← Фикх общий

Фикх общий · id 30064

موسوعة أحكام الصلوات الخمس

دبيان الدبيان

Полный текст (10 314 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ودلالات بل من لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه - كابن أبي وأمثاله - ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته .... » (١). والله أعلم. ظاهر كلام شيخ الإسلام أن من يترك الصلاة أحيانًا بمنزلة المنافق، فيحكم بإسلامه في الظاهر، وإن كان في الباطن كافرًا، ولا يحكم بكفره على قول شيخ الإسلام حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته. وما هي السنة الشرعية التي توجب العقوبة إلا أن يريد بذلك أن يحكم قاضٍ بردته بعد أن يسأل لما تركها؟ فإن كان له شبهة رفعها، وإن لم يكن له شبهة دعاه إلى فعلها، فإن امتنع حكم بردته، وحينئذٍ تنزل عليهم أحكام الردة؛ لأن مثل هذه الأحكام ليست لآحاد الناس، والله أعلم (٢). ولابن تيمية ﵀ كلام صريح أن تارك الصلاة له حكمان، ظاهر، وهو الإسلام، وباطن وهو الكفر، كالمنافق. يقول في شرح العمدة: «فأمَّا إذا لم يُدْعَ -يعني تارك الصلاة- ولم يمتنع، فهذا لا يجري عليه شيء من أحكام المرتدِّين في شيء من الأشياء، ولهذا لم يُعلم أنَّ أحدًا من تاركي الصلاة تُرِك غسلُه والصلاةُ عليه ودفنُه مع المسلمين، ولا مُنِع ورثتُه ميراثَه، ولا أُهدِر دمُه بسبب ذلك، مع كثرة تاركي الصلاة في كلِّ عصر، والأمة لا تجتمع على ضلالة. وقد حمل بعض أصحابنا أحاديث الرجاء على هذا الضرب. فإن قيل: فالأدلَّة الدالَّة على التكفير عامَّة عمومًا مقصودًا، وإن حملتموها على هذه الصورة -كما قد قيل- قلَّت فائدتُها، وزال مقصودها الأعظم؛ وليس في

стр. 912

شيء منها هذه القيود. قلنا: الكفر على قسمين: قسم تُبنى عليه أحكام الدنيا من تحريم المناكح والذبائح، ومنع التوارث والعقل، وحلِّ الدم والمال وغير ذلك، فهذا إنما يثبت إذا ظهر لنا كفره، إما بقول يوجب الكفر، أو عملٍ مثل السجود للصنم وإلى غير القبلة، والامتناع عن الصلاة، وشبه ذلك. فهذا النوع لا نرتِّبه على تارك الصلاة حتى نتحقَّق امتناعه الذي هو الترك، لجواز أن يكون قد نوى القضاء فيما بعد -يقصد: أنه أخرها ولم يتركها- أو له عذر وشبه ذلك. والثاني: ما يتعلق بأحكام الآخرة، من الانحياز عن أمة محمد، واللَّحاق بأهل الكفر، ونحو ذلك فهذا قد يجري على كثير ممن يدعي الإسلام. وهم المنافقون الذين أمرُهم بالكتاب والسنة معلوم، فمن لم يصلِّ، ولم ينو أن يصلِّي قطُّ (١)، ومات على ذلك من غير توبة فهذا تارك الصلاة، مندرجٌ في عموم الأحاديث؛ وإن لم يظهر في الدنيا حكمُ كفره. ومن قال من أصحابنا: لا يُحكَم بكفره إلا بعد الدعاء والامتناع، فينبغي أن يُحمَل قولُه على الكفر الظاهر. فأما كفر المنافقين فلا يجوز أن يُشترَط له ذلك، فإنَّ أحمد وسائر أصحابنا لم يشترطوا لحقيقة الكفر هذا الشرط» (٢). فواضح أن ابن تيمية ﵀ يرى أن تارك الصلاة كافر ظاهرًا وباطنًا، وهذا في حق من دعي وامتنع عن الصلاة: وكافر باطنًا، ومسلم ظاهرًا قبل ذلك، بحيث يعامل معاملة المنافقين، فيعطى أحكام الإسلام، والله أعلم.

стр. 913

وإذا كان من يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا يكفر في الباطن فإنه يكفر بترك صلاة واحدة؛ لأن تقييده بعدد معين يحتاج إلى توقيف، والحكم بكفره لا يعني ترتب أحكام الكفر عليه، فهو مسلم ظاهرًا حتى يقضي بكفره حاكم شرعي، بأن يقف على سبب تركه للصلاة، فلا يكون له عذر، ويدعوه إلى فعلها فيمتنع، فهنا يحكم القاضي بكفره، وقبل ذلك يعامل معاملة المنافق، والله أعلم.

стр. 914

الباب الثاني شروط الصلاة الشرط الأول من شروط الصلاة الإسلام [م-١٣٤] لا يطالب بالصلاة من لم يقرَّ بالشهادتين، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣]. (ح-٣٤٦) وروى مسلم من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ ، قال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمسَ صلواتٍ في كل يوم وليلة (٢). وجه الاستدلال: أن التكليف بالصلاة مشروط بالإقرار بالشهادتين؛ لأن الصلاة لا تصح إلا من المسلم، ولا يكون الرجل مسلمًا حتى يقرَّ بهما، فكان هذا دليلًا على أن من لم يقرَّ بالشهادتين لا يطلب منه أداء الصلاة، ولا غيرها من العبادات.

стр. 915

المبحث الأول في وجوب الصلاة على الكافر المدخل إلى المسألة: * لا تصح الصلاة من الكافر حال كفره، ولا يطالب بقضائها إذا أسلم. * الكافر مكلف بالإيمان، ومعاقب على تركه، وهذا بالاتفاق. * الإسلام شرط لصحة العبادة بالاتفاق، وهل هو شرط لوجوبها؟ فيه خلاف. * الحكم بصحة أنكحتهم، وإرثهم، وملكهم، وبيعهم، وشرائهم إذا وافق المشروع ثابت في حق الكفار؛ لأنه من خطاب الوضع، وليس من خطاب التكليف. * إذا صح تكليف الكافر بالركن الأول من أركان الإسلام صح تكليفه ببقية الأركان نصًّا أو قياسًا. * جنايات الكافر سبب في الضمان، وهذا ثابت في حقه بالإجماع، وهو من خطاب الوضع، وليس من خطاب التكليف؛ لثبوت ذلك في حق الصبي والمجنون. [م-١٣٥] لا تصح الصلاة من الكافر حال كفره بالاتفاق (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. دلت الآية على أن الله خص افتراض الصلاة على المؤمنين؛ لأن قوله سبحانه: (كتابًا): أي مكتوبًا، والمكتوب بمعنى المفروض حيث لم يذكر

стр. 916

في القرآن لفظ الكتاب وما تصرف منه إلا فيما هو لازم، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٢]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]. فدلت الآية بمنطوقها: على أن الصلاة كانت فرضًا على المؤمنين. ودلت بمفهومها: أن الكفار لا يخاطَبون بالصلاة، فلا يؤمرون بها، ولا تصح منهم ما داموا على كفرهم. (ح-٣٤٧) روى مسلم من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ -فقال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يوم وليلة .... الحديث (١). ولأن شرط الثواب على العمل الدال على قبوله وصحته أن يكون صادرًا من أهل الإيمان، وإذا أطلق الإيمان شمل الإسلام كما هو معلوم. قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الفرقان: ٩٤]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]. كما أن الكفر محبط للعمل، وحبوطه دليل على بطلانه وعدم صحته. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧]. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤].

стр. 917

فالإسلام شرط لصحة الصلاة، وهذا بالإجماع: قال الحطاب: «ولا تصح منه بالإجماع؛ لفقد الإسلام» (١). وحكى الإجماع ابن قدامة وابن رشد وغيرهما (٢). وهل الإسلام شرط لوجوب الصلاة؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، والخلاف راجع إلى مسألة أصولية، هل الكافر مخاطَبٌ بفروع الشريعة؟ وتحرير المناط في هذه المسألة أن يقال: [م-١٣٦] لا خلاف بين أهل العلم بأن الكافر مخاطب بأصول الدين كالتوحيد والإقرار بالنبوات ونحوها؛ لأن النبي ﷺ -بعث إلى الناس كافة، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٣). [م-١٣٧] ولا خلاف أيضًا بأن الكافر الأصلي إذا أسلم لا يطالب بالقضاء؛ لأن إسلامه سبب في مغفرة ما تركه من الواجبات، وما فعله من المحرمات لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقولنا: (الكافر الأصلي) احتراز من المرتد، فإن العلماء مختلفون فيه إذا أسلم، هل يجب عليه قضاء ما فاته من الصلوات حال ردته؟ وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى. واختلفوا في خطاب الكافر بفروع الشريعة، كالصلاة والزكاة، والأقوال فيها كالتالي: القول الأول: أن الكافر مخاطب بالشرائع من أوامر ونواهٍ.

стр. 918

وبهذا قال جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، واختاره بعض الحنفية (١). القول الثاني: أن الكفار لا يخاطبون بالشرائع. وهذا قول أكثر الحنفية، ورواية عن الشافعي، رجحها الإسفرائيني، واختارها بعض أصحابه، ورواية عن أحمد (٢). القول الثالث: أن الكفار مخاطبون بالنواهي كالزنا والسرقة والقتل دون الأوامر كالصلاة والصيام والحج. وهو قول في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٣). القول الرابع: أنهم مكلفون بالفروع جميعًا إلا الجهاد في سبيل الله، ذكر هذا المذهب إمام الحرمين في النهاية، والقرافي في تنقيح الفصول، والأسنوي في التمهيد (٤).

стр. 919

هذه أهم الأقوال في المسألة. والله أعلم. * وسبب الخلاف: من قال: إن الكافر غير مخاطب بالفروع حال كفره، بناه على أن الكافر لا يصح القول بخطابه بالفروع مع الاتفاق على أننا لا نأمره بفعل العبادة، ولو فعلها لم تصح منه، وهذا هو معنى نفي التكليف بنفي الخطاب. ومن قال: إنهم مخاطبون بالفروع رأى أنهم مأمورون بالفروع بشرط الإيمان، كالمحدث يؤمر بالصلاة بشرط الطهارة. وهناك من يرى الجمع بين الخلاف، فيقول: معنى غير مخاطبين بالفروع: أي لا تجب عليهم وجوب أداء حال كفرهم، ومخاطبون بالفروع بمعنى أنهم معاقبون عليها في الآخرة، فلا يتصور عقاب إلا إذا سبقه تكليف، وبهذا يجتمع القولان (١). وعلى القول بأنهم معاقبون في الآخرة: أيعاقبون على ترك الامتثال أم يعاقبون على ترك اعتقاد الوجوب؟ لأنهم ينكرون وجوب الامتثال، واعتقاد ذلك كفر يعاقبون عليه (٢). إذا علمت الأقوال ننتقل إلى معرض الاستدلال. * دليل من قال: الكفار مخاطبون بالفروع كلها الأوامر والنواهي: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢، ٤٣].

стр. 920

وجه الاستدلال: أن الآية ذكرت موجبات النار، فكان أولها ترك الصلاة، وهي من فروع الشريعة، والعقاب دليل على ترك الواجب. * وناقش الحنفية هذا الاستدلال: بأن المراد ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ لم نك من المؤمنين الذين يعتقدون الصلاة، وإلا لقال: لم نك نصلِّي (١). وهذا تأويل فيه تكلف، فإن لفظ: (مصلٍّ) اسم فاعل، وهو نائب مناب الفعل، و (أل) في الاسم المشتق (المصلين) تعني الاسم الموصول: الذين يصليون، فيكون المعنى: لم نَكُ من الذين يصليون (٢). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وجه الاستدلال: أن لفظ (الناس) اسم جنس معرف (بأل) الاستغراقية، فيشمل جميع الناس. ولأن الله لم يستثن أحدًا من الناس إلا العاجز، والاستثناء معيار العموم، كما يقول أهل الأصول. قال القرطبي: «أجمع العلماء على أن الخطاب بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ عام في جميعهم، مسترسل على جملتهم» (٣). وقال ابن العربي: قوله تعالى: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ عام في جميعهم، مسترسل على جميعهم من غير خلاف بين الأمة في هذه الآية، وإن كان الناس قد اختلفوا في مطلق العمومات، بيد أنهم اتفقوا على حمل هذه الآية على جميع الناس ذكرهم

стр. 921

وأنثاهم، خلا الصغير، فإنه خارج بالإجماع عن أصول التكليف، فلا يقال فيه: إن الآية مخصوصة فيه، وكذا العبد لم يدخل فيها؛ لأنه أخرجه عن مطلق العموم الأول قوله سبحانه في تمام الآية: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ والعبد غير مستطيع؛ لأن السيد يمنعه بشغله بحقوقه عن هذه العبادة» (١). وإذا شمل الكافرَ الأمرُ بالحج، وهو من جملة المأمورات خوطب الكافر في المنهيات؛ لأن كل من قال بخطابه بالأمر قال بخطابه بالنهي، بخلاف العكس. * ويناقش: إن كان هناك إجماع على أن لفظ (الناس) أريد به الجنس، فذاك، وإلا فقد يطلق الناس ويراد به لفظ خاص، فيكون من العام الذي أريد به الخصوص. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]، والناس في الآية: إما أن يراد بهم المهاجرون والأنصار، أو من آمن من أهل الكتاب زمن الوحي، وعلى أيهما حملت الآية فهم قليل من الناس. وقال : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. والمراد بالناس نعيم المكي. ومثله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ يقصد بذلك المؤمن منهم، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية: [البقرة: ٢١]. فالخطاب لعموم المكلفين، والأمر بعبادته شامل للأصول والفروع، والأوامر والنواهي، ولا يُعترض عليه بخروج الصغير والمجنون؛ لأن خطاب الشارع لا يتوجه لهما أصلًا، فلم يخاطب الصغير من أبناء المسلمين فضلًا أن يخاطب المجنون، وسوف يأتينا مناقشة خطاب الصغير في الصلاة في مبحث مستقل. * ونوقش: بأن ابن عباس قد فسر الآية بأن قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: أي وحدوا ربكم.

стр. 922

* وأجيب بجوابين: الأول: أن المروي عن ابن عباس ضعيف (١). الثاني: أن الطبري، قال: أراد ابن عباس: وحدوه: أي أفردوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه (٢). الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. فإذا اشتروا منا اللحم كان حلالًا لهم، وكان الثمن حلالًا لنا، والإباحة تشريع، وهي من الأحكام التكليفية. الدليل الخامس: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٦، ٧]. * ونوقش: بأن المقصود بالزكاة هنا: تزكية النفس بالتوحيد (٣). * وأجيب: بأن الطبري رجح أن تكون الزكاة على المعنى الشرعي، لأنه لو فسرت الزكاة بالتوحيد لم يكن له معنى قولهُ في آخر الآية: ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٧]، لأنه معلوم أن من لا يوحد الله لا يؤمن بالآخرة (٤). الدليل السادس: (ح-٣٤٨) روى البخاري من طريق نافع،

стр. 923

عن ابن عمر ﵄، أن عمر سأل النبي ﷺ ، قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: فأوفِ بنذرك (١). * ونوقش هذا: [م-١٣٨] بأن النذر إذا عقده الكافر وكان فيه بر لله فقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء به على قولين. أحدهما: يجب الوفاء بالنذر، ولو عقده حال كفره، وهو وجه عند الشافعية، ومذهب الحنابلة، واختيار أبي ثور، والطبري ونسب القول للبخاري، وبه قال ابن حزم، واحتجوا بالحديث (٢). فالأمر بالوفاء به فرع عن صحته. والثاني: لا يجب الوفاء به، وبه قال أبو حنفية، ومالك، وجمهور الشافعية، وحملوا الحديث على الندب (٣). وتأوله بعض المالكية بأنه عقده في أيام الجاهلية، ولم يرد وهو على دين الجاهلية، فيكون المعنى عقده وهو مسلم أيام الجاهلية (٤). وهذا بعيد. وأرى أن حمل الحديث على الندب لا ينفي صحة الاستدلال بالحديث؛ لأن الاستحباب مبني على أن النذر قد انعقد حال الكفر، وليس نذرًا مستأنفًا.

стр. 924

الدليل السابع: (ح-٣٤٩) ما رواه البخاري من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: أن اليهود، جاؤوا إلى النبي ﷺ -برجل منهم وامرأة زنيا فأمر بهما، فرجما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد (١). * ويناقش من وجهين: أحدهما: أن الزنا سبب للرجم، فهو من خطاب الوضع. الثاني: أن الرجم في شريعتهم، وقد وافق شريعتنا، ولم يطبق النبي ﷺ -الرجم عليهما من باب إقامة الحدود عليهم في شريعتنا، ولذلك روى البخاري ومسلم في رواية: ما تجدون في التوراة على من زنى (٢). * دليل من قال: الكفار غير مخاطبين بالفروع: الدليل الأول: (ح-٣٥٠) ما رواه مسلم من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ -فقال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة .... الحديث (٣). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن الكفار لا يخاطبون بفروع الشريعة، حيث دُعُوا أولًا إلى الإيمان فقط، ثم دُعُوا إلى العمل، ورتب عليه بالفاء. * ونوقش هذا من وجهين: الوجه الأول: أن الاحتجاج بقوله: (فإن هم أطاعوك) له منطوق ومفهوم: فمنطوقه: أن المطالبة بالإقرار بالصلاة يأتي بعد الإقرار بالشهادتين.

стр. 925

ومفهومه: أنهم إن لم يقروا بالشهادتين لا يطالبون بالصلاة. أما الأدلة السابقة دلت بمنطوقها على أنهم مكلفون بالفروع، والمفهوم لا يقوى على معارضة المنطوق. الوجه الثاني: لوقلنا بمفهوم الشرط في الحديث للزم من ذلك الترتيب بين الصلاة والزكاة، مع أنكم لا تقولون بذلك، ولعل الغرض من ذلك هو التدرج في الدعوة حتى لا ينفروا من كثرة الفرائض إذا جمعت عليهم، والله أعلم. وهل يقال: إن فيه إشارة إلى أن تارك الصلاة كافر، فلا تجب الزكاة على من لم يُصَلِّ، وإن أقر بوجوبها، فيه احتمال إذا فسرنا قوله: (فإن هم أطاعوك) أي بفعلها، وليس بالإقرار بوجوبها، وهذا التفسير خلاف الظاهر؛ لأن الحديث متوجه إلى المطالبة بالإقرار بالفريضة، وليس المطالبة بفعلها، وأما النظر إلى كفر تاركها بعد الإقرار بوجوبها فهذه مسألة أخرى، لا تؤخذ من هذا الحديث، والله أعلم. الدليل الثاني: أن حكم الوجوب: يعني وجوب الأداء، وفائدة الأداء: هو نيل الثواب، والكافر ليس من أهل الأداء، ولا من أهل الثواب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. فإيجاب الشرائع على الكافر تكليف بما ليس في الوسع؛ لأنها إما أن تجب العبادة لتؤدى في حالة الكفر، أو لتؤدى بعد الإسلام. ولا وجه للأول؛ لأن الكفر مانع من صحة أداء العبادة. ولا للثاني؛ لأن قضاءها لا يجب بعد الإسلام، وتكليف ما ليس في الوسع غير جائز سمعًا وعقلًا. * ونوقش من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: كون الكافر ليس من أهل الأداء لا يعني عدم وجوبها عليه، فهو مأمور

стр. 926

بالشرائع بشرط الإيمان، كالمحدث يؤمر بالصلاة بشرط الطهارة، ولو صلى لم تقبل منه حتى يتطهر. * وأجيب: لا يصح أن نجعل الإيمان تبعًا للشرائع، بل غيرُه من الشرائع تبعٌ له، فجميع الأحكام الشرعية من العبادات تبع للإيمان، والشيء لا يصلح أن يكون تبعًا لما هو تبعه، بخلاف الطهارة فوجوبها تبع لوجوب الصلاة، فالغاية هي الصلاة، والطهارة وسيلة لها، وليس كذلك الإيمان (١). الوجه الثاني: أن الإنسان إذا أُمِرَ بأن يفعل فعلًا، وكان هناك مانع يمنع من صحة الفعل، فإن كان المانع ليس من قبل المكلف كالعجز، سقط الفعل. وإن كان المانع من قبل المكلف أثم، ولم يرتفع عنه التكليف، كشارب الخمر، فإنه لا يصلي حتى يعلم ما يقول، وإذا خرج وقت الصلاة وهو لم يُصَلِّ أثم بذلك، وإن كان منهيًّا عن الصلاة حال السكر، وهكذا الكفر فإنه مانع قام بالمكلف من جهته، فلا يرفع التكليف. الوجه الثالث: أن الفائدة من كون الكفار مخاطبين بفروع الشريعة تضعيف العذاب عليهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]. فهؤلاء لما جمعوا بين الكفر والإفساد في الأرض زادهم الله عذابًا فوق العذاب بسبب إفسادهم، وإذا تُصُوِّرَ زيادةُ العذاب في ارتكاب النواهي، فزيادة العذاب بترك الأوامر مثله؛ لأنها أحد شقي التكليف. ومثل الآية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ

стр. 927

الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. [الفرقان: ٦٨، ٦٩]. فقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ يتناول جميع ما تقدم فيعاقب على القتل والزنا كما يعاقب على الشرك. * وأجاب الحنفية عن هذا بجوابين: الجواب الأول: بأن عدم تناول الخطاب إياهم تغليظًا عليهم، وليس من باب التخفيف، بل يكون فيه بيان عظم الوزر والعقوبة فيما أصروا عليه من الشرك، ومثاله في الحسيات، فالطبيب يطلب من المريض أن يشرب الدواء إذا كان يرجو شفاءه، فإذا أيس من شفائه ترك مطالبته بشرب الدواء، وسقوط المطالبة لا يتصور أنه من باب التخفيف عنه. والقتل العمد لا كفارة فيه على الصحيح، بخلاف الخطأ، وليس هذا من باب التخفيف بل لأن العمد أعظم من أن تكفره الكفارة. والعبد المكاتَبُ إذا عجز عن تسديد الأقساط سقطت عنه، ولا يكون إسقاط الولي هذه المطالبة من باب التخفيف، فإن ما يبقى فيه من ذل الرق فوق ضرر المطالبة بالأداء. الجواب الثاني: بأن خطاب الشارع للأداء، وليس للإثم، وإنما الإثم مترتب على ترك الأداء بعد وجوبه، ولم يجب الأداء على الكافر (١). * ورد: بأنه لا يمتنع أن يكون خطاب الشارع للثواب والعقاب على حد سواء. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. ولا خلاف أن الكافر غير داخل في هذه الآية، ولو دفع الزكاة لم تكن طهارة وزكاة لنفسه وعمله، وصلوات الرسول لا تكون سكنًا لأعداء الله.

стр. 928

* ويجاب: هذا يتوجه لو كنا نخاطب الكافر بأن يزكي، وهو كافر، أما إذا طالبناه بالزكاة بشرط الإيمان فستكون الزكاة طهارة وتزكية له بلا شك، والتكاليف كلها شرعت لتزكية النفس وتحصيل مصالحها الدنيوية والأخروية. الدليل الرابع: (ح-٣٥١) ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس، أن أنسًا حدثه: أن أبا بكر ﵁، كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ -على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله … الحديث (١). * ويجاب عن الاستدلال بالآية والزكاة: بأن الكلام على خطاب الشارع بالأوامر والنواهي المطلقة، والتي ظاهرها يشمل عموم الناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية: [البقرة: ٢١]. وليس النزاع بالخطاب إذا كان مصدرًا بقوله: يا أيها الذين آمنوا، ونحوها، فلا يتناولهم اللفظ نصًا حتى وإن قلنا: إنهم مخاطبون بالفروع إلا بدليل منفصل. الدليل الخامس: (ث-٩٤) ما رواه عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، قال: بلغ عمر بن الخطاب أن عماله يأخذون الجزية من الخمر، فناشدهم ثلاثًا، فقال بلال: إنهم ليفعلون ذلك. قال: فلا تفعلوا، ولكن ولوهم بيعها، فإن اليهود حُرِّمَت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها (٢). ورواه أبو عبيد من طريق إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة،

стр. 929

أن بلالًا قال لعمر بن الخطاب: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوا منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن (١). [إسناده صحيح] (٢). وجه الاستدلال: لو كانوا مخاطبين بشريعتنا لم يكن لهم أن يتمولوا الخمرة بيعًا وشراءً بأمر عمر ﵁، ولم يكن ليأخذ منهم العشر من ثمن باطل، ولم يكن ليسمي ما يقابلها ثمنًا، فإن الثمن لا يكون إلا في بيع صحيح عند الإطلاق، فدل على أنهم غير مخاطبين بشريعتنا حتى يسلموا. * حجة من قال: الكفار مخاطبون بالنواهي دون الأوامر: الدليل الأول: استدلوا ببعض أدلة القول السابق والقائل بأنهم مكلفون بالأوامر والنواهي، فانتزعوا الأدلة الدالة على تكليفهم بالنواهي واحتجوا بها: كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]. فهؤلاء لما جمعوا بين الكفر والإفساد في الأرض زادهم الله عذابًا فوق العذاب بسبب إفسادهم، والإفساد في الأرض نص في عقابهم على ارتكاب النواهي. ومثل الآية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. [الفرقان: ٦٨، ٦٩]. فكان الكفر والقتل والزنا من أسباب زيادة العذاب، وكلها من باب النواهي. الدليل الثاني: أن المأمورات يتوقف التكليف بها على نية القربة، والكافر لا تصح منه نية العبادة بخلاف المنهيات فلا يتوقف تركها على نية. ولأن الأوامر من باب تحصيل المصالح، وهم ليسوا أهلًا لها، وأما النواهي

стр. 930

فتركها من باب كف المفاسد، وهم ملزمون بتركها، وكما أنه يخاطب بالعقوبات وضمان المتلفات، يخاطب بترك النواهي، وإذا خوطب بتركها عوقب على فعلها في الدنيا والآخرة. * ويجاب: بأن الامتثال في ترك المنهيات من الكافر لا عبرة به إذا لم يكن إقرارًا بتحريمه، لهذا لا فرق بين المأمورات والمنهيات في حق الكافر. وجه من قال: الكفار مكلفون بالفروع إلا الجهاد: أن المسلمين مخاطبون بجهاد الكفار، فيمتنع أن يجاهد الكافر نفسه. * الراجح: بعد استعراض الأقوال أجد أن القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة إن قصدوا به أنهم مطالبون بالامتثال حال كفرهم، فهم غير مخاطبين. وإن قصدوا من التكليف أنهم معاقبون على تركها، في الآخرة، فهذا غير ممتنع، والله أعلم.

стр. 931

المبحث الثاني في وجوب قضاء الصلاة على المرتد إذا أسلم المدخل إلى المسألة: * الكافر إذا تاب غفر له ما قد سلف بنص القرآن فلا قضاء عليه، والمرتد كافر أيام ردته فيشمله النص. * الآيات المطلقة في حبوط العمل بالردة من غير قيد، محمولة على المقيد منها بأن تتصل بالموت، وكل شيء علق بشرطين لا يثبت بأحدهما. * مخاطبة الكافر الأصلي بفروع الشريعة لم يوجب عليه القضاء إذا أسلم، فكذلك المرتد. وقيل: * ما التزمه بإسلامه لا يقدر على إسقاطه بردته، كغرامة الأموال، وحقوق الآدميين. [م-١٣٩] أبانت المسألة السابقة عن خطاب الكافر الأصلي بفروع الشريعة، ويقابل الأصليَّ المرتدُّ. وإذا مات على ردته فلا يختلف مصيره عن الكافر الأصلي، وإنما الشأن الذي وقع فيه اختلاف: إذا عاد المرتد إلى الإسلام، هل يكون حكمه حكم الكافر الأصلي في سقوط القضاء، أو يجب قضاء ما فاته زمن الردة؟ وإذا قيل إن الردة تحبط العمل، فإذا عاد هل يكلف بالحج مرة أخرى، أو أن عمله السابق لا يبطل بمجرد الردة إلا بالموت عليها؟ اختلف العلماء في هذه المسألة: فقيل: لا قضاء على المرتد مطلقًا، لا فيما تركه قبل ردته، ولا فيما فاته زمن

стр. 932

الردة، ويحبط حجه إن كان قد حج قبل الردة، ويجب عليه الحج مرة أخرى، وهو أداء، لا قضاء. وهو مذهب المالكية، والحنفية، ورواية عن أحمد (١). وعليه فلو صلى ثم ارتد، ثم تاب فإن كان بعد خروج الوقت سقط عنه القضاء، وإن كانت توبته قبل خروج الوقت وجب عليه إعادة الصلاة التي صلاها؛ لأن الصلاة الأولى أحبطها بالردة، وهو مخاطب بالصلاة لبقاء وقتها؛ لأنه في حكم الذي لم يُصَلِّ. وقيل: يجب عليه قضاء كل ما فاته في الردة أو قبلها، وإذا أسلم لا يلزمه إعادة ما كان فعله قبل الردة من حج وصوم، وهو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد (٢). وعليه فلو صلى المسلم ثم ارتد، ثم أسلم، ووقت تلك الصلاة باقٍ لم يجب إعادتها، وإذا أسلم لا يلزمه إعادة ما كان فعله قبل الردة من حج ونحوه (٣). وقيل بالتفصيل: يقضي ما تركه قبل ردته، ولا يقضي ما فاته زمن ردته، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ما تركه حال

стр. 933

الردة عند جمهور العلماء» (١). * دليل من قال: لا يجب عليه القضاء: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]. فالعمل يحبط بالردة، ويجعل المرتد في حكم الكافر الأصلي، فإذا أسلم فإن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، هذا في باب قضاء ما تركه حال ردته. وما فعله قبل الردة من حج ونحوه فقد حبط بالردة، وعليه أن يحج مرة أخرى بعد إسلامه، وهو من باب الأداء، وليس من باب القضاء، فالردة أسقطت قضاء الصلاة والصيام والزكاة قبل الردة، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وإن فعلت قبل الردة فقد حبطت بالردة، وكان مطالبًا بالأداء كما لو لم يفعل، كما لو ارتد بعد الوضوء، ثم رجع إلى إسلامه قبل أن يحدث، وكما لو ارتد في أثناء الصيام، ثم رجع إلى الإسلام قبل أن يفطر، وقبل أن تغرب الشمس. * ونوقش هذا: بأن الآيات المطلقة في حبوط العمل بالردة من غير قيد، محمولة على المقيد منها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ومقتضى الأصول حمل المطلق على هذا المقيد، فيقيد إحباط العمل بالموت على الكفر، وكل شيءٍ علق بشرطين لا يثبت بأحدهما.

стр. 934

ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]. والمرتد إذا رجع إلى الإسلام ليس من الخاسرين بالاتفاق. وأما الآيات التي سيقت في حق الأنبياء، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. فالشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]. وقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧]. وإحباط العمل بالموت على الردة إنما ينصرف إلى الثواب دون حقيقة العمل لبقاء صحة صلاة من صلى خلفه، وحل ما كان ذبحه، وعدم نقض تصرفه، والله أعلم. (ح-٣٥٢) وقد روى مسلم من طريق يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن حكيم بن حزام، أخبره، أنه قال لرسول الله ﷺ : أرأيت أمورًا كنت أتحنَّثُ بها في الجاهلية؟ هل لي فيها من شيء؟ فقال له رسول الله ﷺ : أسلمت على ما أسلفت من خير (١). وجه الاستدلال: فإذا كان الكافر بعد إسلامه يكتب له في الإِسلام كل حسنة عملها، وهو مشرك، فإذا رجع المرتد إلى الإسلام فلأن يكتب لما عمله وهو مسلم من باب أولى. (ح-٣٥٣) وروى مسلم من طريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين (٢). ويفهم منه أنه لو قالها قبل موته، ولو بلحظة لنفعه عمله في الجاهلية، فكذا

стр. 935

المرتد إذا رجع إلى الإسلام. لامما يستدل به أيضًا قول النبي ﷺ -في مؤمن أهل الكتاب إذا أسلم أنه يؤتى أجره مرتين، رواه الشيخان من حديث أبي موسى (١)، مع أنه لو وافى عمله بكتابه الأول لكان حابطًا، وهذا هو اللائق بكرم الله وجوده، وفضله. وقد دلت آية الفرقان أن التائب من الذنب تبدل سيئاته حسنات، وهو أبلغ من اعتبار حسنات التائب إذا تاب؛ لأن المانع من إثابة المرتد هو الكفر، وقد زال. * ونوقش هذا: بأن المراد أنه لا يعتد بها في أحكام الدنيا، أما ثوابه عليها في الآخرة فهذا باب آخر. * دليل من قال: يجب عليه القضاء مطلقًا: الدليل الأول: أن ما التزمه بإسلامه لا يقدر على إسقاطه بردته، فالمرتد قبل ردته ملتزم بأحكام الشريعة، فلا تسقط عنه بالردة قياسًا على حقوق الآدميين. * ويناقش: أن القول بأن المرتد ملتزم أحكام الشريعة فليس الاعتبار بالتزامه، وإنما المعتبر إلزام الشرع له، وهو محل النزاع، وهَبْ أنه كان ملتزمًا بأحكام الشريعة فإن هذا إنما كان أيام إسلامه، وأما في أيام ردته فهو غير ملتزم في أحكام الشريعة (٢). الدليل الثاني: إذا كان المرتد يؤاخذ على ردته، فكذلك يؤاخذ بما تركه من أحكام الشرع، فليس هو كالكافر الأصلي، الذي يقر على كفره، وليست معصيته بالردة تخفف عنه فرضًا كان عليه قبلها، وقد اعتقد وجوبها، وقدر على التسبب إلى أدائها فهو بمنزلة المحدث. * ويناقش: الاستدلال على وجوب القضاء باعتبار أن المرتد لا يقر على دينه ليس بسديد،

стр. 936

فالإقرار على الدين أو منع الإقرار أصل، وقضاء العبادة أصل آخر، فلا توجد علة تقتضي اعتبار أحدهما بالآخر. الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] فحبوط العمل مشروط بموته على الردة، فإذا رجع إلى الإسلام ولم يحبط عمله، رجع إلى الحال التي كان عليها قبل ردته، فكان مخاطبًا بقضاء ما تركه زمن الردة. * دليل من قال: يقضي ما تركه قبل ردته، لا ما فاته زمن ردته: أما أدلتهم أنه لا يقضي ما فاته زمن ردته فهي أدلة الحنفية والمالكية السابقة باعتبار أن حكم المرتد حكم الكافر الأصلي، فإذا تاب غفر له ما قد سلف. وأما أدلتهم على وجوب قضاء ما لزمه قبل ردته، فإنه بالرجوع إلى الإسلام رجع إلى ما كان عليه قبل الردة، وقد استقر في ذمته وجوب القضاء، وهذا قول وسط بين القولين.

стр. 937

المبحث الثالث في الحكم بإسلام الكافر إذا صلى المدخل إلى المسألة: * من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله ما لنا، وعليه ما علينا. * ما كان تركه كفرًا، هل يكون فعله إيمانًا؟ * هل الحكم بإسلام الكافر إذا صلى من الإسلام بالفعل، أو من الإسلام بالقول لتضمنها الشهادتين؟ قولان، أصحهما الثاني لتضمن الشهادتين الألوهية والتوحيد والرسالة. * يحكم للفعل ما لم يعارض بالقول، كأن يقول: صليت تقيَّة، أو تجربة أو استحسانًا؛ لأن القول أقوى من الفعل. * النطق بالشهادتين إذا قصد به الحكاية لم يكن بذلك مسلمًا، فالفعل إذا قصد به الحكاية من باب أولى. * نية المصلي بصلاته لا تعرف إلا من جهته، فيصدق إذا أفصح عنها، وأمكن تصديقه. * الكافر إذا وجد يصلي، ثم مات قبل أن يُعْلَم إسلامُه حكم بإسلامه تقديمًا للظاهر على الأصل. * كل فعل لو فعله منفردًا لم يحكم بإسلامه لزم إذا فعله في جماعة ألا يحكم بإسلامه أيضًا كالجهاد. [م-١٤٠] إذا نطق الكافر الأصلي بالشهادتين دخل في الإسلام قولًا واحدًا، واختلفوا في إسلامه بالصلاة. فقيل: لا يحكم بإسلامه بالصلاة إلا أن يتحقق منه النطق بالشهادتين، وهو

стр. 938

يصلي، فيحكم بإسلامه؛ لتضمنها الشهادتين على المعتمد عند المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، واستثنى الشافعية المرتد فإنه يحكم بإسلامه بمجرد صلاته (١). وقيل: يحكم بإسلامه مطلقًا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، واختاره محمد بن الحسن من الحنفية، وابن رشد من المالكية (٢). وقيل: لا يحكم بإسلامه مطلقًا، ولو تحققنا من نطقه الشهادتين خلال الصلاة، وهو قول في مقابل المعتمد عند المالكية، ووجه عند الشافعية (٣). وقيل: إن صلى بشروطٍ أربعةٍ حكم بإسلامه، أن يصلي في الوقت، ومع جماعة، وأن يتمها، وأن يكون مؤتمًا، لا إن صلى منفردًا، أو إمامًا، أو خارج الوقت، أو أفسد صلاته قبل إتمامه، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة (٤).

стр. 939

وقيل: إن صلى في دار الحرب حكم بإسلامه، اختاره القاضي أبو الطيب من الشافعية، وشذ المتولي، فنسبه إلى نص الشافعي (١). وإذا حكمنا له بالإسلام، أيحكم له من أجل الصلاة أم لتضمنها الشهادة؟ قولان: الراجح أنها لتضمنها الشهادتين. وقيل: إن كثرت منه الصلاة حكم بإسلامه، وبه قال إسحاق بن راهويه، واختاره بعض المالكية (٢). وقيل: إذا أقرَّ بوجوب الصلاة أو الزكاة، أو الصوم حكم بإسلامه، ولو لم يفعل، حكاه الخرسانيون من الشافعية وجهًا في المذهب (٣). * دليل من قال: يحكم بإسلامه مطلقًا: الدليل الأول: (ح-٣٥٤) روى البخاري من طريق منصور بن سعد، عن ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته (٤). ظاهره أن الكافر إذا صلى حكم بإسلامه. * ويجاب بأكثر من وجه: الوجه الأول: (ح-٣٥٥) أن البخاري رواه من طريق ابن المبارك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى

стр. 940

يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها، وصلُّوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله. فهذه الرواية قد ذكرت الشهادة مع الصلاة فلا دلالة فيه على مسألة الحكم بإسلام الكافر إذا صلى. الوجه الثاني: أن الحديث قد اختلف في رفعه ووقفه، وقد رواه البخاري معلقًا عن حميد، قال: سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك، قال: يا أبا حمزة ما يحرم دم العبد وماله؟ فقال أنس: من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا فذكره موقوفًا (١). الوجه الثالث: أننا نقول بأن كل من صلى صلاتنا كان له ما لنا وعليه ما علينا، وهذا إنما يكون في حق رجل صحت صلاته، ولا تصح الصلاة ولا غيرها من العبادات المحضة إلا بعد أن يتقدمها إقرار بالشهادتين، كما في حديث معاذ، فإنهم أجابوا لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة (٢). الدليل الثاني: (ح-٣٥٦) ما رواه أبو داود من طريق أبي أسامة، عن مفضل بن يونس، عن الأوزاعي، عن أبي يسار القرشي، عن أبي هاشم، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ -أُتِيَ بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي ﷺ : ما بال هذا؟ فقيل: يا رسول الله، يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع، فقالوا: يا رسول الله، ألا نقتله؟ فقال: إني نهيت عن قتل المصلين. قال أبو أسامة: والنقيع ناحية عن المدينة وليس بالبقيع (٣).

стр. 941

[ضعيف] (١).

стр. 942

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 943

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 944

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 945

* ونوقش هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف، فلا حجة فيه. الوجه الثاني: لو صح الحديث لم يكن حجة، فإن الحديث في النهي عن قتل رجل من المصلين، فهو موجه في حق رجل صلاته صحيحة، ولا تصح الصلاة وكذا سائر العبادات المحضة إلا بعد أن يتقدمها إقرار بالشهادتين، أما رجل كافر، نقطع بكفره قبل الصلاة حتى دخل في الصلاة، فلا تصح صلاته؛ فوجودها كعدمها، لأن الوضوء شرط لصحة الصلاة، ولا يصح الوضوء من الكافر، ومتى صح الوضوء منه كان مسلمًا مقرًا بالشهادتين قبل الصلاة. الدليل الثالث: قيام الكافر بالصلاة أمارة على إقراره بالشهادتين؛ لتضمنها إياها.

стр. 946

* ورد هذا: بأنه لو أقر بصحة الشهادتين، ولم يؤمن بهما لم ينفعه، فكم من شخص يقر بأن الإسلام دين الحق، ولا ينفعه ذلك، وأنتم تقولون: إذا صلى، ولم يلتزم بأحكام الإسلام، فإنه يعامل معاملة المرتد، فهو بمنزلة من أقر بالشهادتين، ثم ارتد. جاء في شرح منتهى الإرادات: «ولو أراد البقاء على الكفر، وقال: صليت مستهزئًا ونحوه لم يقبل منه، كما لو كان أتى بالشهادتين» (١). فالإيمان الذي تنطوي عليه القلوب مما ينفرد به علام الغيوب، وقد جعل الله لفظ الشهادتين علمًا عليه، فقول: لا إله إلا الله فيه اعتراف بالألوهية والتوحيد، والشهادة للنبي ﷺ -بالرسالة يتضمن تصديقه والتزام جميع ما جاء به النبي ﷺ ، ولا يقوم أي فعل مقام هاتين الشهادتين. نعم لو أننا رأيناه يصلي، ثم مات، حكمنا بإسلامه تقديمًا للظاهر على الأصل؛ فالظاهر أنه لا يصلي حتى يسلم قبل ذلك، وليس لمجرد الصلاة، أما إذا كشف عن نيته، وقال: إنه صلى عبثًا أو خوفًا فكيف نقدم دلالة الفعل المحتملة على قوله الصريح. قال ابن مفلح: «ولا يقبل منه دعوى تخالف الإسلام … كالشهادتين، ويتوجه احتمال إلا مع قرينة، ولعله مرادهم» (٢). وهذا التوجيه أنها تقبل دعواه إذا دلت عليه القرائن، رغم أنه ساق ذلك من باب الرجاء، إلا أنه يصعب الوقوف على مثل هذه القرائن، فنية الفاعل لا تعلم إلا من جهته، فإذا قال: صليت خوفًا، أو استهزاءً، فالنية محلها القلب، ولا يطلع عليها إلا الله ، وقد كشف صاحبها عنها، فإن قامت قرائن فذاك، وإلا كان التصريح من صاحبها أقوى من القرينة، والله أعلم. * دليل من قال: لا يحكم بإسلامه مطلقًا: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ

стр. 947

كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وجه الاستدلال: أن الله رفع حكم الشرك واستباحة القتل بالتوبة والصلاة معًا، فاقتضى أن يكون فعل الصلاة وحدها باقيًا على حكم الشرك حتى توجد التوبة، وهي الشهادتان. الدليل الثاني: (ح-٣٥٧) ما رواه البخاري من طريق شعبة، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي يحدث، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ -قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (١). وجه الاستدلال: أن الحديث لم يجعل إقامة الصلاة وحدها دليلًا على الإسلام، وعصمة الدم، حتى يسبقها إقرار بالشهادتين. الدليل الثالث: (ح-٣٥٨) روى مسلم من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن أبي معبد، عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ ، قال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة … الحديث (٢). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن الكافر لا يطالب بالصلاة، ولا تصح منه إلا إذا أقر بالشهادتين.

стр. 948

الدليل الرابع: أن اليقين لا يرفع بالاحتمال، فالكفر متيقن، والصلاة فعل يدخلها احتمال العبث واحتمال الاستهزاء، وقد يصلي خوفًا على نفسه، أو على ماله، وقد يفعلها تجربة، وقد يستحسن الفعل، ولا يستسلم لله. الدليل الخامس: أن الحكم بإسلامه إما أن يكون لمجرد صلاته، أو لتضمنها للشهادتين. أما القول بأن الحكم للصلاة فقط، فهذا لا ينبغي أن يصح؛ لأن صلاته تلك باطلة على الصحيح؛ فهو قد توضأ، وهو كافر، والوضوء لا يصح من الكافر عند جماهير أهل العلم؛ لأنه عبادة، وهو ليس من أهلها فصار من شرط صحة الوضوء تقدم الإسلام، ولم يفعل، وإذا لم تصح الطهارة لم تصح الصلاة، فكيف يكون بها مسلمًا؟ وإن قيل: إن الحكم لصلاته؛ لتضمنها للشهادتين، فالجواب أن ذلك إنما يصح قبل أن يكشف لنا عن نيته، أما وقد صرح بأنه لم يرد بذلك الدخول في الإسلام فكيف يلزمه هذا القول؟ والشهادة يشترط لقبولها أن يقول ذلك خالصًا من قلبه، وهو ما لم يتوفر هنا، فهو كما لو قالها على سبيل الحكاية، وليس عن اعتقاد، فلا وجه للحكم بردته، وهو يقول: لم أفعل ذلك من أجل الاستسلام لله بالتوحيد. وهل يتصور أن رجلًا يصلي أول مرة في حياته أنه حفظ التشهد المتضمن للشهادتين، أو تكون صلاته مجرد إيماء بالركوع والجلوس والسجود. * دليل من قال: يحكم بإسلامه إذا صلى في جماعة. الدليل الأول: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [المائدة: ١٨] فجعل عمارة المسجد دلالة على الإيمان، وليست عمارة المسجد بنيانه، وإنما عمارته بإقامة الصلاة فيه.

стр. 949

* وأجيب على هذا بأكثر من وجه: الوجه الأول: أن المراد بالعمارة البناء دون إقامة الصلاة اعتبارًا بحقيقة اللفظ وعرفه. الوجه الثاني: أن الله قال في الآية ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ١٨]. فذكر ثلاثة أشياء في حقيقة العمارة: وهي الإيمان بالله، وهذا إشارة إلى التوحيد، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. الوجه الثالث: أن عمارة المسجد لا تكون من صلاة واحدة، وإنما عمارته بأن يكون هذا ديدنه، ولهذا عبر بقوله: (وأقام الصلاة) وهي أبلغ من قوله: (وصَلَّى)، وليس الخلاف معكم في صلاة رجل قد آمن بالله، وأكثر من الصلاة في بيوت الله حتى تحقق في حقه عمارة المسجد معنويًا، وإنما النزاع فيمن كان كافرًا قبل الصلاة، ثم صلى، ثم قال: إنه لم يرد بذلك الدخول في الإسلام، هل يعامل معاملة المرتد، ويكون بمجرد أن صلى قد حكمنا له بالإيمان (الإسلام)؟ الدليل الثاني: قال الحنفية: إن الصلاة جماعة على هذه الهيئة التي نصليها اليوم، لم تكن في شرائع من قبلنا، فإذا أتى بما هو من خاصية الإسلام كان دليلًا على إسلامه، كما أنه إذا أتى بخاصية الكفر كان دليلًا على كفره، فإن من سجد لصنم أو تزيَّا بزنار، أو لبس قلنسوة المجوس حكم بكفره، بخلاف ما إذا صلى وحده؛ لأن الصلاة وحده غير مختصة بشريعتنا (١). * ويناقش: بأن الصلاة جماعة ليست من خصائص المسلمين، وإن اختلفت الصلاة. قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣].

стр. 950

فظاهر قوله تعالى: مع الراكعين: أي مع جماعة المصلين (١). ويحتمل: أي كوني في عداد الراكعين، وعلى التفسير الثاني لا دلالة فيه (٢). وجاء في حديث ابن عباس في إمامة جبريل بالنبي ﷺ -في مكة، وبيانه لأوقات الصلوات أنه قال في آخره: هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك، وهذا حرف شاذ لم يرد في غيره من أحاديث إمامة جبريل، كما سيأتي تخريجه في مواقيت الصلاة. فإن صح أن هذه اللفظة محفوظة كان فيه دليل على أن الصلاة جماعة ليست مختصة بالمسلمين. وقال ابن رجب في شرح البخاري: «إن صح هذا فيحمل على أن الأنبياء كانت تصلي هذه الصلوات دون أممهم» (٣). وقال ابن الهمام في فتح القدير: «وفي كون الصلاة بجماعة من الخصوصيات نظر» (٤). وفي حاشية الشلبي على تبيين الحقائق «ووجه النظر: هو أن أهل الكتاب يصلون جماعة» (٥). وقال الشيخ تقي الدين: «كان لمن قبلنا من الأمم صلوات في هذه الأوقات، لكن ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات والهيئات وغيرها» (٦). فأثبت الاتفاق في الأوقات، والاختلاف في الهيئات، فإن كان أخذ ذلك من قول جبريل للنبي ﷺ : هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك، فإن هذه اللفظة تفرد بها حديث ابن عباس، وكل الأحاديث التي ذكرت إمامة جبريل للنبي ﷺ -لم تذكر ما جاء في حديث ابن عباس، وأصحها حديث جابر ﵁، والله أعلم. ولأن كل فعل لو فعله منفردًا لم يحكم بإسلامه لزم إذا فعله في جماعة ألا
следующие страницы →