стр. 8856
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 30064
موسوعة أحكام الصلوات الخمس
دبيان الدبيان
Полный текст (10 314 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.
стр. 8857
وهو قول في مذهب المالكية، وحكاه قولًا من الحنابلة ابن تميم (١).
جاء في الإنصاف: «وحكي قول: لا تصح إمامتهم. حكاه ابن تميم» (٢).
وجه القول بالجواز:
لأنهم يأتون بالحروف الواجبة، وإنما تزاد حركة أو حرفًا على وجه الغلبة، ولأن تكرار الحرف بمنزلة تكرار الآية، فلا يؤثر في صحة الصلاة، أو كالذي يتكلم ناسيًا، فالقراءة صحيحة، والزائد محطوط عنه.
تعليل من قال بكراهة إمامة التمتام والفأفاء:
عللوا الكراهة بأن في قراءتهم نقصًا عن حال الكمال بالنسبة إلى من لا يفعل ذلك.
ولأنهم يزيدون في الكلمة ما ليس منها. ولما فيه من التطويل على المأموم، ولنفرة الطباع من سماع كلامهم.
تعليل من قال: لا تصح إمامتهم:
استدلوا بأدلة من قال بالكراهة إلا أنهم رأوا أن هذه التعليلات تقتضي المنع.
الراجح:
القول بالكراهة قول وسط، وهذا في حال وجود إمام أكمل منهم، فإن لم يوجد فلا كراهة في إمامتهم.
стр. 8858
الفرع الرابع في إبدال حرف مكان حرف في القراءة
المطلب الأول في إبدال الضاد ظاء
المدخل إلى المسألة:
المشقة تجلب التيسير، والتكليف منوط بالقدرة.
اللحن في القراءة نقص فيها؛ لهذا لا يختلفون في كراهة إمامته مع وجود غيره.
ليس كل نقص في القراءة مفسدًا للصلاة إلا بدليل، والأصل الصحة.
إذا كان اللحن لا يمنع من صحة صلاة اللاحن، لم يمنع من صحة إمامته.
اللاحن إذا لم يقصر في التعلم، فقد أدى ما فرضه الله عليه، وذلك لا يمنع من صحة الاقتداء به.
إذا صحت صلاة الرجل منفردًا صحت إمامته؛ لأن فعل الإمام فعل المنفرد، فلو نوى المأموم الائتمام صح الاقتداء به، علم الإمام أو لم يعلم، فلكل صلاته المستقلة عن الآخر.
الفاتحة كلها ركن، وليس كل حرف فيها يعد ركنًا، فاللحن في القراءة يقع غالبًا في أحرف يسيرة.
لو كان اللحن بمنزلة الكلام الأجنبي في الصلاة ما جاز له أن يؤم من كان مثله، وعامة العلماء على جواز إمامة اللاحن لمثله.
[م-١٠٢٧] اختلف الفقهاء في إمامة الرجل الذي لا يميز بين الضاد والظاء:
فقيل: تصح إمامته، اختاره أكثر الحنفية، وهو أصح الوجهين عند الحنابلة،
стр. 8859
ووجه عند الشافعية (١).
جاء في غاية المنتهى «ولا إمامة أمي: وهو من لا يحسن الفاتحة، أو يدغم فيها ما لا يدغم أو يبدل حرفًا إلا ضاد المغضوب والضالين بظاء» (٢).
وقال المالكية: من لا يميز بين ضاد وظاء يجري مجرى اللحن في الفاتحة، نص عليه ابن رشد وابن شاس وابن الحاجب، فإنهم لما ذكروا الخلاف في اللحان، قالوا: ومنه من لا يميز بين ضاد وظاء، وذكر مثل ذلك اللخمي وابن يونس وابن بشير وغيرهم، وقد اختلفوا في اللحن في الفاتحة على أقوال أربعة ذكرتها في مسألة سابقة، وهي تجري على هذه المسألة، والمعتمد صحة إمامته ما لم يتعمد (٣).
стр. 8860
قال المازري في التلقين:: «حكي عن الشيخين أبي محمَّد وأبي الحسن: أن عدم تمييز الظاء من الضاد في أم القرآن يجري مجرى اللحن فيها» (١).
وقال العدوي في حاشيته على الخرشي: القول بالصحة هو المعتمد ما لم يتعمد اللحن (٢).
وقيل: لا تصح إمامته، اختاره بعض الحنفية، وهو الأصح في مذهب الشافعية، وأحد الأقوال في اللحن في مذهب المالكية، ووجه في مذهب الحنابلة، قال ابن قدامة: قياس المذهب أنه كالأمي (٣).
قال النووي: «ولو أبدل ضادًا بظاء لم تصح في الأصح» (٤).
وقيل: يصح مع الجهل، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: يصح في غير الفاتحة، اختاره بعض المالكية (٦).
دليل من قال: لا تصح إمامة من لا يميز بين ضاد وظاء إلا لمثله:
أن النطق بالضاد يخالف النطق بالظاء، وعمل اللسان فيهما عمل مختلف،
стр. 8861
وينقلب معنى الآية، فكان فاعل ذلك قد ارتكب خطأين:
الأول: أنه أبدل حرفًا بحرف، وإبدال حرف بحرف أشد من تغيير حركة إعرابية كالضمة والفتحة؛ لأن إبدال حركة بحركة قد لا يخرج الكلمة عن معناها بخلاف إبدال الحروف، ولو أبدل الكلمة كلها لمنع من ذلك فكذلك إبدال أحد حروفها.
الثاني: أن مخرج الضاد من الشدق، ومخرج الظاء من طرف اللسان، وإذا قال: ولا الظالين، كان معناه ظل يفعل كذا، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٧١] فهناك فرق في المعنى بينه وبين قوله ولا الضالين الذي هو من الضلالة، فلا يستوي من قرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١]، وبين من قرأها (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ضلالٍ).
دليل من قال: تصح إمامة من لا يميز بين ضاد وظاء:
أن التفريق بينهما مما يخفى على أكثر الخاصة من الناس فضلًا عن عوامهم ولأن المخرجين متقاربان، والتفريق بينهما عسر، والمشقة تجلب التيسير.
قال ابن تيمية بعد أن حكى الوجهين: «الثاني: تصح، وهذا أقرب؛ لأن الحرفين في السمع شيء واحد، وحس أحدهما من جنس حس الآخر؛ لتشابه المخرجين، والقارئ إنما يقصد الضلال المخالف للهدى، وهو الذي يفهمه المستمع.
فأما المعنى المأخوذ من (ظل) فلا يخطر ببال أحد، وهذا بخلاف الحرفين المختلفين صوتًا ومخرجًا وسمعًا، كإبدال الراء بالغين، فإن هذا لا يحصل به مقصود القراءة» (١).
الراجح:
الأولى ألا يتقدم اللاحن للصلاة لمخالفته ظاهر حديث: (يؤم القوم أقرؤهم) فإنه خبر بمعنى الأمر، أي ليؤم القوم أقرؤهم، واللاحن لحنًا يغير المعنى لم يتحقق فيه هذا الشرط، ولو تقدم لم أبطل صلاة من خلفه؛ لأن الأمر في الحديث الراجح
стр. 8862
فيه أنه على وجه الاستحباب، والأصل صحة الصلاة، واللاحن معذور في لحنه إما لعجزه، وإما لعدم وجود معلم كما لو كان في البادية، أو لضيق الوقت عن التعلم، وما سقط عنه لا يؤثر على صحة صلاته، وإذا لم يؤثر على صحة صلاته لم يؤثر على صحة صلاة من خلفه من باب أولى، والله أعلم.
стр. 8863
المطلب الثاني في إمامة الألثغ والأرت
المدخل إلى المسألة:
القدرة شرط التكليف، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
ما سقط حكمه عن المصلي شرعًا، وهو منفرد، سقط عنه، وهو إمام؛ لأن فعل الإمام فعل المنفرد.
إذا صحت إمامة القاعد للقائم اقتداء وتأسيًا بإمامة النبي ﷺ في مرض موته، صحت إمامة الألثغ لغيره بجامع أن كلًا منهم عاجزٌ عن إتمام الركن، هذا عن القيام، وهذا عن نطق الحرف.
من صحت صلاته صحت إمامته إلا بدليل.
كون الفاتحة ركنًا لا يعني أن كل حرف منها ركن بنفسه.
[م-١٠٢٨] الألثغ: وهو من يبدل حرفًا بآخر، كأن يجعل الراء غينًا، أو السين ثاءً، فيقول: (المثتقيم).
والأرت: من يدغم في غير موضعه (١).
والفرق بين الفأفاء والألثغ والأرت أن الفأفاء أتى بالكلمة سليمة، وزاد فيها حرفًا غلبة، والأرت أدغم حرفًا بحرف حتى نقص منها، والألثغ أبدل حرفًا مكان حرف آخر حيث نطق الراء غينًا مثلًا، فكان الألثغ أشدهم، فالفأفاء اختص بالزيادة،
стр. 8864
والأرت بالنقص، والألثغ بالإبدال.
وقد اختلف العلماء في حكم إمامة الألثغ والأرت:
فقيل: تصح إمامته، اختاره أبو بكر محمد بن الفضل من الحنفية، وأحد القولين عند الشافعية، واختاره ابن حزم (١).
وقيل: تكره إمامته مع وجود من هو أكمل منه، وهو مذهب المالكية، وظاهر كلام ابن البنا من الحنابلة (٢).
وقيل: لا تصح إمامته إلا بمثله، اختاره أكثر الحنفية، وهو الأصح في مذهب الشافعية والصحيح من المذهب عند الحنابلة، فأعطوه حكم الأمي (٣).
قال في المغني: «ومن ترك حرفًا من حروف الفاتحة؛ لعجزه عنه، أو أبدله بغيره، كالألثغ الذي يجعل الراء غينًا، والأرت: الذي يدغم حرفًا في حرف، أو يلحن لحنًا يحيل المعنى … فهو كالأمي» (٤).
стр. 8865
وقيل: يسيره لا يمنع الصحة، وكثيره يمنعه، اختاره ابن العربي من المالكية، والآمدي من الحنابلة (١).
دليل من قال: تصح إمامته مطلقًا:
قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَ﴾ [الطلاق: ٧]. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا
وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
والألثغ والأرت قد أتى بما يجب عليه، ولم يكلف بما لا يقدر عليه، ومن أدَّى صلاته بحسب قدرته فقد أحسن، و ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١].
ولأن من صحت صلاته صحت إمامته إلا بدليل.
وقياسًا على صحة إمامة العاجز عن القيام بالقادر عليه، بجامع أن كلًا منهم عاجزٌ عن إتمام الركن، هذا عن القيام، وهذا عن القراءة إذا سلمنا أن الحرف الذي وقع فيه التبديل يعد ركنًا، لأن كون الفاتحة ركنًا لا يعني أن كل حرف منها ركن بنفسه.
تعليل من قال: تصح إمامته مع الكراهة:
أما الصحة، فقد سبق ذكر أدلتهم في القول السابق. وزادوا: بأن الألثغ ليس في قراءته إحالة معنى، وإنما هو نقصان حروف.
ولأن لحنه لا يخرجه عن أن يكون قرآنًا.
وأما تعليل الكراهة: فلأن الإمامة تقوم على تقديم الأكمل، فإذا وجد غيره ممن يقيم قراءته كرهت إمامته؛ لحديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).
وخروجًا من الخلاف في صحة إمامته.
تعليل من قال: لا تصح إمامته:
إبدال الحرف بحرف آخر لحن في الكلمة يحيل المعنى، بل هو أقبح من اللحن؛
стр. 8866
لأن اللحن يتعلق غالبًا بالحركات، من ضمة، وفتحة، وكسرة، وسكون.
جاء في الصحاح: اللحن: الخطأ في الإعراب (١)، بخلاف الاستبدال، فإنه يخرج الكلمة من كونها قرآنًا، وكونه معذورًا فذلك لا يتجاوز صحة صلاته، ولكن لا تصح إمامته للقارئ.
هذا في توجيه بطلان صلاة الألثغ.
وأما الأرت فإنه يدغم ما لا يدغم، والحرف الذي أدغم في حكم العدم، فالأرت يسقط بعض الكلمة، وإسقاط جزء من الكلمة إسقاط للكلمة، ونقص جزء من الركن نقص للركن كله.
ونوقش:
استغرب ابن حزم ممن يجيز صلاة الألثغ لنفسه، ويبطل صلاة من ائتم به، وهم مع ذلك يبطلون صلاة من صلى، وهو جنب ناسيًا، ويجيزون صلاة من ائتم به وهو لا صلاة له (٢).
الراجح:
صحة صلاة من ائتم به، وإن كان غيره أولى منه.
стр. 8867
الشرط السابع في اشتراط القدرة على الأركان
المبحث الأول في إمامة العاجز عن ركن بالقادر عليه
المدخل إلى المسألة:
قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله … إلخ الحديث، فذكر صفات الأئمة، من غير فرق بين قادر على الركن وعاجز عنه، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
لم يأت في النصوص نص واحد ينهى عن الصلاة خلف العاجز عن الأركان، والأصل أن من صحت صلاته صحت إمامته إلا بدليل.
القدرة على أداء أركان الصلاة صفة كمال وليست شرطًا لصحة الإمامة.
إذا عجز المصلي عن بعض أركان الصلاة انتقل إلى بدله، فالعجز عن القيام بدله القعود، والعجز عن الركوع والسجود بدله الإيماء، والعجز عن القراءة بدله الأذكار، والبدل له حكم المبدل.
هناك فرق بين قولنا: لا يشرع اتخاذ الزَّمِن إمامًا راتبًا، وبين صحة إمامته لو صلى بالناس، فالتصرف للغير يجب أن يراعى فيه الأكمل.
قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به … فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا.
علق النبي ﷺ الحكم بالإمام، وأل في (الإمام) للعموم، راتبًا كان أم غيره.
اشتراط كون الإمام راتبًا قدر زائد على الوصف الذي علق النبي ﷺ الحكم به.
قوله: (وإذا صلى جالسًا … ) ف (إذا) اسم شرط عام، فمن خصه بإمام المسجد فقد خص العام بلا دليل.
стр. 8868
[م-١٠٢٩] إذا عجز الإمام عن ركن فإن كان قوليًا فقد سبق الكلام على إمامة الأمي للقارئ، والخلاف فيه.
وإن كان العجز عن ركن فعلي: قيامٍ أو ركوعٍ أو سجود، أو قعود، فهل يصح أن يكون إمامًا للقادر عليه؟
اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: لا يصلي القائم خلف القاعد إلا إن كان إمامه يركع ويسجد، فإن كان يومئ بهما فلا يجوز اقتداء القائم به، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف (١).
جاء في بداية المبتدئ: «ويصلي القائم خلف القاعد، ويصلي المومئ خلف مثله ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ» (٢).
وقيل: لا تصح إمامة العاجز عن القيام أو الركوع أو السجود إلا لمثله، كالقاعد يقتدي بمثله، وهذا مذهب المالكية، وبه قال محمد بن الحسن، وابن عقيل من الحنابلة (٣).
стр. 8869
وروي عن مالك القول بالجواز إذا كان أحد المأمومين يتقدمهم مقتديًا بالقاعد واقفًا، ويأتمون هم وقوفًا بذلك القائم (١).
وقيل: تصح إمامة العاجز عن الركن بالقادر عليه مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية، واختيار ابن تيمية من الحنابلة (٢).
قال الشافعي: «ويصلي الإمام قاعدًا، ومن خلفه قيامًا» (٣).
وانفرد الحنابلة بتفصيل لهم، فقالوا: إن عجز عن الركوع أو السجود، أو القعود أو عن استقبال، أو اجتناب نجاسة، أو عاجز عن الأقوال الواجبة ونحوها فلا تصح إمامته إلا بمثله مطلقًا.
وإن عجز عن ركن القيام، فإمامته للقادر عليه تصح بشرطين:
أن يكون العاجز إمام الحي الراتب، وأن يُرْجى زوال علته، فإن لم يكن الإمام الراتب، أو كانت علته لا يرجى زوالها لم تصح إمامته إلا بمثله (٤).
стр. 8870
هذا تفصيل الخلاف في المسألة.
الدليل على جواز إمامة العاجز بمثله:
الدليل الأول:
الإجماع، قال السغناقي في النهاية: اقتداء القاعد بالقاعد جائز بالإجماع (١).
ونوقش:
لعله يعني به إجماع الحنفية، فالمشهور عند المالكية أن المومئ لا يصح اقتداؤه بالمومئ (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٣١١٨) ما رواه أحمد من طريق عمرو بن ميمون بن الرماح، عن كثير بن زياد البصري، عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة، عن أبيه،
عن جده،: أن رسول الله ﷺ انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن وأقام، ثم تقدم رسول الله ﷺ على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماءً، يجعل السجود أخفض من الركوع، أو يجعل سجوده أخفض من ركوعه (٣).
وفي رواية للترمذي من طريق شبابة بن سوار، قال: حدثنا عمرو بن الرماح به … وفيه: فأذن رسول الله ﷺ ، وهو على راحلته … الحديث.
[ضعيف] (٤).
دليل من قال: لا تصح إمامة العاجز بالقادر:
الدليل الأول:
(ح-٣١١٩) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، عن الثوري، عن جابر، عن
стр. 8871
الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : لا يؤمن رجل بعدي جالسًا.
[ضعيف جدًّا] (١).
الدليل الثاني:
قالوا: لأن حال القائم أقوى من حال القاعد، فلا يجوز بناء القوي على الضعيف.
ونوقش هذا بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
بأن هذا نظرٌ في مقابل النص، فيكون فاسدًا، فقد صلى النبي ﷺ بأصحابه قاعدًا حين سقط من فرسه، وفي مرض موته، كما سيأتي ذكره في أدلة القائلين بالجواز.
الوجه الثاني:
لا نسلم أن صلاة القاعد أضعف من صلاة القائم؛ لأن المكلف قد أتى ببدل
стр. 8872
الركن الساقط والبدل له حكم المبدل، وما سقط شرعًا لا أثر له على صلاته، فكانت صلاته كاملة لا نقص فيها.
الدليل الثالث:
القياس على منع إمامة الأمي للقارئ بجامع أن كلًا منهما قد أخل بركن.
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
لا نسلم أن الأمي لا تصح إمامته للقارئ؛ لأن القارئ فرضه القراءة، والأمي فرضه: التسبيح والتحميد والتكبير، فإذا أدَّى كل واحد منهما فرضه الذي عليه، فأيهما أمَّ الآخر فصلاته جائزة.
الوجه الثاني:
لو سلمنا بأن الأمي لا تصح إمامته للقارئ، فإننا نمنع قياس الركن الفعلي على الركن القولي؛ فقراءة الإمام قراءة لمن خلفه، فاشترط في الإمام أن يكون قارئًا، بخلاف الركن الفعلي فليس ركوع الإمام ركوع للمأموم ولا سجوده سجودًا له.
الدليل الرابع:
أن الإخلال بالركوع أو السجود أو القعود إخلال بأركان لا تسقط بالنافلة فلا يصح إمامة العاجز للقادر عليها.
ونوقش:
بأن من عجز عن ركن، فانتقل إلى بدله لا يصح أن يقال: إن هذا أخل بالركن، فكما أن من عدم الماء انتقل إلى التيمم، ولا يقال: إن هذا أخل بالطهارة، فإذا صحت إمامة المتيمم للمتوضئ صحت إمامة القاعد للقائم.
دليل من قال: لا يصلي القائم خلف القاعد إلا إن كان إمامه يركع ويسجد:
أما الدليل على صحة اقتداء القائم بالقاعد فالقياس أنه لا يجوز، تركناه استحسانًا لورود النص، فالنبي ﷺ صلى، وهو قاعد، والقوم قيام.
стр. 8873
ولأنه ليس من شرط صحة الاقتداء مشاركة المأموم للإمام في القيام، بدلالة أنه لو أدرك الإمام في الركوع كبر قائمًا، وركع، واعتد بتلك الركعة، ولم يشاركه في القيام.
وأما الدليل على اشتراط أن يكون الإمام قادرًا على الركوع والسجود، فذلك لأن في اقتداء القائم بالرَّاكع استواء النِّصف الأسفل، وفي اقتداء القائم بالقاعد استواء النِّصف الأعلى، فتقع المشاركة بين المأموم وإمامه، فيجوز، بخلاف المومئ بالركوع والسجود، فلا مشاركة بينه وبين إمامه (١).
ونوقش:
إذا لم يشترط مشاركة الإمام في القيام لم يشترط مشاركة الإمام في الركوع والسجود، هذا هو مقتضى القياس الصحيح.
وأين الدليل على أن النبي ﷺ حين صلى بأصحابه جالسًا أنه كان يركع ويسجد، فالمريض إذا كان يقدر على النهوض لتحصيل الركوع فالغالب أنه يقدر على القيام؛ لأن نهوض المريض في كل ركعة من القعود للركوع أشد عليه من القيام نفسه.
ولأن الراكع قائم وزيادة؛ لأنه زيادة على وقوفه على قدميه يحني ظهره للركوع بالضغط على ركبتيه فيكون ذلك أشدَّ عليه من القيام وحده.
دليل من قال: تصح إمامة العاجز عن الركن بالقادر عليه مطلقًا:
الدليل الأول:
لم يأت في النصوص نص واحد ينهى عن الصلاة خلف العاجز عن الأركان، والأصل أن من صحت صلاته صحت إمامته إلا بدليل.
الدليل الثاني:
(ح-٣١٢٠) روى البخاري ومسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري قال:
سمعت أنس بن مالك يقول: سقط النبي ﷺ عن فرس فجحش شقه الأيمن. فدخلنا
стр. 8874
عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا … وذكر الحديث (١).
(ح-٣١٢١) وروى البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاك، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم: أن اجلسوا .... الحديث، واللفظ للبخاري (٢).
(ح-٣١٢٢) وروى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعون (٣).
(ح-٣١٢٣) وروى مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير،
عن جابر قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا. فلما سلم قال: إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود. فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا (٤).
وجه الاستدلال:
دلت هذه الأحاديث على جواز إمامة العاجز بالقادر، وهذه الأحاديث نص في العجز عن القيام، وسائر الأركان قياس عليه.
وقد اختلف الناس في الموقف من هذه الأحاديث:
فأسعد الناس بها هم الشافعية والذين سلموا لها وأخذوا بعمومها في كل إمام،
стр. 8875
وبعمومها في كل عجز، فلا فرق فيه بين العجز عن القيام والعجز عن غيره من الأركان.
وأجيب عن هذا:
أما من رفض إمامة العاجز بالقادر مطلقًا كالمالكية فحملوا الحديث على خصوصية للنبي ﷺ ؛ لأن الصلاة خلفه ليست كالصلاة خلف غيره، وأما غير النبي ﷺ فإذا كان عاجزًا ابتداء فليس له أن يؤم الناس، وإن طرأ عليه عجز في الصلاة استخلف.
وأما الحنفية فقالوا: هذا الحديث خاص بالعجز عن القيام وحده بشرط أن يكون قادرًا على الركوع والسجود، فإن كان الإمام يومئ بهما فلا تصح إمامته، وهذا التقييد تخصيص بلا مخصص، وقد أجبت عن دعواهم عند الكلام على أدلتهم.
ومثل الحنفية ما فعله الحنابلة، فإنهم خصوه بالعاجز عن القيام، وزادوا على ذلك أن يكون الإمام إمام الحي الراتب في المسجد، وفي رواية عن الإمام أحمد: أن هذا خاص بالإمام الأعظم، وسوف أناقش مذهب الحنابلة عند استعراض أدلتهم إن شاء الله تعالى.
ورد هذا:
بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، والأصل التأسي به في الأحكام، والحديث نص في أنه ليس من الأحكام الخاصة لقول النبي ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به … فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا)، فهذا توجيه عام ينفي دعوى الخصوصية وسوف يأتي مزيد بيان لهذه المسألة فيما بقي من الكلام.
الدليل الثالث:
(ح-٣١٢٤) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذِنُهُ بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس .... فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يُهَادَى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ : قم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ
стр. 8876
حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (١).
[يقال: إن قوله: يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر مدرجة في الحديث من قول الأعمش بَيَّنَ ذلك حفصُ بن غياث] (٢).
وجه الاستدلال:
لا تختلف دلالة هذا الحديث عن دلالة حديث أنس وعائشة وجابر في إمامته في مرضه القديم من جواز الائتمام بالعاجز عن القيام، وأن هذا عام في كل إمام؛ لأن الأصل التأسي بالنبي ﷺ ، ولم يقم دليل صريح أن هذا من خصائصه ﷺ ، والمختلف فيه عن صفة صلاته في مرضه القديم هو صلاة الناس خلفه قيامًا، وهذا لا علاقة له في مسألة البحث، وسوف أتعرض لهذه المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
وأجيب عنه بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
أما من لم ير إمامة العاجز للقادر، فقالوا: إن رواة الحديث عن عائشة قد اختلفوا: أكان النبي ﷺ مأمومًا أم كان إمامًا؟.
وعائشة ﵂ لم تنقل هذا عن مشاهدة،
فقد روى شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: مِنْ الناس من يقول: كان أبو بكر ﵁ المقدم بين يدي رسول الله ﷺ في الصف، ومنهم من يقول: كان النبي ﷺ المقدم (٣).
وإذا كان الصحابة قد اختلفوا، وهم شهود على الواقعة، ولم تكن عائشة شاهدًا
стр. 8877
على القصة كان قولها بأن الإمام أبو بكر ليس قاطعًا، فالمقطوع به أن أبا بكر ﵁ قد بدأ الصلاة إمامًا، ثم اختلفت الرواية، أبقي إمامًا أم انتقل إلى الائتمام، فيستصحب بقاؤه إمامًا حتى نتيقن انتقاله، وقد وصف ابن حجر في الفتح هذا الاختلاف بالاختلاف الشديد (١)، ومع هذا الاختلاف الشديد، لا سبيل إلى الجزم بانتقال أبي بكر ﵁ إلى الائتمام، فلا يترك المتيقن إلى المتنازع فيه.
وقد روى حديث عائشة كل من الأسود، ومسروق، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعروة، وبينت في المجلد الخامس الراجح منها، فارجع إليه.
ورد هذا:
بأن حديث أنس وعائشة وأبي هريرة وجابر قد جمعت السنة الفعلية والقولية في إمامة العاجز للقادر، فمن حاجَّك في حديث عائشة في إمامته في مرض موته فاذكر له هذه الأحاديث فإنها في غاية الصحة، لا اختلاف على رواتها.
الوجه الثاني:
بأن إمامة النبي ﷺ وهو عاجز عن القيام خاص به ﷺ ، ونسبه ابن بطال إلى كثير من العلماء، وابن عبد البر إلى الجمهور (٢).
ولأن النبي ﷺ لا يساويه أحد من المأمومين، وفضيلة الصلاة خلفه ليست كالصلاة خلف غيره.
ولأن الله تعالى أمر ألا يتقدم أحد بين يديه، وهذا على عمومه في الصلاة والفتوى وغيرها، وهو حجة أبي بكر ﵁ في الاعتذار عن امتثال أمر النبي ﷺ ، كما في حديث سهل بن سعد في البخاري، وقد أقره النبي ﷺ على قوله.
ولأن اتخاذ إمامين في صلاة واحدة من غير حدثٍ يقطع صلاة الإمام، ويوجب
стр. 8878
الاستخلاف لا يجوز.
وأجيب:
بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل عليها هنا، والأصل التأسي، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي (١).
وقد صلى الرسول ﷺ خلف عبد الرحمن بن عوف.
والقول بأنه لا يجوز اتخاذ إمامين في الصلاة بلا سبب من حدث أو عجز، يجاب عنه بأن السبب ليس محصورًا في طروء الحدث والعجز، فيكفي أن يكون تأخر الإمام وانتقاله إلى الائتمام له سبب: إما لكونه إمام الحي، أو لأنه الإمام الأعظم، أو لزيادة فضل؛ لكونه أقرأ، أو أعلم، أو لكونه قاضي البلد، ونحو ذلك من الأسباب جاز تأخر الإمام وتقديم غيره. نعم لو كان المطالِب بالاستخلاف من جملة المصلين، ولا يفضل الإمام بشيء، ورغب في التقدم بلا سبب، فليس له الحق في هذا؛ لتساويهما، والأصل عدم الانتقال إلا لسبب، والله أعلم.
الدليل الرابع:
(ح-٣١٢٥) روى مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري،
قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً، فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سلمًا … الحديث (٢).
فذكر صفات الأئمة، ورتب بينهم فأمر بتقديم الأقرأ، فالأفقه، فالأقدم هجرة، فالأكبر، من غير فرق بين قادر على الركن وعاجز عنه، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
(ح-٣١٢٦) وروى مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن يونس بن جبير،
стр. 8879
عن حطان بن عبد الله الرقاشي،
عن أبي موسى الأشعري، قال: … إن رسول الله ﷺ خطبنا، فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا. فقال: إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم (١).
فقوله: (ليؤمكم أحدكم) والعاجز أحدنا، فمن أخرجه فعليه الدليل.
الدليل الخامس:
إذا عجز المصلي عن بعض أركان الصلاة سقطت إلى بدل، فالعجز عن القيام بدله القعود، والعجز عن الركوع والسجود بدله الإيماء، والعجز عن القراءة بدله الأذكار، والبدل له حكم المبدل، وما سقط شرعًا لا أثر له، فكانت صلاته كاملة لا نقص فيها، وإذا أدَّى كل واحد منهما فرضه الذي كلف به، فأيهما أمَّ الآخر فإمامته جائزة.
دليل من قال: تصح إمامة العاجز عن القيام وحده من إمام راتب بمسجد وكانت علته يرجى زوالها:
أما الاستدلال على أنه لا تصح إمامة العاجز عن شيء من أركان الصلاة بالقادر فقد سبق ذكرها في أدلة من قال: لا تصح إمامة العاجز مطلقًا.
وأما الدليل على استثناء القيام وحده:
فعللوا ذلك بأن القيام أخف من ترك غيره من الأركان بدليل سقوطه في النافلة.
وأما تخصيص ذلك بالإمام الراتب:
فالدليل عليه مجموعة من الأدلة:
الدليل الأول:
ما سبق من حديث أنس وعائشة وجابر ﵃، وكلها في الصحيحين أو في أحدهما: أن النبي ﷺ صلى في بيته لعلة، فجاء بعض أصحابه يعودونه، فحضرت الصلاة، فصلى بهم جالسًا، وسبق تخريجها في أدلة القول السابق.
стр. 8880
الدليل الثاني:
(ح-٣١٢٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، في قصة إمامة النبي ﷺ في أصحابة في مرض موته (١).
وقد ذكرت لفظه في أدلة الشافعية.
الدليل الثالث:
(ح-٣١٢٨) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو النضر، حدثنا عقبة يعني ابن أبي الصهباء، حدثنا سالم بن عبد الله،
أن عبد الله بن عمر حدثه، أنه كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ مع نفر من أصحابه، فأقبل عليهم رسول الله ﷺ فقال: يا هؤلاء، ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا: بلى نشهد أنك رسول الله. قال: ألستم تعلمون أن الله أنزل في كتابه: من أطاعني فقد أطاع الله؟ قالوا: بلى نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله، وأن من طاعة الله طاعتك، قال: فإن من طاعة الله أن تطيعوني، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم، أطيعوا أئمتكم، فإن صلوا قعودًا فصلوا قعودًا (٢).
[صحيح] (٣).
стр. 8881
قال ابن رجب: «وهذا يصلح أن يكون متمسكًا للإمام أحمد في تخصيصه ذلك بإمام الحي؛ فإن أئمة الحي إنما ينصبهم الأئمة غالبًا، وخصه في رواية عنه بالإمام الأعظم الذي تجب طاعته» (١).
فأخذ الحنابلة من هذه الأحاديث: حديث أنس وعائشة وجابر في صلاة النبي ﷺ في مرضه القديم، وحديث عائشة في مرضه الذي مات فيه دليل على صحة صلاة العاجز عن القيام وحده بالقادر عليه، وأن الحكم خاص بالإمام الراتب؛ لأن النبي ﷺ ، هو الإمام الراتب، ولا حاجة للناس إلى تقديم إمام عاجز عن القيام إذا لم يكن راتبًا، فلا يتحمل إسقاط ركن في الصلاة لغير حاجة، والنبي ﷺ حيث فعل ذلك كان هو الإمام الراتب.
وأما الدليل على اشتراط أن يكون مرضه يرجى زواله:
لأن اتخاذ الزَّمِن، ومن لا يرجى قدرته على القيام إمامًا راتبًا يفضي إلى ترك جماعة المأمومين القيام على الدوام عند من يقول: يجب على المأموم الصلاة جالسًا إذا صلى إمامه جالسًا، كما هو المشهور عند الحنابلة، ولا حاجة إلى ذلك.
ولأن الأصل في هذا فعل النبي ﷺ ، والنبي ﷺ كان يرجى زوال مرضه.
ونوقش هذا:
بأن هناك فرقًا بين قولنا: لا يشرع اتخاذ الزَّمِن إمامًا راتبًا، وبين صحة إمامته لو صلى بالناس، فالتصرف للغير يجب أن يراعى فيه الأكمل، والإمام الصحيح أكمل من المريض، وكون القدرة على الأركان صفة كمال لا نقاش فيها، ولكن أين الدليل على أنها شرط لصحة الإمامة، وقد صلى النبي ﷺ في مرضه القديم ببعض أصحابه في بيته، وليس في المسجد، وصلاة الرجل إمامًا في بيته أو في بستانه ليس بوصفه إمامًا راتبًا؛ لأن البيت ليس له إمام فضلًا أن يكون له إمام راتب، وقد قيده الحنابلة بالإمام الراتب في المسجد في رواية، وفي أخرى بالإمام الأعظم، وكل هذه القيود لا
стр. 8882
دليل عليها، وهو مخالف لتعليل النبي ﷺ في الحديث، فالحديث معلل، وقد علل النبي ﷺ بالاقتداء به لكونه إمامهم، وليس لأنه إمام راتب، أو لأنه الإمام الأعظم، فكون النبي ﷺ هو الإمام الراتب أو الإمام الأعظم فذلك وصف طردي لا يقتضي التخصيص، فقد قال لهم النبي ﷺ بعد انصرافه من الصلاة: (إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا … وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون).
والنص تضمن أكثر من حكم محكم:
الأول: استخدام (إنما) المفيدة للحصر، وأن وظيفة الإمام هو الائتمام به، وهو حكم عام محكم في كل إمام.
الثاني: علق النبي ﷺ الحكم بالإمام، وأل في (الإمام) للعموم، وهو يدل على أنه تشريع لكل إمام، راتبًا كان أم غيره، فاشتراط كونه راتبًا هذا قدر زائد على الوصف الذي علق النبي ﷺ الحكم به.
الثالث: قوله: (وإذا صلى جالسًا … ) إذا: اسم شرط عام في الوقت، ففي أي وقت صلى الإمام جالسًا كان المأموم مأمورًا بالصلاة جالسًا، فمن خصه بإمام المسجد فقد خصص العام بلا دليل.
وقد يكون العاجز أقرأ القوم، فيقدم لهذا الوصف، ولو لم يكن راتبًا امتثالًا لحديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، ولم يفرق بين قادر وعاجز.
وأما الجواب عن حديث ابن عمر: وأنه قرن ذلك بوجوب الطاعة للأئمة، فهو فرد من أفراد العام لا يقتضي تخصيصًا.
وأما حديث عائشة في إمامة النبي ﷺ للناس في مرض موته فقد استدل به الشافعية على جواز إمامة العاجز للقادر، وذكرت ما اعترض به المخالفون وأجبت عنه، والله أعلم.
الدليل الرابع:
ولأنه إذا صحت إمامة القاعد لمثله، صحت إمامته للقائم؛ لأن كل من جاز أن يكون إمامًا للقاعد صح أن يكون إمامًا للقائم، أصله إمامة القائم للعاجز.
стр. 8883
ولأن عمل الإمام عمل المنفرد، فإذا صحت صلاة العاجز منفردًا مع القدرة على الائتمام، جاز أن يكون إمامًا لمن قدر على ذلك الركن، أصله إمامة المتيمم للمتوضئ.
الراجح:
صحة إمامة العاجز للقادر، وهو أولى من صحة إمامة الأمي للقارئ.
стр. 8884
البحث الثاني في صفة صلاة المأموم خلف الإمام القاعد
المدخل إلى المسألة:
قال النبي ﷺ : إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون، صح ذلك من حديث أنس وعائشة وأبي هريرة وكلها في الصحيحين ومن حديث جابر، وهو في مسلم.
العلة المنصوصة عليها في جلوس المأموم خلف إمامه الجالس هي المتابعة للإمام، ومخالفة فارس والروم وطاعة الأمراء، وهي أمور محكمة لم يطرأ عليها نسخ.
الإجماع على وجوب القيام على المأموم إذا صلى خلف إمامه القائم، واختلفوا في وجوب القيام على المأموم إذا صلى خلف الإمام الجالس.
الذي أوجب القيام على المصلي هو الذي أسقط عنه القيام إذا صلى خلف الإمام الجالس، ولا اعتراض على النص، والنظر: هل سقوطه واجب أو مندوب.
اتفق المسلمون على أن النبي ﷺ صلى مع أصحابه في مرض موته، واختلف أصحابه أكان هو المقدم أم كان أبا بكر، وإذا اختلف الشاهد، فما بالك بالغائب.
المقطوع به أن أبا بكر ﵁ قد بدأ الصلاة إمامًا، ثم اختلفت الرواية، أبقي إمامًا أم انتقل إلى الائتمام، فيستصحب بقاؤه إمامًا حتى نتيقن انتقاله.
حديث عائشة في مرض موته، وصلاة الناس خلفه قيامًا سنة فعلية، والسنة الفعلية لا تعارض قوله، والفعل بمجرده لا يقوى على نسخ القول إلا بنص أو إجماع.
الأحاديث الصحيحة في مرضه القديم سيقت لبيان حكم جلوس المأموم، من حديث أنس وعائشة وأبي هريرة وجابر، وهي سنة قولية ودلالتها صريحة أما حديث عائشة في مرض موته فلم يكن سياقه لبيان حكم قيام المأموم خلف الإمام القاعد.
قول النبي ﷺ : (إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون) عام، يشمل ما إذا افتتح الصلاة جالسًا، أو طرأ عليه العجز.
стр. 8885
التفريق بين الابتداء والاستدامة لا أعلم أحدًا قال به من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، فمخالفة الإمام لا فرق فيها بين الابتداء والاستدامة.
أول من فرق بين الابتداء والاستدامة هو الإمام أحمد ﵀، قال به اجتهادًا؛ ليجمع بين الأحاديث، ولا أعلم له نظيرًا في أحكام الصلاة إلا ما ذكره الحنفية عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن في النافلة إذا شرع فيها قائمًا لم يجلس إلا لعجز، وإذا افتتحها قاعدًا جاز له القيام، والشبه بين المسألتين معكوس.
الشروع في الصلاة قائمًا ليس بأقوى من كون القيام واجبًا لذاته، وقد سقط لمتابعة الإمام، فإذا سقط ما وجب لذاته سقط ما وجب لغيره من باب أولى.
إذا افتتح الإمام الصلاة جالسًا لعذر، ثم ارتفع في أثناء الصلاة وجب على الإمام والمأموم القيام، ولم يراع الابتداء، فإذا لم ينظر إلى الابتداء في ارتفاع العذر، لم يكن الابتداء هو مناط وجوب الجلوس والقيام.
القاعدة الشرعية: أن النبي ﷺ إذا أمر بأمر، ثم خالفه دل على أن الأمر ليس للوجوب، وإذا نهى عن شيء ثم فعله دل ذلك على أن النهي للكراهة، ما لم يقم دليل على الخصوصية، ولا دليل، وهو رواية عن أحمد.
[م-١٠٣٠] إذا صلى الإمام قاعدًا لعلة، فقد اختلف العلماء القائلون بصحة صلاة القادر على القيام خلف القاعد في صفة صلاة المأمومين:
فقيل: يصلون خلفه قيامًا وجوبًا، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (١).
стр. 8886
وقيل: يصلون وراءه جلوسًا، فعله أربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وبه قال من التابعين جابر بن زيد أبو الشعثاء، ولا يعلم في التابعين خلافه، وحماد بن زيد، وإسحاق، والأوزاعي وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، وابن حبان، وابن المنذر (١).
وظاهره يصلون جلوسًا وجوبًا؛ لأن القيام في الصلاة واجب، ولا يترك الواجب إلا لما هو أوجب منه، وهو رواية عن أحمد (٢).
قال ابن تيمية: «وهو مذهب أكثر أهل الحديث» (٣).
وقيل: يصلون جلوسًا ندبًا إلا إذا ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، ثم اعتل، فجلس، أتموا خلفه قيامًا وجوبًا، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد (٤).
стр. 8887
ولا تتنزل هذه المسألة على المشهور من مذهب مالك فقد سبق لنا في المسألة السابقة أن الإمام مالكًا لا يرى صحة إمامة القاعد للقائم نص عليه في المدونة (١).
هذا إجمال الخلاف المأثور عن أئمتنا:
قيل: يصلي خلفه قائمًا.
وقيل: يصلي خلفه قاعدًا استحبابًا، وقيل: وجوبًا.
وقيل: إذا ابتدأ الإمام الصلاة بهم قاعدًا صلوا خلفه قعودًا، وإذا ابتدأ بهم الصلاة قائمًا فطرأ عليه عجز، فجلس، وجب على المأموم أن يصلي خلفه قائمًا.
وحيث انتهى عرض الأقوال في المسألة، فقد حان عرض الأدلة.
دليل من قال: يحب على المأموم الصلاة جالسًا:
(ح-٣١٢٩) روى البخاري ومسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب،
عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ ركب فرسًا فصرع عنه، فجحش شقه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد، فصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف، قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون (٢).
(ح-٣١٣٠) وروى البخاري من طريق مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
стр. 8888
عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: «صلى رسول الله ﷺ في بيته، وهو شاك، فصلى جالسًا، وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم: أن اجلسوا. فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا.
ورواه مسلم من طريق عبدة بن سليمان وحماد بن زيد، وابن نمير، عن هشام به (١).
(ح-٣١٣١) وروى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج،
عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا، فصلوا جلوسًا أجمعون (٢).
(ح-٣١٣٢) وروى مسلم من طريق الليث، عن أبي الزبير،
عن جابر قال: اشتكى رسول الله ﷺ فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا. فلما سلم قال: إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود. فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا (٣).
(ح-٣١٣٣) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، قال: سمعت أبا علقمة، يقول:
سمعت أبا هريرة، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني، إنما الإمام جنة، فإن صلى قاعدا، فصلوا قعودًا … الحديث في مسلم بنحوه (٤).
стр. 8889
[صحيح] (١).
(ح-٣١٣٤) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو النضر، حدثنا عقبة يعني: ابن أبي الصهباء، حدثنا سالم بن عبد الله،
أن عبد الله بن عمر حدثه، أنه كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ مع نفر من أصحابه، فأقبل عليهم رسول الله ﷺ فقال: يا هؤلاء، ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا: بلى نشهد أنك رسول الله. قال: ألستم تعلمون أن الله أنزل في كتابه: من أطاعني فقد أطاع الله؟ قالوا: بلى نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله، وأن من طاعة الله طاعتك، قال: فإن من طاعة الله أن تطيعوني، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم، أطيعوا أئمتكم، فإن صلوا قعودًا فصلوا قعودًا (٢).
[صحيح] (٣).
وجه الاستدلال:
ففي حديث أنس وأبي هريرة وعائشة قال النبي ﷺ : (وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا).
فمن ذهب إلى وجوب جلوس المأموم استدل بالأمر النبوي، والأصل في الأمر الوجوب.
ولأن النبي ﷺ ربط أمرهم بالجلوس خلف الإمام بالمتابعة للإمام في القيام والركوع والسجود، ومتابعة الإمام بهذه الأمور واجبة.
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن الائتمام واجب على كل مأموم بإمامه
стр. 8890
في ظاهر أفعاله» (١).
ولأن النبي ﷺ جعل اتباع الإمام في الجلوس من طاعة الأئمة، وطاعتهم من طاعة النبي ﷺ ، وطاعة النبي ﷺ طاعة لله، ومن ذلك: إذا صلوا قعودًا صلى من خلفهم قعودًا أجمعون. وطاعة الأئمة واجبة، فكانت مخالفتهم في الجلوس معصية.
ومن ذلك أنه جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس والروم بعظمائها، حيث يقومون على ملوكهم تعظيمًا لهم، وملوكهم جلوس، وشريعتنا جاءت بخلاف ذلك، كما قال ﷺ : (من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار).
دليل من قال: يستجب الجلوس للمأموم خلف الإمام القاعد:
استدلوا بأدلة القول السابق إلا أنهم صرفوا الأمر فيها من الوجوب إلى الاستحباب لقرائن منها:
(ح-٣١٣٥) ما رواه البخاري من طريق يزيد بن هارون قال: أخبرنا حميد الطويل،
عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ سقط عن فرسه، فجحشت ساقه، أو كتفه، وآلى من نسائه شهرا، فجلس في مشربة له، درجتها من جذوع، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلى بهم جالسًا وهم قيام، فلما سلم قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلى قائمًا فصلوا قيامًا … الحديث (٢).
ورواه أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون،
وابن حبان من طريق خالد بن الحارث،
وأبو يعلى من طريق حماد بن سلمة،
وأبو طاهر المخلص من طريق يزيد بن زريع، كلهم عن حميد،
عن أنس … وذكر فيه: فصلى بهم قاعدًا، وهم قيام، فلما حضرت الصلاة الأخرى، قال لهم: ائتموا بإمامكم، فإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى قاعدًا
стр. 8891
فصلوا معه قعودًا (١).
ولفظ حماد: ثم جاءوا لصلاة أخرى، فقعد وقاموا، فأومأ إليهم أن اقعدوا، فصلوا خلفه، وهم قعود … الحديث.
[زاد حميد الطويل عن أنس الصلاة خلفه قيامًا في مرضه القديم، ورواه الشيخان من طرق عن الزهري، عن أنس، فلم يذكر إلا الصلاة خلفه قعودًا، وتخريج الإمام البخاري لزيادة حميد في صحيحه ذهاب منه إلى أنها زيادة من ثقة، والله أعلم] (٢).
وقد جاء ما يشهد لرواية حميد، عن أنس من حديث جابر ﵁ بذكر الصلاة خلفه مرتين مرة قيامًا ومرة جلوسًا.
(ح-٣١٣٦) فروى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان،
عن جابر، قال: صرع النبي ﷺ من فرس له، فوقع على جذع نخلة، فانفكت قدمه،
стр. 8892
فدخلنا عليه نعوده وهو يصلي في مشربة لعائشة، فصلينا بصلاته، ونحن قيام، ثم دخلنا عليه مرة أخرى وهو يصلي جالسا، فصلينا بصلاته ونحن قيام، فأومأ إلينا أن اجلسوا، فلما صلى قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما فصلوا قيامًا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا، ولا تقوموا، وهو جالس، كما يفعل أهل فارس بعظمائهم.
[حسن] (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ قد تركهم يصلون خلفه قيامًا مرتين: مرة في مرضه القديم صلوا خلفه قيامًا، ثم صلوا معه صلاة أخرى فأمرهم أن يصلوا خلفه قعودًا، ومرة في مرضه الذي توفي فيه، فدل على أن أمرهم بالجلوس خلف الإمام كان للاستحباب.
ولأننا لو ذهبنا إلى القول بالنسخ، لكان ذلك يعني أن الصلاة خلفه قيامًا كانت جائزة، ثم نسخت بالأمر بالجلوس خلفه، ثم نسخت ثانية في صلاة الناس خلفه قيامًا في مرض موته، وهذا بعيد جدًّا.
ولأن القاعدة الشرعية: أن النبي ﷺ إذا أمر بأمر، ثم خالفه دل على أن الأمر ليس للوجوب، كما أنه إذا نهى عن شيء ثم فعله كان ذلك دليلًا على أن النهي للكراهة،
стр. 8893
ما لم يقم دليل على الخصوصية، ولا دليل على الخصوصية.
ولأن العلة في النهي عن الصلاة خلفه قيامًا كان مخالفة لفارس والروم، وعلة التشبه الأصل فيها الكراهة إلا لقرينة، فقد يصل التشبه إلى الشرك، وقد ينزل إلى مرتبة ما يسمى خلاف الأولى، ولا يبلغ حد الكراهة، كأمره بالصلاة في النعل على القول بأن الأمر في الحديث محفوظ، وكالتيمم لرد السلام، ومخالفتهما أخف من مخالفة المكروه مع قوله ﷺ : (إن كرهت أن أذكر الله إلا على طهر).
دليل من قال: يصلي المأموم قائمًا:
الدليل الأول:
«إذا كان القيام في الصلاة فرضًا على كل أحد في خاصته، فمحال أن يسقط عنه فرض قد وجب عليه لضعف غيره عنه، وهو قوي عليه، إلا أن يسقط بكتاب أو سنة، أو إجماع، وذلك معدوم في هذه المسألة، ألا ترى أنه لا يحمل عنه ركوعًا، ولا سجودًا» (١).
فجائز أن يصلي الإمام لعلة تمنعه من القيام، وهو جالس بقوم قيامًا؛ لأن كلًا يؤدي فرضه على قدر طاقته (٢).
وقدمت هذا الدليل على ذكر الآثار، وليس ذلك من عادتي في البحث؛ لأن الآثار سوف يطول الكلام في مناقشة دلالتها.
ويناقش:
هذا الكلام يصدق على الإمام والمنفرد، وأما المأموم فلا يصدق عليه هذا الكلام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإننا لا نعلم أن هذا واجب أو ساقط إلا من خلال النصوص الشرعية، والنصوص الشرعية الصحيحة تقول: (وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون).
الدليل الثاني:
(ح-٣١٣٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن
стр. 8894
إبراهيم، عن الأسود،
عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذِنُهُ بالصلاة، فقال: مروا أبا بكر أن يصلي بالناس .... فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة، فقام يُهَادَى بين رجلين، ورجلاه يخطان في الأرض، حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ : قم مكانك، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر ﵁ (١).
[قوله: (يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر) رواه عروة بن الزبير فذكر إمامة النبي ﷺ مرسلة، وفصل المرفوع عن المرسل، وهو دليل على الضبط، وعروة أقرب إلى عائشة من الأسود.
ومالك، عن هشام، عن عروة، عن عائشة إسناد مدني، أولى من الأعمش، عن النخعي، عن الأسود، عن عائشة. وكلا الطريقين في الصحيحين، وروى بعضهم أن المقدم أبو بكر، ولم يسلم طريق واحد من الطرق التي روي فيها الحديث عن عائشة من اختلاف، حتى حكت عائشة أن الخلاف في الإمام قد وقع ذلك بين الصحابة، فإذا اختلف الشاهد فما بالك بالغائب] (٢).
стр. 8895
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .