← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

وعَدَّ عبد الرحمن بن قدامة في الشرح الكبير بأن صحة إمامته بمثله قياس المذهب قياسًا على الأمي والعاجز عن القيام يؤم مثله، وهذا في معناهما (١). لاستوائهما في فوات الركن، أشبه إمامة الأمي بمثله. وقال الشافعية والحنابلة: لا تصح إمامة الأخرس بمثله، نص عليه أحمد في رواية حنبل، وأحد القولين عن القاضي أبي يعلى، واختاره ابن قدامة في المغني (٢). وقال خليل من أصحاب المالكية: «وأما إمامة الأخرس بمثله فلم أر فيها نصًّا» (٣). قال المرداوي: «وأما إمامته بمثله: فالصحيح من المذهب: أن إمامته لا تصح، وعليه جمهور الأصحاب» (٤). وجه القول بأنه لا يصح إمامته بمثله: الأخرس لا يقدر على عقد التحريمة، والاقتداء يعني بناء تحريمة المأموم على تحريمة إمامه فاستحال البناء، إلا أن الشرع جوز صلاته لنفسه بلا تحريمة للضرورة. ونوقش: بأن الاقتداء يعتمد إما على السماع أو على الرؤية، أو عليهما، فإذا أمكن رؤية يدي الأخرس ترفعان للتكبير مع وجود النية أمكن الاقتداء، كما يمكن اقتداء الأصم بالقارئ، فإن الأصم لا يسمع قراءة إمامه، ويمكنه الاقتداء بالرؤية. وقيل: يجوز إمامة الأخرس بمثله إذا لم يوجد قارئ، وبه قال أبو حنيفة، وأشار إليه ابن عبد السلام من المالكية. لأن القراءة لما كان يتحملها الإمام كان ترك الأخرس الصلاة خلف القارئ تركًا للقراءة اختيارًا (٥).

стр. 8822

وقيل: تصح إمامة من طرأ عليه الخرس دون الأصلي، قال المرداوي: ذكره في الرعاية (١). وعكس ذلك بعض الشافعية، فحمل الرملي عدم صحة اقتداء الأخرس بالأخرس على الخرس الطارئ فيهما لأنه يجب على طارئ الخرس تحريك لسانه وشفتيه ولهاته بقدر إمكانه فقد يحسن أحدهما ما لا يحسنه الآخر من ذلك فإن كان أصليًّا فيهما صح اقتداء أحدهما بالآخر أو اختلفا صح اقتداء الأصلي بالطارئ دون عكسه، وتبعه العلامة الزيادي (٢).

стр. 8823

الفرع الثالث في اقتداء القارئ بالأمي المدخل إلى المسألة: إذا كان العجز عن القراءة لا يمنع من صحة الصلاة، لم يمنع من صحة الإمامة. كل من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره إلا بدليل قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فإذا لم يلزم الأمي أن يقرأ عن نفسه لم يلزمه أن يتحمل القراءة عن غيره. القارئ فرضه القراءة، والأمي فرضه: التسبيح والتحميد والتكبير، فإذا أدَّى كل واحد منهما فرضه الذي عليه، فأيهما أمَّ الآخر فصلاته جائزة. إذا صحت إمامة القاعد للقائم، والمتيمم للمتوضئ، والعاري للكاسي صحت إمامة الأمي للقارئ. إذا صحت الصلاة خلف المحدث الذي لم يعلم حدثه إلا بعد الصلاة مع أن صلاته لم تنعقد صحت الصلاة خلف الأمي من باب أولى. إن كان سقوط القراءة عن المأموم راجع إلى تحمل الإمام، أو بسبب سماع قراءة إمامه فالقارئ خلف الأمي يلزمه القراءة، وإن كان سقوط القراءة عن المأموم لأنها لا تجب عليه، وهو مأموم لم تجب عليه القراءة ولو كان قادرًا عليها، وقراءته أحوط. [م-١٠٢٣] اختلف العلماء في صلاة القارئ خلف الأمي: فقيل: صلاتهما فاسدة، القارئ والإمام، وبه قال أبو حنيفة والمالكية، وهو أشهر الوجهين في مذهب الحنابلة (١).

стр. 8824

قال الزركشي في شرح الخرقي: «وهل تبطل صلاة الإمام والحال هذه؟ فيه احتمالان، أشهرهما البطلان» (١). وقيل: صلاتهما صحيحة مطلقًا، خَرَّجه أبو إسحاق المروزي على قول الشافعي في الجديد: تلزم المأموم القراءة بكل حال، وبه قال أشهب من المالكية، وقال به بعض الحنابلة (٢). واختاره المزني وابن المنذر والثوري وأبو ثور، وروي ذلك عن عطاء وقتادة (٣). قال البيهقي: وإمامة الأمي للقارئ جائزة عندنا على أحد القولين» (٤). وقيل: صلاة القارئ وحده فاسدة، وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من

стр. 8825

الحنفية وهو وجه عند الحنابلة، رجحه البهوتي وبعض الحنابلة (١). جاء في تصحيح الفروع: «قال ابن تميم: فلو أَمَّ أُمِّيٌّ قارئًا فقد بطلت صلاة القارئ، وفي الإمام وجهان» (٢). وقيل: تنقلب صلاة القارئ نفلًا، وهو وجه في مذهب الحنابلة (٣). فإن أمَّ الأميُّ قارئًا ومعه أمي أو جماعة من الأميين لم يختلف الحكم عن التفصيل السابق عند الجمهور. وانفرد الحنابلة بتفصيل آخر بسبب موقفهم من المنفرد خلف الصف، فقالوا: إن أمَّ أُميٌّ أُميًّا وقارئًا، فإن كانا عن يمينه، أو كان الأميُّ عن يمنيه فقط صحت صلاة الإمام والأمي، وبطلت صلاة القارئ، وإن كانا خلفه أو القارئ وحده عن يمينه فسدت صلاة الكل، وإن أم قارئًا وأميين أعاد القارئ وحده، نص عليه صاحب الإقناع (٤).

стр. 8826

وقال الشافعي في القديم: إن كانت الصلاة سرية جاز الاقتداء به، وإن كانت جهرية لم يجز الاقتداء به (١). وهذا القول فرع عن قول الشافعي في القديم: تلزم المأموم القراءة خلف الإمام في السرية دون الجهرية. وقيل: تصح صلاة القارئ خلفه في النافلة، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وقال إسحاق: «من قرأ خلف الأمي فصلاته جائزةٌ. ومن لم يقرأ خلفه يعيد. قيل: فإن صلى الظهر، ولم تسمع له قراءةٌ، ونحن لا نشك أنه لا يقرأ؟ قال: صلاة من قرأ خلفه جائزةٌ ومن لم يقرأ يعيد» (٣). وخلاصة الأقوال في المسألة كالتالي: الأول: تفسد صلاة الإمام والقارئ. الثاني: تصح صلاة الإمام والقارئ. الثالث: تفسد صلاة القارئ وحده دون الإمام. الرابع: تفسد في الصلاة الجهرية دوية السرية. الخامس: إن قرأ القارئ خلف الأمي صحت صلاتهما، وإلا فسدت صلاة القارئ.

стр. 8827

السادس: يبطل فرض القارئ، وينقلب نفلًا. السابع: يصح اقتداء القارئ بالأمي في النفل خاصة. الثامن: إذا فسدت صلاة القارئ لصلاته خلف أمي، فإن بقي خلف الإمام اثنان فصاعدًا من الأميين صحت صلاتهم. وإن كان مع القارئ أميٌّ واحدٌ، وكانا عن يمين الإمام، أو كان الأمي عن يمينه صحت صلاة الإمام والأمي، وإن كانا خلف الإمام، أو كان الأمي عن يسار الإمام أعادا جميعًا، وقيل: تصح صلاة الإمام. دليل من قال: صلاتهما فاسدة، القارئ والإمام: الدليل الأول: (ح-٣١١٣) ما رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ (يؤم القوم أقرؤهم) فهذا خبر بمعنى الأمر، والأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، فإذا قدم الأمي فقد خالف الأمر ودخل تحت النهي. الدليل الثاني: (ح-٣١١٤) روى الإمام أحمد، قال: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا حسن بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام، فقراءته له قراءة (٢). [ضعيف مرفوعًا، والصواب عن عبد الله بن شداد مرسلًا، وعن جابر موقوفًا] (٣). وجه الاستدلال: دلَّ الحديث أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم، والأمي ليس من أهل

стр. 8828

التحمل، فلم يجز أن يكون إمامًا له. ويناقش: هذا الحديث في حق إمام فرضه القراءة، وأما الأمي فقد سقط عنه فرض القراءة، فيقرأ المأموم لنفسه، وتصح إمامة الأمي. الدليل الثالث: الأمي يمكنه أن يصلي بقراءة وذلك بأن يصلي خلف قارئ، فإذا لم يفعل صار كأنه ترك القراءة مع قدرته عليها. ولزم من الصلاة خلف الأمي أحد أمرين: إما أن نقول بسقوط القراءة عن المأموم، وهذا يعني جواز الصلاة بغير قراءة مع القدرة عليها، وقد قال النبي ﷺ في حديث عبادة: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). متفق عليه. أو نلزم المأموم بالقراءة، والمأموم لا قراءة عليه في أصح أقوال أهل العلم. ولأن الأُمي إذا وجد قارئًا منع أن يصلي منفردًا، فكان بالمنع من أن يكون إمامًا للقارئ أولى. ويناقش من وجهين: الوجه الأول: قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ومن لا تجب عليه القراءة عن نفسه، كيف يجب عليه أن يتحمل القراءة عن غيره وإلا لم تصح إمامته. الوجه الثاني: سقوط القراءة عن المأموم راجع لأحد احتمالين: إما لأنه كان يسمع قراءة الإمام، وهو مأمور في مثل هذه الحالة بالاستماع والإنصات، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فإذا كان المأموم لا يسمع قراءة إمامه إما لأن الصلاة سرية، وإما لسقوط القراءة عن الإمام لكونه أميًّا، فعلى المأموم أن يقرأ حينئذٍ، كما لو كان لا يسمع إمامه لبعد أو طرش، والله أعلم. وإما لأن القراءة ليست واجبة على المأموم لكونه مأمومًا، لا لكون الإمام يتحملها

стр. 8829

عنه، لأن الأركان لا يتحملها أحد عن أحد، فإن قرأ المأموم في السرية استحبت له القراءة، وإن كان في صلاة جهرية فلا يقرأ المأموم حال سماع قراءة إمامه. فإذا كان الإمام أميًّا سقطت القراءة عن الإمام لعجزه، وسقط وجوب القراءة عن المأموم لكونه مأمومًا، فإن قرأ فذلك أحوط، ولكن صلاته صحيحة قرأ أو لم يقرأ، والله أعلم. دليل من قال: تصح صلاة الإمام الأمي والقارئ: الدليل الأول: (ح-٣١١٥) ما رواه مسلم من طريق الوليد - يعني ابن كثير - حدثني سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ يومًا، ثم انصرف فقال: يا فلان، ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي؟ فإنما يصلي لنفسه … الحديث (١). وجه الاستدلال: قوله: (إنما يصلي لنفسه) دليل على أن صلاة المأموم ليست مرتبطة بصلاة الإمام، وأن كل مصلٍّ يصلي لنفسه، وقد ناقشت في بحث سابق، خلاف الفقهاء في مسألة ارتباط صلاة المأموم بصلاة إمامه، وبينت عدم الارتباط، كما قال في الحديث الصحيح: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أساؤوا فلكم وعليهم) فارجع إليه إن شئت. ويناقش: قوله: (يصلي لنفسه) أي له ثوابها، وعليه نقصها، وهذا لا يمنع من ارتباط صلاة المأموم بإمامه، والله أعلم. قال ابن رجب: «يشير إلى أن نفع صلاته يعود إلى نفسه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦]، فمن علم أنه يعمل لنفسه وأنه ملاقٍ عمله، ثم قصر في عمله وأساء، كان مسيئًا في حق نفسه، غير ناظر لها، ولا ناصح» (٢).

стр. 8830

الدليل الثاني: القارئ فرضه القراءة، وغير القارئ فرضه: التسبيح والتحميد والتكبير، فإذا أم الأميُّ الذي فرضه الذكر مَنْ كان فرضه القراءة، وأدَّى كل واحد منهما فرضه الذي عليه، فأيهما أمَّ الآخر فصلاته جائزة؛ إذ كل واحد منهما مؤدٍّ ما فُرِض عليه (١). ونوقش هذا: بأن العاجز عن تحصيل الفرض بنفسه عليه تحصيل هذا الفرض عن طريق الائتمام بمن يحسنها؛ لأن قراءة الإمام قراءة للمأموم، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإذا ترك الأمي الصلاة خلف القارئ مع إمكان الائتمام به كان ذلك تركًا للقراءة اختيارًا مع القدرة. ورد هذا: سبق أن ناقشت القول بأن الأمي إذا عجز عن القراءة انتقل إلى بدل، وهو الائتمام بالقارئ، وأنه إذا أمكن أن يصلي خلف قارئ أصبحت الجماعة في حقه شرطًا في صحة صلاته، بحيث لو صلى منفردًا أو خلف أمي بطلت صلاته، وبينت في المسألة السابقة ضعف هذا القول، فارجع إليه. الدليل الثالث: إذا كان العجز عن القراءة لا يمنع من صحة الصلاة، لم يمنع من صحة الإمامة، فكل من صحت صلاته لنفسه صحت إمامته لغيره إلا بدليل، أصله صحة ائتمام القائم بالقاعد، والمتوضئ بالمتيمم، والكاسي بالعاري، فما المانع من صحة إمامة الأمي للقارئ، وقد أدى كل واحد منهما ما فرض عليه. يقول المزني: «قد أجاز -يعني الإمام الشافعي- صلاة من ائتم بجنب والجنب ليس في صلاة، فكيف لا يجوز من ائتم بأمي، والأمي في صلاة، وقد وضعت القراءة عن الأمي، ولم يوضع الطهر عن المصلِّي، وأصله: أن كلًّا يصلي عن نفسه، فكيف يجزئه خلف العاصي بترك الغسل، ولا يجزئه خلف المطيع الذي

стр. 8831

لم يعص، وقد احتج الشافعي بأن النبي ﷺ صلى قاعدًا بقيام، وفقد القيام أشد من فقد القراءة، فتفهَّم» (١). وقد صحح المالكية والحنابلة الائتمام بالمحدث إذا لم يتذكر الإمام حدثه إلا بعد الصلاة، وصححه الشافعي مطلقًا حتى ولو تذكر في صلاته وتمادى بها ما دام المأموم لم يعلم به أثناء الصلاة. ونوقش هذا: أما القياس على ائتمام القائم بالقاعد، والمتوضئ بالمتيمم، والكاسي بالعاري فهذه الثلاثة لا يدخلها التحمل، ولهذا لم يمنع من صحة الصلاة خلفهم، بخلاف العجز عن القراءة. وأما الصلاة خلف المحدث فإن المأموم غير منسوب إلى التفريط، لأنه لا سبيل إلى معرفة حدث إمامه، فلو صلى خلفه وهو يعلم حدثه بطلت صلاته، بخلاف الصلاة خلف الأمي فإنه يدرك عجز الإمام، وهو في الصلاة، كما لو كانت الصلاة جهرية، فافترقا، والله أعلم. دليل من قال: تصح إمامة الأمي للقارئ في السرية دون الجهرية: تجب القراءة على المأموم في الصلاة السرية؛ لحديث عبادة بن الصامت: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. متفق عليه، وسبق تخريجه. ولحديث أبي هريرة: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام. رواه مسلم، وسبق تخريجه. وهذان العمومان خص منهما المأموم في الصلاة الجهرية من أجل سماع القرآن، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وبقي الوجوب في حق المأموم في الصلاة السرية. فتبين من هذه الأحاديث أن المأموم لا يقرأ في الجهرية، بل يتحمل عنه الإمام، فإذا لم يحسن الإمام القراءة لم يصلح للتحمل. وفي السرية يقرأ المأموم لنفسه،

стр. 8832

فلا أثر لعجز الإمام. ويناقش: الجهر والإسرار في موضعه سنة على الصحيح، وهو قول الجمهور، فإن قرأ الإمام في الجهرية أنصت المأموم، وإذا لم يقرأ الإمام إما لعجز كالأمي، أو لم يسمعه لبعد، أو لطرش فعلى المأموم أن يقرأ الفاتحة، وتصح الإمامة، فلو كان الجهر في الجهرية واجبًا، لقيل لا تصح الإمامة في الجهرية؛ لأنه سوف يفوت واجب الجهر، والله أعلم. دليل من قال: صحة صلاة الأمي المأموم مشروط أن يكون عن يمين الأمام أو معه أمي آخر: (ح-٣١١٦) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن حصين، عن هلال بن يساف، قال: أراني زياد بن أبي الجعد شيخًا بالجزيرة يقال له: وابصة بن معبد، قال: فأقامني عليه، وقال: هذا حدثني أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا صلى في الصف وحده، فأمره فأعاد الصلاة. قال عبد الله بن أحمد: وكان أبي يقول بهذا الحديث (١). [صحيح] (٢). فالحنابلة يبطلون صلاة المنفرد خلف الصف، فإذا كان الأمي عن يمين الإمام، فإذا بطلت صلاة القارئ، لم تبطل صلاته، أو كانا خلفه، ومع الأميٌّ أمِّيٌّ آخر، فإذا بطلت صلاة القارئ، لم تبطل صلاة الأمي، أما لو كان هو والقارئ فقط خلف الإمام فإن صلاتهما تفسد، لأن الأمي، وإن انعقد إحرامه فذًّا، لكن فسدت صلاته بدوامه على ذلك؛ لأنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف. ويناقش: إبطال صلاة المنفرد خلف الإمام من مفردات الحنابلة، والجمهور لا يرون إبطال الصلاة بذلك، ويرون إعادة الصلاة على وجه الاستحباب، وحتى على

стр. 8833

القول بأن المصافة واجبة، فالواجب للعبادة، يختلف عن الواجب فيها، وسوف يأتي بحث هذه المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى. وينبغي التفريق بين من صلى فذًّا ابتداء، وبين من تحول فذًّا في أثناء الصلاة بغير اختياره، فالأول مفرط، والثاني معذور، والاستدامة أقوى من الابتداء، كالطيب على بدن المحرم، يجوز استدامته، ولا يجوز ابتداؤه، فيصح وقوفه قياسًا على وقوف المرأة وحدها خلف الصف ضرورة. فالإمام الأمي إذا أم قارئًا وأميًا فإذا كبروا للصلاة انعقدت صلاتهم لأنهم في حالة التكبير متساوون، هذا يحسن التكبير، كما أن هذا يحسن التكبير، فإذا جاء وقت القراءة سقطت القراءة عن الإمام لعجزه، وبطلت صلاة القارئ على القول بتحمل الإمام القراءة عنه، فتحول المأموم الأمي إلى كونه فذًّا خلف إمامه الأمي بعد انعقاد صلاته، ومثل هذا لا يؤثر على صلاته؛ إلا لو كان يعلم بالحال قبل الصلاة، ولأن الممنوع الابتداء منفردًا، بخلاف الاستدامة، فالاستدامة أقوى من الابتداء، خاصة أن الأمي المأموم تحول فذًّا بغير اختياره، وهو لا يدري أن المأموم الذي بجانبه قارئ، والوقوف على مثل هذا غير ممكن، فيعفى عنه. وقد روى مهنا عن أحمد ﵀: في رجل صلى يوم الجمعة مع الإمام ركعة وسجدتين في الصف، ثم زحموه، فصلى الركعة الأخرى خلف الصف وحده، قال: يعيد الركعة التي صلاها وحده. وقال في رواية الحسن بن محمد: إذا ركع وسجد ثم دخل في الصف يعيد الركعة التي صلاها، ولا يعيد الصلاة كلها (١). قالوا: وهذا يدل على أن صلاته فذًا لا تبطل الصلاة من أصلها، وإنما يمنع الاعتداد بها، ويبني على تحريمته. قال القاضي أبو يعلى: «ما نقله مهنا محمول على أحد وجهين: أحدهما: ما أومأ إليه أبو بكر: وأن الصلاة في هذه الحال انعقدت في الصف،

стр. 8834

وإنما صار فذًّا في أثنائها، ولا يمتنع أن ينافي الابتداء، ولا ينافي الاستدامة؛ كالعدة، والردة، والإحرام في عقد النكاح، والرجعة. والوجه الثاني: أنه في هذا الحال صار فذًا بغير اختياره، وهو أنه زُحم فيه؛ بحيث لا يمكنه المقام في الصف، ولا عن يمين الإمام، وليس يمكنه أن ينفرد بفعل هذه الصلاة، فكانت هذه حال ضرورة، فجاز أن نحكم بصحتها؛ كما جاز ذلك في حق المريض يصلي قاعدًا، أو العادم للماء يصلي متيممًا» (١). والوجهان كلاهما متحقق في مسألتنا هذه. وأما إذا لم يعلم المأموم الأمي ببطلان صلاة من كان بجانبه لكونه قارئًا إلا بعد الصلاة فصلاته صحيحة، كما لو لم يعلم المأموم بحدث إمامه إلا بعد الصلاة. دليل من قال: إذا صلى القارئ فرضه خلف الأمي انقلب فرضه نفلًا: قال المرداوي في تصحيح الفروع: «ظاهر كلام المصنف -يعني ابن قدامة- في باب النية في مسائل كثيرة أنها تنقلب نفلًا على المقدم عنده، كما إذا أحرم بفرض فبان قبل وقته، أو بطل الفرض الذي انتقل منه، وكذا لو فعل ما يفسد الفرض فقط، كترك القيام، والصلاة في الكعبة، والائتمام بمتنفل، إذا قلنا لا يصح الفرض، والائتمام بصبي إن لم يعتقد جوازه، فإن المتقدم عنده، وهو المذهب انقلابه نفلًا، فلتكن هذه المسألة كذلك، والله أعلم» (٢). ويناقش: القراءة فرض في الفريضة والنافلة، فإذا بطلت الفريضة لترك فرض القراءة بطلت النافلة أيضًا لتركه أيضًا، بخلاف الصلاة قبل الوقت، أو ترك القيام في الفرض فذلك لا يعود على النافلة بالبطلان، فنية الفريضة قد اشتملت على نيتين: نية الصلاة، ونية الفريضة، فإذا بطلت نية الفرض بقية نية مطلق الصلاة، والله أعلم. دليل من قال: تصح صلاة القارئ إن قرأ خلف الأمي: حديث عبادة بن الصامت: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. متفق عليه،

стр. 8835

وسبق تخريجه. وحديث أبي هريرة: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام. رواه مسلم، وسبق تخريجه. والعلماء متفقون على أن القراءة فرض على الإمام والمنفرد، واختلفوا في المأموم، والجمهور على أن القراءة ليست بفرض عليه. وقراءة الإمام للإمام أصالة وللمأموم بالتبع، فإذا سقط فرض القراءة عن الإمام لعجزه، انتقل الفرض على المأموم القادر على القراءة، فإذا لم يقرأ فقد ترك الفرض مع القدرة عليه، والله أعلم. ويناقش: إن قلنا: إن سقوط القراءة عن المأموم راجع إلى تحمل الإمام، أو بسبب سماع قراءة الإمام فإن المأموم يلزمه القراءة؛ لأن الإمام لا يتحمل، ولا يقرأ، وإن قلنا: إن سقوط القراءة عن المأموم لكونه مأمومًا، ولهذا تسقط القراءة عن المأموم إذا أدرك إمامه راكعًا، وهو لا يتحمل عنه في مثل هذه الحالة؛ لأنه لم يكن معه في القيام، فلا يلزم المأموم القارئ قراءة الفاتحة، فإن قرأ فقد أحسن وإن لم يقرأ فحسن، والله أعلم. دليل من قال: إذا بطلت صلاة القارئ لم تبطل صلاة الإمام الأمي: صلاة الإمام الأمي لنفسه صحيحة، تسقط عنه الطلب، فإذا ائتم به قارئ وقلنا: لا يصح للقارئ أن يأتم بأمي بطلت صلاة القارئ وحده، ولم يتطرق الخلل إلى صلاة الإمام؛ لأن فعل الإمام كفعل المنفرد، لا أثر له في صلاة المأموم، ولذلك تصح إمامته ولو لم ينو الإمامة على الصحيح، فيكفي أن ينوى المأموم الائتمام فيصح الاقتداء به، علم الإمام أو لم يعلم. ولأن الجماعة لو كانت من رجلين فنوى المأموم مفارقة إمامه لعذر، وأتم الإمام منفردًا جاز، فكذلك إذا بطل ائتمام القارئ بالأمي، غاية ما فيه أنه بقي منفردًا، وهذا لا يستدعي بطلان صلاته، وليست هذه المسألة محسوبة من صلاة الفذ خلف الصف حتى يحتج بحديث وابصة.

стр. 8836

وقول الحنابلة: تبطل صلاة الإمام الأمي لأنه نوى الإمامة بمن لا يصح أن يؤمه قول ضعيف جدًّا. والله أعلم. الراجح: الخلاف في المسألة قوي جدًّا، والاحتياط ألا يتقدم الأمي للصلاة لمخالفته ظاهر حديث: (يؤم القوم أقرؤهم) ولو تقدم لم أبطل صلاة من خلفه، فالأصل صحة الصلاة، والأمي معذور في سقوط فرض القراءة عنه، ويبقى الاجتهاد في قراءة القارئ خلف الأمي، والأحوط أن يقرأ حتى لا تخلو صلاته من قراءة، والله أعلم. ومثل هذه المسألة اختلاف الفقهاء في إمامة الأخرس للمتكلم كالأمي والقارئ.

стр. 8837

المبحث الثاني في إمامة اللحان علمنا فيما سبق الخلاف في تعريف الأمي، فمنهم من أدخل من يلحن في الفاتحة لحنًا يحيل المعنى في اصطلاح الأمي، وقد سبق لنا الخلاف في إمامة الأمي بمثله أو بقارئ، فلا فرق عندهم في الحكم بين من لا يحفظ الفاتحة، وبين من يلحن فيها لحنًا يحيل المعنى، وعلى هذا فرع الشافعية والحنابلة. ومن الفقهاء من خص الأمي بمن لا يحفظ الفاتحة أو بعضها، ولم يدخل اللحان في مصطلح الأمي كالمالكية، فهؤلاء لم يجعلوا حكم من لم يحفظ الفاتحة حكم من يلحن فيها إذا لم يتعمد اللحن. ومذهب الحنفية قريب من مذهب المالكية إلا أنهم لم يخصوا فرض القراءة في الفاتحة، فالأمي عند الحنفية من لا يحفظ من القرآن ما تصح به صلاته، وفرض القراءة عند أبي حنيفة آية واحدة، ولو قصيرة، وعند صاحبيه: ثلاثة آيات قصار، أو آية طويلة، وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين أن يقع اللحن في القَدْرِ الذي يقوم به الفرض، أو يقع في القدر المستحب من القراءة. إذا عرفت هذا نأتي إلى حكم اللحن في فرض القراءة.

стр. 8838

الفرع الأول اللحن في القراءة عمدًا المدخل إلى المسألة: اللحن المحيل للمعنى عمده في الصلاة كالكلام فيها؛ لخروج الكلمة عن كونها قرآنًا. إمامة اللحان إذا لم يغير المعنى مكروهة إذا لم يتعمد؛ لأن اللحن نقص في القراءة. اللحن المتعمد ولو لم يغير المعنى، إذا لم تؤيده قراءة، ولو شاذة ولم يكن له وجه في العربية، وفعله في صلاته بلا حاجة فإنه عبث بالتنزيل، يستحق الإثم فاعله. اللحن المتعمد كله محرم، سواء أغير المعنى أم لا، وإنما عذر اللاحن إذا عجز عن الصواب، وأما المتعمد العالم القادر إذا لحن فهو آثم. هل ارتكاب الحرام في الصلاة على وجه يختص بها يفسدها، ومنه اللحن المتعمد؟ قولان لأهل العلم. [م-١٠٢٤] إذا تعمد المصلي اللحن، فإن كان يغير المعنى حرم الفعل وبطلت الصلاة، ولا ينبغي الاختلاف فيه؛ لأنه لو تعمد الكلام بطلت صلاته فكيف إذا تعمد تحريف القرآن في الصلاة، ويعزر فاعله. وإذا كان اللحن المتعمد في الإعراب مع سلامة المعنى، فهل تفسد صلاته؟ اختلف العلماء في هذا: فقيل: يحرم، وتفسد به الصلاة إلا أن يقع اللحن في الثناء أو الدعاء، وهذا مذهب الحنفية، أفاده ابن أمير حاج (١). وقيل: يحرم وتبطل به الصلاة وهذا مذهب المالكية، واختاره من الحنابلة ابن

стр. 8839

المُنَجَّى التنوخي وهو ظاهر كلام ابن عقيل في الفصول (١). قال الخرشي: «وأما من تعمد اللحن فصلاته وصلاة من اقتدى به باطلة بلا نزاع» (٢). ولم يفرق بين لحن يغير المعنى وغيره. وقيل: يحرم، وصلاته صحيحة، وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٣). قال النووي: «وإن لم يخل المعنى كفتح دال نعبد ونون نستعين وصاد صراط ونحو ذلك لم تبطل صلاته ولا قراءته ولكنه مكروه ويحرم تعمده ولو تعمده لم تبطل

стр. 8840

قراءته ولا صلاته هذا هو الصحيح وبه قطع الجمهور» (١). وقيل: يكره، قال ابن مفلح في النكت على المحرر: ظاهر قول أصحابنا هذا أنه لا يحرم تعمده بل يكره (٢). فتبين أن عامة العلماء على تحريم الفعل، واختلفوا في بطلان الصلاة: فمنهم من قال: يبطل، ومنهم من قال: لا يبطل، ومنهم من قال: يبطل إلا أن يكون اللحن في دعاء أو ثناء. وقال بعض الحنابلة: يكره. والله أعلم. دليل من قال: يحرم اللحن ويبطل الصلاة: إذا قصد اللحن مع علمه أن هذا خلاف التنزيل وخلاف لغة العرب، ولم يكن هناك حاجة ولا ضرورة، فأقل أمره فساد صلاته؛ وكون اللحن في الإعراب، والمعنى لم يتغير فهذا لا يكفي لصحة الصلاة، فاللحن المتعمد الذي لا تؤيده قراءة ولو شاذة ويخالف وجوه العربية تعد على لفظ القرآن، فيكون آثمًا، وارتكاب الحرام على وجه يختص بالصلاة يفسدها. دليل من قال: يحرم اللحن وصلاته صحيحة: أما تحريم الفعل فسبق ذكره، وأما كونه لا يفسد الصلاة؛ لأن مدلول اللفظ باقٍ، فيكون قد أتى بفرض القراءة. دليل من قال: يحرم الفعل إلا أن يكون اللحن في الدعاء أو الثناء: إذا قصد اللحن المحيل للمعنى خرج عن كونه قرآنًا إلى كونه كلامًا، والكلام في الصلاة يفسدها إلا أن يكون دعاء أو ثناء، فإن ذكر مثل ذلك في الصلاة لا يفسدها؛ لأن الصلاة محل للذكر من دعاء وثناء، فإذا وقع اللحن فيما هو من جنس الدعاء والثناء لم تفسد الصلاة. ونوقش: بأن اللاحن لم يقصد الدعاء بل قصد اللحن في كتاب الله، ولا يكفي سلامة المعنى لتصحيح الفعل؛ لأن اللحن المتعمد كله محرم، سواء أغير المعنى أم لا، وإنما عذر

стр. 8841

اللاحن إذا عجز عن الصواب، وأما المتعمد فهو آثم، نعم لو أنه اقتبس الدعاء من القرآن ليدعو به في الصلاة، فتعمد اللحن بعد أن لم يقصد به القراءة فالجواز متجه، والله أعلم. دليل من قال: يكره تعمد اللحن: لعل حجة هذا القول نظر إلى أن اللحن وإن كان نقصًا إلا أنه في الحركات، فالكلمات لفظًا ومعنى لم يؤثر عليها اللحن، فإذا كان الخطأ الإعرابي لم يغير معنى الآية، فقد أتى بفرض القراءة، لهذا كان الفعل مكروهًا، ولا يؤثر ذلك على صلاته، ولا على صحة إمامته. الراجح: تحريم اللحن المتعمد، وأما فساد صلاته فهي محل تردد عندي، والله أعلم.

стр. 8842

الفرع الثاني اللحن في الصلاة عجزًا المدخل إلى المسألة: الاختيار في الإمام أن يكون فصيح اللسان، حسن البيان، مرتلًا للقرآن. اللحن في القراءة نقص فيها؛ لهذا لا يختلفون في كرهة إمامة اللحان مع وجود غيره. ليس كل نقص في القراءة مفسدًا للصلاة إلا بدليل، والأصل الصحة. إذا كان اللحن لا يمنع من صحة صلاة اللاحن، لم يمنع من صحة إمامته. اللاحن إذا لم يقصر في التعلم، قد أدى ما فرضه الله عليه، فلم يمنع ذلك من صحة الاقتداء به. الفاتحة كلها ركن، وليس كل حرف فيها يعد ركنًا، فاللحن في القراءة يقع غالبًا في أحرف يسيرة. لو سلمنا أن كل كلمة في الفاتحة ركن فاللاحن لم يترك أصل الركن، وإنما ترك صفة فيه، وهي حركة الإعراب وأتى بغيرها، ظانا أنها هي، فالحركة التي هي الضمة والفتحة لا يمكن أن تعد ركنًا. لو كان اللحن بمنزلة الكلام الأجنبي في الصلاة ما جاز له أن يؤم من كان مثله، وعامة العلماء على جواز إمامة الأمي لمثله. [م-١٠٢٥] الخلاف في اللاحن إذا وقع من جاهل يقبل التعليم، ولكنه عجز عن تعلم الصواب إما لضيق الوقت أو لعدم وجود من يعلمه، فهذا الذي في إمامته خلاف، وأما إذا ترك التعلم مع قدرته عليه فقد نص جمهور العلماء على أن إمامته لا تصح (١).

стр. 8843

قال الخرشي: «ومحل الخلاف فيمن عجز عن تعلم الصواب؛ لضيق الوقت، أو لعدم من يعلمه مع قبول التعليم» (١). وقال القاضي حسين: «إذا مضى زمان إمكان التعليم، ولم يتعلم يعيد ما صلى بعده» (٢). وقال النووي: «إذا مضى زمن، وقصر بترك التعلم، فلا يصح الاقتداء به بلا خلاف (٣). وقال أيضًا: «إن كان تمكن من التعلم فصلاته في نفسه باطلة، فلا يجوز الاقتداء به بلا خلاف» (٤). وقال الحنابلة: وإن قدر على إصلاحه والوقت متسع لم تصح صلاته (٥). وقال البهوتي: «وإن قدر الأمي على إصلاحه لم تصح صلاته، ولا صلاة من ائتم به؛ لأنه ترك ركنا مع القدرة عليه» (٦). إذا وقفت على هذا نأتي للخلاف في المسألة في حكم اللحن إذا لم يمكنه تعلم الصواب إما لضيق الوقت، أو لعدم وجود من يعلمه مع قبول التعلم: القول الأول: مذهب المتقدمين من الحنفية: ذهب المتقدمون منهم أن اللحن: إما أن يغير المعنى أو لا. فإن كان لا يغير المعنى، وكان نظيره في القرآن نحو: (إن المسلمون) لم تفسد به الصلاة باتفاق الأئمة الثلاثة: أبي حنفية وصاحبيه، ويصلح هذا المثال للخطأ في الإعراب، ولإبدال حرف مكان حرف. وإن كان لا يغير المعنى، وليس نظيره في القرآن مثل: (قيامين بالقسط):

стр. 8844

فعند أبي حنيفة ومحمد: لا تفسد الصلاة به. وعند أبي يوسف تفسد. ولو قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ برفع لفظ الجلالة، ونصب العلماء، فسدت الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد؛ ولم تفسد عند أبي يوسف. فالعبرة في الفساد وعدمه عند الإمام أبي حنيفة ومحمد: تغير المعنى، سواء أكان اللفظ نظيره موجود في القرآن أم لا. وعند أبي يوسف: إن كان اللفظ نظيرُهُ موجود في القرآن لم تفسد الصلاة به مطلقًا، سواء أتغير به المعنى تغيرًا فاحشًا أم لا، وإن لم يكن موجودًا في القرآن فتفسد مطلقًا، ولا يعتد بالإعراب أصلًا. هذا خلاصة مذهب المتقدمين وأخذ به بعض المتأخرين؛ لكونه أحوط (١). ويلزم من القول بأن صلاته فاسدة فساد إمامته بالأولى؛ لأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، فمتى فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأموم مطلقًا. القول الثاني: مذهب المتأخرين من الحنفية. وذهب أكثر المتأخرين من الحنفية كابن مقاتل، ومحمد بن سلام، وإسماعيل الزاهد، وأبي بكر البلخي، والهندواني، وابن الفضل، والحلواني إلى أن الخطأ في الإعراب لا يفسد الصلاة مطلقًا، ولو كان اعتقاده كفرًا، وعلى هذا مشى في الخلاصة، فقال: وفي النوازل: لا تفسد في الكل، وبه يفتى. وحجتهم: أن أكثر الناس لا يميزون بين وجوه الإعراب، ولأن اشتراط الصواب في الإعراب يوقع الناس في الحرج، وهو مرفوع شرعًا (٢). القول الثالث: مذهب المالكية: اللحن إن كان عجزًا لا يقبل التعليم، وهو الألكن، فصلاته وصلاة من اقتدى به

стр. 8845

صحيحة باتفاق المالكية حتى ولو أمكنه الاقتداء بمن لا يلحن، بل ولو اقتدى به فصيح. قال اللخمي: «لا أعلمهم يختلفون أن صلاة من ائتم بالألكن ماضية ولا إعادة على من ائتم به» (١). وقال المازري: «روي عن مالك أنه أجاز أن يؤم الألكنُ الفصيحَ» (٢). وإن كان اللحن من جاهل يقبل التعليم، ولكنه عجز عن تعلم الصواب لضيق الوقت أو لعدم من يعلمه، وائتم به من ليس مثله، فاختلف فيه المالكية إلى أربعة أقوال: أحدها: وهو المعتمد في المذهب: أن إمامته صحيحة، سواء أكان لحنه في الفاتحة أم في غيرها، وسواء أكان لحنه يحيل المعنى أم لا، وإلى هذا ذهب اللخمي وابن رشد الجد، وإن اختلفا في الحكم ابتداء، فكره إمامته ابن رشد، وهو قول ابن حبيب. وقال اللخمي: القول بالمنع ابتداء أحسن مع وجود غيره، فإن وقعت مضت صحيحة (٣). وقوله: (المنع ابتداء أحسن) لا يدل على المنع الجازم كما يفيده أفعل التفضيل،

стр. 8846

فقد يكون قول اللخمي اختلافًا لفظيًّا مع ابن رشد خلافًا لما رجحه عبد الباقي الزرقاني. وقال العدوي في حاشيته على الخرشي: القول بالصحة هو المعتمد ما لم يتعمد اللحن (١). الثاني: لا تجوز إمامته مطلقًا، سواء أكان لحنه في الفاتحة أم كان لحنه في غيرها، وسواء أغير المعنى أم لا، إن لم تستو حالتهما، اختاره أبو الحسن القابسي من المالكية. واحتج له بما جاء في المدونة: ولا يصلي من يحسن خلف من لا يحسن القراءة، وهو أشد من تركها (٢). قال: ولم يفرق في المدونة بين فاتحة وغيرها، ولا بين من يغير المعنى وغيره. قال ابن عرفة: «حمل القابسي قوله: خلف من لا يحسن القرآن على اللحان وحمله ابن رشد على الأمي» (٣). قال ابن رشد: وهو بعيد في التأويل غير صحيح في النظر، يعني تأويل القابسي (٤). الثالث: تجوز إمامته إن كان لا يلحن في الفاتحة وإن لحن في غيرها، وظاهره سواء أغير المعنى أم لا. الرابع: لا تجوز إمامته إن كان يتغير به المعنى، وتجوز إن كان لا يتغير به. وهذا قول ابن القصار والقاضي عبد الوهاب (٥).

стр. 8847

القول الثالث: مذهب الشافعية: الحكم فيمن يلحن بالقرآن لحنًا يغير المعنى عند الشافعية حكم الأمي؛ لأن الأمي في الاصطلاح عندهم يدخل فيه من يلحن بالفاتحة لحنًا يحيل المعنى، وقد سبق لنا حكم إمامة الأمي، ولا مانع من التذكير مرة أخرى. فاللاحن إن كان لحنه لا يحيل المعنى، بأن نصب الدَّال من (الحمد) ورفع الهاء من (الله) كرهت إمامته، وصحت صلاته وصلاة من خلفه، وسواء كان في أم القرآن أم في غيرها. وإن غير المعنى كضم التاء من قوله تعالى (أنعمت عليهم) فإن كان في غير الفاتحة صحت صلاته وإمامته، وإن كان في الفاتحة فكأمي، تصح إمامته بمثله، وإن اقتدى به قارئ فالأصح أن صلاته لا تصح (١).

стр. 8848

وقال الشافعي في القديم: لا تصح خلفه في الجهرية؛ لأنه لا يقرأ فيها. وقيل: صلاته صحيحة مطلقًا، خَرَّجه أبو إسحاق المروزي على قول الشافعي في الجديد: تلزم المأموم القراءة بكل حال (١). وقيل: إذا لحن في غير الفاتحة مما يغير المعنى فليس له أن يقرأ ما يلحن فيه؛ لأنه يتكلم بما ليس بقرآن من غير ضرورة، قواه السبكي، وقال: مقتضاه البطلان في القادر والعاجز، وقال إمام الحرمين: لو قيل به لم يكن بعيدًا (٢). وقد قيل به، فهو المشهور عند الحنابلة انظره في القول التالي. القول الرابع: مذهب الحنابلة: ذهب الحنابلة إلى أن اللحن إن كان لا يحيل المعنى وكان كثيرًا فإمامته مكروهة، وإن كان يسيرًا لم تكره، وإن كان يحيل المعنى فهو الأمي، لا تصح إمامته إلا لمثله، ويقرأ من ذلك فرض القراءة (الفاتحة)، وما زاد تبطل الصلاة بعمده (٣). جاء في غاية المنتهى «ولا إمامة أمي: وهو من لا يحسن الفاتحة، أو يدغم فيها ما لا يدغم أو يبدل حرفًا إلا ضاد المغضوب والضالين بظاء» (٤).

стр. 8849

وقيل: صلاته صحيحة إذا لحن لحنًا يسيرًا كالواحد والاثنين، وهو رواية عن أحمد (١). هذه مجموع ما قيل في المسألة، فلنجمل ما فصلته من كلامهم: قيل: تصح إمامته مطلقًا، وهذا هو المعتمد عند المالكية، والمتأخرين من الحنفية. وقيل: لا تصح مطلقًا، اختاره أبو الحسن القابسي من المالكية. وقيل: إن كان يحيل المعنى لا تصح إمامته، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن. وقيل: إن كان اللحن يحيل المعنى لم تصح إمامته إلا لمثله، اختاره من المالكية ابن القصار والقاضي عبد الوهاب، وبه قال الشافعية والحنابلة في الفاتحة، وهو قول عند المالكية. وقيل: إن كان اللفظ الذي وقع فيه اللحن في القراءة له نظير في القرآن صحت به الصلاة، ولو فسد المعنى، وإن لم يكن له نظير في القرآن فسدت صلاته ولو سلم المعنى، وهذا قول أبي يوسف. وقيل: إذا كان لحنه يغير المعنى، فليس له قراءة ما زاد على الفاتحة مما يلحن فيه، قواه السبكي من الشافعية، وهو المعتمد عند الحنابلة. وسبب الاختلاف في هذه المسألة: هل يخرج اللحن الكلمة عن كونها قرآنًا ويلحقها بكلام البشر، أو لا يخرجها عن كونها قرآنًا، أو يفرق بين اليسير الذي لا يسلم منه أحد وبين الكثير، أو يفرق بين لحن يقع في فرض القراءة وبين غيره، أو يفرق بين ما يحيل المعنى وبين غيره، أو يفرق بين ما يشق ويعسر ضبطه كاللحن بإبدال الضاد ظاء أو لا يفرق، وكل هذه أقوال حكيت في المسألة في خلاف أئمتنا عليهم رحمة الله. تعليل من قال: تصح صلاة من يلحن مطلقًا: التعليل الأول: أن الفاتحة كلها ركن، وليس كل كلمة تعد ركنًا، فاللحن لا يقع في القراءة في الغالب

стр. 8850

إلا في أحرف يسيرة، ولو اقتصر المصلي على القدر الذي سلم من اللحن لأجزأه. قال ابن هانئ: سمعته يقول- يعني أحمد-: إذا كان الإمام يلحن لحنًا كثيرًا لا يعجبني أن يصلى خلفه إلا أن يكون قليلًا، فإن الناس لا يسلمون من اللحن، يصلى خلفه إذا كان مثل لحن أو لحنين (١). التعليل الثاني: الدفع بأن اللاحن لم يقصد اللحن، ولم يعتقد معناه، وجه ذلك: أن اللحن لا يصير الكلمة الملحونة خارجة عن كونها قرآنًا، ولو أخرجها بذلك عن كونها قرآنًا فإنه لم يتعمده، ولو كان يغير المعنى فإنه لا يعتقد إلا معنى الكلمة المعربة، فهو يعتقد بقراءته ما يعتقد بها من لا يلحن فيها، فهذا هو حدود قدرته، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فلو قرأ (أنعمت) بالضم جاهلًا فإن اعتبرناه بمنزلة من تكلم بكلام آدمي جاهلًا بتحريمه أو ناسيًا ففي بطلان صلاته نزاع، والصحيح أنه لا يبطل صلاته، واللاحن الجاهل بمعنى (أنعمتُ) عذره أقوى من عذر الجاهل بتحريم الكلام في الصلاة، لأنه يعلم أنه من كلام الآدميين لكن لا يعلم أنه محظور، بخلاف اللاحن فإنه يعتقد أنه قرأ قرآنًا. ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: هب أن الصلاة لا تبطل من جهة كونه متكلمًا، لكنه لم يأت بفرض القراءة، فيكون قد ترك ركنا في الصلاة جاهلًا، ولو تركه ناسيًا لم تصح صلاته فكذلك إن تركه جاهلًا. ويجاب: اللاحن لم يترك أصل الركن، وإنما ترك صفة فيه، وهي حركة الإعراب وأتى بغيرها، ظانا أنها هي، فالحركة التي هي الضمة والفتحة لا يمكن أن تعد ركنًا. الوجه الثاني: كونه معذورًا يجعل من صلاته صحيحة، ولكنه لم يحقق شرط الإمامة فالنبي ﷺ

стр. 8851

يقول: يؤم القوم أقرؤهم، فلا يصلي إمامًا إلا بمثله. ويرد هذا: بأنك إذا حكمت بأن صلاته صحيحة، وأن اللاحن قد أدى ما فرضه الله عليه، فلم يمنع ذلك من صحة الاقتداء به. وأما الحديث فهو سيق في تفضيل الأقرأ على القارئ، وهو على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب، وسوف يأتي مناقشة الحديث عند بحث الأولى بالإمامة إن شاء الله تعالى. دليل من قال: لا تصح إمامته مطلقًا: الدليل الأول: لا يتقدَّم للإمامة إلا مَنْ جَمَعَ أوصافها، وهي القراءة، فالفقه، فالهجرة فالسنّ، بعد صحَّة الدين وحسن الاعتقاد، ومن لحن في قراءته لم يحسن القراءة، وافتقد أول وصف في الإمامة، فكانت الإمامة موضع كمال، واللاحن ليس في موضع كمال. (ح-٣١١٧) فقد روى مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (١). الدليل الثاني: أن اللحن ليس هو اللفظ المنزل، وذلك يجعله بمنزلة الكلمة الأجنبية في الصلاة، وعليه فلا تصح إمامته. ونوقش هذا: لو كان اللحن بمنزلة الكلام الأجنبي في الصلاة ما جاز له أن يؤم من كان مثله، وعامة العلماء على جواز إمامة الأمي لمثله.

стр. 8852

ورد هذا: سلمنا أن اللحن ليس بمنزلة الكلام الأجنبي في الصلاة ولكنه يحل محل ترك القراءة. وأجيب: لا نسلم أنه بمنزلة ترك فرض القراءة، فاللحن يسير جدًّا بالنسبة للفرض كله، والكلمة التي وقع اللحن فيها قد أتى بها إلا أنه غير من حركتها الإعرابية جهلًا، وهذا لا يعد تركًا للفرض كله، ولو كان اللحن بالكلمة بمنزلة ترك فرض القراءة كلها -وهذا بعيد- فهو معذور، ولهذا صحت صلاته لنفسه، ومن صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره إلا بدليل. دليل من فرق بين لحن يغير المعنى وما لا يغيره: أصحاب هذا القول رأوا أن تغير المعنى يخرج الكلمة الذي وقع فيها اللحن عن كونها قرآنًا. لأن الإعراب نقلها من معنى إلى معنى، وإذا اختلف المعنى صارت الكلمة أجنبية في الصلاة بخلاف اللحن الذي لا يغير المعنى فإنه لا يبطل الصلاة؛ لأنه قد أتى بالمعنى المقصود بلفظه، وإن أساء في العبارة بلحنه، فلم يكن سوء عبارته مع استيفاء اللفظ والمعنى مؤثرًا في صلاته. واعترض: بأن اللحن لو كان يراعى فيه المعنى لجازت إمامة من قال (تفضلت عليهم)، مكان (أنعمت عليهم) فإن إمامته لا تصح، وإن كان قد أتى بالمعنى. ورد هذا: بأن هذا ليس من اللحن، بل من الاستبدال، وكلامنا في اللحن في الأعراب، وليس في استبدال كلمة مكان أخرى، فإن هذا لا يجوز في ألفاظ التعبد حتى في غير القرآن كما لو استبدل تكبيرة الأحرام بالله الأعظم فإن صلاته لا تنعقد على الصحيح فما بالك بكلام الله تعالى المتعبد بلفظه. دليل من فرق بين اللحن في الفاتحة وبين غيرها: قال النبي ﷺ في حديث عبادة: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، متفق عليه. فقراءة أم القرآن فرض في الصلاة، لا تصح الصلاة إلا بها، والإِمام يتحمل القراءة عن المأموم، فإذا قرأ الفاتحة ملحونة لم يصح تحمله إلا لمن كان مثله؛ لاستوائهما في

стр. 8853

النقص، وإن اقتدى به من هو أكمل حالا منه، فحكمه حكم القارئ خلف الأمي، وسبق الخلاف فيها في المسألة السابقة، بخلاف من يلحن في غير الفاتحة فإن قراءته سنة، فلو اقتصر على الفاتحة صحت صلاته، وإذا أجزأته أجزأت من خلفه، بل قال الحنابلة وبعض الشافعية: ليس له أن يقرأ ما يلحن فيه؛ لأنه يتكلم بما ليس بقرآن من غير ضرورة. دليل من قال: إن كان اللحن نظيره في القرآن لم تفسد الصلاة وإلا فسدت: لعل أبا يوسف قاس اللحن في القرآن إذا كان له نظير في القرآن بمن غلط في القرآن في موضع الاشتباه فخلط سورة بغيرها، فإنها لا تبطل صلاته، لأنه لم يقصد ذلك، فكأنه انتقل من لفظ قرآني إلى لفظ قرآني آخر، فلم يتلفظ بكلام أجنبي عن القرآن، وكونه لا يفسد الصلاة ولو فسد المعنى فلأن الظاهر أن المصلي لم يقصد هذا المعنى، وإذا صحت صلاته صحت إمامته. دليل من قال: ليس له أن يقرأ ما يلحن فيه خارج فاتحة الكتاب: فرض القراءة على المصلي فاتحة الكتاب على الصحيح لحديث عبادة: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فإذا كان يلحن فيها، وكان معذورًا في لحنه لعجزه عن الصواب، أو لضيق الوقت في تعلم الصواب فله أن يقرأها، ولكنه ليس مضطرًا أن يقرأ ما يلحن فيه خارج الفاتحة، لأن قراءة ما زاد على الفاتحة سنة، واللحن المغير للمعنى يخرج الكلمة الملحون فيها عن كونها قرآنًا ويلحقها بكلام البشر، وهو ليس مضطرًا لقراءتها، فيكون بمنزلة من تعمد الكلام في الصلاة، فتبطل صلاته، والله أعلم. ونوقش هذا: إذا لم يكن اللحن في الفاتحة مفسدًا للصلاة لم يكن اللحن في سائر القرآن مفسدًا لها، فلا يمنع من قراءة ما تيسر وإن لحن فيه، والله أعلم. دليل من قال: لا تصح إمامة من لا يميز بين ضاد وظاء إلا لمثله: أن النطق بالضاد يخالف النطق بالظاء، وعمل اللسان فيهما عمل مختلف، وينقلب معنى الآية، فكان فاعل ذلك قد ارتكب خطأين: الأول: أنه أبدل حرفًا بحرف، وإبدال حرف بحرف أشد من تغيير حركة إعرابية

стр. 8854

كالضمة والفتحة؛ لأن إبدال حركة بحركة قد لا يخرج الكلمة عن معناها بخلاف إبدال الحروف، ولو أبدل الكلمة كلها لمنع من ذلك فكذلك إبدال أحد حروفها. الثاني: أن مخرج الضاد من الشدق، ومخرج الظاء من طرف اللسان، وإذا قال: ولا الظالين، كان معناه ظل يفعل كذا، فهناك فرق في المعنى بينه وبين قوله ولا الضالين الذي هو من الضلالة. دليل من قال: تصح إمامة من لا يميز بين ضاد وظاء: أن التفريق بينهما مما يخفى على أكثر الخاصة من الناس فضلًا عن عوامهم ولأن المخرجين متقاربان، والتفريق بينهما عسر، والمشقة تجلب التيسير. قال ابن تيمية بعد أن حكى الوجهين: «الثاني: تصح، وهذا أقرب؛ لأن الحرفين في السمع شيء واحد، وحس أحدهما من جنس حس الآخر؛ لتشابه المخرجين، والقارئ إنما يقصد الضلال المخالف للهدى، وهو الذي يفهمه المستمع. فأما المعنى المأخوذ من (ظل) فلا يخطر ببال أحد، وهذا بخلاف الحرفين المختلفين صوتًا ومخرجًا وسمعًا، كإبدال الراء بالغين، فإن هذا لا يحصل به مقصود القراءة» (١). الراجح: الأولى ألا يتقدم اللاحن للصلاة لمخالفته ظاهر حديث: (يؤم القوم أقرؤهم) فإنه خبر بمعنى الأمر، أي ليؤم القوم أقرؤهم، واللاحن لحنًا يغير المعنى لم يتحقق فيه هذا الشرط، ولو تقدم لم أبطل صلاة من خلفه؛ لأن الأمر في الحديث الراجح فيه أنه على وجه الاستحباب، والأصل صحة الصلاة، واللاحن معذور في لحنه إما لعجزه، وإما لعدم وجود معلم كما لو كان في البادية، أو لضيق الوقت عن التعلم، وما سقط عنه لا يؤثر على صحة صلاته، وإذا لم يؤثر على صحة صلاته لم يؤثر على صحة صلاة من خلفه من باب أولى، والله أعلم.

стр. 8855

الفرع الثالث في إمامة الفأفاء والتمتام المدخل إلى المسألة: لا يدخل الفأفاء والتمتام في اللحن؛ لأنه قد أتى بالكلمة سليمة وإنما زاد حركة أو حرفًا على وجه الغلبة. من المعلوم في قواعد الشريعة أن المغلوب ليس كالمتعمد. زيادة الفأفاء والتمتام محطوط عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾. إذا كان الحدث الدائم لا يفسد الطهارة؛ مع منافاته لها؛ لأنه مغلوب عليه، فكان وجوده كالعدم، فمن باب أولى إذا كان مغلوبًا على زيادة الحرف. التكرار لا ينافي القراءة قياسًا على تكرار الآية. لو حلف ولم يقصد اليمين كان لغوًا فلا كفّارة، ولا حنث، فكذلك إذا لم يقصد زيادة الحرف. [م-١٠٢٦] الفأفاء: هو الذي يكثر ترداد الفاء إذا تحدث. والتمتام: من يكثر ترداد التاء، والقياس أن يقال: التأتاء (١). وقيل الفأفاء الذي يعسر عليه خروج الكلام … والتمتام: هو الذي يعجل في الكلام، ولا يكاد يفهمك (٢). والأول أشهر. فقيل: تكره إمامة الفأفاء والتمتام، وهذا مذهب الجمهور، وقول في مذهب

стр. 8856

المالكية، قال بعض الشافعية: وسائر الحروف في تكرارها بمثابة التاء والفاء في الكراهة، فتكره إمامة الوأواء، وهو الذي يكرر الواو (١). وقيل: لا بأس بإمامة الفأفاء والتمتام، ولو كان ذلك في الفاتحة، وهو مذهب المالكية (٢). وقيل: تصح إمامته إن كان في غير الفاتحة، ومفهومه أنها في الفاتحة لا تصح،

стр. 8857

وهو قول في مذهب المالكية، وحكاه قولًا من الحنابلة ابن تميم (١). جاء في الإنصاف: «وحكي قول: لا تصح إمامتهم. حكاه ابن تميم» (٢). وجه القول بالجواز: لأنهم يأتون بالحروف الواجبة، وإنما تزاد حركة أو حرفًا على وجه الغلبة، ولأن تكرار الحرف بمنزلة تكرار الآية، فلا يؤثر في صحة الصلاة، أو كالذي يتكلم ناسيًا، فالقراءة صحيحة، والزائد محطوط عنه. تعليل من قال بكراهة إمامة التمتام والفأفاء: عللوا الكراهة بأن في قراءتهم نقصًا عن حال الكمال بالنسبة إلى من لا يفعل ذلك. ولأنهم يزيدون في الكلمة ما ليس منها. ولما فيه من التطويل على المأموم، ولنفرة الطباع من سماع كلامهم. تعليل من قال: لا تصح إمامتهم: استدلوا بأدلة من قال بالكراهة إلا أنهم رأوا أن هذه التعليلات تقتضي المنع. الراجح: القول بالكراهة قول وسط، وهذا في حال وجود إمام أكمل منهم، فإن لم يوجد فلا كراهة في إمامتهم.

стр. 8858

الفرع الرابع في إبدال حرف مكان حرف في القراءة المطلب الأول في إبدال الضاد ظاء المدخل إلى المسألة: المشقة تجلب التيسير، والتكليف منوط بالقدرة. اللحن في القراءة نقص فيها؛ لهذا لا يختلفون في كراهة إمامته مع وجود غيره. ليس كل نقص في القراءة مفسدًا للصلاة إلا بدليل، والأصل الصحة. إذا كان اللحن لا يمنع من صحة صلاة اللاحن، لم يمنع من صحة إمامته. اللاحن إذا لم يقصر في التعلم، فقد أدى ما فرضه الله عليه، وذلك لا يمنع من صحة الاقتداء به. إذا صحت صلاة الرجل منفردًا صحت إمامته؛ لأن فعل الإمام فعل المنفرد، فلو نوى المأموم الائتمام صح الاقتداء به، علم الإمام أو لم يعلم، فلكل صلاته المستقلة عن الآخر. الفاتحة كلها ركن، وليس كل حرف فيها يعد ركنًا، فاللحن في القراءة يقع غالبًا في أحرف يسيرة. لو كان اللحن بمنزلة الكلام الأجنبي في الصلاة ما جاز له أن يؤم من كان مثله، وعامة العلماء على جواز إمامة اللاحن لمثله. [م-١٠٢٧] اختلف الفقهاء في إمامة الرجل الذي لا يميز بين الضاد والظاء: فقيل: تصح إمامته، اختاره أكثر الحنفية، وهو أصح الوجهين عند الحنابلة،

стр. 8859

ووجه عند الشافعية (١). جاء في غاية المنتهى «ولا إمامة أمي: وهو من لا يحسن الفاتحة، أو يدغم فيها ما لا يدغم أو يبدل حرفًا إلا ضاد المغضوب والضالين بظاء» (٢). وقال المالكية: من لا يميز بين ضاد وظاء يجري مجرى اللحن في الفاتحة، نص عليه ابن رشد وابن شاس وابن الحاجب، فإنهم لما ذكروا الخلاف في اللحان، قالوا: ومنه من لا يميز بين ضاد وظاء، وذكر مثل ذلك اللخمي وابن يونس وابن بشير وغيرهم، وقد اختلفوا في اللحن في الفاتحة على أقوال أربعة ذكرتها في مسألة سابقة، وهي تجري على هذه المسألة، والمعتمد صحة إمامته ما لم يتعمد (٣).

стр. 8860

قال المازري في التلقين:: «حكي عن الشيخين أبي محمَّد وأبي الحسن: أن عدم تمييز الظاء من الضاد في أم القرآن يجري مجرى اللحن فيها» (١). وقال العدوي في حاشيته على الخرشي: القول بالصحة هو المعتمد ما لم يتعمد اللحن (٢). وقيل: لا تصح إمامته، اختاره بعض الحنفية، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وأحد الأقوال في اللحن في مذهب المالكية، ووجه في مذهب الحنابلة، قال ابن قدامة: قياس المذهب أنه كالأمي (٣). قال النووي: «ولو أبدل ضادًا بظاء لم تصح في الأصح» (٤). وقيل: يصح مع الجهل، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥). وقيل: يصح في غير الفاتحة، اختاره بعض المالكية (٦). دليل من قال: لا تصح إمامة من لا يميز بين ضاد وظاء إلا لمثله: أن النطق بالضاد يخالف النطق بالظاء، وعمل اللسان فيهما عمل مختلف،
следующие страницы →