناك حاجة إلى قوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ لأن من نهي عن شرب الخمرة احتياطًا لأداء ما فرض الله عليه لن يحتاج إلى ضرب غاية لنهيه عن الصلاة حتى يعلم ما يقول، فهذا القيد لا يحتاجه إلا رجل شرب الخمرة حتى تغير عقله، فقيل له: لا تصلي حتى تعلم ما تقول، والله أعلم ..
وقد يشرب الرجل الخمرة قبل دخول الوقت، وقبل أن يخاطب بالصلاة، حين كان الخمر مباحًا، ويستمر معه أثره بعد دخول الوقت، فيقال له: لا تصلي حتى تعلم ما تقول.
وكون بعض الصحابة حرص على ترك الشرب إلى ما بعد صلاة العشاء فهذا حرص منه في عدم استعمال رخصة تأخير الصلاة حال السكر، وليس هذا تفسيرًا للآية الكريمة.
الدليل الثاني:
(ح-٣١٠٧) روى الإمام أحمد، حدثنا خلف بن الوليد، حدثا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة،
عن عمر بن الخطاب قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الأية التي في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ قال: فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا
стр. 8799
الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى مَا فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى أن لا يقربن الصلاة سكران … (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
قوله إذا أقام الصلاة نادى منادي رسول الله ﷺ : (لا يقربن الصلاة سكران) فنهاهم في حال السكر أن يقربوا الصلاة، ولا ينهى إلا من بقي من عقله بقية يعلم بها ما نهي عنه، فدل على أن السكران المستحق لاسم السكر ليس هو الذي لا يعقل الأرض من السماء، ولا المرأة من الرجل، كما كان أبو حنيفة يقوله في ذلك، ولكنه الذي صار يلحقه به التخليط في أقواله، وفي أفعاله، كما كان أبو يوسف يقوله فيه (١).
دليل من قال: إذا غلب عليه الاختلاط فهو سكران وإلا فهو مكلف:
استدل صاحب هذا القول بأدلة الجمهور، إلا أنه أعطى الغالب حكم الكل، فالتغير القليل لا يمنعه من الصلاة إذا قام بما يجب عليه من القراءة، قياسًا على النعاس القليل في الصلاة حيث لا يبطل صلاته، ولأن التغير القليل لا يمنعه من الشعور بالحدث لو أحدث، ويدرك موجبه، بخلاف الكثير، والله أعلم.
الراجح:
أن السكران من ظهر فيه أثر السكر بما يؤثر على القيام بما يجب للصلاة من قراءة، وركوع وسجود وقيام، ولا يزول حكم السكر حتى يزول تأثيره على الصلاة بالكلية، والله أعلم.
стр. 8802
الشرط السادس في اشتراط أن يكون قارئًا
المبحث الأول في إمامة الأمي
الفرع الأول في تعريف الأمي
يدخل في هذا الشرط مبحثان:
أحدهما: إمامة الأمي إذا عرفنا الأمي بأنه من لا يحفظ الفاتحة.
الثاني: إمامة اللحان، وهو من يحفظ الفاتحة ولكن يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى، وفي هذا المبحث نُعرِّف الأمي لغة واصطلاحًا ثم أنتقل بعد ذلك إلى التفصيل في إمامة الأمي واللحان إن شاء الله تعالى.
الأمي في اللغة: منسوب إلى أمه، فكأنه نسب إلى ما ولدته أمه عليه.
أو لأن الكتابة كانت سابقًا في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه؛ لجهله بالكتابة دون أبيه؛ لأن هذه صفات النساء غالبًا في ذلك الوقت (١).
وأضعف الأقوال من قال: الأمي نسبة إلى أم القرى؛ لأن هذه النسبة صفة للنبي ﷺ وصفة للعرب، وليست صفة لقريش فقط، وما هي الفائدة من هذه النسبة للنبي ﷺ (٢).
والأمي في كلام العرب وعند جمهور المفسرين: من لا يحسن الكتابة
стр. 8803
والقراءة، ومنه قيل للعرب أميون؛ لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة.
قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] أراد الأكثر الأعم، وإن كان فيهم القليل ممن يكتب ويقرأ.
وكان النبي ﷺ أميًّا، وكان مع ذلك حافظًا لكتاب الله فكانت آية معجزة، ومعنى أميته أنه لم يكن يحسن الكتابة ولا يقرؤها (١).
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
فنفى الله عن نبينا القراءة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ كما نفى عنه الكتابة بقوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾.
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب … (٢).
فكان قوله: (لا نكتب ولا نحسب) جملة تفسيرية لقوله: (إنا أمة أمية).
أراد أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب، فهم على جبلتهم الأولى (٣).
ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]:
فقوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي منهم من لا يحسن القراءة ولا الكتابة.
﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ لا يعلمون ما في الكتاب؛ لأن من لا يستطيع أن يقرأ فلن يعلم ما في الكتاب الذي أنزله الله ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ أي إلا ما يتمنونه على الله بالباطل مما ليس لهم. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي ما يتمنونه ظنًا منهم لا يقينًا (٤).
стр. 8804
فهذا معنى الأمي في لغة العرب.
وأما الأمي في اصطلاح الفقهاء فهم مختلفون فيه:
فقيل: من أحسن قراءة آية من التنزيل خرج عن كونه أمِّيًّا عند أبي حنيفة، أو ثلاث آيات قصيرة أو آية طويلة عند أبي يوسف ومحمد بن الحسن (١).
حتى جاز عند أبي حنفية اقتداء حافظ القرآن بمن لا يحسن إلا قراءة آية من القرآن، وعند صحابيه بمن يحسن ثلاثة آيات قصار، أو آية طويلة (٢).
وجه هذا القول:
أن الأمي عند الحنفية من لا يحفظ من القرآن ما تصح به صلاته، وفرض القراءة عند أبي حنيفة آية واحدة، ولو قصيرة، وعند صاحبيه: ثلاثة آيات قصار، أو آية طويلة.
وقد ذكرت أدلتهم عند الكلام على مسألة فرض القراءة.
وقال المالكية: المراد بالأمي من لا يقرأ (٣).
قال في منهاج التحصيل: «وأما الأمي الذي لا يكتب ولا يقرأ ولا ينفع فيه التعليم» (٤).
وقال الخرشي: «المراد بالأمي: من لا يقرأ» (٥).
وجاء في الفواكه الدواني: «وأما الأمي الذي لم يقرأ بمثله فتصح عند فقد القارئ» (٦).
فالمالكية لا فرق عندهم في معنى الأمي بين اللغة والاصطلاح.
стр. 8805
ولهذا فرق المالكية بين إمامة الأمي، وبين إمامة اللحان فمنعوا الأول، واختلفوا في إمامة الثاني، والمعتمد صحة إمامته، ولو كان لحنه يحيل المعنى، كما سيأتي بيانه عند ذكر الخلاف في حكم إمامة اللحان إن شاء الله تعالى.
وقيل: الأمي من يخل بحرف أو تشديدة من الفاتحة، ومنه أرت وألثغ، وهذا مذهب الشافعية (١).
والأرت: من يدغم في غير موضعه، والألثغ: من يبدل حرفًا بحرف.
وهذا يعني أنه لو حفظ جميع القرآن حتى الفاتحة إلا تشديدة منها فهو أمي عند الشافعية.
وفرق الشافعية بين زيادة الشدة وبين نقصها، فإذا شدد مخففًا فقد جاء بجميع حروف الفاتحة، إلا أنه أساء بالزيادة عليها، ولم تبطل صلاته، مع أنه لحن، وأما إن خفف حرفًا مشددًا من الفاتحة فإنه قد نقص منها، فلم يأت بالركن على وجهه، فإن كان عاجزًا عن الإتيان بالحرف مشددًا كان أمِّيًّا (٢).
وللحنابلة قولان في الأمي:
الأول: قال الزركشي: «الأمي في عرف الفقهاء: هو من لا يحسن فرض الفاتحة إن قيل بركنيتها، وإن قيل: الفرض آية، فالأمي: من لا يحسن آية» (٣).
ونفي الإحسان في فرض الفاتحة فيه إجمال، فإن قصد بقوله: (لا يحسن الفاتحة) أي لا يحفظها، فهو متفق مع المالكية.
والثاني: وهو المشهور: أن الأمي: هو من لا يحسن الفاتحة: أي: لا يحفظها، أو يدغم فيها ما لا يدغم، وهو الأرت، أو يبدل منها حرفًا لا يبدل كإبدال الراء غينًا،
стр. 8806
وهو الألثغ، -إلا ضاد المغضوب والضالين بظاء لتقارب مخرجهما- أو يلحن لحنًا يحيل المعنى كالذي يكسر الكاف (إياك) أو يضم تاء (أنعمت) ولا يقدر على إصلاحه، وهذا التعريف قريب من تعريف الشافعية (١).
زاد ابن قدامة في حده: من ترك حرفًا من حروف الفاتحة؛ لعجزه عنه.
قال في المغني: «ومن ترك حرفًا من حروف الفاتحة؛ لعجزه عنه، أو أبدله بغيره، كالألثغ الذي يجعل الراء غينًا، والأرت: الذي يدغم حرفًا في حرف، أو يلحن لحنًا يحيل المعنى … فهو كالأمي» (٢).
وكل من عرَّف الأمي من الحنابلة لم يذكر ترك الحرف في حد الأمي إلا ما ذكره ابن قدامة، فهل ما زاده ابن قدامة يعد زيادة تفصيل، أم أن ما زاده يضيف وصفًا في حد الأميِّ لم يكن داخلًا في تعريف جماعة الحنابلة، ولولا أن ابن قدامة ذكر في حد الأمي من يلحن في الفاتحة، لقلت ترك الحرف يدخل في اللحن، فلا يعد إضافة.
والذي يظهر أن زيادة ابن قدامة هي زيادة تفصيل؛ لأن ترك الشدة عند الحنابلة إذا تركها غير مأموم: فإن كان قريبًا منها، أعاد الكلمة التي ترك، وصحت صلاته، كمن نطق بالكلمة على غير الصواب، ثم أتى بها على وجهها، فإن فات محلها، وبعد عنه بحيث يخل بالموالاة، أو فارق القيام لزمه الرجوع إليه واستئناف الفاتحة، لتركه حرفًا منها؛ لأن الحرف المشدد أقيم مقام حرفين، ما لم يشرع في قراءة الركعة الثانية، فإن شرع في قراءة الركعة الثانية بطلت الركعة السابقة، وقامت الركعة التي تليها مقامها، فإن لينها، ولم يحققها على الكمال فلا إعادة قولًا واحدًا في المذهب، والله أعلم.
فإذا كان ترك الشدة يجب تصحيحه من الإمام والمنفرد وإلا بطلت الركعة
стр. 8807
فهذا يدل على أن ترك الشدة عجزًا داخل في حد الأميِّ، والله أعلم.
كما انفرد الحنابلة بإدخال اللحن في تعريف الأمي باعتبار أن اللحن المحيل للمعنى من العيوب التي تقدح في القراءة؛ لأن اللحان يغير التنزيل حتى يكون ما قرأه ليس بقرآن، فلا فرق بينه وبين من أسقط حرفًا أو أبدل حرفًا بآخر مما لا يصح إبداله.
ومن خلال هذه التعريفات نخرج بما يلي:
الأول: المالكية ليس لهم مصطلح خاص في تعريف الأمي، فاستخدموا الأمِّيَّ بمعناه اللغوي، فأرادوا به من لا يعرف قراءة الفاتحة في الصلاة، فأراحوا واستراحوا، وهو ظاهر تعريف الزركشي من الحنابلة.
فحكم إمامة الأمي عندهم لا يدخل فيها حكم إمامة اللحان، ولا من ترك شدة أو حرفًا، ولا يدخل فيه إمامة الألثغ والأرت، فهذه مسائل تبحث على وجه الاستقلال عن حكم إمامة الأمي.
الثاني: لا يدخل اللحن وترك الشدة عند الحنفية في حد الأمي، وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين أن يقع اللحن وترك الشدة في القَدْرِ الذي يقوم به الفرض، أو يقع في القدر المستحب من القراءة.
قال ابن الهمام في فتح القدير: «ترك المد والتشديد كالخطأ في الإعراب» (١).
стр. 8808
الثالث: نص الحنابلة على أن اللحن المحيل للمعنى يدخل في حد الأمي، ولم يذكر الجمهور اللحن في حد الأمي، ولا يعني ذلك أن اللحان لحنًا يحيل المعنى أن إمامته صحيحة، ولكن الكلام في إدخال ذلك في حد الأمِّيِّ.
وسوف نتكلم إن شاء الله تعالى على حكم إمامة اللحان في مبحث مستقل عن حكم إمامة الأمي مراعاة لمصطلح من لا يدخله في حد الأمي.
الرابع: الاختلاف بين الحنفية وبين الشافعية والحنابلة في اصطلاح الأمي عائد إلى اختلافهم في تقدير ما تصح به الصلاة من القراءة، فهم متفقون على أن العاجز عن القيام بفرض القراءة في الصلاة فهو أمي. والخلاف بينهما في تقدير فرض القراءة، فالفرض عند الشافعية والحنابلة: هو في الفاتحة خلافًا لأبي حنيفة فالفرض عنده آية، ولو قصيرة، وهو قول عند الحنابلة.
وقال صاحباه: ثلاث آيات قصيرة أو آية طويلة.
وقد ذكرنا أدلتهم في المجلد الثامن في صفة الصلاة عند الكلام على أحكام القراءة.
والذي يهمنا في هذا المبحث أن نعرف عندما نتكلم على حكم إمامة الأمي
стр. 8809
ما ذا يعني هذا المصطلح عند الفقهاء، وقد تبين لنا أن دلالته الاصطلاحية ليست محل وفاق بين المذاهب، فالمالكية تمسكوا في دلالته اللغوية خلافا للجمهور الذين وضعوا له تعريفًا اصطلاحيًا على اختلاف بينهم في هذا المصطلح، وإن كان تعريف الحنابلة قريب من تعريف الشافعية. والله أعلم.
стр. 8810
الفرع الثاني في إمامة الأمي لمثله
المدخل إلى المسألة:
عموم حديث: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ) فكلمة (صلاة) نكرة مضافة إلى الجماعة فتعم كل جماعة سواء أكانت الجماعة أميين خلف أمي، أم كانت خلف إمام قارئ.
من خص فضل الجماعة بالصلاة خلف القارئ فقد خصَّ النص بلا مخصص، والنصوص لا يخصصها إلا نص صريح أو إجماع صحيح.
الأمي تصح صلاته لنفسه فإذا أَمَّ من هو مثله صحت إمامته؛ وهو خير من صلاتهما منفردين.
قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فالقدرة شرط التكليف بالإجماع، والواجبات كلها تسقط بالعجز، فإذا عجز عن تعلم الفاتحة، أو عن تقويم اللحن فيها سقط عنه ذلك.
قال ﷺ : (صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) وإذا كان هذا في الأركان الفعلية فالأركان القولية مقيس عليها، بل هي أولى؛ لأن الصلاة لا تسقط بالعجز عن الأركان القولية، وقد تسقط بالعجز عن الأفعال.
شرع النبي ﷺ للعاجز عن القراءة الانتقال إلى الأذكار، ولم يرشد النبي ﷺ العاجز عن القراءة إلى الائتمام بإمام قارئ ليتحمل عنه القراءة، ولو كان ذلك واجبًا عليه لأرشده النبي ﷺ إليه، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
جعل الائتمام بدلًا عن القراءة، فإذا لم يصل خلف إمام قارئ لم تصح صلاته، يجعل من الجماعة شرطًا لصحة الصلاة، والبدل لا يشرع إلا بتوقيف.
стр. 8811
[م-١٠٢٢] قال النووي: الخلاف المذكور في اقتداء القارئ بالأمي هو فيمن لم يطاوعه لسانه، أو طاوعه، ولم يمض زمن يمكن التعلم فيه. فأما إذا مضى زمن وقصر بترك التعلم، فلا يصح الاقتداء به بلا خلاف (١).
وقد اختلف الفقهاء في إمامة الأمي بمثله:
فقيل: تصح إمامة الأمي لمثله مطلقًا سواء أمكنه الاقتداء بقارئ أم لا، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، ومذهب الشافعية، والحنابلة وبه قال أشهب من المالكية (٢).
стр. 8812
جاء في المحيط البرهاني: «يجب أن يعلم أن الأميَّ إذا أمَّ قومًا أميين أن صلاتهم جميعا جائزة بلا خلاف؛ لأن الحالة مستوية فهو كالعاري إذا أمَّ قومًا عراة، وكصاحب الجرح السائل إذا أمَّ قومًا جرحى» (١).
وقال الشافعي: «وإن أمَّ -يعني الأمي- من لا يحسن أن يقرأ أجزأت من لا يحسن يقرأ صلاته معه» (٢).
وقال الروياني من الشافعية: «يجوز للأمي أن يصلي خلف الأمي مع المقدرة على الاقتداء بالقارئ، ولكل واحد منهما أن يصلي منفردًا» (٣).
وقال في المقنع: ولا تصح إِمامة الأمي وهو من لا يحسن الفاتحة … إِلا بمثله (٤).
وقيل: لا تصح إمامة الأمي مطلقًا، قاله بعض الحنابلة (٥).
وهذان قولان متقابلان.
وقيل: إن أمكنه الصلاة خلف قارئ لزمه ذلك، وهذا مذهب المالكية، ووجه عند الحنابلة (٦).
стр. 8813
قال ابن مفلح: «وتلزمه الصلاة خلف قارئ في وجه وفاقًا لمالك» (١).
وجاء في الذخيرة للقرافي: «فإن صلى وحده، وهو يجد من يأتم به، قال ابن المواز: لم تجزه، وأعادها هو ومن ائتم به، كذلك قاله ابن القاسم» (٢).
وقيل: يلزمه الائتمام بقارئ بشرط وجوده في المسجد ورغبتهما في الجماعة، قال القاضي أبو حازم: وهو قياس قول أبي حنيفة (٣).
стр. 8814
دليل من قال: تصح إمامة الأمي لمثله:
الدليل الأول:
(ح-٣١٠٨) روى البخاري ومسلم من طريق شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة،
أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده، بخمس وعشرين جزءًا … الحديث (١).
ورواه البخاري حدثنا مسدد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة .... الحديث (٢).
وهو في مسلم بلفظ: … بضعًا وعشرين درجة … الحديث (٣).
وجه الاستدلال:
عموم حديث: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ) فكلمة (صلاة) نكرة مضافة إلى الجماعة فتعم كل جماعة، سواء أكانت الجماعة أُمِّييِّن خلف أمي، أم كانت الجماعة خلف قارئ، فمن خص فضل الجماعة بالصلاة خلف القارئ فقد خصص النص بلا مخصص، والنصوص لا يخصصها إلا نص صريح أو إجماع صحيح.
ولأن الأمي تصح صلاته لنفسه فإذا أم من هو مثله صحت إمامته، وهو خير من صلاتهما منفردين.
الدليل الثاني:
قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
فكل مكلف لا يكون قادرًا بنفسه على القيام بالواجب فإنه يسقط عنه، ولا عبرة بالقدرة عن طريق غيره، فالمرء لا يكلف بقدرة غيره.
стр. 8815
والقدرة شرط التكليف بالإجماع، والواجبات تسقط بالعجز.
(ح-٣١٠٩) لما رواه البخاري من طريق إبراهيم بن طهمان، قال: حدثني الحسين المكتب، عن ابن بريدة،
عن عمران بن حصين ﵁، قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة، فقال: صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب (١).
وإذا كانت الأركان الفعلية تسقط بالعجز، فالأركان القولية مقيسة عليها، بل هي أولى؛ لأن الصلاة لا تسقط بالعجز عن الأركان القولية، وقد تسقط بالعجز عن الأفعال، ولأن غالب أفعال الصلاة من قيامٍ وركوعٍ، واعتدالٍ منه، وسجودٍ، وجلوسِ أركان، وأما الأقوال فأكثرها محسوب من السنن، وإنما يتفقون على ركنية التحريمة، والقراءة، والجمهور على تعيِّن الفاتحة خلافًا للحنفية، وما سقط بالعجز لا يكلف العاجز أن يبحث عن إمام قارئ يصلي خلفه.
الدليل الثالث:
الإجماع، قال الدسوقي: «الخلاف إنما هو فيما إذا وجد قارئ، وأما إذا لم يوجد فالصحة اتفاقًا … » (٢).
وقال النووي: «إن اقتدى به من هو في مثل حاله صح اقتداؤه بالاتفاق؛ لأنه مثله، فصلاته صحيحة» (٣).
ولأن الخلاف إنما هو فيما إذا كان المأموم أقوى من الإمام، فأما إذا كان المأموم مثل الإمام كالأمي خلف الأمي، أو كان أضعف من الإمام كالأخرس خلف الأمي فالصلاة صحيحة.
الدليل الرابع:
لم يقم دليل على وجوب طلب الأمي إمامًا، وصلاة الجماعة ليست بفرض (٤).
стр. 8816
وعلى القول بوجوبها فليس من أجل تحمل القراءة، فإذا ترك الجماعة صحت صلاته، وأثم لتركه الواجب، ولكن لا تكون الجماعة شرطًا في حقه بحيث تفسد صلاته بترك الائتمام، بحجة أن الائتمام للعاجز شرط لتحصيل الركن: لأن ذلك الركن قد سقط بالعجز فلم يعد ركنًا في حقه.
الدليل الخامس:
(ح-٣١١٠) روى أحمد، قال: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن يزيد أبي خالد الدالاني، عن إبراهيم السكسكي،
عن ابن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع آخذ شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني، قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يا رسول الله، هذا لله ، فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني وارزقني، ثم أدبر وهو ممسك كفيه. فقال النبي ﷺ : أما هذا، فقد ملأ يديه من الخير (١).
[أرجو أن يكون حسنًا] (٢).
(ح-٣١١١) وروى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، قال: حدثني يحيى بن علي بن خلاد، عن أبيه، عن جده،
عن رفاعة البدري، قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا في المسجد، قال رفاعة: ونحن عنده، إذ جاءه رجل كالبدوي، فدخل المسجد فصلى فأخف صلاته … وذكر قصة المسيء صلاته، وفيه: .... فقال: يا رسول الله، أرني وعلمني فإني بشر أصيب وأخطئ فقال رسول الله: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم كَبِّر، فإن كان معك قرآن فاقرأه وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وهلله وكبره (٣).
[تفرد بقوله: (وإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله … إلخ) يحيى بن علي ابن
стр. 8817
خلاد، عن أبيه، وقد رواه جماعة عن علي بن خلاد ولم يذكروا هذا الحرف] (١).
وجه الاستدلال:
أوجب الشارع قراءة الفاتحة، فإن عجز المصلي عن القراءة شُرِع له بدل وهو الأذكار، فإن عجز عن الأذكار سقط عنه الواجب، ولم يرشد النبي ﷺ العاجز عن القراءة إلى الائتمام بإمام قارئ؛ ليتحمل عنه القراءة ولو كان ذلك واجبًا عليه لأرشده النبي ﷺ إليه، فهو أولى من الانتقال إلى الأذكار، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، والبدل لا يشرع إلا بتوقيف.
ونوقش هذا:
مشروعية الذكر بدلًا عن القرآن يفتقر إلى نص، والذي روي من ذلك في حديث الأعرابي المسيء صلاته زيادة لم تصح (٢).
وقال المازري: «وهذه الزيادة لم تأت من طريق ثابتة» (٣).
ورد هذا:
إذا لم يصح ذلك من حديث المسيء، فقد صح من حديث ابن أبي أوفى، وهذا كاف في الاحتجاج، وإذا لم يصح مطلقًا فلا دليل على ثبوت الانتقال إلى الائتمام لتحصيل القراءة، وجعل ذلك شرطًا لصحة الصلاة.
الدليل السادس:
لا يجب على الأمي الائتمام بالقارئ؛ من أجل تحصيل فرض القراءة، قال أشهب: كالمريض الجالس لا يجب عليه الائتمام بالقائم (٤).
وأجيب:
بأن قياس إمامة الأمي على إمامة الجالس قياس مع الفارق، فالأمي يستفيد من قراءة الإمام بالاستماع لقراءته، والمستمع كالقارئ، بخلاف قيام الإمام فهو لا يستفيد منه المأموم، وعلى القول بأن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم، فالقيام
стр. 8818
لا يتحمله الإمام عنه، لذا لا يصح القياس.
ونوقش:
قد يقال: القيام يمكن القول بأن الإمام يتحمله عنه، وهو ما إذا أدركه راكعًا، فإن القيام يسقط عنه بعد أن كان واجبًا عليه؛ بدليل: أنه لو أدركه قائمًا، لزمه القيام، ومع هذا، فقد تحمله في تلك الحال.
ورد هذا:
التحمل لو قيل به فإنما يكون فيما وجب، وما لم يدركه المأموم كيف يقال: إن الإمام تحمله عنه، بل قد يعكس، فيقال: سقط القيام عن المأموم لسقوط القراءة عنه، والقيام شرع للقراءة، ولمتابعة الإمام، وقد فات الثاني على المأموم، والقراءة ليست واجبة عليه فسقط القيام عنه وليس لتحمل الإمام عنه، وقد دلت النصوص أن الركعة تدرك بإدراك الركوع، وهذا كاف في سقوط القيام عن المأموم.
دليل من قال: لا تصح إمامة الأمي مطلقًا ولو لمثله:
(ح-٣١١٢) ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري،
قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (١).
وجه الاستدلال:
لا تصح إمامة الأمي مطلقًا؛ لأنه إن أم قارئًا، فقد قال النبي ﷺ (يؤم القوم أقرؤهم) فهذا خبر بمعنى الأمر: أي ليؤم القوم أقرؤهم والأمر بالشيء نهي عن ضده، وإن أم أميًّا لم تصح كذلك لعدم أهليته لتحمل القراءة.
ويجاب:
بأنه إذا أم أميًّا، فقد سقطت القراءة عن الإمام والمأموم، فليس هناك حاجة إلى التحمل، فإن كانت الفرض يسقط إلى غير بدل، كان المشروع لهما السكوت حال
стр. 8819
القيام، وإن كان الفرض يسقط إلى بدل، وهو الذكر، كان هذا هو فرض كل واحد منهما، ولا يعقل أن الأمي إذا لم يجد إلا أميًا قيل ليس من حقهم الصلاة جماعة، وليصلوا منفردين، هذا من أضعف الأقوال، والله أعلم.
دليل من قال: يلزمه الصلاة خلف قارئ:
قالوا: قراءة الفاتحة واجبة عليه، فعليه تحصيل الفرض إما بنفسه بأن يتعلم الفاتحة، أو بتحصيل هذا الفرض عن طريق الائتمام بمن يحسنها؛ لأن قراءة الإمام له قراءة، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا ترك الأمي الصلاة خلف القارئ مع إمكان الائتمام به كان ذلك تركًا للقراءة اختيارًا مع القدرة.
وأجيب بجوابين:
الجواب الأول:
قولكم: (قراءة الفاتحة واجبة عليه، فعليه تحصيل الفرض إما بنفسه أو بالائتمام) فيقال: قراءة الفاتحة واجبة مع القدرة كسائر الواجبات، فإذا عجز عن تحصيل الفرض بنفسه سقط الواجب عنه عند من يرى أن الأحاديث في الانتقال إلى الأذكار ضعيفة، ولم يوجد نص من الشارع يأمر العاجز عن قراءة الفاتحة بتحصيل ذلك عن طريق الائتمام، وأنتم جعلتم الجماعة في حق العاجز شرطًا في صحة صلاته، وهذا لا دليل عليه.
الجواب الثاني:
سقوط القراءة عن المأموم إذا كان خلف الإمام ليس لأن الإمام يتحمل عنه القراءة، فذلك الوصف لم يثبت من حديث صحيح، وإنما أُمِرَ المأموم بالاستماع إلى إمامه والإنصات له، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فدل ذلك على سقوط القراءة عن المأموم، ولو كانت القراءة ركنًا في حق المأموم لم يتحملها أحد عنه؛ لأن الأركان لا يتحملها أحد عن أحد قياسًا على سائر الأركان، وإنما لضعف حكم القراءة في حق المأموم دخلها التحمل على القول به، ولذلك لو جاء المأموم والإمام راكع سقطت عنه القراءة، ولا يمكن تفسير ذلك بأنه قد تحملها الإمام عنه؛ لأنه لم يدخل في حكم الصلاة
стр. 8820
في محل القراءة، ومثله إذا صلى الإمام ناسيًا حدثه في صلاة جهرية، ولم يتذكر الإمام إلا بعد السلام، فإن صلاة المأموم صحيحة عند الجمهور، ولم تنعقد صلاة الإمام حتى يتحمل الفاتحة عن المأموم، فالقول بأن الإمام يتحمل عن المأموم هذا وصف فقهي أطلقه جمهور الفقهاء، وليس حكمًا شرعيًا، ولذلك الشافعية لا يرون الإمام يتحمل عن المأموم القراءة.
دليل من قال: يلزمه الائتمام بقارئ بشرط وجوده في المسجد ورغبتهما في الجماعة:
لأن القارئ إذا كان خارج المسجد: فلا يلزمه الاقتداء به؛ لأن تتبع القراء خارج مسجده يلحقه بذلك مشقة وحرج، وهو مدفوع عن هذه الملة.
وأما إذا كان القارئ في المسجد، فيُشْتَرَطُ شرطان:
أحدهما: أن تكون صلاتهما متوافقة؛ لأن اختلاف صلاتهما تمنع الاقتداء عند الحنفية.
الثاني: أن تظهر رغبتهما في الجماعة؛ فلو كان بجواره قارئ، ولم يظهر رغبته في الجماعة لم يلزمه الاقتداء به؛ لأنه لا ولاية له عليه لِيُلْزمه، وإنما تثبت القدرة إذا صادفه حاضرًا مطاوعًا.
الراجح:
أن إمامة الأمي لمثله صحيحة، وإذا وجد قارئ فالصلاة خلفه أفضل عملًا بحديث: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله.
ومثل هذه المسألة اختلف الفقهاء في إمامة الأخرس بالأخرس.
فقيل: تصح إمامة الأخرس بمثله، وهو مذهب الحنفية، وبعض الشافعية، وأحد القولين عن القاضي أبي يعلى اختاره في الأحكام السلطانية، واختاره ابن قدامة في الكافي (١).
стр. 8821
وعَدَّ عبد الرحمن بن قدامة في الشرح الكبير بأن صحة إمامته بمثله قياس المذهب قياسًا على الأمي والعاجز عن القيام يؤم مثله، وهذا في معناهما (١).
لاستوائهما في فوات الركن، أشبه إمامة الأمي بمثله.
وقال الشافعية والحنابلة: لا تصح إمامة الأخرس بمثله، نص عليه أحمد في رواية حنبل، وأحد القولين عن القاضي أبي يعلى، واختاره ابن قدامة في المغني (٢).
وقال خليل من أصحاب المالكية: «وأما إمامة الأخرس بمثله فلم أر فيها نصًّا» (٣).
قال المرداوي: «وأما إمامته بمثله: فالصحيح من المذهب: أن إمامته لا تصح، وعليه جمهور الأصحاب» (٤).
وجه القول بأنه لا يصح إمامته بمثله:
الأخرس لا يقدر على عقد التحريمة، والاقتداء يعني بناء تحريمة المأموم على تحريمة إمامه فاستحال البناء، إلا أن الشرع جوز صلاته لنفسه بلا تحريمة للضرورة.
ونوقش:
بأن الاقتداء يعتمد إما على السماع أو على الرؤية، أو عليهما، فإذا أمكن رؤية يدي الأخرس ترفعان للتكبير مع وجود النية أمكن الاقتداء، كما يمكن اقتداء الأصم بالقارئ، فإن الأصم لا يسمع قراءة إمامه، ويمكنه الاقتداء بالرؤية.
وقيل: يجوز إمامة الأخرس بمثله إذا لم يوجد قارئ، وبه قال أبو حنيفة، وأشار إليه ابن عبد السلام من المالكية.
لأن القراءة لما كان يتحملها الإمام كان ترك الأخرس الصلاة خلف القارئ تركًا للقراءة اختيارًا (٥).
стр. 8822
وقيل: تصح إمامة من طرأ عليه الخرس دون الأصلي، قال المرداوي: ذكره في الرعاية (١).
وعكس ذلك بعض الشافعية، فحمل الرملي عدم صحة اقتداء الأخرس بالأخرس على الخرس الطارئ فيهما لأنه يجب على طارئ الخرس تحريك لسانه وشفتيه ولهاته بقدر إمكانه فقد يحسن أحدهما ما لا يحسنه الآخر من ذلك فإن كان أصليًّا فيهما صح اقتداء أحدهما بالآخر أو اختلفا صح اقتداء الأصلي بالطارئ دون عكسه، وتبعه العلامة الزيادي (٢).
стр. 8823
الفرع الثالث في اقتداء القارئ بالأمي
المدخل إلى المسألة:
إذا كان العجز عن القراءة لا يمنع من صحة الصلاة، لم يمنع من صحة الإمامة.
كل من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره إلا بدليل
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فإذا لم يلزم الأمي أن يقرأ عن نفسه لم يلزمه أن يتحمل القراءة عن غيره.
القارئ فرضه القراءة، والأمي فرضه: التسبيح والتحميد والتكبير، فإذا أدَّى كل واحد منهما فرضه الذي عليه، فأيهما أمَّ الآخر فصلاته جائزة.
إذا صحت إمامة القاعد للقائم، والمتيمم للمتوضئ، والعاري للكاسي صحت إمامة الأمي للقارئ.
إذا صحت الصلاة خلف المحدث الذي لم يعلم حدثه إلا بعد الصلاة مع أن صلاته لم تنعقد صحت الصلاة خلف الأمي من باب أولى.
إن كان سقوط القراءة عن المأموم راجع إلى تحمل الإمام، أو بسبب سماع قراءة إمامه فالقارئ خلف الأمي يلزمه القراءة، وإن كان سقوط القراءة عن المأموم لأنها لا تجب عليه، وهو مأموم لم تجب عليه القراءة ولو كان قادرًا عليها، وقراءته أحوط.
[م-١٠٢٣] اختلف العلماء في صلاة القارئ خلف الأمي:
فقيل: صلاتهما فاسدة، القارئ والإمام، وبه قال أبو حنيفة والمالكية، وهو أشهر الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
стр. 8824
قال الزركشي في شرح الخرقي: «وهل تبطل صلاة الإمام والحال هذه؟ فيه احتمالان، أشهرهما البطلان» (١).
وقيل: صلاتهما صحيحة مطلقًا، خَرَّجه أبو إسحاق المروزي على قول الشافعي في الجديد: تلزم المأموم القراءة بكل حال، وبه قال أشهب من المالكية، وقال به بعض الحنابلة (٢).
واختاره المزني وابن المنذر والثوري وأبو ثور، وروي ذلك عن عطاء وقتادة (٣).
قال البيهقي: وإمامة الأمي للقارئ جائزة عندنا على أحد القولين» (٤).
وقيل: صلاة القارئ وحده فاسدة، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من
стр. 8825
الحنفية وهو وجه عند الحنابلة، رجحه البهوتي وبعض الحنابلة (١).
جاء في تصحيح الفروع: «قال ابن تميم: فلو أَمَّ أُمِّيٌّ قارئًا فقد بطلت صلاة القارئ، وفي الإمام وجهان» (٢).
وقيل: تنقلب صلاة القارئ نفلًا، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٣).
فإن أمَّ الأميُّ قارئًا ومعه أمي أو جماعة من الأميين لم يختلف الحكم عن التفصيل السابق عند الجمهور.
وانفرد الحنابلة بتفصيل آخر بسبب موقفهم من المنفرد خلف الصف، فقالوا: إن أمَّ أُميٌّ أُميًّا وقارئًا، فإن كانا عن يمينه، أو كان الأميُّ عن يمنيه فقط صحت صلاة الإمام والأمي، وبطلت صلاة القارئ، وإن كانا خلفه أو القارئ وحده عن يمينه فسدت صلاة الكل، وإن أم قارئًا وأميين أعاد القارئ وحده، نص عليه صاحب الإقناع (٤).